محمود أبو ريَّة (^١)
وكتابه «أضواء على السُّنة المحمَّدية»
لا يكاد المرءُ يَسمع عن موضوعِ الطَّعنِ في أحاديث السُّنة والغمزِ في رُواتِها، إلَّا قفز إلى ذهنه اسمُ (أبو رَيَّة) سِراعًا، لِما عُرِف به مِن أوَّليَّةٍ في تقحُّمِ هذه المَخاضةِ النَّتِنَةِ مِن التَّشكيكِ في مِصداقيَّة التَّدوين لها، ومُعارضتِه لِما تلقَّته الأمَّة بالقَبولِ مِن أخبارِ «الصَّحيحين» وغيرهما، بألوانٍ مِن شُبَهٍ مَلأتْهُ إلى مُشاشِه.
أمَّا تطاوُله فوق ذلك على الصَّحبِ الكِرام ﵃، ورَميُه لحافِظِهم أبي هريرة ﵁ في دينِه، وقدحِه بأمانتِه، وتَبجُّحِه بكشِفِ هَناتِه للنَّاس: فذاك أمرٌ أغربُ مِن مُفاخرَة الحَصى للشُّهُب، والقدحِ في نورِ الصُّبحِ على لسانِ الدُّجى!
قد بَدَت أُولَى أماراتِ انحرافِه سنةَ (١٣٦٣ هـ) حينَ شُوهِد في مجلَّة «الفتح الإسلامي» (^٢) مُتجشِّمًا الدِّفاعَ عن القرآن، مُستبطِنًا في ذلك غمْزًا بالسُّنةِ لا تُخطِئُه قريحة، وازدراءً لرُواتِها بألفاظٍ قبيحةٍ.
_________________
(١) من الكُتاب البارزين المصريين الذي عُرفوا بالطعن على السُنة النبوية، والتهجم على حافظها أبي هريرة في كتابه «أبو هريرة شيخ المضيرة»، توفي سنة (١٩٧٠ م)، وقد أخمل الله تعالى ذكره فلم يترجم له الزركلي في «أعلامه» مع تقدم وفاته عنه، ولا استدركه أحد بعده فيما علمت، ولم يترجم له إلا الشيعة الاثنا عشرية عند سيدهم (مرتضى الرضوي) في كتابه «مع رجال الفكر» (١/ ١٣٠ - ١٥٨) احتفاءً بحربه لأصول السنة وأئمتها وما يؤول إليه ذلك من نصرة مذهبهم وانتشاره في أوساط أهل السنة.
(٢) العدد: ٥٤٦، ١٠ صفر ١٣٥٦ هـ (ص/١١٠٠).
[ ١ / ٢٤٩ ]
إلى أن أسفَرَ عن عَدائِه للسُّنَةِ صُراحًا في مَقالٍ له أسماه: «الحديث النَّبوي»، نشرَته مجلَّة «الرِّسالة» (^١)، فيه بَشَّرَ بإخراجِ كتابِه القُنبلة: «أضواء على السُّنةِ النَّبويَّة»، ليُحدِثَ به بعدُ «بَلْبلةً في الأفكارِ عند مَن لم يَتَعمَّقوا في دراسةِ السُنَّة» (^٢)، كحالِ زُرافاتٍ مِن أدعياءِ الحَداثةِ، وصَناديدِ العَلمنةِ، الَّذين تكَالبوا آنَذاكَ -ولازالوا (^٣) - على الثَّناءِ عليه في كتابِه هذا.
