مُدافعة أهلِ العلمِ والفكرِ لمَدِّ أفكارِ المدرسة العقلانيَّة المعاصرة
فلأجلِ ما في هذا التِّيار العقلانيِّ الإصلاحيِّ الجديد مِن انحرافات مَنهجيَّةٍ غير هَيِّنة، انْبَرَى ثلَّةٌ مِن أهلِ الفكرِ في مِصرَ وغيرِها للردِّ على آراءِ رُؤوسِه، وظَهَرت الشِّدة مِن بعضِهم في التَّشنيعِ على (الأفغانيَّ) و(محمَّد عبده)، كان منهم:
مُعاصِرُهما (محمَّد الجنبيهيُّ) (^١) وقد زامل عبده في الأزهر، حيث اشتد عليه وعلى شيخه الأفغاني خصوصًا، وذكر انحرافه عن أبواب من الأحاديث القدسية وتشرُّبه بالمنهج الطبيعي (^٢).
ومثلهُ (مصطفى صبري) (^٣)، شيخ الإسلام في الدَّولة العثمانيَّة، حيث رَدَّ
_________________
(١) محمد بن أحمد بن محمد عُليش: ليبيُّ الأصل، من أهل طرابلس الغَرب، وُلد بالقاهرة وتعلَّم في الأزهر، وولي مشيخة المالكيَّة فيه، ولما كانت ثورة عُرابي باشا اتُّهم بمُوالاتها، فألقي في سجن المستشفى وهو مريض، فتوفِّي فيه بالقاهرة سنة (١٨٨٢ م)، من تصانيفه «فتح العليّ المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك، انظر «الأعلام» (٦/ ١٩).
(٢) انظر كتابه بلايا بوزا (ص ٣٨، ١١٨ - ١١٩).
(٣) مصطفى صبري: فقيه باحث من علماء الحنفيَّة، تركي الأصل والمولد والمنشأ، تَولَّى مَشيخة الإسلام في الدولة العثمانيَّة، وقاوم الحركة (الكماليَّة) بعد الحرب العالميَّة الأولى، وهاجر إلى مصر بأسرته وأولاده سنة (١٩٢٢ م)، فألَّف كتبا بالعربيَّة، أشهرها «موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين»، توفي بالقاهرة سنة (١٩٥٤ م)، انظر «الأعلام» (٧/ ٢٣٦).
[ ١ / ٣٥٨ ]
على بعض مَقالاتِهما، وشَبَّهَهما بـ «لُوثِر» مُحْدِثِ البروتِسْتانتيَّة في النَّصرانيَّة! (^١)
وجاء بعده (يوسف الدِّجْوي) (^٢)، ليُخصِّص في الرَّد على (رشيد رضا) سِفرًا ناريًّا أسماه «صواعق من نار، على صاحب المنار»، تتبَّع فيه أشهر زلقاته في كتابه التَّفسير.
وبعدهم من بلاد المغرب يؤلِّف (عبد الرَّحمن النَّتيفي الجعفريُّ) (^٣) رسالةً صغيرة أسماها «الأبحاث البَيْضا، مع الشَّيْخين عبدُه ورشيد رِضا»، ناقشَ فيها رشيدًا في خمسِ مسائلَ أودَعَها تفسيرَه انتصَرَ فيها لشَيْخِه عبدُه، تحوي تأويلاتٍ مُتعَسِّفةً لبعضِ الآياتِ، ورَدًّا لبعضِ الأحاديث (^٤).
بل هذا (سيِّد قطب) (^٥) مُتذمِّرًا مِن تمعْقُلاتِ (عبده) وتلميذِه، ينبِّهُ قارئَ
_________________
(١) انظر «موقف العقل والعلم والعالم من رب العلمين» لمصطفى صبري (١/ ١٤٤).
(٢) يوسف بن أحمد بن نصر الدجوي: مدرس من علماء الأزهر، ضرير من فقهاء المالكية، ولد في قرية دِجوة من أعمال القليوبية. وكف بصره في طفولته، وتعلم بالأزهر (١٣٠١ - ١٣١٧ هـ) له كتب، منها: «تنبيه المؤمنين لمحاسن الدين»، و«الجواب المنيف في الرد على مدَّعي التحريف في الكتاب الشريف»، و«الرد على كتاب الإسلام وأصول الحكم لعلي عبد الرزاق»، توفي سنة ١٣٦٥ هـ ١٩٤٦ م، انظر الأعلام» للزركلي (٨/ ٢١٦).
