مَوقف المُعتزلة مِن الأحاديثِ النَّبويَّة بخاصَّةٍ
المُعتزلة مِن أوائلِ الفِرق الإسلاميَّةِ المَقرونِ اسمُها مع العقلِ غُلوًّا في تَوظيفِه، حيث قَدَّمته أوَّلًا على باقي مَراتبِ الأدلَّة (^١)؛ ثمَّ تَقَعَّد هذا المَنحى فيها وتمكَّن على يَدِ أبي الهُذيل العَلَّاف (ت ٢٢٦ هـ) (^٢)، إذ كان أوَّلَ نزَّاعٍ إلى العَقلنةِ اليونانيَّةِ مِن طائفتِه، استاقَ مِن الكُتبِ المُترجِمةِ لأفكارِ الفلاسفةِ ما أفرَغَه في كلامِ أهلِ الاعتزال (^٣) -بشهادةِ تلميذِه النَّظام (^٤) (ت ٢٣١ هـ) (^٥) - فتوَلَّدت عن ذلك أصولٌ مَشينةٌ، حَطَّ بها مِن قَدرِ الأخبارِ النَّبويَّة بخاصَّة.
تَرى شاهِد هذا الانحراف منه عن الأخبار في مثلِ قولِه: «الرِّواية ريبةٌ، والحُجَّة في المَقايِيس» (^٦)، وقولِه: «إنَّ الحُجَّة مِن طريق الأخبارِ فيما غاب عن
_________________
(١) كما أقرَّ به القاضي عبد الجبَّار في «فضل الاعتزال» (ص/١٣٩).
(٢) محمد بن الهذيل العبدي: شيخ المعتزلة، ورأس الطائفة الهذيلية، ولد في البصرة واشتهر بعلم الكلام، حتَّى قال المأمون: «أطلَّ أبو الهذيل على الكلام كإطلال الغمام على الأنام»، انظر «تاريخ بغداد» (٣/ ٣٩٦).
(٣) انظر «الملل والنحل» للشهرستاني (١/ ٢٩) و«طبقات المعتزلة» لابن المرتضى (ص/٤٤).
(٤) إبراهيم بن سيار بن هانئ النَّظام: رأس الفرقة النظامية المعتزلة، تبحَّر في علوم الفلسفة، واطلَّع على أكثر ما كتبه رجالها من طبيعيين وإلهيِّين، وانفرد بآراء خاصَّة شنيعة، فكان مُتَّهما بالزندقة، وكان شاعرا أديبًا بليغًا، انظر «طبقات المعتزلة» (ص/٤٤)، و«سير النبلاء» (١٠/ ٥٤١).
(٥) «فضل الاعتزال» للقاضي عبد الجبار (ص/٢٦١).
(٦) «فضل الاعتزال» للقاضي عبد الجبار (ص/٢٥٩).
[ ١ / ١٠٨ ]
الحواسِّ مِن آياتِ الأنبياء ﵈، وفيما سِواها لا تثبُت بأقلِّ مِن عشرين نفسًا، فيهم واحدٌ مِن أهلِ الجنَّة أو أكثر»! (^١)
ومِن شَواهدِ هذا الانحرافِ الاعتزليِّ عن الأحاديثِ:
ما قرَّره عبد الجبَّار الهَمداني (ت ٤١٥ هـ) (^٢) في قولِه: «ما سبيلُه مِن الأخبار، فإنَّه يجب أن يُنظَر فيه: فإنْ كان ممَّا طريقه العمل، عُمِل به إذا أورِد بشَرائِطه، وإن كان ممَّا طريقُه الاعتقادات، يُنظر: فإنْ كان مُوافقًا لحُجَجِ العقولِ، قُبِل واعتُقِد مُوجبُه، لا لمكانِه، بل للحُجَّة العقليَّة، وإنْ لم يكن مُوافقًا لها، فإنَّ الواجب أن يُرَدَّ، ويُحكَم بأنَّ النَّبي ﷺ لم يَقُله، وإنْ قالَه، فإنَّما قاله على طريقِ الحكايةِ عن غيره! هذا إنْ لم يحتمِل التَّأويلَ إلَاّ بتعسُّف، فأمَّا إذا احتمَله، فالواجب أن يُتأوَّل» (^٣).
أمَّا إبراهيم النَّظَّامِ؛ فقد بَلَغ به الغلوُّ مَداه حينَ بوَّأ العقلَ رُتبةَ الدَّليل النَّقليِّ، فكان يقول: «إنَّ جِهةَ حُجَّة العَقْلِ، قد تنسخُ الأخبار»! وهذا نَسَبه له ابن قُتيبة (^٤).
فهذا التَّقديم للعقلِ على دلائل النَّقل -وإن لم تَدَّعِ المعتزلةُ بأنَّه تقديمُ رتبةٍ وتفضيلٍ- إلَاّ أنَّ تَصرُّفاتِهم في بابِ العقائدِ والأحكامِ برهانٌ عمليٌّ على جعلِهم العقلَ حاكِمًا على النُّصوصِ، يظهر ذلك فيما يتناولونَه مِن الدَّلائل السَّمعيَّة.
