ومما يحتج به النصارى على ألوهية المسيح زعمهم أنه جعل نفسه معادلًا لله، فقد قال يوحنا: "كان اليهود يطلبون أكثر أن يقتلوه، لأنه لم ينقض السبت فقط؛ بل قال أيضًا أن الله أبوه، معادلًا نفسه بالله" (يوحنا ٥/ ١٨)، ولا ريب أن بتر النص وعرضه بهذه الطريقة يجعله دليلًا ينطلي على البسطاء، فكلام يوحنا المبتور من سياقه يشير إلى أن المسيح جعل نفسه معادلًا لله، وهذا غير صحيح.
ولفهم النص نعود إلى السياق، حيث شفى المسيح مريضًا في يوم السبت، وهو ما اعتبره اليهود نقضًا للسبت، فـ "كان اليهود يطردون يسوع، ويطلبون أن يقتلوه، لأنه عمل هذا في سبت" (يوحنا ٥/ ١٦)، لكن المسيح برر لهم عمله في السبت "فأجابهم يسوع: أبي يعمل حتى الآن، وأنا أعمل" (يوحنا ٥/ ١٧)، أي كما الله يعمل في سائر الأيام؛ أنا كذلك أصنع الخير.
لكن اليهود وهم يريدون أن يثيروا مشكلة مع المسيح؛ اعتبروا قوله: "أبي يعمل" تعظيمًا لنفسه وادعاءً للبنوة الحقيقية، فهذا القول (البنوة) - المعهود على المعنى المجازي لديهم - اعتبروه من المسيح كفرًا وتجديفًا، وأن معناه أنه "معادلًا نفسه بالله"، فزاد
[ ٤٤ ]
حرصهم على قتله "فمن أجل هذا كان اليهود يطلبون أكثر أن يقتلوه، لأنه لم ينقض السبت فقط، بل قال أيضًا: إن الله أبوه معادلًا نفسه بالله" (يوحنا ٥/ ١٨).
فرد عليهم المسيح بخطبة طويلة (انظر يوحنا ٥/ ١٩ - ٤٧) أكد فيها جملة من المعاني التي تدفع فريتهم، وتكشف زيف ادعائهم، وتفند استدلال النصارى بهذا النص على ألوهيته، ولسوف نستخلص هذه المعاني من كلام المسيح، ونرتبها حسب موضوعها:
أولًا: أكد المسيح تبعيته للأب حين عمل في السبت، فإنه لا يعمل عملًا إلا وهو موافق فيه ربه "فأجاب يسوع وقال لهم: الحق الحق أقول لكم: لا يقدر الابن أن يعمل من نفسه شيئًا إلا ما ينظر الآب يعمل، لأن مهما عمل ذاك فهذا يعمله الابن كذلك" (يوحنا ٥/ ١٩).
ثانيًا: تحدث عن أمور عظيمة دفعها الله إليه " لأنه كما أن الآب يقيم الأموات ويحيي، كذلك الابن أيضًا يحيي من يشاء، لأن الآب لا يدين أحدًا، بل قد أعطى كل الدينونة للابن لأنه كما أن الآب له حياة في ذاته، كذلك أعطى الابن أيضًا أن تكون له حياة في ذاته، وأعطاه سلطانًا أن يدين أيضًا" (يوحنا ٥/ ٢١ - ٢٧)، لكن هذه العطايا جميعًا أعطيت له من الله، ولا يعني ذلك أنه إله، فالإله يصنع هذا كله من نفسه، ومن غير أن يدفع إليه أحد سلطانه.
لقد أوضح المسيح أن هذه العطايا لن تجعله إلهًا، لماذا؟ لأنها دفعت إليه مع اعتبار إنسانيته، لا ألوهيته، يقول: " وأعطاه سلطانًا أن يدين أيضًا لأنه ابن الإنسان" (يوحنا ٥/ ٢٧)، وليس لأنه ابن الله.
وأكد المسيح على أنه ليس له سلطان من نفسه، وأنه لا يقدر على شيء إلا إذا أقدره الله عليه "أنا لا أقدر أن أفعل من نفسي شيئًا، كما أسمع أدين، ودينونتي عادلة، لأني لا
[ ٤٥ ]
أطلب مشيئتي، بل مشيئة الآب الذي أرسلني" (يوحنا ٥/ ٣٠)، نعم لأنه ابن الإنسان، وليس لأنه ابن الله بالطبيعة أو الأقنوم الثاني المتجسد في الناسوت كما زعمت المجامع الكنسية.