(٣) عبد الرحمن بن محمد النتيفي: فقيه نظَّار، ينتسب إلى (انتيفة) قبيلة أطلسيَّة من القبائل المطلة على سهل تادلا وسطَ المغرب، ينتهي نسبه الشَّريف إلى جعفر بن أبي طالب، وَصَفه حافظ المغرب وقتها بو شعيب الدُّكالي بأنَّه «علَّامة ألمعي، وذكي حافظ لوذعي»، ألَّف أزيد من سبعين مؤلفًا، مُعظمها في نصرة ما يراه حقًّا في السُّنة، منها «نظر الأكياس في الردِّ على جهمية البيضاء وفاس»، و«الإرشاد والتبيين في البحث مع شُراح المرشد المعين»، توفِّي سنة (١٣٨٥ هـ ١٩٦٦ م) بالدار البيضاء، انظر ترجمته في مقدمة تحقيق كتابه «حكم السنة والكتاب» (ص/٩) دار الجيل، ط ٢، ١٤٣١ هـ
(٤) الكتاب لا يزال مشروعًا للطَّبع بعناية د. حميد عقرة، إلى ساعَتي كتابتي لهذه الحروف.
(٥) سيد قطب بن إبراهيم: مفكر إسلامي مصري، من مواليد قرية (موشا) في أسيوط، تخرج بكلية دار العلوم (بالقاهرة) سنة ١٣٥٣ هـ ١٩٣٤ م، وعمل في جريدة الأهرام، وكتب في مجلتي (الرسالة) و(الثقافة)، وعُين مدرسا للعربية، فموظفا في ديوان وزارة المعارف؛ انضم إلى جماعة الإخوان المسلمين، فترأس قسم نشر الدعوة، وتولى تحرير جريدتهم (١٩٥٣ م)، وسجن معهم، فعكف على تأليف الكتب ونشرها وهو في سجنه، إلى أن صدر الأمر بإعدامه. وكتبه كثيرة مطبوعة متداولة، منها: (النقد الأدبي، أصوله ومناهجه)، و(العدالة الاجتماعية في الإسلام)، و(التصوير الفني في القرآن)، و(الإسلام ومشكلات الحضارة)، و(السلام العالمي والإسلام)، و(المستقبل لهذا الدين)، و(في ظلال القرآن)، و(معالم في الطريق)، توفي سنة (١٩٦٧ م)، انظر «الأعلام» للزركلي (٣/ ١٤٧).
[ ١ / ٣٥٩ ]
تفسيرِ ظلالِه لسورة الفيل، إلى أنَّ نِيَّة الرَّجُلين في الذَّبِ عن الدِّين لا تَشفعُ لقبولِ ما أفسَداه مِن منهجِ التَّسليم لنصوصِ الوَحيِ، فيقول:
«.. مُواجهةُ ضغطِ الخُرافةِ مِن جِهة، وضغطِ الفتنةِ بالعلمِ مِن جهةٍ أخرى: تَرَكت آثارَها في تلك المدرسةِ مِن المُبالغةِ في الاحتياطِ، والمَيلِ إلى جعلِ مَألوفِ السُّنَن الكونيَّة هو القاعدة الكُليَّة لسُنةِ الله، فشاعَ في تفسيرِ الأستاذِ الشَّيخ محمَّد عبده - كما شاعَ في تفسيرِ تلميذَيْه: الأستاذ الشَّيخ رشيد رضا، والأستاذ الشَّيخ عبد القادر المغربي -﵏ جميعًا- شاعَ في هذا التَّفسيرِ الرَّغبةُ الواضحةُ في ردِّ الكثيرِ مِن الخَوارقِ إلى مَألوفِ سُنة الله دون الخارق منها، وإلى تأويلِ بعضِها، بحيث يُلائم ما يُسمُّونه (المعقول)! وإلى الحَذرِ والاحتراسِ الشَّديدِ في تَقبُّل الغَيبيَّات».
