الباعث للبخاريِّ إلى تقطيعِ الأحاديث وتَكريرِها في «صحيحه»
لقد عُرف البخاريُّ خَصِيبًا في نِتاجه، مُتأنِّيًا في تصانيفه كلِّها، مع الإعدادِ التَّامِّ لمادَّتِها، ومُعاودة النَّظرِ فيها مُراجَعةً وتنقيحًا (^١)، فبَلَغ في تنقيحِ «الجامعِ الصَّحيحِ» ذروةَ الكمالِ المُمكِن، وحُقَّت فيه شهادةُ الحاكم أبي أحمد (ت ٣٧٨ هـ): «لو قلتُ أنِّي لم أرَ تصنيفًا يفوق تصنيفَه في المُبالغةِ والحُسنِ، رَجوتُ أن أكون صادقًا في قولي» (^٢).
فلمَّا بَشَّر البخاريُّ بإخراجِه النَّاسَ، طبَّقَت شُهرَتُه الآفاق، ولَهجَتْ بمَديحِه ألسِنةُ الحُذَّاق، فتَكاثَر الطَّلبة عليه ما لا يُحصوَن على مَدارِ عُمرِه المُبارَك، فتسَلسَل بهم نقلُه ورِوايتُه، حتَّى بَلغَ عَدُّ مَن سمِع «صحيحَه» الألوف (^٣)، «وبَلَغ حَدَّ التَّواترِ في شُهرتِه، وصِحَّة نَقْلِه، ونِسبتِه إلى المؤلِّف، لا يُنكِر ذلك
_________________
(١) قد نقل عنه تلميذه ابن أبي حاتم الوراق أنه القائل: «صنفت جميع كتبي ثلاث مرات»، انظر «سير أعلام النبلاء» للذهبي (١٢/ ٤٠٣)، قال ابن الملقِّن في «التوضيح» (١/ ٧٩): «أي أنه ما زال ينقِّحها ويراجعها أكثر من مرة».
(٢) «الأسامي والكنى» لأبي أحمد الحاكم (مخطوط: ق/٢٨٣ ب).
(٣) جاء مجموعهم في عَدِّ الفربري تسعين ألفًا، كما في «تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي (٢/ ٣٢٢)، وجاء في «التقييد لمعرفة رواة السنن والمسانيد» لابن نقطة البغدادي (١/ ١٢٦) و«تهذيب الأسماء واللُّغات» للنووي قوله: «سبعون ألف رجل»، يقول خلدون الأحدب في كتابه «الإمام البخاري وجامعه الصحيح» (ص/٢١٧): «يغلب على الظَّن أنَّه تصحيف».
[ ١ / ٤٣١ ]
ولا يَتَشكَّك فيه إلَّا مَن تَشكَّك في المُتواتراتِ والحقائقِ العلميَّةِ الَّتي تثبُت بالضَّرورة» (^١).
لقد كان مِن السَّهلِ على مِثل البخاريِّ، أن يَسرُد الأحاديثَ بجميع طُرقِها في موطنٍ واحدٍ من كتابِه هذا كما صنعَ تلميذه مسلم في «مسنده الصَّحيحِ»، لكنَّه اختارَ أن يسيرَ فيه على منهجٍ قِوامه: جمعُ الأحاديث الصَّحيحة المتَّصلةِ المُجرَّدة مِن أمورِ رسول الله ﷺ وسُننِه وهديِه مِن غيرِ استيعابٍ، مع استنباطِ الفقهِ والسِّيرة والتَّفسيرِ منها، مُرتِّبًا لها على الأبواب الفقهيَّة تحت عناوينَ تراجم، وهذا ما اضطرَّه إلى تجزئةِ الحديثِ وتقطيعِه أحيانًا، وإيراد كلِّ طرفٍ منه في المَوضعِ اللَاّئقِ به، وتكراره أحيانًا مَقرونًا بفائدةٍ زائدةٍ.
وحيث أنَّ بعض خصوم السُّنة لم يفهم غرضَ البخاريِّ مِن تصنيف كتابِه وطريقته فيه، استثقلوا هذا الأسلوبَ منه في التَّقطيعِ والتَّكرار للحديث في مواضع من كتابِه، ما عبَّر عنه (جمال البنَّا) بقوله: «لو أنَّ البخاريَّ لم يَعمِد إلى هذا التَّكرار، فلربَّما صَدَر كتابه في نصفِ حجمِه المطبوعِ، ولاستراحَ وأراحَ!» (^٢).
وقال (عبد الصَّمد شاكر): «الأحاديث المكرَّرة -سواء بلا مناسبةٍ أو بمناسبةٍ جزئيَّة- في كتابِه، قد بلغت إلى حَدٍّ تَشمئزُّ منه النَّفس، وينفر منه الطَّبع! ولعلَّها مِن خصائصِ هذا الكتاب وحدَه! .. ويحتمل أنَّ هذا التَّكرار المُمِلَّ المُخالف للذَّوقِ السَّليم، ليس مِن صُنعِ المؤلِّف، فإنَّه مات قبل تدوينِ كتابِه، فترَكه مُسوَدًّا، فتَصرَّف فيه المُتصرِّفون بلا رَويَّة، وعليه فيَقِلُّ الاعتمادُ على الكتابِ المَذكور» (^٣).
فهذا الَّذي أنكروه على البخاريِّ في التَّصنيفِ -هو في حقيقته- مَظهرٌ مِن مَظاهرِ براعته في التَّصنيف لو فقهوا، حيث استعاضَ بهذا التَّقطيعِ وتجزيئِه للمتونِ عن تكثير الأحاديث في «جامعه الصَّحيح»، وإلَّا لكان احتاجَ إلى أضعافِ حجمِه
_________________
(١) «نظرات على صحيح البخاري» لأبي الحسن الندوي (ص/١٤).
(٢) «تجريد البخاري ومسلم من الأحاديث التي لا تلزم» لجمال البنا (ص/١٥).
(٣) «نظرة عابرة إلى الصحاح الستة» (ص/٥٨).
[ ١ / ٤٣٢ ]
لو أرادَ أن يوفي أبوابَ كتابه؛ و«كَرَّر الأحاديثَ بكثرة المَعاني الَّتي فيها، فمَن وَهَب الله له فهمَها، وَدَّ تكثيرَها، ومَن خَفَّت عليه، كرِه تكريرَها»! (^١)
يقول الكشميريُّ (ت ١٣٥٣ هـ) في الباعث للبخاريِّ على هذه الطَّريقة:
«إنَّ المصنِّف لماَّ شَدَّد في شروطِ الأحاديثِ، حتَّى أغمضَ عمَّا حسِبوه حَسنًا، بل صحيحًا أيضًا: قلَّت ذخيرةُ الحديثِ في كتابِه، ثمَّ لمَّا أرادَ أن يَتَمسَّك منها على جملةِ أبواب الفقه، اضطرَّ إلى التَّكرارِ، والتَّوسُّعِ في وجوهِ الاستدلال، وذلك مِن كمال بَداعَتِه؛ ومَن لا دِراية له بغَوامضِه، ولا ذوقَ له في علومِه: يَتَعجَّب مِن حُجَجِه، ولا يَدري أنَّ التَّوسعَ فيه مِن أجلِ تَضيِيقِه على نفسِه في مادَّةِ الأحاديث، فيستدِلُّ بالإيماءات، ويَكتفي بالإيماضات» (^٢).
_________________
(١) «المختصر النصيح» للمهلب بن أبي صفرة (١/ ١٤٧).
(٢) مقدمة «فيض الباري» (١/ ٣٦).
[ ١ / ٤٣٣ ]