ويعتقد النصارى أن القول بالتثليث "حق سماوي أعلنه لنا الكتاب في العهد القديم بصورة غير واضحة المعالم، لكنه قدمه في العهد الجديد واضحًا" (٢)، فهم يعتقدون أن ثمة أدلة في أسفار العهد الجديد أصرح وأوضح في دلالتها على التثليث من تلك التي وردت ملغزة في التوراة، منها أنه " لما اعتمد يسوع صعد للوقت من الماء، وإذا السماوات قد انفتحت له، فرأى روح الله نازلًا مثل حمامة، وآتيًا عليه، وصوت من السماء قائلًا: هذا هو ابني الحبيب والروح الذي سررت به" (متى ٣/ ١٦ - ١٧)، فقد جمع النص الآب والابن الحبيب والروح النازل مثل الحمامة في سياق واحد.
ومثله قول بولس: "بنعمة ربنا يسوع المسيح، ومحبة الله، وشركة الروح القدس مع جميعكم. آمين" (كورنثوس (٢) ١٣/ ١٤).
لقد أرست التوراة والإنجيل رفض الشرك والتنديد به، واعتباره من أعظم الآثام، فهل تختلف الوحدة الجامعة للتثليث عن صور الشرك الذي حذر منها الكتاب في مواضع لا تحصى لكثرتها؟
إنه حين يسمع المؤمنون في الكنيسة أسماء (الآب، الابن، الروح القدس) ينقدح في ذهن كل منهم تصور ذهني لثلاث هيئات مختلفة، ولن تخطئه عيوننا حين نرى الصور المسيحية التي تصور لنا المسيح على هيئة شاب وسيم بشعر ناعم طويل، وتصور لنا الآب على هيئة رجل عجوز بلحية بيضاء وشعر أبيض، وأما الروح القدس فتصوره على شكل حمامة بيضاء، فيجزم كل منا أن الأقانيم ثلاثة أشخاص متمايزون في كل شيء.
والمتأمل في نص متى في قصة عماد المسيح (انظر متى ٣/ ١٦ - ١٧) يستطيع رؤية ثلاث ذوات تمايزت بالأسماء والأعمال والمكان، فلكل منها
_________________
(١) انظر: (إرمياء ٧/ ٤، ٢٢/ ٢٩)، و(حزقيال ٢١/ ٢٧).
(٢) قاموس الكتاب المقدس، ص (٢٣٢).
[ ١٦٢ ]
وجود ذاتي يختلف عن الباقين، فأحدها الشاب الخارج من الماء بعد التعميد، وثانيها النازل على شبه هيئة حمامة، وثالثها الذي في السماء يقول: "هذا هو ابني الحبيب "، فكيف بعد ذلك يقال عنها بأنها وحدة واحدة.
هذا ولم يرد في الكتاب المقدس ذكر عناصر التثليث الثلاث جنبًا إلى جنب إلا في نصين فقط، وهما نص الشهود الثلاثة في رسالة يوحنا الأولى، وخاتمة إنجيل متى، فماذا نرى في هذين النصين؟