قول الماتريدية بأن الله تعالى خالق أفعال العباد خيرها وشرها هو القول الحق الذي دل عليه السمع والعقل، وهو قول أهل السنة والجماعة وسلف الأمة؛ لكن بالنسبة لعلاقة العباد بأفعالهم فقد حاولت الماتريدية التوسط بين قول المعتزلة وقول الجبرية فقالوا: أفعال العباد مخلوقة لله تعالى وهي كسب من العباد.
قال الماتريدي: "إن حقيقة ذلك الفعل الذي هو للعباد من طريق الكسب ولله من طريق الخلق" (^٢).
وقال أبو المعين النسفي: "وعندنا فعل العبد هو مخلوق الله تعالى ومفعوله، والله تعالى هو الذي يتولى إيجاده وإخراجه من العدم إلى الوجود والعبد اكتسبه وباشره" (^٣).
_________________
(١) التوحيد: ٢٥٤، أصول الدين: ٩٩، ١٠٢، ١٠٥.
(٢) التوحيد: ٢٢٨، ٢٢٥، ٢٢٦.
(٣) تبصرة الأدلة: ل ٣٨٤، وانظر: التمهيد: ٦٧، ٧٠، ٧١.
[ ٥٣ ]
وقد اختلفت عباراتهم في بيان معنى الكسب (^١)، وحاصل كلامهم أن المؤثر في أصل الفعل قدرة الله تعالى، والمؤثر في صفة الفعل قدرة العبد، وتأثير العبد هذا هو الكسب عندهم.
قال البياضي: "أصل الفعل بقدرة الله، والاتصاف بكونه طاعة أو معصية بقدرة العبد وهو مذهب جمهور الماتريدية" (^٢).
وهم يقصدون بهذا أن الله تعالى لا يخلق فعل العبد إلا بعد أن يريده العبد ويختاره، وقد نصوا على ذلك.
قال أبو المعين النسفي: "وما يخترعه -أي الله تعالى- فيه -أي في العبد- باختيار العبد ذلك وله عليه قدرة، فأثر تعلق قدرته به كونه فعلا له فيكون الله تعالى مخترعا فعل العبد باختياره لولا اختيار العبد وقصده اكتسابه لما خلقه الله تعالى فعلا له" (^٣).
وحقيقة قول الماتريدية هذا أن للعباد إرادة غير مخلوقة وهي مبدأ الفعل، فالعباد على مذهبهم يتصرفون بمبادئ أفعالهم باستقلال تام كما يشاؤون، وخلق الله تعالى لأفعالهم إنما هو تبع لإرادتهم غير المخلوقة.
ولا شك أن قول الماتريدية هذا باطل لأن الله تعالى خالق كل شيء " ومعاذ الله، والله أكبر وأجل وأعظم أن يكون في عبده شيء غير مخلوق له ولا داخل تحت قدرته ومشيئته، فما قدر الله حق قدره من زعم ذلك، ولا عرفه حق معرفته، ولا عظمه حق تعظيمه؛ بل العبد جسمه وروحه وصفاته وأفعاله ودواعيه وكل ذرة فيه مخلوق لله خلقا تصرف به في عبده، فهو عبد مخلوق من كل وجه وبكل اعتبار، وفقره إلى خالقه وبارئه من لوازم ذاته، وقلبه بيد خالقه وبين أصبعين من أصابعه يقلبه كيف يشاء فيجعله مريدا لما شاء، وقوعه منه كارها لما لم يشأ وقوعه، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن " (^٤).
_________________
(١) التمهيد: ٧١.
(٢) إشارات المرام: ٢٥٦، اللمعة لإبراهيم الحلبي: ٤٨.
(٣) تبصرة الأدلة: ل ٣٨٦، وانظر: مقدمة المحقق لكتاب التوحيد: ٤٢.
(٤) شفاء العليل: ١٤٤.
[ ٥٤ ]
وهذا لا يعني أن العبد مجبور لا اختيار له بل إن الله تعالى خلقه على "نشأة وصفة يتمكن بها من إحداث إرادته وأفعاله، وتلك النشأة بمشيئة الله وقدرته وتكوينه، فهو الذي خلقه وكونه كذلك، وهو لم يجعل نفسه كذلك؛ بل خالقه وباريه جعله محدثا لإرادته وأفعاله، وبذلك أمره ونهاه وأقام عليه حجته، وعرضه للثواب والعقاب، فأمره بما هو متمكن من إحداثه، ونهاه عما هو متمكن من تركه، ورتب ثوابه وعقابه على هذه الأفعال والتروك التي مكنه منها وأقدره عليها وناطها به وفطر خلقه على مدحه وذمه عليها، مؤمنهم وكافرهم المقر بالشرائع منهم والجاحد لها، فكان مريدا شائيا بمشيئة الله له؛ ولولا مشيئة الله أن يكون شائيا لكان أعجز وأضعف من أن يجعل نفسه شائيا، فالرب سبحانه أعطاه مشيئة وقدرة وإرادة وعرفه ما ينفعه وما يضره، وأمره أن يجري مشيئته وإرادته وقدرته في الطريق التي يصل بها إلى غاية صلاحه " (^١).
قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨ - ٢٩].
فأفعال العباد إذا هي أفعالهم حقيقة ومفعولة للرب تعالى، إذ إن الفعل غير المفعول فالعبد فعل فعله حقيقة " والله خالقه وخالق ما فعل به من القدرة والإرادة وخالق فاعليته وسر المسألة أن العبد فاعل منفعل فربه هو الذي جعله فاعلا بقدرته ومشيئته وأقدره على الفعل وأحدث له المشيئة التي يفعل بها" (^٢).
_________________
(١) شفاء العليل: ١٣٧ - ١٣٨.
(٢) شفاء العليل: ١٣١.
[ ٥٥ ]