وهذا السلطان العظيم دفعه الله إليه، لأمرين: أولهما: " لأن الآب يحب الابن، ويريه جميع ما هو يعمله"، وثانيهما: ليثبت دعواه بالنبوة، فيتعجبوا ويؤمنوا به ويكرموه "وسيريه أعمالًا أعظم من هذه لتتعجبوا أنتم لكي يكرم الجميع الابن كما يكرمون الآب، من لا يكرم الابن لا يكرم الآب الذي أرسله لأن الأعمال التي أعطاني الآب لأكملها، هذه الأعمال بعينها التي أنا أعملها؛ هي تشهد لي أن الآب قد أرسلني" (يوحنا ٥/ ٢٠، ٢٣، ٣٦).
ثالثًا: أكد المسيح شهادة الله له بالصدق، فقال: "إن كنت أشهد لنفسي فشهادتي ليست حقًا، الذي يشهد لي هو آخر، وأنا أعلم أن شهادته التي يشهدها لي هي حق والآب نفسه الذي أرسلني يشهد لي، لم تسمعوا صوته قط ولا أبصرتم هيئته" (يوحنا ٥/ ٣١ - ٣٧).
وهذه الشهادة مسجلة في الكتب السابقة التي كانت تشهد له "فتشوا الكتب، لأنكم تظنون أن لكم فيها حياة أبدية، وهي التي تشهد لي لو كنتم تصدقون موسى لكنتم تصدقونني، لأنه هو كتب عني" (يوحنا ٥/ ٣٩، ٤٧)، ولا يوجد في شيء من كتب موسى التي تحمل شهادة الله المقبولة عند المسيح واليهود، لا يوجد في شيء منها البشارة بإله يتجسد ويصلب، بل كانت تشهد بمجيء نبي كريم، ألا يزعمون بأن موسى بشّر بالمسيح حين قال: "أقيم لهم نبيًا من وسط إخوتهم مثلك" (التثنية ١٨/ ١٨)؟
وممن شهد للمسيح بالحق النبيُّ العظيم يوحنا المعمدان، لكن المسيح يستغني عن
[ ٤٦ ]
هذه الشهادة الصادقة من المعمدان بشهادة الله المسجلة في كتبهم التي يؤمنون بها " أنتم أرسلتم إلى يوحنا فشهد للحق، وأنا لا أقبل شهادة من إنسان وأما أنا فلي شهادة أعظم من يوحنا" (يوحنا ٥/ ٣٣ - ٣٦)، وليس في كلام المعمدان عن المسيح ما يشير إلى ألوهية المسيح، بل أرسل يسأل المسيح إن كان هو المسيح المنتظر الذي تنتظره اليهود أم لا؟ (انظر متى ١١/ ٣).
رابعًا: أكد المسيح المغايرة بينه وبين الله حين قال: "لأن الآب يحب الابن، ويريه جميع ما هو يعمله .. الذي يشهد لي هو آخر .. والآب نفسه الذي أرسلني يشهد .. لا تظنوا أني أشكوكم إلى الآب" (يوحنا ٥/ ٢٠، ٣٢، ٣٧، ٤٥)، فكل هذا يشهد بأن المسيح غير الله، فالمحبوب غير المحِب، والشاهد غير الذي يُشهد له، والمرسِل غير المرسَل، والشاكي غير المشتكى إليه.
خامسًا: أخبر المسيح اليهود أن الإيمان به والتصديق بكلامه هو سبيل الحياة الأبدية "الحق الحق أقول لكم: إن من يسمع كلامي ويؤمن بالذي أرسلني فله حياة أبدية، ولا يأتي إلى دينونة، بل قد انتقل من الموت إلى الحياة" (يوحنا ٥/ ٢٤).
وأما الذين لا يؤمنون به فسيصدق فيهم قول المسيح: "ولا تريدون أن تأتوا إليّ لتكون لكم حياة .. ولكني قد عرفتكم أن ليست لكم محبة الله في أنفسكم، أنا قد أتيت باسم أبي، ولستم تقبلونني، إن أتى آخر باسم نفسه فذلك تقبلونه، كيف تقدرون أن تؤمنوا وأنتم تقبلون مجدًا بعضكم من بعض، والمجد الذي من الإله الواحد لستم تطلبونه؟ " (يوحنا ٥/ ٤٠ - ٤٤).
وهكذا نرى بأن المسيح لم يجعل نفسه معادلًا للإله الواحد الحق، ولا ادعى أن ما أوتيه من سلطان من عند نفسه، بل أقر بأنه عطية الله التي أكرمه بها.
[ ٤٧ ]