وطوال قرون تعاقبت على النصرانية في ظل سيطرة الكنيسة لم ينقطع تواجد الموحدين، وإن ضعف نشاطهم وتواجدهم بسبب محاكم التفتيش وقوة الكنيسة وسلطانها.
وعندما ضعف سلطان الكنسية واضمحل، عادت الفرق الموحدة للظهور، وبدأت عقيدة التثليث بالاهتزاز، وهو ما عبر عنه لوثر بقوله: "إنه تعبير يفتقد إلى القوة، وإنه لم يوجد في الأسفار".
فيما قال عنه فالبر في كتابه "تاريخ الموحدين": "إن كالفن قد أعلن قانون الإيمان الذي صدر عن مجمع نيقية كان يناسبه أن يغنى كأغنية بدلًا من أن يحفظ كبيان عن العقيدة".
وعندما ألف كالفن كتابه "خلاصة العقيدة" (١٥٤١م) لم يذكر فيه التثليث إلا نادرًا.
وشيئًا فشيئًا عادت الفرق الموحدة للظهور وازدهر نشاط الموحدين في أوربا، حتى إن ملك المجر هوجون سيجسموند (ت١٥٧١م) كان موحدًا.
وفي ترانسلفانيا ازدهر التوحيد كما تذكر دائرة المعارف الأمريكية، وكان من الموحدين المشهورين فرانسس داود الذي أدخل السجن بعد وفاة الملك جون وتولي الملك ستيفن باثوري الكاثوليكي، وتوفي سنة ١٥٧٩م، وكان الملك الجديد قد منع
_________________
(١) انظر: عقائد النصارى الموحدين بين الإسلام والمسيحية، حسني الأطير، ص (٣٤ - ٣٧)، الله واحد أم ثالوث، محمد مجدي مرجان، ص (١٤٠).
[ ١٩١ ]
الموحدين من نشر كتبهم دون إذن منه (١).
كما ظهر في هذا القرن سوسنس الموحد في بولندا (ت ١٦٠٤م)، وكان له أتباع يعرفون بالسوسنيون أنكروا التثليث، ونادوا بالتوحيد، وفر بعضهم من الكنسية إلى سويسرا.
ونادى سرفيتوس بالتوحيد في أسبانيا فأحرق حيًا عام ١٥٥٣م، وكان يقول في كتابه "أخطاء التثليث": "إن أفكارًا مثل الثالوث والجوهر وما إلى ذلك إنما هي اختراعات فلسفي، لا تعرف عنها الأسفار شيئًا" (٢).
كما ظهر في ألمانيا مذهب الأناباست الموحد، واستطاعت الكنيسة سحقه.
ثم ظهرت جمعيات تحارب التثليث منها "الحركة المضادة للتثليث"، وأنشأت في شمال إيطاليا في أواسط القرن السادس عشر، تلتها" الحركة المعادية للتثليث" والتي ترأسها الطبيب المشهور جورجيو بندراثا عام ١٥٥٨م، وفي عام ١٥٦٢م عقد مجمع بيزو، وكان القسس يتكلمون عن التثليث فيما كان غالبية الحضور من المنكرين له (٣).
وفي القرن السابع عشر قويت بعض الكنائس الموحدة على قلة في أتباعها، وأصدر الموحدون عام ١٦٠٥م مطبوعًا مهمًا جاء فيه "الله واحد في ذاته، والمسيح إنسان حقيقي، ولكنه ليس مجرد إنسان، والروح القدس ليس أقنومًا، لكنه قدرة الله".
وفي عام ١٦٥٨م صدر مرسوم طردت بمقتضاه جماعة موحدة في إيطاليا. وكان من رواد التوحيد يومذاك جون بيدل (ت ١٦٦٢م)، وسمي: "أبو التوحيد
_________________
(١) انظر: طائفة الموحدين من المسيحيين عبر القرون، أحمد عبد الوهاب، ص (٣٤ - ٣٦، ٤٢ - ٤٥).
(٢) انظر: العقائد الوثنية في الديانة النصرانية، محمد طاهر التنير، ص (١٧١)، طائفة الموحدين من المسيحيين عبر القرون، أحمد عبد الوهاب، ص (٣٤ - ٣٦).
(٣) انظر: طائفة الموحدين من المسيحيين عبر القرون، أحمد عبد الوهاب، ص (٤٨ - ٥٠).
[ ١٩٢ ]
الإنجليزي". وكان قد توصل من خلال دراسته إلى الشك في عقيدة التثليث، فجهر بذلك وسجن مرتين، ثم نفي إلى صقلية.
