مراحل الإماميَّة في ردِّها لصِحاح أهل السُّنة
المرحلة الأولى: اتَّسمَت بطابعَ الرَّدِ العامِّ لمنهجِ أهلِ السُّنةِ في تَلقي المَرويَّاتِ الحديثيَّة:
وهذا المَسلكُ مَيسَمٌ في النَّقدِ عند المُتقدِّمين منهم بخاصَّة، حتَّى صارَ كالتَّمهيدِ لمِا أتَى بعده مِن مَراحلِ النَّقدِ التَّفصيليَّة (^١)؛ مُتفرِّعٌ عند الإماميَّة عن أصلِ اعتقادِهم برِدَّةِ رُواتِها مِن الصَّحابةِ وأتباعِهم، لا يستَثنون منهم إلَّا النَّزرَ القليلَ (^٢).
المرحلة الثَّانية: الطَّعن في دواوينِ الحديثِ، وطريقةِ تصنيفِها، وإبداء ما يَزعمُونه مِن عيوبٍ فيها، ومن جملتها «الصَّحيحان»:
وكان ذلك مِن خلالِ إشاراتٍ ومَباحث مُستقلِّة ضمنَ مُصنَّفاتٍ لهم عامَّة؛ فكان مِن مُقدَّميهم في هذا النَّوعِ من الرُّدود: عليُّ بن يونس البَياضيُّ (^٣) (ت ٨٧٧ هـ)،
_________________
(١) وهم يَنسبون مثل هذه الطُّعونِ العامَّة بمَرويَّات أهل السُّنة لبعضِ الأئمَّة، كجعفر الصَّادق، كما تراه في «وسائل الشيعة» (١٨/ ٨٨).
(٢) في معظمِ رواياتِهم أنهم ثلاثة من الصَّحابة، انظر «موقف الشيعة الإثني عشرية من صحابة رسول الله ﷺ» لـ د. عبد القادر صوفي (١/ ١٦٩).
(٣) علي بن يونس، أبو محمد البَياضي: فقيه إماميٌّ، من أهل النَّبطية في جبل عامل بلبنان، له كُتب منها: «عصرة المنجود» في علم الكلام، و«منتهى السول في شرح الفصول» في التوحيد، كلاهما مخطوطان في النَّجف، لنظر «الأعلام» للزركلي (٥/ ٣٤).
[ ١ / ١٤٣ ]
وهو أقدمُ مَن علمتُه تَوثَّبَ على «صحيح البخاريِّ» بالتَّعليلِ بشيءٍ مِن التَّفصيلِ، وذلك في بعضِ فصولِ كتابِه «الصِّراط المُستقيم لمُستحقِّي التَّقديم».
فكان مِمَّا قالَه في حقِّ البخاريِّ: «ما رأينا عند العامَّة أكثر صيتًا، ولا أكثر درجةً منه، فكأنَّه جيفةٌ علَت! أو كلفة غشت بدرًا! كتَم الحقَّ فأقصاه، وأظهرَ الباطلَ وأدناه .. وإنَّما شاعَ كتابُه لتظاهرِه بعَداوةِ أهلِ البيتِ، فلَمْ يَروِ حديثَ (الغَدير) مع بُلوغِه حَدَّ الاشتهار» (^١).
ومِن بواعثِ مُحاولةِ الإماميَّة الطَّعنَ في دواوينِ الحديثِ في هذه المَرحلة:
ما كان انبرَى له تقيُّ الدِّين ابن تيميَّة (ت ٧٢٦ هـ) مِن جَوسِ ديارِهم بثَقيلِ وَطْأتِه على أصولِ مَذهبِهم، وإثخانِه في الطَّعنِ على مُصَنَّفاتِهم، وفضحِ الخَللِ المَهولِ في نَقلِ مَرويَّاتِهم، فنقموا بذلك عليه نقمةً خاصَّةً مع كثرةِ مَن رَدَّ عليهم مِن أهلِ السُّنةِ، بل في علماء السُّنة مَن بلغَ أن كَفرَّهم واستحَلَّ دماءَهم بما لا يُجِيزه ابن تيميَّة فيهم! ومع ذلك كانت أغلب سهامهم موجَّهةً إليه هو بخاصَّة، لعِظَمِ نِكايتِه في مَذهبِهم، وكشفِ مَعايِبِه وتناقُضاتِه للعامَّةِ (^٢).