ثمَّ راحوا يحثُّون أربابِ القَرارِ في مِصر لفسحِ مجالِ النَّشرِ له، رغمًا عن أنوفِ علماءِ الأزهرِ! فلم تكُن وَجاهةُ هؤلاء لتُلزم وزارةَ الثَّقافة بمنعِ ذلك، وقد حالَ بينهم وبين سَعيِهم هذا للمنعِ برقِيَّةٌ خَطَّها أحَدُ أقطابِ الأدَبِ العَربيِّ وقتها، يَحكي تفاصيلَها (أبو ريَّة) ونَشوةُ الانتصارِ منه على مَن أطعَموه العِلمَ صغيرًا تَملؤُ صدرَه، حيث قال: «.. عَلِمَ أخيرًا بالأمرِ نَصيرُ الدِّين والفكرِ: (طَه حُسين)، فطَلَب أصولَ الكتابِ مِن وزارةِ الثَّقافةِ، ولمَّا اطَّلَع عليه، أعادَه علينا مع خطابٍ، دَحَض فيه ما رَماه الأزهرُ به، وصَرَّح في جَلاءٍ أنَّه مُوافق للدِّينِ كلَّ الموافقةِ، لا يُخالفه ولا يَنبو عنه في شيءٍ مُطلقًا، وأنَّه مُفيدٌ فائدةً كبيرةً جدًّا في علمِ الحديث»! (^٤)
وهكذا فليَكُن جَلَدُ الفاجرِ، في الدَّفعِ عن الباطل بِالباطِل!
هذا الكتاب -مع كلِّ الجَلَبة الَّتي رافقت صدوره- لم يُضِف فيه صاحبُه جديدًا إلى البحث العِلميِّ، بل ولا إلى أصلِ الشُّبَه والطُّعون الَّتي قالها أسلافُه مِن مُنكري السُّنَن، فلم يكُن أبو ريَّة إلَّا مِن مُستنقَع المُستَشرِقين يَمْتَح، وعن مائِهم الآسِن يَصدُر.
_________________
(١) العدد: ٦٣٣، رمضان ١٣٦٤ هـ ١٩٤٥ م.
(٢) «دفاع عن السنة ورد شبه المستشرقين» لمحمد أبو شهبة (ص/٣٩).
(٣) انظر نماذج من استشهاد العلمانيين المعاصرين بمحمود أبي ريَّة في «الاتجاه العلماني المعاصر في دراسة السُّنة» لغازي الشَّمري (ص/٤٣٢ - ٤٣٣).
(٤) «مع رجال الفكر في القاهرة» لمرتضى الرضوي (١/ ١٣٠ - ١٥٨).
[ ١ / ٢٥٠ ]
«إنَّما الَّذي فاقَهم فيه، أنَّه أكثر خُبْثًا ودَناءةً، وأسوأُ أدَبًا مع الصَّحابةِ الأُمَناء، وأجرأُ على الكذبِ، والبُهتِ، والخياناتِ العِلميَّة» (^١).
لكنَّ حُرَّاس الشَّريعةِ لم يَسكتوا له حتَّى تَتابَع مُحقِّقوهم على كشفِ جَهالاتِه وتَبيِينِ زَغَلِ كِتابِه، بَلَغوا بها أربعةَ عشرَ مُؤلَّفًا (^٢)، أجودُها في نَظَري: كتاب «الأنوار الكاشِفة» للمُعَلِّمي، لِما لمُؤلِّفه مِن فهم عميقٍ لعلومِ الحديث، هو عندي مِن نَوادِر العصرِ في ذلك؛ ثمَّ بعده كتاب «ظُلمات أبي ريَّة» لمحمَّد عبد الرَّزاق حمزة، والفصول المُخصَّصة للرَّد عليه مِن كتابِ «الدِّفاع عن السُّنة وردُّ شُبَه المستشرقين» لمحمَّد أبو شهبة، و«السُّنة ومَكانتها في التَّشريعِ الإسلاميِّ» لـ د. مصطفى السباعي.
فلم تبقَ بعدهم -بفضلِ الله- حاجةٌ لرَدٍّ جديد، لولا أنَّ آراءَه قد عادت إلى الظُّهور مجدَّدًا عند (أبي بكر صالح) و(إسماعيل كردي) و(سامر إستانبولي) وغيرهم مِن أعداء السُّنَن المعاصرين.
