وأما النص الثاني فهو ما جاء في خاتمة متى من أن المسيح قبيل صعوده إلى السماء "كلمهم قائلًا: دفع إلي كل سلطان في السماء وعلى الأرض، فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم، وعمدوهم باسم الآب والابن وروح القدس، وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به، وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر. آمين" (متى ٢٨/ ١٨ - ٢٠).
وأول نقد يتوجه لهذه الفقرة أنها رغم أهميتها لم ترد في الأناجيل الثلاثة الأخرى التي اتفقت على إيراد قصة دخول المسيح أورشليم راكبًا على جحش. فهل كان ركوبه
_________________
(١) انظر: إظهار الحق، رحمة الله الهندي (٢/ ٤٩٧ - ٥٠٤)، المسيح ﵇ بين الحقائق والأوهام، محمد وصفي، ص (١٠٦ - ١٠٧)، خمسون ألف خطأ في الكتاب المقدس، أحمد ديدات، ص (١٢).
(٢) كيف يفكر الإنجيليون في أساسيات الإيمان المسيحي، واين جردوم، ص (١٩٣)، والمخطوطات اليونانية المتأخرة التي أشار إليها الدكتور واين جردوم هي المخطوطات (٨٨، ٢٢١، ٢٩٨، ٤٢٩، ٩١٨)، وكلها مكتوبة في الألف الثانية. انظر: مدخل إلى علم النقد النصي، فادي الكسندر، ص (٣٥٩).
[ ١٦٤ ]
على جحش أهم من ذكر التثليث، فلم يذكره سوى متى؟
بل إن خاتمة إنجيل مرقس نقلت ذات الوصية التي أوصاها للتلاميذ فلم تذكر صيغة التثليث التي انفرد بذكرها متى، حيث يقول مرقس: "وقال لهم: اذهبوا إلى العالم أجمع، واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها، من آمن واعتمد خلص، ومن لم يؤمن يدن" (مرقس ١٦/ ١٥)، وهذا دال على إلحاقية نص التثليث وعدم أصالتها.
وهذه الفقرة دخيلة بدليل قول علماء الغرب أيضًا، يقول المؤرخ الإنجليزي ويلز في كتابه "معالم تاريخ الإنسانية": "ليس دليلًا على أن حواريي المسيح اعتنقوا التثليث".
ويقول أدولف هرنك في كتابه "تاريخ العقيدة": "صيغة التثليث هذه التي تتكلم عن الآب والابن والروح القدس، غريب ذكرها على لسان المسيح، ولم يكن لها وجود في عصر الرسل كذلك لم يرد إلا في الأطوار المتأخرة من التعاليم النصرانية ما يتكلم به المسيح وهو يلقي مواعظ ويعطي تعليمات بعد أن أقيم من الأموات، إن بولس لا يعلم شيئًا عن هذا " (١)، إذ هو لم يستشهد بقول ينسبه إلى المسيح يحض على نشر النصرانية بين الأمم.
ويؤكد عدم أصالة هذه الفقرة مفسرو الكتاب المقدس ومؤرخو المسيحية كما نقل ذلك المطران كيرلس سليم بسترس - رئيس أساقفة بعلبك وتوابعها للروم الكاثوليك - بقوله: "يرجّح مفسرو الكتاب المقدس أنّ هذه الوصية التي وضعها الإنجيل على لسان يسوع ليست من يسوع نفسه، بل هي موجز الكرازة التي كانت تُعِدُّ الموعوظين للمعمودية، في الأوساط اليونانية. فالمعمودية في السنوات الاولى للمسيحية كانت تعطى (باسم يسوع المسيح) (أع ٢/ ٣٨؛ ١٠/ ٤٨) أو (باسم الرب يسوع) (أع ٨/ ١٦؛ ١٩/ ٥) .. من هنا يرجّح المؤرخون أن صيغة المعمودية الثالوثية هي موجز للكرازة التي كانت تُعِدُّ للمعمودية. وهكذا توسّع استدعاء اسم يسوع ليشمل أبّوة الله وموهبة الروح القدس" (٢).
وحين نقل المؤرخ يوسابيوس القيصري هذه الفقرة من إنجيل متى لم يذكر فيها الآب ولا الروح القدس، بل قال: "فقد ذهبوا إلى كل الأمم ليكرزوا بالإنجيل معتمدين على قوة المسيح الذي قال لهم: (اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم باسمي) " (٣).
