تأثُّر المدرسة العَقلانيَّة الإصلاحيَّة بالفكرِ الاعتزاليِّ
في نظرتها إلى النُّصوص
تأثَّرت هذه المدرسة الإصلاحيَّة المُستحدَثة -بقدرٍ ما- بأصول المدرسة الاعتزاليَّة القديمة في منهجِ الاستدلال، بل استطاعَت أن تخرِّجَ أفرادًا أشبه بمُعتزلةِ القرونِ الأولى! مُكْبِرين للعقل على حسابِ الثَّابتِ من النُّصوص، مُقدِّمين لِما يرونَه عقلًا عند بدوِّ التَّعارضٍ، مُستبيحِين لحِمى العقائدِ الغَيبِيَّة بتَصورَّاتٍ عقليَّةٍ مَحضةٍ؛ وُجِد فيهم من يسلم من لمزِ علماءِ السَّلف وأهلِ الحديثِ، أو التَّهكُّمِ بأقوالِهم، ورَميِهم بالحَشويَّةِ ونحو ذلك من الألقاب المُنفِّرة، دون اكتراثٍ منهم بما يَنقله العلماء مِن إجماعاتِ في المَواضيع الَّتي يشذُّون فيها.
مع التَّنبيه على اختلافِ مَراتب كِلا هاتين المدرستين في التزامِ أصلِ هذا التَّحكيم العقليِّ، والَّتفاوات الحاصل بينهم مِن حيث تعميمُه على مَسائل الدِّين.
وفي تقريرِ هذا التَّأثير الاعتزاليِّ في أرباب هذا التَّيار العقلانيِّ الحديث، يقول أحد المُعجبين بهم (محمَّد حمزة):
«إنَّ النَّزعة العقليَّة الَّتي تحمَّس لها مُفكِّرون عديدون، كمحمَّد عبدُه، وعلي عبد الرَّزاق، وأحمد أمين، ومحمود أبو ريَّة، وَجَدَت في مَبادئ المعتزلةِ ونزعَتِها العقليَّة تعبيرًا صادقًا عن طموحاتِها، فكان الاحتفاءُ بمَبادِئها -وخاصَّةً في فترةِ ما بين الحربَيْن- استعادةً جديدةً، ومحاولةَ إحياءِ العقلانيَّة العربيَّة القديمة ..
[ ١ / ٣٥٥ ]
ومثلما وَجَد هؤلاء المُفكِّرون في مَبادئ المعتزلة ما يتَناغم مع دعوتهم التحديثيَّة، فإنَّ موقف المعتزلة مِن الأدلَّة النَّقليَّة عمومًا، والحديث النَّبوي بصفةٍ أخص، كان ممَّا يُلائم أفكارَهم» (^١).
ومن أخطر ما نالته أنفاسُ الاعتزالِ في هذا التَّيار الحديث مصادرُ التَّلقي الشَّرعي نفسِها، حيث أقرُّوا بظنيَّةِ الآحادِ مطلقًا ومنعِ الاحتجاجِ بها في العقائدِ (^٢)، بل غَلا بعضهم فسَلبَ الحُجيَّة منها في الأحكام، واقتصَرَ آخرونَ على المنعِ في المسائلِ الفرعيَّةِ الكُبرى كالحدودِ (^٣).
يُلخِّص لنا (محمَّد حسين الذَّهبي) جملةً مِن هذه المآخذاتِ المنهجيَّة على المدرسةِ العقليَّة الحديثة، فيقول:
«إنَّها بسببِ هذه الحُريَّة العقليَّة الواسعةِ جارَت المعتزلةَ في بعض تعاليمِها وعقائدِها، وحَمَّلت بعضَ ألفاظِ القرآن مِن المعاني ما لم يكُن مَعهودًا عند العَرَب في زمنِ نزولِ القرآن، وطَعَنت في بعضِ الأحاديث: تارةً بالضَّعفِ، وتارةً بالوضعِ، مع أنَّها أحاديثُ صحيحةٌ، رواها البخاريُّ ومسلم، وهما أصَحُّ الكتبِ بعد كتاب الله تعالى بإجماعِ أهل العلم، كما أنَّها لم تَأخذ بأحاديثِ الآحادِ الصَّحيحةِ الثَّابتةِ في كلِّ ما هو مِن قبيل العقائد، أو مِن قَبيل السَّمعيات، مع أن أحاديث الآحاد في هذا الباب كثيرةٌ لا يُستهان بها» (^٤).
ولعلَّ ما يوضِّح هذا التَّأثُّر والتَّشابه بين نَهجِ المدرسةِ الإصلاحيَّة العقلانيَّة الحديثة وبين نهجِ أربابِ الاعتزال: ما نسمعه بين الفَينة والأخرى مِن إشادةِ كثيرٍ مِن المعاصرين بالمُعتزلةِ ومُصنَّفاتهم، حتَّى اعتبر بعضُهم سقوطَهم التَّاريخيَّ في
_________________
(١) «الحديث النَّبوي ومكانته في الفكر الإسلامي المعاصر» (ص/٣٣٤)
(٢) وإن استثنى بعضهم ما أسماه فروعَ العقيدة بشرط الإمكان العقليِّ، انظر «المرجعية العليا في الإسلام للكتاب والسنة» لـ د. القرضاوي (ص/١١١ - ١١٢).
(٣) انظر أمثلة ذلك في «موقف الاتجاه العقلاني الإسلامي المعاصر من النص الشرعي» لسعد العتيبي (ص/٢١٦).
(٤) «التفسير والمفسرون» لـ د. الذهبي (٢/ ٤٠٣).
[ ١ / ٣٥٦ ]
مُواجهتِهم لأهل السُّنة، واندثارَ تكتُّلِهم المَذهبيِّ بعد ذلك: نكسةً تاريخيَّة كبيرةً، وضررًا بالإسلام المُنفَتح، بل عاملًا في تخلُّف المسلمين إلى اليومِ!
منهم (أحمد أمين) (^١) أحدُ الرُّموز المُبكِّرة لهذه المدرسةِ المُعاصرة، حيث يقول:
«لمَّا ذَهَب ضوءُ المعتزلةِ، وقعَ النَّاس تحت سلطانِ المُحدِّثين وأمثالهم مِن الفقهاء .. فكانت النَّتيجة جمودًا بحتًا! .. فلمَّا ضَعُف شأن المعتزلة بعد المِحنة، ظلَّ المسلمون تحت تأثيرِ حزب المُحافظين نحوًا مِن ألفِ سنةٍ، حتَّى جاءت النَّهضة الحديثة، وفي الواقع: إنَّ فيها لونًا مِن ألوانِ الاعتزال، ففيها الشَّك والتَّجربة، وهما مَنهجانِ مِن مناهج الاعتزال -كما رأيتَ في النَّظام والجاحظِ- وفيهما الإيمان بسُلطةِ العقل .. ففي رأيي أنَّ مِن أكبر مَصائبِ المسلمين موتُ المعتزلة، وعلى أنفسِهم جَنوا! ..» (^٢).
_________________
(١) أحمد أمين ابن الشيخ إبراهيم الطباخ: عالم بالأدب، غزير الاطلاع على التاريخ، من كبار الكتاب. اشتهر باسمه (أحمد أمين) وضاعت نسبته الى (الطباخ)، مولده ووفاته بالقاهرة، من مؤلفاته «فجر الإسلام» و«ضحى الإسلام» و«ظهر الإسلام»، انظر «الأعلام» للزركلي (١/ ١٠١).
(٢) «ضحى الإسلام» (٣/ ٢٠٣ - ٢٠٤).
[ ١ / ٣٥٧ ]