فذبًّا عن ذِمار طائفتهم، لم يكُن لمَلَالي الرَّافضة مِن بُدٍّ إلَّا الهجوم على مَرويَّاتِ أهلِ السُّنةِ، مع اعترافِهم المَرير بأنَّ (علمَ الحديث) باصطلاحاتِه وتقعيداتِه، لم يكن معروفًا عند مُتقَدِّمي عُلمائهم، بل مُستعارًا مِن علومِ أهل السُّنةِ (^٣)، مُستحدَثًا في زَمنِ ابنِ المُطهَّر الحِلِّي (ت ٧٢٦ هـ) (^٤)، بعد أن اضطرَّه
_________________
(١) «الصراط المستقيم» للبياضي (٣/ ٢٢٦)، وانظر كذلك كتاب «الغدير» لعبد الحسين الأميني (٦/ ١٢١، ١٤٥) نقلًا عن «موقف الإماميَّة من أحاديث العقيدة» لفيحان الحربي (ص/٩٧).
(٢) انظر «أصول مذهب الشيعة الاثنا عشرية» لناصر القفاري (١/ ٣٤٨).
(٣) يقول الحر العاملي في «وسائل الشيعة» (٣٠/ ٢٥٩): «طريقة المتقدمين مباينة لطريقة العامة، والاصطلاح الجديد موافق لاعتقاد العامة واصطلاحهم، بل هو مأخوذ من كتبهم كما هو ظاهر بالتتبع وكما يفهم من كلامهم الشيخ حسن وغيره».
(٤) الحسن بن يوسف ابن علي بن المُطهَّر الحلِّي: عالم الشِّيعة وإمامُهم ومُصنفهم، وكان آية في الذكاء، نسبته إلى الحلَّة في العراق، وكان من سُكَّانه، اشتهرت تصانيفه في حياته، ك- «منهاج الكرامة»، و«تبصرة المتعلمين في أحكام الدين»، وانظر «لسان الميزان» للذهبي (٣/ ٢١٥).
[ ١ / ١٤٤ ]
نقضِ ابن تيميَّة لعُرَى كتابِه «منهاجِ الكَرامة» (^١)،
لتسويدِ كتابين في الحديث: «استقصاء الاعتبار»، و«مصابيح الأنوار» (^٢).
فلا غرو إن وجدنا بعدُ من كِبار شيوخِهم مَن يجعل غرض التَّأليف في هذا الفنِّ مُجرَّد التَّوقيّ مِن اتِّخاذِ مَذهبِهم مَسخرةً بين الخصومِ، ودفعًا لتعييرِ أهلِ السُّنة لعُلمائِهم، لا رغبةً أصيلةً في نقدِ مَرويَّاتِ أئمَّتِهم! ترى هذا الإقرار في مثل قول الحرِّ العامِليِّ (ت ١١٠٤ هـ) (^٣) في سياقِ كلامِه عن أسانيد الإماميَّة: «إنَّه طريقٌ إلى روايةِ أصلِ الثِّقة، الَّذي نُقل الحديث منه، والفائدةُ في ذكره: مُجرَّدُ التَّبركِ باتِّصالِ سلسلةِ المُخاطبةِ اللِّسانيَّة، ودفعِ تعييرِ العامَّةِ للشِّيعة! بأنَّ أحاديثَهم غير مُعنعَنة، بل منقولةٌ مِن أصولِ قدمائهم» (^٤).
فكان مِن نَتاجِ هذه المَقاصد المذهبيَّة: أنْ اهتمَّ الإماميَّة بعلومِ الرِّوايةِ والرَّجالِ وتقسيماتِ الحديث، مِن بعد القرن الثَّامن بخاصَّة، بدءً من محاولةِ ابنِ المطهَّر في كتابِه «خلاصة الأقوال في معرفةِ الرِّجال»، إذ كان أمثلَ من يُظنُّ فيه
_________________
(١) أرجع د. ناصر القفاري في «أصول مذهب الشيعة» (١/ ٣٨٤) جذورَ هذا التُّحوُّل المنهجيِّ في مواقف الشِّيعة الإماميَّة إلى ردود ابن تيميَّة على حَبرِهم ابنِ المطهَّر - كما يظهر ذلك من التَّوافق الزَّمني، حيث انبرى في كتابه العُجاب «منهاج السُّنة النَّبويَّة» إلى كشف زيف استدلالات شيعتِه من مصنَّفات السُّنة وغيرها، مبيِّنًا جهلَهم وكذبَهم في تعلُّقهم بالواهياتِ والموضوعات، ودلَّل على افتقارهم -كما في «منهاج السنة» لابن تيمية (٤/ ١٨) - إلى «أسانيد متَّصلة برجال معروفين، مثل أسانيد أهل السُّنة، حتَّى يُنظر في الإسناد وعدالة الرِّجال، بل إنَّما هي منقولات منقطعة عن طائفة عُرف فيها كثرة الكذب وكثرة التَّناقض في النَّقل، فهل يثق عاقل بذلك؟!» ..