ومما يؤكد هذا أن المخطوطات العبرية المكتشفة حديثًا لإنجيل متى - الذي كتب أصلًا بالعبرانية - ليس فيها هذا النص، وهذا الأمر اعتبره الدكتور ج ريكارت - أستاذ اللاهوت في الكلية الإرسالية الإنجيلية (Kaufman، Texas) في كوفمان في ولاية
_________________
(١) انظر: مسيحية بلا مسيح، كامل سعفان، ص (٦٦)، المسيح في مصادر العقائد المسيحية، أحمد عبد الوهاب، ص (٦١)، عقائد النصارى الموحدين بين الإسلام والمسيحية، حسني الأطير، ص (٩٢).
(٢) اللاهوت المسيحي والإنسان المعاصر، المطران كيرلس سليم بسترس (٢/ ٤٨).
(٣) تاريخ الكنيسة، يوسابيوس القيصري، ص (١٠٠).
[ ١٦٥ ]
تكساس - دليلًا قاطعًا على إلحاقية هذا النص بإنجيل متى، وقال: "إن الكنيسة الكاثوليكية بالإضافة إلى أرثوذكس المشرق قد كذبوا على العالم فيما يخص هذا النص من متى، وذلك لأن كل من عمد بهذه الطريقة قد عُمد كذبًا ومات من غير خلاص" (١).
ويذكرنا الدكتور ريكارت بالعديد من النصوص الإنجيلية التي تتحدث عن التعميد بيسوع المسيح فقط، كما في قول بطرس في خطبته الشهيرة: "توبوا، وليعتمد كل واحد منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا، فتقبلوا عطية الروح القدس" (أعمال ٢/ ٣٨)، والسامريون اعتمدوا بمعمودية يوحنا المعمدان، فلما سمعوا بطرس " اعتمدوا باسم الرب يسوع " (أعمال ١٩/ ٥)، فلم يطالبهم بطرس بالتعميد باسم الآب والروح القدس، واكتفى بالتعميد باسم يسوع (٢).
ويؤكد تاريخ التلاميذ عدم معرفتهم بهذا النص، إذ لم يخرجوا لدعوة الناس كما أمر المسيح في هذا النص المزعوم، بل إنه أمرهم باجتناب دعوة غير اليهود "هؤلاء الاثنا عشر أرسلهم يسوع، وأوصاهم قائلًا: إلى طريق أمم لا تمضوا، وإلى مدينة للسامريين لا تدخلوا، بل اذهبوا بالحري إلى خراف بيت إسرائيل الضالة" (متى ١٠/ ٥ - ٦).
ويتطابق هذا مع شهادة تاريخية تعود للقرن الثاني تناقض الأمر المزعوم بدعوة الأمم وتعميدها باسم الثالوث، إذ يقول المؤرخ الكنسي أبولونيوس في القرن الثاني: "إني تسلمت من الأقدمين أن المسيح قبل صعوده إلى السماء كان قد أوصى رسله أن لا يبتعدوا كثيرًا عن أورشليم لمدة اثنتي عشرة سنة" (٣).
_________________
(١) www.jesus-messiah.com/apologetics/catholic/matthew-proof.html
(٢) ومثله في (أعمال ٤/ ١٠) و(أعمال ٨/ ١٦) و(أعمال ١٠/ ٤٨) و(أعمال ٩/ ٢٧) و(أعمال ٢٢/ ٥).
(٣) الخريدة النفيسة في تاريخ الكنيسة، الأنبا ايسذورس (١/ ٣٩).
[ ١٦٦ ]
وقد التزم التلاميذ بأمر المسيح - ﵇ -، ولم يخرجوا من فلسطين إلا حين أجبرتهم الظروف على الخروج "وأما الذين تشتتوا من جراء الضيق الذي حصل بسبب استفانوس، فاجتازوا إلى فينيقية وقبرص وأنطاكيا، وهم لا يكلمون أحدًا بالكلمة إلا اليهود فقط" (أعمال ١١/ ١٩)، ولو كانوا سمعوا المسيح يأمرهم بدعوة الأمم باسم الآب والابن والروح القدس، لخرجوا امتثالًا لقوله، من غير إكراه، ولبشروا الأمم بدعوته، لكنهم لم يفعلوا!.
ولما حدث أن بطرس استدعي من قبل كرنيليوس الوثني ليعرف منه دين النصرانية، ثم تنصر على يديه. لما حصل ذلك لامه التلاميذ فقال لهم: "أنتم تعلمون كيف هو محرم على رجل يهودي أن يلتصق بأحد أجنبي أو يأتي إليه، وأما أنا فقد أراني الله أن لا أقول عن إنسان ما أنه دنس أو نجس" (أعمال ١٠/ ٢٨)، ولو كان بطرس قد سمع نص التثليث في خاتمة إنجيل متى لألجمهم الحجة، ولقال لهم: ألا تذكرون ما قاله المسيح لنا بعد قيامته من الأموات وقبيل صعوده للسماء! لقد فعلتُ ما فعلت إنفاذًا لأمر المسيح الذي أمرنا بتبشير الأمم وتعميدهم باسم الآب والابن والروح القدس.
