مَوقف الإماميَّة مِن الشَّيخين
الأصلُ في المسلم السَّلامة مِن كلِّ بدعةٍ تعيبُ دينَه، ما لم يقُم دليلٌ صريح على صِحَّة ذلك فيه؛ وحين انحادَ النَّاس عن هذا الأصل لضعف التَّورُّع وتفشِّي الجهل، ابتُلي كثير مِن العلماءِ بتُهم شنعاء هم منها براءٌ.
قد جرى مثل هذا على الشَّافعيِّ حين أُخرج من اليَمن بتُهمة التَّشيُّعِ للطَّالبيِّين (^١).
وكُبِس بعده بيت أحمد بدعوى أنَّ عَلَويًّا آوى إلى منزلِه، فهو يُبايع النَّاسَ له في الباطن (^٢)!
وتحاملَ على ابن جَريرٍ جَهَلةٌ من الحنابلةِ بدعوى تنقُّصِ إمامِهم وتشيُّعِه، وكانت تمنعُ مِن الدُّخول عليه (^٣)، «فكثُروا، وشَغَّبوا عليه، ونالَه أذًى، ولَزِم بيتَه، نعوذ بالله مِن الهوى» (^٤).
ولا ريبَ أنَّ البُعد عن منهجِ التَّثبُّتِ، والتَّباعد عن اعتمادِ البراءةِ أصلًا في الحكم على العامَّة فضلًا عن خاصَّتهم من حَمَلة الشَّريعة، أحدثَ ذلك شروخًا
_________________
(١) «حلية الأولياء» (٩/ ٧١)، و«تاريخ دمشق» (٥١/ ٢٩٠).
(٢) «البداية والنهاية» (١٤/ ٤١٣).
(٣) «سير أعلام النبلاء» (١٤/ ٢٧٤).
(٤) «سير أعلام النبلاء» (١٤/ ٢٧٧).
[ ١ / ١٥١ ]
جسيمةً في جسدِ الأمَّة؛ يحكي ابنُ بطَّة (ت ٣٨٧ هـ) (^١) شيئًا مِمَّا لاقاه مِمَّن يرمونَ الرَّجل بنقيضِ قصدِه، ويَلوُون عليه كلامَه، لغايةِ الحطِّ منه بمحضِ الافتراءِ والإيغال في العداوة، فكان يقول: «.. إنْ ذكرتُ في واحدٍ منها أنَّ الكتاب والسُّنة بخلافِ ذلك واردٌ، سمَّاني خارِجيًّا، وإن قرأتُ عليه حديثًا في التَّوحيد، سمَّاني مُشبِّها، وإن كان في الرُّؤية، سمَّاني سالمِيًّا، وإن كان في الإيمان سمَّاني مُرجئًا، وإن كان في الأعمالِ، سمَّاني قدَريًّا، وإن كان في فضائل أبي بكر وعمر، سمَّاني ناصبِيًّا، وإن كان في فضائلِ أهلِ البيت سمَّاني رافضيًّا ..» (^٢).
فنسأل الله السَّلامة مِن شَينِه سبحانه، وإلَّا فما أبعدَ السَّلامة من شَيْنِ النَّاس!
وقد كان من جملة ما يُرمَى به علماء السُّنة جُزافًا: تُهمة الانحرافِ عن آلِ بيتِ نبيِّنا ﷺ وبغضهم، وهذه كسائر البوائق المُناقضة لأصل السَّلامة في المؤمنين، لا يحلُّ الشَّهادة بها على أحدٍ إلَّا ببرهانٍ كالشَّمس، كما قرَّر ذلك ابن الوزير اليَمانيُّ -وهو زَيديٌّ- في جميلِ قولِه: «الرَّميُ ببُغضِ عليٍّ ﵁ شديد، فلا تحِلُّ نسبتُه إلى مَن ظاهرُه الإسلام، إلَّا بعد صِحَّةٍ لا تحتمل التَّأويل» (^٣).