تقيِيم كتاب «الأضواء» ومُؤلِّفِه:
والَّذي يُمكِنُنا الخلوص إليه بعد تَصَفُّحنا لتلك الرُّدودِ السَّالف ذكرها مع الكتابِ المَردود، مُحصَّلٌ في الأفكارِ التَّالية:
أوَّلًا: أنَّ الرَّجل غيرُ مَوثوقٍ فيما يَنقُل، فتراه يَزيد أحيانًا في النَّصِ الَّذي ينقُده كلمةً يُفسِد بها مَعناه، لينسجِمَ مع ما يُريد هو دون مُرادِ قائِله، فمثالُ ذلك:
اختلاقه قولًا نَسَبه إلى «صحيح البخاريِّ» زُورًا، زَاعمًا أنَّه في «فتح الباري»، حيث نَسَبَ إليه أنَّ «عبدَ الله بن عمرو ﵁ أصابَ زامِلَتَين مِن كُتب أهلِ الكتابِ، وكان يَرويها للنَّاسِ (عن النَّبي ﷺ»)! (^٣)
_________________
(١) «السنة في مواجهة الأباطيل» لمحمد طاهر رسول (ص/٦٤).
(٢) «مرويات السيرة» لـ د. أكرم العمري (ص/٣٨).
(٣) «أضواء على السنة المحمدية» (ص/١٦٢، الهامش ٣).
[ ١ / ٢٥١ ]
كذا قال، وشَرْحُ ابن حَجرٍ خلوٌ مِن هذا اللَّفظِ الأخيرِ «عَنْ النَّبِيِّ»، وابن عمروٍ ﵁ يَبرؤُ إلى ربِّه أن يَنسِب تلك الصُّحف إلى قولِ نبيِّه ﷺ؛ وعند الله تجتَمِع الخصوم (^١).
ثمَّ كثيرًا ما يُنقص (أبو ريَّة) كلمةً مِن نصٍّ يستدلُّ به، أو يُسنِد القولَ إلى غيرِ صاحبِه تضليلًا منه وتمويهًا، وهو القائل في فواتح كتابه: «الكذب هو أبو الرَّذائل كلِّها، سواء أكان عن عمدٍ ام غير عمد» (^٢)! فقد ذَكَر السِّباعي وقائع تشهد على كذبات (أبو ريَّة) تلك أثناء مُناقشتِه له فيما كَتَبَه في حقِّ أبي هريرة ﵁ (^٣)، مختتمًا ذلك بقوله: «.. ومِن عدالةِ الله أنَّا أمسكنا بأبي ريَّة مُتلبِّسًا بجريمةِ الكذبِ العمدِ كما رأيتَ» (^٤)!
لترجع على نفسِ (أبو ريَّة) دَعوتُه حين دَعا بقولِه: «.. فلعنةُ الله على الكاذبين مُتعمِّدين أو غير مُتعمِّدين»!
ثانيًا: أنَّ (أبو ريَّة) يَستدلُّ لشُذَّاذِ أفكارِه بنصوصٍ قيلَت في مَوضوعٍ غيرِ المَوضوع الَّذي يستدلُّ عليه، إيهامًا للقارِئ أنَّه مُؤيَّد فيما يَقولُ بعُلماءَ أقدمينَ (^٥)؛ كـ «اعتصام» الشَّاطِبي، و«الجامعِ» لابن عبد البرِّ.
فهل هؤلاءِ انتهوا إلى ما انتهى إليه أبو ريَّة مِن طعنٍ في حجيَّة السُّنة ورواتِها الأعلام؟!
