المبحث الثاني: زيادة الإيمان ونقصانه.
المبحث الثالث: الاستثناء في الإيمان.
المبحث الرابع: العلاقة بين الإيمان والإسلام.
المبحث الخامس: حكم مرتكب الكبيرة.
المبحث الأول: معنى الإيمان وحقيقته
ذهبت الماتريدية إلى أن الإيمان هو التصديق بالقلب فقط، وذهب بعضهم إلى أنه التصديق بالقلب والإقرار باللسان (^١).
قال أبو المعين النسفي: "الإيمان في اللغة عبارة عن التصديق، فكل من صدق غيره فيما يخبره يسمى في اللغة مؤمنا به ومؤمنا له، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: ١٧] "أي بمصدق لنا، ثم إن اللغوي وهو التصديق بالقلب هو حقيقة الإيمان الواجب على العبد حقا لله تعالى، وهو أن يصدق الرسول ﷺ فيما جاء به من الله تعالى، فمن أتى بهذا التصديق فهو مؤمن فيما بينه وبين الله تعالى (^٢).
وهذا القول مخالف لقول أهل السنة والجماعة، فمادة أَمِنَ معناها في اللغة وثِق واطمأنَّ، والأمانة الوثوق (^٣)، يقال: "ما أمنت أن أجد صاحبَه أي ما وثِقْت" (^٤).
قال الراغب الأصبهاني ﵀: "أصل الأمن طمأنينة النفس وزوال الخوف " (^٥).
والإيمان مصدر آمن يؤمن إيمانًا فهو مؤمن (^٦)، وأصل آمن أأمن بهمزتين لينت الثانية (^٧)، وهو من الأمن ضد الخوف (^٨).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: في تعريفه للإيمان: " .. فإن اشتقاقه من الأمن الذي هو الإقرار والطمأنينة، وذلك إنما يحصل إذا استقر في القلب التصديق والإنقياد" (^٩).
وهذا الإقرار يشمل قول القلب الذي هو التصديق، وعمل القلب الذي هو الانقياد.
_________________
(١) انظر: شرح العقائد النسفية: ٥٥، ٥٦، وحاشية قاسم الحنفي على المسايرة: ٢٩٠ - ٢٩٣، شرح ضوء المعالي: ١٩، ٢٠.
(٢) التمهيد: ٩٩ - ١٠١، التوحيد: ٣٧٣ - ٣٧٩.
(٣) انظر: مادة أمن في الصحاح: ٥/ ٢٠٧١، والقاموس المحيط: ١١٧٦، ولسان العرب: ١٣/ ٢١، والمعجم الوسيط: ٨.
(٤) لسان العرب: ١٣/ ٢١.
(٥) المفردات في غريب القرآن: ٩٠.
(٦) تهذيب اللغة: ١٥/ ٣٦٨.
(٧) الصحاح: ٥/ ٢٠٧١.
(٨) الصحاح: ٥/ ٢٠٧١، والقاموس المحيط: ١١٧٦.
(٩) الصارم المسلول: ٥١٩، وانظر: الفتاوى: ٧/ ٢٨٩.
[ ٦٠ ]
أما معنى الإيمان: فهو التصديق مع الانقياد. وهو تارة يتعدّى بالباء وتارة باللام. فمن الأول - التعدي بالباء- يقال: آمن به قوم (^١) وكذّب به قومٌ، ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣]. أي يصدقون بأخبار الله عن الجنة والنار (^٢).
ومن الثاني - التعدي باللام- قوله تعالى مخبرا عن اليهود أنهم قالوا: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [آل عمران: ٧٣]، أي لا تقروا ولا تصدقوا (^٣).
ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: ١٧]، أي بمصدق لنا (^٤).
والفرق بينهما أن المتعدي بالباء هو تصديق المخبَر به، والمعتدي باللام هو تصديق المُخْبِر (^٥).
فالإيمان: إقرار باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان، يزيد بطاعة الرحمن، وينقص بطاعة الشيطان (^٦).
قال الإمام الشافعي ﵀: "وكان الإجماع من الصحابة والتابعين من بعدهم ممن أدركنا: أن الإيمان: قول، وعمل، ونية، لا يجزئ واحد من الثلاثة عن الآخر" (^٧).