وفي عام ١٦٨٩م استثنى مرسوم ملكي الموحدين من قانون التسامح الديني. وذلك لا ريب يعود لكثرة هؤلاء وتعاظم أثرهم، وهو ما يعبر عنه بردنوفسكي في كتابه "ارتقاء الإنسان"، فيقول: "كان العلماء في القرن السابع عشر يشعرون بالحرج من مبدأ التثليث" (١).
وفي القرن الثامن عشر سمي هؤلاء الموحدون بالأريوسيين، ومنهم الدكتور تشارلز شاونسي (ت ١٧٨٧م) راعي كنيسة بوسطن، وكان يراسل الأريوسيين الإنجليز.
وكذا ناضل الدكتور يوناثان ميهيو بشجاعة ضد التثليث، ونشر الدكتور صموئيل كتابه "عقيدة التثليث من الأسفار" ووصل فيه إلى نتيجة: "أن الآب وحده هو الإله الأسمى، وأن المسيح أقل منه رتبة"، ورغم إنكاره بأنه آريوسي، فإنه يصعب التميز بين أقواله وتعليم آريوس، ومثله العالم الطبيعي جون بربستلي (ت ١٧٦٨م)، وقد طبع رسالته "التماس إلى أساتذة المسيحية المخلصين الموقرين" ووزع منها ثلاثين ألف نسخة في إنجلترا، فأرغم على مغادرتها، فقضى في بنسلفانيا.
واعتزل ثيوفليس ليندساي (ت ١٨١٨م) الخدمة الكنيسة، ثم ما لبث أن تحول إلى كنيسة موحدة، كما عين زميله الموحد توماس بلشام في منصب كبير في كلية هاكني اللاهوتية، ثم أسسا معًا "الجمعية التوحيدية لترقي المعرفة المسيحية وممارسة الفضيلة عن طريق توزيع الكتب".
_________________
(١) انظر: طائفة الموحدين من المسيحيين عبر القرون، أحمد عبد الوهاب، ص (٤٧ - ٥١)، دراسة عن التوراة والإنجيل، كامل سعفان، ص (٢٣٤).
[ ١٩٣ ]
ثم بعد إقرار الحقوق المدنية كون الموحدون اتحادًا أسموه "الاتحاد البريطاني الأجنبي للتوحيد" (١).
وفي القرن التاسع عشر الميلادي أسس في مناطق متعددة عدد من الكنائس الموحدة التي اجتذبت شخصيات مهمة مثل وليم شاننج (ت ١٨٤٢) راعي كنيسة بوسطن، وكان يقول: بأن الثلاثة أقانيم تتطلب ثلاثة جواهر، وبالتالي ثلاثة آلهة. وكان يقول: "إن نظام الكون يتطلب مصدرًا واحدًا للشرح والتعليل، لا ثلاثة، لذلك فإن عقيدة التثليث تفتقد أي قيمة دينية أو علمية".
ومثله قال القس جارد سباركس راعي كنيسة الموحدين في ليتمور والذي صار فيما بعد رئيسًا لجامعة هارفرد.
وتكونت عام ١٨٢٥م جمعية التوحيد الأمريكي، وفي منتصف هذا القرن أضحت مدينة ليدن الهولندية وجامعتها مركزًا للتوحيد، وكثر عدد الموحدين الذين عرفوا باللوثريين أو الإصلاحيين.
ومع مطلع القرن العشرين تزايد الموحدون، وزادوا نشاطهم، وأثمر بوجود ما يقرب من أربع مائة كنيسة في بريطانيا ومستعمراتها، ومثلها في الولايات المتحدة إضافة إلى كليتين لاهوتيتين تعلمان التوحيد هما مانشستر وأكسفورد في بريطانيا، وكليتين في أمريكا، إحداهما في شيكاغو، والأخرى في بركلي في كاليفورنيا، وما يقرب من مائة وستين كنيسة أو كلية في المجر، وغير ذلك في كافة دول أوربا النصرانية (٢).
وفي عام ١٩٢١م عقد مؤتمر حضره عدد كبير من رجال الدين في أكسفورد
_________________
(١) انظر: طائفة الموحدين من المسيحيين عبر القرون، أحمد عبد الوهاب، ص (٥١ - ٥٢).
(٢) انظر المصدر السابق، ص (٤٥ - ٥٣).
[ ١٩٤ ]
برئاسة أسقف كارليل الدكتور راشدل الذي ذكر في خطاب ألقاه فيه: أن قراءته للكتاب المقدس لا تجعله يعتقد أن عيسى إله، وأما ما جاء في يوحنا مما لم تذكره الأناجيل الثلاثة فلا يمكن النظر إليه على أنه تاريخي، ورأى أن كل ما قيل في ميلاد المسيح من عذراء أو شفائه الأمراض أو القول أن روحه سابقة للأجساد، كل ذلك لا يدعو للقول بألوهيته. وقد شاركه في آرائه عدد من المؤتمرين.
ويقول إيميل لورد فيج: "لم يفكر يسوع أنه أكثر من نبي، وليس بقليل أن يرى نفسه في بعض الأحيان دون النبي، ولم يحدث أبدًا من يسوع ما يخيل به إلى السامع أن له خواطر وآمال فوق خواطر البشر وآمالهم يجد يسوع كلمة جديدة صالحة للتعبير عن تواضعه بقوله: إنه ابن الإنسان، وقديمًا أراد الأنبياء أن يلفتوا الأنظار إلى الهوة الواسعة التي تفصلهم عن الله، فكانوا يسمون أنفسهم بأبناء الإنسان ".
وفي عام ١٩٧٧م اشترك سبعة من علماء اللاهوت في كتاب مشهور عنونوا له "أسطورة الإله المتجسد" ومما فيه عن هذه المجموعة "أنها قبلت التسليم بأن أسفار الكتاب المقدس كتبها مجموعة من البشر في ظروف متنوعة، ولا يمكن الموافقة على اعتبار ألفاظها تنزيلًا إلهيًا إن المشتركين في هذا الكتاب مقتنعون أن تطورًا لاهوتيًا آخر لا بد منه في آخر هذا الجزء الأخير من القرن العشرين".
ثم أصدر ثمانية من علماء اللاهوت في بريطانيا كتابا أسموه "المسيح ليس ابن الله"، أكدوا فيه ما جاء في الكتاب الأول، وقالوا: "إن إمكانية تحول الإنسان إلى إله لم تعد بالشيء المعقول والمصدق به هذه الأيام". (١)
وفي مقابلة تلفزيونية جرت في إبريل ١٩٨٤م في محطة تلفزيون "لندن لنهاية
_________________
(١) انظر: اختلافات في تراجم الكتاب المقدس، أحمد عبد الوهاب، ص (١١٣).
[ ١٩٥ ]
الأسبوع" (London`s Weekend Television) ذكر الأسقف ديفيد جنكنز - الذي يحتل المرتبة الرابعة بين تسعة وثلاثين أسقفًا يمثلون رأس هرم الكنيسة الأنجليكانية - أن ألوهية المسيح ليست حقيقة مسلمًا بها، وقال: إنه لا يعتقد أن الولادة العذراوية وقيامة المسيح من الموت أحداث تاريخية (أي حقيقية).
وكان لكلماته صدى كبير بين أتباع الكنيسة البرتستانتية، فقامت صحيفة "ديلي نيوز" باستطلاع رأي واحد وثلاثين أسقفًا - من الأساقفة التسعة والثلاثين- حول ما قاله الأسقف ديفيد، ثم نشرت نتيجة الاستطلاع في عددها الصادر في ٢٥/ ٦/١٩٨٤م، وكانت نتيجته أن "أصر ١١ فقط من الأساقفة على القول بأنه يجب على المسيحيين أن يعتبروا المسيح إلهًا وإنسانًا معًا، بينما قال ١٩ منهم بأنه كان كافيًا أن ينظر إلى المسيح باعتباره الوكيل الأعلى لله"، وتشكك ٩ أساقفة من فكرة قيامة المسيح من الموت، وقالوا بأنها سلسلة من التجارب أو المشاعر التي أقنعت أتباعه أنه كان حيًا في وسطهم، وأكد ١٥ أسقفًا منهم "أن المعجزات المذكورة في العهد الجديد كانت إضافات ألحقت بقصة يسوع فيما بعد". أي أنها لا تصلح في الدلالة على الألوهية (١).
وهكذا تشكك الكنيسة ممثلة بأساقفتها في مسألة ألوهية المسيح، وترفضها، وتقر أنها عقيدة دخيلة على النصرانية، لم يعرفها المسيح ولا تلاميذه، إذ هي من مبتدعات بولس والذين تأثروا به ممن كتبوا الأناجيل والرسائل ثم المجامع الكنسية.
ومن كل ما ذكرنا يتبين لنا أن التوحيد حركة أصيلة في المجتمع النصراني، تتجدد كلما نظر المخلصون منهم في أسفارهم المقدسة، فتنجلي عن الفطرة غشاوتها، وتعلن الحقيقة الناصعة أن لا إله إلا الله.
_________________
(١) انظر: أساقفة كنيسة إنجلترا وألوهية المسيح، أحمد ديدات، ص (٢٩ - ٣١)، اختلافات في تراجم الكتاب المقدس، أحمد عبد الوهاب، ص (١١٤ - ١١٥).
[ ١٩٦ ]