ولَإن كان (أبو ريَّة) نفسه لا يَرتضي مَضامين تلك المُصنَّفاتِ السُّنيَّة، ولا مناهج مُؤلِّفيها، فإنَّ شغفَه بالتَّدليسِ على قُرَّائِه، وإقاعِهم في شِّراك حِيَله، دفعاه إلى هذا الأسلوبِ الَّذي أجابَ مَن استشكَلَه عليه بقولِه: «الأحاديث الَّتي أُورِدُها في سياقِ كلامِي للاستدلالِ بها على ما أريد في كتابي: إنَّما أسوقُها لِكَي
_________________
(١) ولمزيدٍ معرفةٍ بتحريفاته، يُنظر «السُّنة المفترى عليها» لسالم البهنساوي (ص/٢٨٦).
(٢) «أضواء على السنة المحمدية» (ص/٣٨).
(٣) انظر كتابه «السنة ومكانتها في التشريع» (ص/٣٦٣).
(٤) «السُّنة ومكانتها» (ص/٣٦٨).
(٥) انظر «السنة ومكانتها» (ص/٣٦٥)
[ ١ / ٢٥٢ ]
نُقنِعَ مَن لا يَقتنع إلَّا بها، على اعتبارِ أنَّها عنده مِن المُسَلَّمات التي يُصدِّقها ولا يُماري فيها»! (^١)
فسعيًا لتحقيق هذا المقصِد، نرى (أبو ريَّة) مهتمًّا بالنَّقل عن (رشيد رِضا) وفيما أخطأ فيه اجتهادُه تحديدًا، لِما يَعلَمُه مِن مَكانتِه العِلميَّة المَرموقةِ في عَصرِه، وإلَّا «لو كان رشيدٌ حَيًّا حين أصدَرَ أبو ريَّة كتابَه، لكانَ أوَّلَ مَن يَردُّ عليه في أكثرِ مِن مَوضعٍ في ذلك الكتاب» (^٢).
ثالثًا: تحريفُه لظواهرِ النُّصوصِ عمدًا، وتحكُّمه في مُراداتِها تحكُّمًا يُمليه الهَوى لا البحث المَوضوعيُّ، كادِّعائِه -مثلًا- أنَّ أبا هريرة ﵁ لديه كِتابَان مَخطوطَانِ حَفِظَهما عن رسولِ الله ﷺ (^٣)؛ فهِم هذا مِن قوله ﵁: «حفِظتُ عن رسولِ الله ﷺ وِعَاءين، فأمَّا أحدُهما فبَثَثتُه، وأمَّا الآخر فلو بثَثتُه لقُطع هذا البلعوم» (^٤).
وظاهرٌ جدًّا من هذا النَّص العَربيِّ المُبين، أنَّ أبا هريرة لم يقصِد ما تقَوَّله (أبو ريَّة)، ولا أحدٌ فهِم أنَّ عنده كتابين، أو كتابًا واحدًا! «وإنَّما قَصَد ﵁ وفَهِم النَّاس عنه: أنَّه حَفِظ ضَرْبَين مِن الأحاديث: ضربٌ يتعلَّق بالأحكام ونحوِها، ممَّا لا يَخاف هو ولا مثلُه مِن روايتِه، وضربٌ يتعلَّق بالفِتَن وذمِّ بعضِ النَّاس، وكلُّ أحدٍ مِن الصَّحابة كان عنده مِن هذا وهذا» (^٥).
رابعًا: أنَّه في سبيلِ تأكيدِ الفكرةِ المُستَولِية عليه، يرفضُ نصوصًا أجمَعَ العلماء على صِحَّة نقلِها، مِن حيث يَعتمِد على رواياتٍ مَكذوبةٍ نَصُّوا على بُطلانها! ككثيرٍ من الحكاياتِ المَرويَّةِ في كُتبِ الأدباء، ونَوادِر المَجالِس (^٦)، مِمَّا
_________________
(١) «أضواء على السنة المحمدية» (ص/٣٣).
(٢) «السنة ومكانتها» (ص/٣٠).
(٣) انظر «أضواء على السنة المحمدية» (ص/١٨٤).
(٤) أخرجه البخاري في (ك: العلم، باب: حفظ العلم، رقم: ١٢٠).