لكن بطرس لم يقل شيئًا من ذلك، لأنه لم يسمع المسيح بعد القيامة يدعو لتبشير الأمم باسم الثالوث، بل سمع منه شيئًا آخر: "نحن الذين أكلنا وشربنا معه بعد قيامته من الأموات، وأوصانا أن نكرز للشعب" (أعمال١٠/ ٤٢)، لقد سمعه بعد القيامة يدعو لكرازة اليهود فقط.
ولما رجع بطرس إلى أورشليم تعرض لمزيد من اللوم من تلاميذ المسيح، فقد " خاصمه الذين من أهل الختان، قائلين: إنك دخلت إلى رجال ذوي غلفة، وأكلت معهم! " (أعمال ١١/ ٢ - ٣)، فلم يجد نصًا من المسيح يرد به عليهم، فبدأ يحكي لهم عن رؤيا منامية رآها سوغت له الأكل مع الأمميين (أعمال ١١/ ٤ - ١٠)، ثم حكى لهم كيف جاءه الروح القدس، وأمره بالذهاب "قال لي الروح أن أذهب معهم غير مرتاب في شيء، وذهب معي أيضًا" (أعمال ١١/ ١٢).
وبعد هذا العرض الإقناعي المسهب من بطرس رضي التلاميذ عن ذهابه إلى الغلف "فلما سمعوا ذلك سكتوا، وكانوا يمجدون الله قائلين: إذا أعطى الله الأمم أيضًا التوبة للحياة" (أعمال ١١/ ١٨).
[ ١٦٧ ]
وعليه فهؤلاء جميعًا - بما فيهم بطرس - لا يعلمون شيئًا عن نص متى الذي يأمر بتعميد الأمم باسم الآب والابن والروح القدس، لماذا؟ لأن المسيح لم يقله، وهم لم يسمعوه، ولو كان المسيح قاله لما احتاج فعل بطرس إلى عتاب وملامة.
وأيضًا، اتفق التلاميذ مع بولس على أن يدعو الأمميين، بينما هم يدعون أهل الختان أي اليهود، يقول بولس: "رأوا أني أؤتمنت على إنجيل الغرلة (الأمم) كما بطرس على إنجيل الختان أعطوني وبرنابا يمين الشركة لنكون نحن للأمم، وأما هم فللختان" (غلاطية ٢/ ٧ - ٩)، فكيف لهم أن يخالفوا أمر المسيح - لو كان صحيحًا نص متى - ويقعدوا عن دعوة الأمم وتعميدهم باسم الثالوث، ثم يتركوا ذلك لبولس وبرنابا فقط؟
فكل هذه الشواهد تكذب نص متى، وتؤكد أنه نص مختلق لم يعرف التلاميذ عنه شيئًا، ولا تصح نسبته إلى المسيح.
ثم عند غض الطرف عن ذلك كله، فإنه ليس في النص ما يسلم بأنه حديث عن ثالوث أقدس اجتمع في ذات واحدة، فهو يتحدث عن ثلاث ذوات متغايرة، قرن بينها بواو عاطفة دلت على المغايرة، والمعنى الصحيح لخاتمة متى: "اذهبوا باسم الله ورسوله عيسى والوحي المنزل عليه بتعاليم الله ﷿".
ولهذه الصيغة الواردة في متى مثل لا يصرفه النصارى للتثليث، فقد جاء في بعض رسالة بولس إلى تيموثاوس: "أناشدك أمام الله والرب يسوع المسيح والملائكة المختارين " (تيموثاوس (١) ٥/ ٢١) فإن أحدًا لم يفهم من النص ألوهية الملائكة أو أنهم الأقنوم الثالث، ويقال في نص متى ما يقال في نص بولس.
ويشبهه ما جاء سفر الخروج من دعوة بني إسرائيل للإيمان بالله وبموسى من غير أن يفهم تساوي المعطوفين في قوله: "فخاف الشعب الرب، وآمنوا بالرب وبعبده موسى" (الخروج ١٤/ ٣١).
[ ١٦٨ ]
وهذا الأسلوب في التعبير معهود في اللغات والكتب، وقد نزل في القرآن مثله ﴿يا أيها الذين آمَنوا آمِنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل﴾ (النساء: ١٣٦) وغير ذلك من الآيات القرآنية.
[ ١٦٩ ]