ثمَّ يقول: «.. ومع إدراكِنا وتَقديرِنا للعواملِ البِيئيَّة الدَّافعة لمثلِ هذا الاتِّجاه، فإنَّنا نلاحظ عنصرَ المُبالغة فيه، وإغفالَ الجانبِ الآخر للتَّصورِ القرآنيِّ الكامل، وهو طلاقةُ مَشيئة الله وقدرتِه مِن وراء السُّنَن الَّتي اختارها -سواء المَألوف منها للبَشر، أو غير المَألوف- هذه الطَّلاقة الَّتي لا تجعلُ العقلَ البَشريَّ هو الحاكمَ الأخير، ولا تجعل معقولَ هذا العقلِ هو مَردَّ كلِّ أمرٍ، بحيث يتحتَّم تأويلُ ما لا يوافقه، كما يتكرَّر هذا القول في تفسيرِ أعلامِ هذه المدرسة» (^١).
حتَّى مَن كان مِن الفقهاء مَحسوبًا على السَّلفيَّة الإصلاحيَّة، لم يترك العلماء الرَّد عليه إن أبْدَى زللًا في موقفِه مِن النُّصوصِ يَرَونه تابَع فيها عبدُه أو تلميذه؛ كحالِ ابن العربي العَلويِّ الفاسيِّ (ت ١٣٨٤ هـ) (^٢) حين حلَّ بمُرَّاكش مرَّةً، حدَّث
_________________
(١) «في ظلال القرآن» (٦/ ٣٩٧٨).
(٢) محمد بن العربي العلوي المدغري الحَسَني: فقيه علَّامة، نَشَأ في أوَّلِه مُتصوِّفًا على الطَّريقة التِّجانيَّة، ثمَّ رجع عن ذلك، واصبغ بالسَّلفيَّة بعد أن لقِيَ شيخَه بو شعيب الدُّكالي قافلًا من المشرق، درَّس في جامع القرويِّين بفاس، مُنافحًا عن مذهبه الجديد في محاربة البدع، فكانت لدعوته أثر بليغ وقته في المغرب، وأفتى بعض مُخالفيه من أرباب الأضرحة بكُفره، ثمَّ ترَّقى في المناصب حتَّى صار وزيرًا للعدليَّة، وصار يُلقَّب من مُحبِّيه بشيخ الإسلام، وكان السَّبب في توبةِ تلميذه محمد تقي الدِّين الهلالي من الطَّريقة التِّجانيَّة، توفي (١٣٨٤ هـ ١٩٦٤ م)، انظر ترجمته في «سَل النِّصال» لابن سودة (ص/١٩٥).
[ ١ / ٣٦٠ ]
بعضَ أعيانِها بنُكرانِ حديثِ لطمِ موسى ﵇ لمَلَك الموت، وحَكَمَ عليه بالوَضع، فـ «وَقَع له مثل ما وَقَع لرشيد رضا في حديث سجودِ الشَّمس تحت العرش، وما وَقع لعَبدُه في حديثِ سحرِ اليهودِ للنَّبي ﷺ، وهما في نَظَرِه الأستاذان الإمامان العظيمان اللَّذان تجاوزا القنطرة!» (^١).
فلم يَسكُت له أقرانُه من علماءِ المغرب وقتها، حتَّى تَصَدَّا للرَّدِ عليه في إنكراه (محمَّد بن الحسَن الحَجْوي) (^٢) في كتابه «الدِّفاع عن الصَّحيحين دفاع عن الإسلام»، ومحمَّد بن أحمد العَلوي الإسماعيليُّ (^٣) في كتابه «توضيح طُرق الرَّشاد، لحسمِ مادَّة الإلحاد» (^٤).
فلقد كان مِن كريمِ فضل الله تعالى على هذه الأمَّة، أن سَخَّر مثل هؤلاء الثُلَّة مِن أهل العلمِ الَّذين استطاعوا بنَقداتِهم لأفكارِ هذا التَّيار أن يحسُروا تَمدُّدَه -ولو قليلًا- في بقاعٍ كثيرةٍ مِن العالمِ الإسلاميِّ، بحُكمِ بقايا الثِّقة في نفوسِ
_________________
(١) «مشيخة الإلْغِيِّين» لمحمد المختار السُّوسي (ص/٢١٠).