(٥) «الأضواء الكاشفة» (ص/٢٠٣ - ٢٠٤).
(٦) «السنة ومكانتها» (ص/٣٧٦).
[ ١ / ٢٥٣ ]
لا سَنَد له ولا زِمام، بل لا يُعرَف أحيانًا قائِلُها! كالَّتي نراها في «حياةِ الحيوانِ الكبرى» للدَّميري، و«الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني، «وهذا نفسُه المنهج العِلميُّ الَّذي قَدَّمه المُستشرِقون وأتباعُهم لتزيِيفِ المفَاهيم الأساسيَّة والأصِيلة» (^١).
و(أبو ريَّة) وإن كان غَرضُه إسقاطَ اعتبارِ السُّنة، وإهدارَ جُهدِ نَقَلَتِها، فهو لأجلِ تحقيقِ ذلك، يَنقُل ما يُسنِده مِن كُتبِ أعدائِهم مِن الإماميَّة، كـ «تفسير الخوئي»، شَغوفًا بالتَّزلُّفِ إلى أربابِ مَذهبِهم، والمَيلِ بمُؤلَّفاتِه إلى ما يَهواه أصحابُ الخُمُسِ مِن مَلَالي لبنان وغيرها (^٢).
_________________
(١) «السنة النبوية في مواجهة شبهات الاستشراق» لأنور الجندي (ص/١٠).
(٢) لم يكن أبو ريَّة زائغَ القول في جميعِ أصحاب النبي ﷺ، بل كان مُعترفًا بالفضل لأبي بكر وعمر ﵃، كما تراه في «أضواء على السنة» (ص/٢٤٢): «لولا حزم أبي بكر، وصرامة عمر، ومن عاونهما من خيار الصَّحابة وصالحيهم، لاندكَّ صرح الإسلام وهو في المهد ..»، ولكنَّهم أفراد قلائل، سَلَّط عليهم لسانَه المَسموم بالذَّم والتَّنقيص من أقدارهم -كمعاوية وأبي هريرة-. فما كان على دواهي الإماميَّة إلَّا امتطاءَ إكافَ ظهرِه، ليشنُّوا به الغارَةَ على أهل السُّنة، مُحاولين -جهدَ أحلامِهم- نقلَ المعركة على السُّنَن داخل الصفِّ السُّنيِّ نفسِه. لأجل هذا أكثرَ (مُرتضى الرَّضوي) صاحب كتاب «مع رجال الفكر في القاهرة» الاتِّصالَ بأبي ريَّة، وكانت علاقته بَعدئذٍ وطيدةٌ بعبد الحسين العامليِّ (ت ١٣٧٧ هـ)، أحد علماء الإماميَّة بلبنان، وقد تأثَّر (أبو ريَّة) بكتابَي مُرتضى العسكري «أحاديث عائشة» و«عبد الله بن سبأ»، يزعم أنَّهما الفصلُ في حقيقة الحقبة الأولى من الإسلام؛ هذا مع ما كانت له من مُراسلات مع كثير مِن علماء الإماميَّة، منهم (صدر الدِّين شرف الدِّين)، الَّذي تبرَّع بطبع كتاب أبي ريَّة «أبو هريرة: شيخ المضيرة» طبعتَه الأولى في لبنان، واصفًا أبا ريَّة في تَقدمته للكتاب في طبعته الثالثة (ص/٥ - ٦): «بالعَلَّامة الَّذي يَلين بيَدِه الحديث»! وليست هذه المودَّة مِن أبي ريَّة لهؤلاء الإماميَّة مُجرَّد مُداهنةٍ يرجو منها حطامَ دنيا فقط، بل هو مع ذلك مُعتقدٌ لكثيرِ مِمَّا يقولونه أواخرَ عُمره، أظهر ذلك في بعض تَواليفه، منها «أمير المؤمنين عليُّ، وما لَقِيه مِن أصحاب رسول الله ﷺ» -وهو مخطوط-. وينقلُ عنه الرَّضويُّ من بعضِ مَجالسِه قدحَه في أمِّ المؤمنين عائشة ﵂، كاتِّهامِه لها بأنَّها كانت تَكيد بالنَّبي ﷺ وتمكُر به، وأنَّها «كانت تُؤيِّد معاوية في حروبِه مع عليٍّ ﵃، ولم تهدأ ثائرتُها حتَّى قُتِل عليٌّ فَقرَّت عينها، وهدَأت نفسها .. وإنْ كان الظَّنُّ أنَّ الله لا يَغفر لها»! انظر هذا وزيادة في كتاب «مع رجال الفكر في القاهرة» لمرتضى الرَّضوي (١/ ١٣٠ - ١٥٨). فإن كان مُرتَضى صادقًا في ما ينقلُه عنه -ولستُ في ثلَجٍ من وقوع ذلك حقيقةً، لِما عُرفَت به الإماميَّة مِن الكذب نُصرةً لدينِها، ولستُ أستبعِده أيضًا- فإنَّ (أبو ريَّة) يكون بِهذا قد تزندق! لا تُعلم له طائفةٌ يَنتسِب إليها، فتنةً من الله له جَرَّاء خُبثِ طَويَّتِه، ووقوعِه في أولياءِه.
[ ١ / ٢٥٤ ]
وهذا ما لمَّحَ إليه المُعجَب به (محمَّد حمزة) بقولِه: «إنَّ حماسَ أبي ريَّة الشَّديد لانتقادِ آراءِ أهلِ السُّنة، أوقَعه -مِن حيث لا يشعر- في قبولِ مَقولات شيعيَّةٍ، بقي الشِّيعة إلى اليوم في كتاباتِهم يُغذُّون بها مِخيالهم الاجتماعيَّ، كفضلِ عليٍّ على بقيَّةِ الخلفاء الرَّاشدين، والعنت الَّذي لقيته فاطمة ابنة الرَّسول ﷺ مِن أبي بكر» (^١).
فلأجلِ هذا التَّلوُّنِ العَقديِّ عند (أبو ريَّة)، والتواءِ قَلَمِه بحسب ما يُمليه هَواه، نجِد أنَّ النَّاقلين عنه مِن خصومِ السُّنَةِ يَنتمون إلى غير تيَّار فكريٍ واحد، ففيهم القرآنيُّ (^٢)، والعَلمانيُّ (^٣)، وفيهم العَقلانيُّ المُتشرِّع (^٤)، فضلًا عن الشِّيعةِ الإماميَّة كما أسلفنا به الذِّكر (^٥).
فلأجلِ ما تقدَّم من خليطِ انحرافاتِه صعُب عليَّ تصنيفه في خانةٍ فكريَّةٍ مُحدَّدة، وإن كُنَّا ارتأينا حشْرَه مع زُمرةِ المُنكرين للسُّنةِ أصالةً، فلأنَّ الكُلَّ مُتَّفِقٌ على وُلوغِه في هذه البائقةِ، وانتشارِ رأيِه بخصوصِ الطَّعنِ في أكثر السُّنَن، واهتبالِه بالقرآنِ وحدَه كما يدَّعي، وهذه اللَّبِنةُ الأساسةُ الَّتي شَيَّد عليها القرآنيُّون صرْحَ مذهبِهم بعدُ، مع زعمه أنَّه غيرُ مُنكرٍ للسُّنةِ في أصلِها.
يظهر لك هذا الموقف في مثلِ قولِه: «.. إنَّ الَّذي يجبُ التَّصديق به، واعتقاده، إنَّما هو الخبرُ (المُتواتر) فحسبْ؛ وليس عندنا كتابٌ يجبُ اعتقاد كلِّ ما جاء به اعتقادًا جازمًا يبعث اليقين إلى القلب غير القرآن الكريم، الَّذي جاء مِن طريقِ (التَّواتر) .. أمَّا الأخبار الَّتي جاءت مِن طريقِ الآحاد، وحَمَلتها كتبُ الحديثِ، فإنَّها لا تُعطي اليقينَ، وإنَّما تُعطىي الظَّن، والظنُّ لا يُغني مِن الحقِّ شيئًا!» (^٦).
