ذهبت الماتريدية في هذه المسألة إلى أن الإسلام والإيمان شيء واحد وأنه لا تغاير بينهما ولا ينفك أحدهما عن الآخر وإذا زال أحدهما زال الآخر، وأن الاختلاف بينهما في المعنى باللسان.
قال أبو منصور الماتريدي: "وأما القول عندنا في الإيمان والإسلام أنه واحد في أمر الدين في التحقيق بالمراد وإن كانا قد يختلفان في المعنى باللسان، ثم من جهة التحقيق بالمراد في الدين، إن الإيمان هو اسم لشهادة العقول والآثار بالتصديق على وحدانية الله تعالى، وأن له الخلق والأمر في الخلق لا شريك له في ذلك، والإسلام هو إسلام المرء نفسه بكليتها وكذا كل شيء لله تعالى بالعبودية لله لا شريك فيه فحصلا من المراد فيهما على واحد.
ثم الأصل أنه من البعيد عن العقول أن يأتي المرء بجميع شرائط الإيمان ثم لا يكون مسلما أو يأتي بجميع شرائط الإسلام ثم لا يكون مؤمنا، ثبت أنهما في الحقيقة واحد ومعلوم أن الذي يسع له التسمي بأحدهما يسع بالآخر" (^١).
والناس في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
الأول: أن الإسلام والإيمان اسمان لمسمى واحد.
الثاني: أن الإسلام الكلمة والإيمان العمل.
الثالث: التفصيل، وهو الحق؛ وذلك بأن حالة اقترانهما غير حالة إفرادهما، فإذا اقترنا كان المقصود بالإسلام الأعمال الظاهرة والإيمان الأعمال الباطنة، وإذا أفردا كان معناهما واحدا ودخل أحدهما في الآخر، ويكون المقصود جميع أمور الدين الظاهرة والباطنة.
ومعناه: أن الإسلام والإيمان إذا اجتمعا في نص واحد من كتاب أو سنة فإن لكل واحد منهما معنى يختص به. فالإسلام: الأعمال الظاهرة ومنها الشهادتان والصلاة .. والإيمان: الأعمال الباطنة من الاعتقادات كالتوكل والخوف والمحبة والرغبة والرهبة وغيرها.
_________________
(١) التوحيد: ٣٩٤ - ٣٩٧، وانظر: أصول الدين للبزدوي: ١٥٤، ٢٢١.
[ ٦٨ ]
وقد دل على هذا دلائل كثيرة منها:
قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]، فاجتمعا في نص واحد، ونفى عنهم الإيمان، وأثبت لهم الإسلام؛ فدل على افتراقهما أنهم مسلمون لكن لم يبلغوا أن يكونوا مؤمنين.
وحديث جبريل ﵇ المشهور (^١)، وفيه ذكر الإسلام: بالأركان الخمسة، والإيمان: بالأصول الستة. فإنهما اجتمعا في نص واحد، أجاب النبي ﷺ لكلٍ بمعنى غير الآخر؛ فدل على افتراقهما.
ومعنى افتراقهما: أن يأتي أحدهما في نص دون الآخر، فعندئذٍ يكون أحدهما بمعنى الآخر، فالإسلام هو الإيمان والعكس صحيح.
ولهذا أدلة كثيرة في الوحيين: منها قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥].
وفي أولها قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، فاقتضينا أن الدين عند الله الإيمان، ومن يبتغ غير الإيمان دينًا فلن يقبل منه.
ومنه قوله تعالى في خطابه للمؤمنين في آيات كثيرة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ فإن الخطاب أيضًا متوجه للذين أسلموا ولما يدخل الإيمان في قلوبهم، مما يدل على تناول أحدهما الآخر عند الانفراد.
ومن أصرح الأدلة من السنة على كون افتراقهما يُصِّيرُ معناهما واحدًا حديث وفد عبد القيس، المتفق على صحته من حديث أبي هريرة ﵁، أنهم جاؤوا إلى النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله، إن بيننا وبينك هذا الحي من مضر ولا نستطيع أن نأتيك إلا في الأشهر الحرم، فمرنا بأمر فصل نخبر به من وراءنا، وندخل به الجنة؟ فقال ﷺ: (آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم! قال: تشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيموا الصلاة، وتؤتوا الزكاة، وتصوموا رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس) (^٢).
فإن النبي ﷺ أخبرهم في الحديث عن الإيمان بأركان الإسلام، فدل على أنهما بمعنى واحد، مما يفيد أن أحدهما يغني عن الآخر عند الافتراق.
_________________
(١) صحيح مسلم (٨).
(٢) صحيح البخاري (٥٣). وللمزيد في هذه المسألة، انظر: مسألة الإيمان لعلي بن عبد العزيز الشبل.
[ ٦٩ ]