(٢) محمد بن الحسن بن العربي الحجوي الثَّعالبي الجعفري الفلالي: فاسيٌّ من فقهاء المالكية السَّلفية في المغرب، دَرَس ودَرَّس في القرويِّين، وأُسندت إليه سفارة المغرب في الجزائر، وولي وزارة العدل فوزارة المعارف في عهد الاحتلال الفرنسيِّ، وبسبب تماهيه مع تنصيب ابن عَرَفة ملكًا للمغرب بدَلَ محمَّد الخامس، نَفَر منه كبار مُواطنيه وهَجَروه، ثمَّ عُزل بعد رجوع محمَّد الخامس، وتُوفيَّ بالرباط سنة (ت ١٣٧٦)، ولم يُصلَّ عليه! حتَّى نقلت الحكومة المغربيَّة في عهد الاستقلال تُربتَه إلى مكان مجهول، له كُتب مَطبوعة مُفيدة، أجَلُّها «الفكر السَّامي في تاريخ الفقه الإسلامي»، انظر ترجمته في «إتحاف المُالع» لابن سودة (٢/ ٥٦٠)، و«الأعلام» للزركلي (٦/ ٩٦).
(٣) محمد بن أحمد بن إدريس بن الشَّريف العلوي الإسماعيلي: من فقهاء المالكيَّة، تولَّى القضاء عدة مرات بمكناس وفاس وغيرهما من حواضر المغرب، من تصانيفه: «إتحاف النُّبهاء الأكياس بتحرير فائدة مناقشة الأوصياء»، و«تقييد على أوائل شرح البخاري»، توفي (ت ١٣٦٧ هـ)، انظر ترجمته في «سلُّ النِّصال» لابن سودة (ص/١٣٠).
(٤) وكلا الكتابين طُبِعا في دار ابن حزم ببيروت، في نشرة واحدة، سنة ١٤٢٤ هـ ٢٠٠٤ م، بتحقيق د. محمد بن عزوز.
[ ١ / ٣٦١ ]
النَّاس تُجاه فُقهائِهم، فيَكسروا مِن حِدَّة اندِفاعهم في نقض كثير من الأصول والنُّصوص الشَّرعية.
الأمر الَّذي أحدث في نفس المستشرقِ «هامِلتون جُب» حسرةً على انحباس مفعول هذه المدرسة وفواتِ أغراضِهم مِن انكماشِها، كما تراه في قوله: «لسوءِ الحظِّ: ظلَّ قسم كبيرٌ من المسلمين المحافظين .. لا يخضعون لهذه الحركات الإصلاحيَّة، وينظرون إلى الحركة الَّتي تزعَّمتها مدرسة محمَّد عبده بمصرَ نظرةً كلُّها ريبة وسوء ظنٍّ! لا تقِلُّ عن ريبتِهم في الثَّقافةِ الأوربيَّة نفسِها!» (^١).
لكنِّي مع ذلك أقول: ليتَ العلماءَ المحافظين وقتَها -وبعدها- اعتبرُوا الباعثَ لهذا التَّيار الإصلاحيَّ في الظُّهور، وما اكتنفته مَقالاتُهم مِن أفكار بديعةٍ نافعة، فيبْنُوا علي مِهادها مَشاريع إصلاحيَّة مُنَقَّحة، تَستفيدُ مِن اجتهاداتِ هذه المدرسة الرَّائدة إلى النَّهضة، وتَتَفادَى ما زَلَّت فيه مِن بعضِ مُخالفاتٍ لأصولٍ شرعيَّة.
فيكونوا بهذا قد خَدموا أمَّتَهم الخِدمة الَّتي يهفون إليها على وجهٍ أكملَ، بدَلَ قَصرِ الجهودِ -كما نراه اليوم- على مُجرَّد رُدودٍ لا تُعطي في ذاتها حَلًّا بديلًا لِما يعيشُه المسلمون -حُكَّامًا ومَحكومين- مِن إكراهاتٍ في واقعِهم.
والحمد لله على حِكمتِه في قضائِه وقَدَره.
_________________
(١) «إلى أين يتَّجه الإسلام» لجُب (ص/٦٩)، نقلًا عن «الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر» لمحمد محمد حسين (ص/٢١٣).
[ ١ / ٣٦٢ ]