_________________
(١) «الحديث النبوي ومكانته في الفكر الإسلامي المعاصر» (ص/٣٣١).
(٢) كصالح أبو بكر، وسامر إسلامبولي، وانظر «مرويات السيرة» لـ د. أكرم العمري (ص/٣٨).
(٣) كـ د. محمَّد حمزة، انظر «الحديث النبوي ومكانته في الفكر الإسلامي الحديث» (ص/٩٧).
(٤) كإسماعيل الكردي، انظر كتابه «تفعيل نفعيل قواعد نقد متن الحديث» (ص/١٧٤).
(٥) كجعفر السُّبحاني، انظر كتابه «الحديث النبوي بين الرواية والدراية» (ص/٦٧٨).
(٦) مقال له بعنوان: «معركة الذُّباب»، مَنشور في مجلَّة «الرِّسالة» (بتاريخ ٢٤/ ١٢/١٩٥١ م، العدد: ٩٦٤، ص/٧ - ٨).
[ ١ / ٢٥٥ ]
وبعد هذه الخُلاصة عن (أبو ريَّة)، فإنِّي مُقرٌّ بأنِّي لم أجد مَن ترجمَ له ترجمةً تُنبئ عن مُستواه العِلميِّ، وتصنيفِه الفكريِّ، بل أيَّ ترجمةٍ تاريخيَّة كيفما كانت! ولو مِن مُقَرَّبيه، ولو بعد موتِه! «فكأنَّما تَواصى النَّاس على إخمالِ ذكرِه، ولولا أنَّه يُعاد ذكرُه عند الطَّاعنين في السُّنة والحديث، مُستشهِدين بكتابِه، وعند المُدافعين عنها نقضًا لكلامِه: لكان نَسْيًا مَنسِيًّا، وهذا مِن عجيب صُنع الله ﷿ به!» (^١).
وبهذا يتَّضح أنَّ كتابَ (أبو ريَّة) ليست له أيَّة قيمةٌ علميَّة مُعتبرةٍ، لأمرين بارزين فيه:
أوَّلًا: خُلوُّ الكتاب مِن المنهج المَوضوعيِّ النَّقديِّ القويم، وهو الَّذي يدَّعي أنَّه «أعلم من الشَّافعي وأبي حنيفة!» (^٢).
ثانيًا: خلوُّ كاتِبه مِن الأمانة العِلميَّة (^٣)، وهو -مع ذلك- لا يَرْعوي أن يَنبُزَ مَن عَلَّموا الدُّنيا أمانةَ العلمِ وبراعة التَّحقيقِ بالغفلةِ أو الكذب.
ولعلَّ هذه النَّفس المغرورةَ بجهلِها المُركَّب، هي ما دَعَت أستاذَه الأديب الصَّادقَ الرَّافعي (ت ١٣٥٦ هـ) أن يَقول له قولتَه اللَّاذِعة: «ليتَك كنتَ مَجذوبًا يا أبا ريَّة .. ولكنَّك لا تصلُح مَجذوبًا ولا عاقِلًا» (^٤)! ..
وصدقَ ﵀.
_________________
(١) مقدمة تحقيق علي عمران لـ «الأنوار الكاشفة» (١٢/ ٦ - ٧ آثار المعلمي).
(٢) «مع رجال الفكر في القاهرة» لمرتضى الرضوي (١/ ١٣٠ - ١٥٨).
(٣) انظر «السنة ومكانتها» لـ د. مصطفى السباعي (ص/٣٧٣).
(٤) «من رسائل الرافعي إلى محمود أبو ريَّة» (ص/٧٧).
[ ١ / ٢٥٦ ]