فأمَّا الدَّلائل القُرآنيَّةُ: فلِكَوْنها قطعيَّةَ الثُّبوتِ، لم يَستطيعوا رَدَّها، بل اكتفوا بتطريقِ الاحتمالاتِ على دَلالاتِها، ليُنْفَى عنها إفادة اليَقين.
_________________
(١) «الفرق بين الفِرق» للبغدادي (ص/١٠٩)
(٢) عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمذاني الأسد آبادي، أبو الحسين: شيخ المعتزلة في عصره، وهم يلقبونه قاضي القضاة، ولا يطلقون هذا اللقب على غيره، ولي القضاء بالريِّ، ومات فيها، من تصانيفه: «شرح الأصول الخمسة»، و«المغني في التوحيد والعدل»، انظر «الأعلام» (٣/ ٢٧٣).
(٣) «شرح الأصول الخمسة» للقاضي عبد الجبار (ص/٧٧٠).
(٤) في «تأويل مختلف الحديث» لابن قُتيبة (ص/٩٤).
[ ١ / ١٠٩ ]
وأمَّا أخبارُ الآحاد: فهي المَرتَع الخصبُ لظهورِ الطُّغيان الاعتزاليِّ، فيَردُّون السُّنَن بحُجَّةِ ظنيَّةِ ثبوتِها، فضلًا عن دلالتِها، وهذه كُتُبهم تَرشحُ بنَفَسِ التَّعطيلِ لمَدلولات تلك الأخبار، والتَّأبِّي عن قَبولها (^١)؛ ناطقةٌ بعدمِ اعتبارِ الحديثِ حين يخُالفُ مَعقولاتِهم، وهذا برهانٌ آخر على أوَّليَّة العقلِ عند قيامِ التّعارض.
بَيْدَ أنَّ ما تقَدَّم مِن تَباعُدِهم عن الاحتجاجِ بالآحادِ، لا يعني لِزامًا أنَّهم لا يَرفعون رأسًا بالحديثِ مُطلقًا، فإنَّهم -مهما قُلنا عن غُلوِّهم في العقليَّاتِ- مُعَظِّمون لكلامِ نَبيِّهم ﷺ إذا اطمأنُّوا لصدورِه.
فهذا أبو سَعدٍ السَّمان (ت ٤٤٧ هـ) (^٢) -أحَدُ مُشتغليهم بروايةِ الحديث، وقليلٌ ما هم- كان يقول: «مَن لم يَكتُب الحديثَ، لم يَتَغَرْغَر بحَلاوةِ الإسلام» (^٣).
وانظر قبله إلى أديبِهم الجاحظ (ت ٢٥٥ هـ)، وهو يَدعو بكلِّ ثقةٍ خُصماءَه مِن مُتشيِّعة زمانِه إلى التَّحاكم في حُجِّية الأخبارِ إلى أهل الحديث، ويقول في مُناظرتِهم: «.. مَتى ادَّعينا ضعفَ حديثٍ وفسادَه، فاتَّهمتم رأيَنا، وخِفتم مَيْلَنا أو غَلَطنا، فاعترضوا حُمَّالَ الحديث وأصحابَ الأثر، فإنَّ عندهم الشِّفاء فيما تنازعنا فيه، والعلمَ بما التبَسَ علينا منه؛ ولقد أنصَف كلَّ الإنصاف مَن دعاكم إلى المَقنَعِ، مع قُربِ دارِه، وقلِّة جَوْرِه، وأصحاب الأثر مِن شأنهم روايةُ كلِّ ما صحَّ عندهم، عليهم كان أو لهم» (^٤).
إنَّما أهْوَى بكثيرٍ من المُعتزلةِ في مَهاوي الرَّدى، اشتراطُهم للاحتجاجِ بالحديثِ شروطًا لا دليلَ عليها مِن كِتابٍ أو سُنَّة أو عَملِ سَالِفٍ، كاشتراطِهم التَّواترَ في بابِ العقائد، ورَدِّ الآحاد منها (^٥)، واشتراطِ مُتأخِّريهم للعَددِ في الرِّواية
_________________
(١) «دفع دعوى المعارض العقلي» (ص/٣٠).
(٢) إسماعيل بن علي بن الحسين بن زنجويه الرازيّ، أبو سعد السَّمان: حافظ مُتقن معتزليٌّ، كان شيخ المعتزلة وعالمهم ومُحدِّثهم في عصره، قيل: بَلَغت شيوخه ثلاثة آلاف وستمائة، مِن كُتبه «الموافقة بين أهل البيت والصَّحابة» في الحديث، و«سفينة النجاة» في الإمامة، انظر «أعلام النُّبلاء» (١٨/ ٥٥).
(٣) «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٥٧).
(٤) «العُثمانيَّة» للجاحظ (ص/١٥١ - ١٥٢).
(٥) انظر «المُعتمد» لأبي الحسين البصري (٢/ ١٠٢).
[ ١ / ١١٠ ]
كما في الشَّهادة (^١)، كلُّ هذا لِيَسلَم لهم أصلُهم العقليُّ الأوَّل مِن أيِّ مُعارَضةٍ مُؤثِّرة.