(٢) انظر «الأعلام» للزركلي (٢/ ٢٢٧).
(٣) محمد بن الحسن بن علي العاملي، الملقب بالحُرِّ: فقيه إمامي، مؤرخ، وُلد في قرية مَشغر من جبل عامل بلبنان، وانتقل إلى العراق، ثمَّ طوس (بخراسان) فتوفي فيها؛ له تصانيف، منها: «الجواهر السنية في الأحاديث القدسية»، و«تفصيل وسائل الشيعة»، انظر الأعلام للزركلي (٦/ ٩٠).
(٤) «تفصيل وسائل الشيعة» للعاملي (٣٠/ ٢٥٨).
[ ١ / ١٤٥ ]
المقدرة على الكلام في هذه العلوم الدَّقيقة؛ مع أنَّ بضاعتَه في الحديثِ ورجالِه مُزجاة! وبعيدة عن ما اختصَّ به من العلومِ العقليَّة والكلاميَّة.
ومع كلِّ هذه الجهود في ترميم صدوعِ المَرويَّات الإماميَّة، وتحصينها من ردود أهل السُّنة، إلَّا أنَّ فريقًا من الطَّائفة المتأخِّرين -خاصَّة الإخباريِّين- أبَوا إلَّا النُّفورعن هذا العلمِ التَّوثيقيِّ، لأجل ما يسبِّبه من حرجٍ شديدٍ للأصولِ النَّقليَّة الَّتي ابتُني عليها المذهبِ بعامَّة؛ فهو مؤذِنٌ بخرابِ مراجِعهم الأثريَّةِ، ومُستلزمٌ عند العَامِليِّ لـ «ضعفِ كلِّ الأحاديث عند التَّحقيق» (^١)، وردِّ أكثرِ ما ينسبونَه إلى أئمَّةِ أهل البيت زورًا وبُهتانًا.
وشَهِد شاهدٌ مِن علماء النَّقل عندهم على ذلك! محمَّد باقر البَهبُودي (^٢) (ت ١٤٣٦ هـ) يذكرُ في مُقدِّمة كتابه «صحيح الكافي» -المُسمَّاة «زُبدةَ الكافي» - من حصيلةٍ نقديَّة هادمةٍ لكثيرٍ مِن مُرتكزاتِ المَذهب النَّقليَّة؛ حيث نَقَّح أحاديثَ هذا الأصل العظيم من أصول الإماميَّة، قد تعدَّت ستةَ عشر ألف حديثٍ، فأقرَّ بأنَّه حين طَبَّق عليها قواعد علمِ الرِّوايةِ والرِّجالِ، فأسقَطَ بها أحاديثَ الزَّنادقة والوَضَّاعين وأشباهَهم، لم يبقَ معه مِن الكتابِ إلَّا رُبُعه بالكثير! هذا و«الكافي» أصَحُّ كتابٍ حَديثيٍّ عند الإماميَّة؛ على ما في هذا الرُّبع نفسِه مِن انقطاعٍ، وجهالةِ رُواةٍ، ونحو ذلك مِن عِلل الأسانيد والمتونِ (^٣).
وإزاء هذه المُعضلات في الكتاب، لم يجِد أبو الحسَن الشَّعْرانيُّ (ت ١٣٩٣ هـ) (^٤) ما يعتذر به له إلَّا أن يُراهن على سَذاجة قُرَّاءه بادِّعاء
_________________
(١) «تفصيل وسائل الشيعة» (ص/٢٥٩).
(٢) محمد باقر البهبودي: عالم دين إمامي، وأستاذ جامعي مُعاصر في طهران، مُتخصِّص في علم الحديث، وُلد سنة (١٣٠٨ هـ)، اهتم بمشروع تنقية التراث الإماميِّ، فقام عليه اللَّغط وردود أفعال كبيرة من قِبل كثير من مشايخ الحوزات، من مؤلَّفاته: «صحيح الكافي»، و«معرفة الحديث».
(٣) انظر مقدمته لـ «صحيح الكافي» (ص/ي-ج).
(٤) أبو الحسن بن محمد بن غلام الشَّعراني الطَّهراني: رجل دين، ومُترجم شيعي إيراني، وُلد (١٣٢٠ هـ)، ثمَّ هاجر إلى النَّجف الاشرف، وأخذ يحضر دروس أبي تراب الخونساري، ثم عاد إلى طهران ليَظلَّ مشغولًا بالتَّدريس والتأليف إلى أن هلك، مِن كتبه: «المدخل إلى عذب المنهل» في أصول افقه.