فلَكم تراشقَ بهذه الخُصماء لمُجردِّ التَّعيير والتَّنفير، فضَيَّعت لشُؤمها أوقارًا مِن علومِ الرِّجال! ترى شاهد ذلك في مثلِ قول قيس بن الرَّبيع (^٤): «قدِمَ
_________________
(١) عبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان، أبو عبد الله العكبريّ، المعروف بابن بطة: عالم بالحديث، فقيه من كبار الحنابلة، من أهل عكبرا مولدا ووفاة، رحل إلى مكة والثغور والبصرة وغيرها في طلب الحديث، ثم لزم بيته أربعين سنة، فصنف كتبه وهي تزيد على مئة، منها «الشرح والإبانة على أصول السنة والديانة»، انظر «أعلام النبلاء» (١٦/ ٥٢٩).
(٢) «الاعتصام» للشاطبي (ص/٣٧).
(٣) «العواصم والقواصم» (٧/ ٢٧).
(٤) قيس بن الربيع الأسدى، أبو محمد الكوفي: من كبار أتباع التابعين، صدوق تغير لما كبر، وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدث به، مات سنة مائة وبضعٍ وستين للهجرة، انظر «التهذيب» لابن حجر (٨/ ٣٩١).
[ ١ / ١٥٢ ]
قتادةُ (ت ١١٧ هـ) (^١) الكوفةَ، فأرَدْنا أن نَأتيَه، فقيل لنا: إنَّه يُبغض عليًّا ﵁! فلم نَأتِه، ثمَّ قيل لنا بعدُ: إنَّه أبعدُ النَّاس مِن هذا! .. فأخَذنا عن رجلٍ عنه!» (^٢).
ويغلبُ على مَن تَهوَّر في نبزِ العلماء بهذه التُّهمة أن يكون باعثه على ذلك: حَسدُ أقرانٍ (^٣)، أو خصوماتٌ عَقديَّةٍ -وهذا الأكثر-؛ يعتقد المُخاصِم فيها ضَلالَ خَصْمه، ووجوبَ بُغضِه، فيُغْرِيه ذلك بتصديقِ ما يُقال فيه من شنيعِ الأوصاف مِن غير تثبُّتٍ، ولا مُراعاة لحقوقِ الأُخوَّة، وقد يفتري هو عليه ذلك ابتداءً (^٤)؛ كما قد فعلته الرَّافضة قديمًا في حقِّ علماء السُّنة، حتَّى قتَلوا منهم فريقًا (^٥)، ونَجَّى الله آخرين (^٦).
_________________
(١) قتادة بن دعامة بن قتادة السدوسى: من ثقات التابعين، قال أحمد ابن حنبل: «قتادة أحفظ أهل البصرة»، وكان مع علمه بالحديث، رأسا في العربية ومفردات اللغة وأيام العرب والنسب، وكان يرى القدر، انظر «سير النبلاء» (٥/ ٢٦٩).
(٢) «سير أعلام النبلاء» (٥/ ٢٧٢).
(٣) كما جرى لأبي حنيفة الاستراباذيِّ من أقرانه، انظر «الجواهر المضية» لابن نصر الله الحنفي (١/ ١٧٨).
(٤) «النصب والنواصب» لبدر العوَّاد (ص/٣٨٢ - ٣٨٣).
(٥) كما جرى لأبي العبَّاس المأمونيِّ الشَّاعر (ت ٣٨٣ هـ)، حين مدح الصَّاحب بن عبَّاد وأجزل له المَثوبة، حسده بعض جُلساءِ ابن عبَّاد، فوَشوا إليه بأنَّه ناصبيٌّ، انظر «سير النبلاء» (١٦/ ٥٠١).
(٦) مثل أبي بكر ابن أبي عاصم (ت ٢٨٧ هـ)، كما في «تاريخ دمشق» (٥/ ١٠٥)، وأبي العبَّاس النَّسوي (ت ٣٩٦ هـ)، كما في «تاريخ دمشق» (٥/ ٣٥٢).
[ ١ / ١٥٣ ]