والمُحصِّلةُ: أنَّ المنهج الاعتزاليَّ قائمٌ على التَّضييق في باب الاحتجاجِ بالسُّنة في مسائل الاعتقادِ، بدءً: بمنعِ الرَّسولِ أن يكون قد أخبرَ في الإلهيَّات بشيءٍ، خاصَّةً في صفاتِه وأفعالِه، فيزعمون أنَّه لم يُخبر في ذلك بخَبرٍ بُيِّن فيه الحقُّ بيقين، بخلاف غيرها من مسائل العمليَّات (^٢)، ولذلك طُوِيَت صفحات أعمارِهم على بحثِ هذه المَسائل العَقديَّةِ بمُجرَّدِ عقولِهم.
ثمَّ انتهاءً بطعنِهم في نسبةِ هذه الأحاديث إلى النَّبي ﷺ، إذ رَدُّوا «الأحاديثَ المُخالفةَ لأقوالِهم وقواعدِهم، ونَسَبوا رُواتها إلى الكذبِ والغلطِ والخطأِ في السَّمع، واعتقاد أنَّ كثيرًا منها مِن كلام الكُفَّار والمشركين! كان النَّبي ﷺ يحكيه عنهم، فرُبَّما أدركَه الواحدُ في أثناء كلامِه بعد تصديرِه بالحكاية، فيسمع المَحكِيَ، فيعتقده قائلًا له لا حاكيًا» (^٣).
فهذه الدَّعوى الواهنة قد حكاها عنهم ابن القيِّم، قد وجدتُها -حقيقةً- في صنيع بعضِ كُبرائهم، كالقاضي عبد الجبَّار؛ حيث كان يَتعلَّل أحيانًا بهذا الاحتمال السَّاقطِ لردِّ ما تدفعُه نفسُه من أحاديث الصِّفات!
ترى هذا الصَّنيعَ له في مثل قولِه: «.. ومِمَّا يتعلَّقون به، أخبارٌ عن النَّبي ﷺ، وأكثرُها يتضمَّن الجبر والتَّشبيه، فيجبُ القطع بأنَّه لم يَقُله، وإن قال، فإنَّه ﷺ قاله حكايةً عن قومٍ، والرَّاوي حذف الحكايةَ ونقَلَ الخبرَ» (^٤)؛ ثمَّ طَبَّق هذا الاحتمالَ على أحاديثِ الرُّؤية، مع أنَّها مَنقولةٌ بالتَّواتر!
_________________
(١) انظر «قبول الأخبار» لأبي القاسم البلخي المُعتزلي (١/ ١٧)، و«المُعتمد» لأبي الحسين البصري (٢/ ١٣٨).
(٢) انظر «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١٣/ ١٧٥).
(٣) «الصواعق المرسلة» لابن القيِّم (٤/ ١٥٢٧).
(٤) «شرح الأصول الخمسة» (ص/٢٦٨).
[ ١ / ١١١ ]
ولسنا نَنْفي أنَّ الحاجةَ قد تَستَدْعِي المُعتزلةَ لقَبولِ بعضِ الأحاديث وسَوقِها في مَقاماتِ الاحتجاجِ، لكن اعتِضادًا لا تَأسِيسًا، «فإنَّهم لا يَعتَبِرون الآحادَ مِن السُّنةِ إلَّا على وجهِ التَّعارُف، وذلك بعد مُوافقتِه للعقلِ» (^١).
وهم قد يفعلون ذلك أيضًا ليَدفعوا تشنيعَ أهلِ السُّنةِ عليهم بمُجافاةِ سُنَّةِ النَّبي ﷺ، «فإنَّهم لا يكادون يَلتَفِتَون إليه، وخصُومُهم يَتَسَلَّقون عليهم مِن جِهَتِه، وينَسِبونَهم إلى قِلَّة العلمِ به، ورُبَّما حَاجُّوهم في النَّبي ﷺ يَسألونَهم عنه!» (^٢).
والقصدُ من مُجمل هذا: أنَّ المُعتزلةَ شَكَّلَت مَوقِفها مِن أخبارِ الآحادِ، بحسبِ اتِّساقِها أو فِراقِها لأصولِهم الخمسةِ، فما كان على نَقيضِ مُقتضاها «مِن آياتٍ يُؤوِّلونها، وما يُعارضها مِن أحاديث يُنكرونها .. ولذلك، فإنَّ مَوقِفَهم مِن الحديثِ كثيرًا ما يكون موقفَ المُتشَكِّك في صِحَّته، وأحيانًا موقفَ المُنكر له، لأنَّهم يُحكِّمون العقلَ في الحديث، لا الحديثَ في العقل» (^٣).
_________________
(١) «فضل الاعتزال» للقاضي عبد الجبار (ص/١٨٥ - ١٨٦).
(٢) «قبول الأخبار» لأبي القاسم البلخي المعتزلي (١/ ١٨).
(٣) «ضحى الإسلام» لأحمد أمين (٣/ ٨٥).
[ ١ / ١١٢ ]