موقف العَلمانيِّين العَرب مِن «الصَّحِيحين»
وأثرُ ذلك على السَّاحة الفكريَّة
لم يَكن مَوقفُ هؤلاءِ العَلمانيِّين مِن أصحِّ دِيوانَين للحديثِ بمعزلٍ عن موقفِهم السِّلبيِّ مِن التُّراثِ الإسلاميِّ عمومًا، فهو ضمنَ منظومةٍ واحدةٍ، تعامَلَت مع الآثارِ المَرويَّةِ على حَدٍّ سواء، اعتقدت فيها انعدامَ الدَّليلَ النَّقليِّ الخالص (^١).
وكان (أَرَكون) يفسَّر باعثَ إكبارِ المسلمين لهذين الكِتابين تفسيرًا تاريخيًّا، مَفادُه: أنَّ الظُّروفَ السِّياسيَّة، وأوضاعَ المُجتمعاتِ الَّتي انتشَرَ فيها الإسلام، احتاجَت إلى أحاديث جديدةٍ تحاكي مُتغيِّراتها، وتعالج أحكامَها، وتُصارع بها باقي الطَّوائف العَقديَّة، فلأجل ذلك -فقط- تَشَبَّث المسلمون بـ «الصَّحيحين».
يقول: «إنَّ السُّنة كُتِبت مُتأخِّرة بعد موتِ الرَّسول ﷺ بزمنٍ طويلٍ، وهذا وَلَّد خلافات لم يَتجاوزها المسلمون حتَّى اليوم بين الطَّوائف الثَّلاث: السُّنية، والشِّيعيَّة، والخارجيَّة، وصراع هذه الفرق الثَّلاث جعلهم يحتكرون الحديث ويُسيطرون عليه، لِما للحديث مِن علاقةٍ بالسُّلطةِ القائمةِ .. وهكذا راح السُّنة يَعترفون بمَجموعتي البخاريِّ ومسلم، المَدعُوَّتين بالصَّحيحين (¬٢»).
_________________
(١) انظر «التُّراث والتجديد، من العقيدة إلى الثورة» لحسن حنفي (ص/٣٧٣).
(٢) «الفكر الإسلامي، نقد واجتهاد» لمحمد أركون (ص/١٠١).
[ ١ / ٣٠٩ ]
وإذا كان هذا الرَّأي من (أركون) يدَّعي زورًا أنَّ المُسلمين اتَّبعوا «الصَّحيحين» عن عَصبيَّةٍ طائفيَّةٍ، لكن عن وَعيٍ منهم بذلك؛ فإنَّ (أحمد عصيد) -وهو كاتب علمانيٌّ مغربيٌّ مُتعصِّبٌ لعرقِه الأمازيغيِّ- يَرى أنَّ المُسلمين لم يكونوا إلَّا مُجرَّد حُمُرٍ مَقودةٍ مِن قِبَل فقهائها لتقبيلِ يَدَيْ البخاريِّ، مِن غير وَعيٍ ولا علمٍ بما اقتَرَفت هاتان اليَدان في الدِّين!
فيقول: «كان النَّاس يُقدِّسون «صحيح البخاريِّ» دون أن يعرفوا ما فيه من أخبار، كانوا يضعون ثقتهم في الفقهاء العارفين بالمتون والحواشي، وكان الفقهاء على علمٍ بما في البخاريِّ مِن مضامين غريبة يَتَستَّرون عليها، ولا يُطلِعون النَّاسَ على مكنونِها، وكانوا يُصوِّرون للنَّاس كتاب البخاريِّ كما أنَّه (العِلم) كلُّه، فقد عملِت أدبيَّات الفقهاء عبر الفقهاء، على جعلِ شخصِ النَّبي ﷺ يحلُّ بالتَّدريجِ مَحلَّ الذَّات الإلهيَّةِ نفسها! .. ونَتج عن ذلك تراكم التَّقليد، وتقليد التَّقليد، وانتهى الأمر بالمسلمين إلى الانغلاقِ في قلعةٍ مُظلمةٍ، اسمها الفقه الإسلاميُّ» (^١).
فما تضمَّنه كلامُه الخطيرِ هذا مِن اتِّهامِ المُسلمين بتأليهِ النَّبي ﷺ، هي نفسُها دعوى يُكرِّرها العَلمانيُّون كثيرًا في سِجالِهم لأهلِ السُّنة، يتوهَّمون أنَّ القول بعصمتِه ﷺ في قولِه وفعلِه وتشريعِه مُستلزمٌ لتهمة التَّأليه (^٢).
كما تَراها عند (نصر أبو زيد) في قوله: «إنَّ تأسيس السُّنة وحيًا، لم يكُن يتمُّ بمعزلٍ عن الموقف الإيديولوجيِّ الَّذي أسهب في شرحِه وتحليلِه، موقف العصبيَّةِ العربيَّةِ القُرشيَّة، الَّتي كانت حريصةً على نزعِ صفاتِ البشريَّةِ عن محمَّد ﷺ، وإلباسِه صفاتٍ قُدسيَّة - تجعلُ منه مُشرِّعًا ..» (^٣).
_________________
(١) من مقال له بعنوان: «نعم، صحيح البخاريِّ ليس صحيحًا» منشور على جريدة «هسبريس» الإلكترونيَّة، بتاريخ ١١ إبريل ٢٠١٨ م.
(٢) انظر «الإسلام السياسي» لسعيد العشماوي (ص/٣٦)، و«السُّنة بين الأصول والتاريخ» لحمادي ذويب (ص/٨٢).
(٣) «الإمام الشَّافعي وتأسيس الإيديولوجية الوسطية» (ص/٩٧)، وانظر مثله في «السُّنة بين الأصول والتاريخ» لحمادي ذويب (ص/٥٧).
[ ١ / ٣١٠ ]
والحقيقة أنَّ هذا الموقف الإيديولوجيُّ المُتعصِّب لقريشٍ المُدَّعى في نَقلةِ الآثار، ليس له وجودٌ إلَّا في ذهنِ هذين الرَّجُلين؛ فإنَّ قول المسلمين بوَحيِ السُّنة، ليس معناه بحالٍ أنَّ الرَّسول ﷺ مُشرِّع حقيقةً، وإنَّما معناه أنَّه مُبلِّغٌ عن الله تشريعَه، بأيِّ صورةٍ مِن صُور التَّبليغِ، قولًا أو فعلًا أو تقريرًا.
والقول بعصمةِ النَّبي ﷺ في تبليغِه ليس غُلوًّا في تقديسِه، بل هذا إجماعُ أمَّتِه منذ أن بُعِث، كما نقله القاضي عياض (^١)، وهو ما نَطَق به القرآن في عِديدٍ من آيِ كتابِه، في مثل قولِه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، وقوله: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَاّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤].
_________________
(١) في «الشفا» (٢/ ١٢٣).
[ ١ / ٣١١ ]