[ ١ / ١٤٦ ]
«أنَّ أكثرَ أحاديثِ الأصولِ فيه ولو كانت غير صحيحةِ الإسناد، لكنَّها مُعتمَدةٌ، لاعتبارِ مُتونِها، ومُوافقتِها للعقائدِ الحَقَّة، فلا يُنظر في مثلها إلى الإسناد»! (^١)
لكن غيره كان أفطنَ في الجواب حين رأى التَّملُّصَ مِن هذا العلمِ بالمرَّةِ، أعني به ابنَ عصفور البَحرانيَّ (ت ١١٨٦ هـ) (^٢)، حيث توعَّد مَن سَوَّلت له نفسُه من الشِّيعةِ الاعتبارَ بهذا العلمِ أن يسلَخَ عنه دينَ طائفتِه! فقال: «مَنهج التَّصحيح والتَّضعيف الَّذي وَضَعه المُتأخِّرون، إنْ طَّبقوه، لم يبقَ مِن حديثِهم إلَّا القليل .. والواجبُ إمَّا الأخذ بهذه الأخبار كما هو عليه مُتقدِّمو علمائنا الأبرار، أو تحصيل دينٍ غَير هذا الدِّين! وشريعةٍ أخرى غير هذه الشَّريعة!» (^٣).
وأمَّا المرحلة الثَّالثة من مراحل نقد الإماميَّة لدواوين السُّنة:
ففيها تزيَّلت كتبٌ مُستقلَّةٍ في نقضِ «الصَّحيحين» والطَّعنِ في الشَّيخين، وكان للبخاريِّ وكتابه النَّصيبَ الأوفر من ذلك، لا تكاد تطَّلع على ورقةٍ مِن ردودِ مُتأخِّريهم على الحديث وأهله، إلَّا وجدتها مُغبرَّةً بخوض كاتبها في عِرْضِ البخاريِّ والاستهتارِ بـ «صحيحِه».
وعامَّة طريقتِهم في الرَّد على الكِتابين قائمةٌ على استعارة شُبهاتٍ سَوالِفَ لمُتَقدِّميهم حول بعضِ الصِّحاح، وخلطِ ذلك بشُبَهٍ مُعاصرة من مُستحدثات عقولهم.
وأرى أنَّ أوَّل ظهور لهذه المَرحلة في نقد «الصَّحيحين» في أوراق مُستقلَّةٍ، قد ظهرت في الإماميَّة أواخرَ القرن الثَّالث عشر (١٣ هـ)، بِما سَوَّده محمَّد عليِّ
_________________
(١) مقدمة الشَّعراني لكتاب «شرح أصول الكافي» للمازندراني (١/ ١٠) بتصرف يسير.
(٢) يوسف بن أحمد بن إبراهيم الدرازي البحراني، من آل عصفور: فقيه إمامي، من أهل البحرين، توفي بكربلاء، من كتبه «أنيس المسافر وجليس الخواطر» و«سلاسل الحديد في تقييد ابن أَبي الحَدِيد»، ألفه ردا علي ابن أبي الحديد في شرح النَّهج، لإثباته خلافة الخلفاء الرَّاشدين، انظر «الأعلام» للزركلي (٨/ ٢١٥).
(٣) «لؤلؤة البحرين» ليوسف البحراني (ص/٤٧).
[ ١ / ١٤٧ ]
عزُّ الدِّين (ت ١٣٠١ هـ) (^١) في كتابه «تحيَّة القاري لصحيح البخاريِّ» (^٢)، ثمَّ تبعه على رَصفِ المُؤلَّفات ورقمِ المقالات في ذلك كثيرٌ من كُتَّاب الحَوْزاتِ بعده إلى يومنا هذا.
_________________
(١) محمد علي آل عز الدين العاملي: وُلد في كَفْرة من جبل عامل، وفيها توفي في قرية حنويه، كان مؤلفا مصنفا أديبا شاعرا، لم يوجد له نظير من الشِّيعة في عصره في جبل عامل في المواظبة على المطالعة والتدريس والتأليف والتصنيف، له «تحية القاري لصحيح البخاري»، و«سوق المعادن» بمنزلة الكشكول، انظر «أعيان الشيعة» لمحسن أمين (٩/ ٤٤٧).
(٢) تحدَّث فيه عن مائة وواحد وأربعين حديثًا من أحاديث البخاري، وحديثه عنها مجرد إشارات عابرة، انظر «موقف الإماميَّة من أحاديث العقيدة في البخاريِّ» لفيحان الحربي (ص/٩٩).
[ ١ / ١٤٨ ]