وقال محمد بن حسين الآجري ﵀ في باب "القول بأن الإيمان تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح، لا يكون مؤمنًا إلا أن يجتمع فيه هذه الخصال الثلاث "، قال: "اعلموا رحمنا الله وإياكم أن الذي عليه علماء المسلمين أن الإيمان واجب على جميع الخلق، وهو تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح.
ثم اعلموا أنه لا تجزاء المعرفة بالقلب والتصديق إلا أن يكون معه الإيمان باللسان نطقًا، ولا تجزاء معرفة القلب ونطق اللسان حتى يكون عمل بالجوارح، فإذا كملت فيه هذه الثلاث الخصال كان مؤمنًا، دل على ذلك الكتاب والسنة وقول علماء المسلمين .. " (^٨).
_________________
(١) المفردات في غريب القرآن: ٢٥.
(٢) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ١٦٥.
(٣) انظر: مجاز القرآن: ٩٧، ومعاني القرآن: ١/ ٢٢٢، وتفسير ابن كثير: ٢/ ٥٩.
(٤) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة: ٢١٣، المفردات في غريب القرآن: ٩١.
(٥) مجموع الفتاوى: ٧/ ٢٨٩، ٥٢٩، وشرح الطحاوية: ٣٢١.
(٦) انظر: مجموع الفتاوى: ٧/ ٥٠٥، وانظر: شرح الطحاوية: ٣١٤.
(٧) شرح أصول اعتقاد أهل السنة: ٥/ ٨٨٦.
(٨) الشريعة للآجري: ٢/ ٦١١، وانظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة: ٤/ ٨٣٢.
[ ٦١ ]
والأدلة على دخول هذه الأمور في مسمى الإيمان كثيرة، منها: قوله تعالى عن تصديق القلب وإيقانه: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤)﴾ [الزمر: ٣٣ - ٣٤]، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥)﴾.
وفي حديث الشفاعة: (يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه من الخير ما يزن شعيرة) (^١).
وقوله تعالى في ذكر بعض أعمال القلوب من الإخلاص والمحبة والإنقياد والإقبال على الله - ﷿ - والتوكل عليه ولوازم ذلك وتوابعه، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢]، وقال: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠)﴾ [الليل: ١٩ - ٢٠]، وغير ذلك من النصوص الدالة على وجوب التوكل والخوف والرجاء والخشية والخضوع والإنابة وغيرها من أعمال القلوب.
ومنها قوله تعالى بالنطق بالشهادتين: شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، والإقرار بلوازمهما، قال الله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾ [البقرة: ١٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا﴾ [القصص: ٥٣]، وقال ﷺ: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ..) (^٢).
ومنها قوله تعالى في الأعمال التي تؤدى باللسان كتلاوة القرآن وسائر الأذكار من التسبيح والتحميد والتكبير والدعاء والاستغفار وغير ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩)﴾ [فاطر: ٢٩]، وقال: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الكهف: ٢٧]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢].
_________________
(١) صحيح البخاري (٧٤١٠)، ومسلم (١٩١).
(٢) صحيح البخاري (٢٥)، ومسلم (٢٢).
[ ٦٣ ]
ومنها الأدلة فيما ما يتعلق بعمل الجوارح، وهو العمل الذي لا يؤدى إلا بها، مثل: القيام والركوع والسجود، والمشي إلى المساجد وإلى الحج والجهاد في سبيل الله، قال الله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: ٧٧ - ٧٨]، وقال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤)﴾ [الفرقان: ٦٣ - ٦٤] (^١).
ومن الأدلة الصريحة في ذلك حديث وفد عبد القيس، وفيه قوله ﷺ: (آمركم بالإيمان بالله وحده)، وقال: (أتدرون ما الإيمان بالله وحده)؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: (شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تعطوا من المغنم الخمس) (^٢).
_________________
(١) انظر: معارج القبول للشيخ حافظ حكمي: ٢/ ١٧ وما بعدها.
(٢) صحيح البخاري (٥٣)، وصحيح مسلم (٢٣).
[ ٦٤ ]