دحض دعوى نبذ الشَّيخين لذكر فضائل الآلِ غمطًا لحقِّهم
عند التَّأمُّل في ما ادَّعته الإماميَّة على الشَّيخين، نَجِد شواهد ذلك من الأحاديث الَّتي مثَّلوا بها لا تلزَمُهما في شيءٍ، وذلك إجمالًا:
أوَّلًا: لأنَّ الشَّيْخينِ لم يَدَّعِيا إخراجَ كلِّ الصَّحيحِ في الأبوابِ حتَّى يلتزِما إخراجَ كلِّ ما وَرَد في بابِ مَناقبِ أهلِ البيتِ، حتَّى مَناقِب الصِّديقِ والفاروقِ وعثمانَ، وعائشة وحفصة ﵃، لم يرووا كلَّ ما وَرد فيهم من مَناقب، بل ولا أخرجا في فضلِ سعيدِ بن زيد ولا عبد الرَّحمن بنِ عوفٍ ﵃ شيئًا! والشَّيخانِ يَعتقِدانِهما مُبَشَّرَيْن بالجَنَّة!
فهل هذا يعني غمزًا منهما في هذين الصَّحابين؟! فإنَّ هؤلاءِ مَن يُتَّهم أهلُ السُّنة بمُحاباتِهم على حسابِ أهلِ البيت، انظروا: كيف ترك الشَّيخانِ مِن مَناقبهم ما تَركَا، لا لشيءٍ، إلَّا تحاشيًا للإطالةِ، أو لعدمِ وقوعِ بعضِ ذلك عندهما وِفقَ شَرطِهما في الكِتابين.
ثانيًا: ما ادَّعاه المُعترض مِن تركِ الشَّيخين لِما «أجمعَ عليه علماءُ السُّنة والشِّيعة في مَناقب أهل البيت، مثل: حديث الغَدير، وحديثِ الطَّائر المَشويِّ، وحديث سَدِّ الأبواب، وحديثِ أنا مدينة العلم وعليٌّ بابُها، وأنَّه قد رَوَى كلَّ واحدةٍ مِن هذه الفضائلِ والمَناقبِ عشراتُ الصَّحابة»:
[ ١ / ١٦٨ ]
فجوابُه الإجماليُّ -وإن كان هو مُندرجًا في ما تَقدَّم من الجوابِ الأوَّل- أنَّ ما مَثَّل به مِن الأحاديثِ لم يتَّفق أهل الحديثِ على صِحَّتِها كلِّها كما يدَّعيه الغامط لحقِّهما، ولا رَواها عشراتٌ الصَّحابة كما افتراه؛ بل أكثرُها واهي الإسنادِ لا تَرقى إلى مَرتبةِ القَبولِ، فضلًا عن شرطِ الشَّيخين في الصِّحة، بل بعضُها مَوضوعٌ!
وإنَّما يرمي هؤلاء الرَّافضة جُزافًا بمثلِ هذه الشُّبهات الكاذبةِ، تحقيقًا لغَرَضين:
الأول: لخداعِ المتَشكِّكين والحائِرين مِن أتباعِهم، بأنَّ هذه العقائد المُضَمَّنة في هذه الأخبارِ مُتَّفقٌ عليها بين أهل السُّنة والشيعة، وأنَّ الشَّيخينِ إنَّما يُكابِران.
الثَّاني: لإشغالِ أهلِ السُّنة بهذه المَسائل والدِّفاع عنها، إلهاءً لهم عن تفتيشِ كتبِ الإماميَّةِ في الحديثِ والرِّجال والتَّفسير، واستخراج ما فيها من بوائق، فينكشفَ أمرُها أمامَ الرِّعاع الجَهلة من أتباعهم (^١).
وفي نقضِ أمثلة ما ادَّعوه تحايُدًا للبخاريِّ عن فضائل عليٍّ ﵁ من جهة التَّفصيل، يُقال:
أوَّلًا: حديث الغَدير:
ويَعنون بالحديث قولَ النَّبيِّ ﷺ عند غَديرِ (خُمٍّ) (^٢) في جَمعٍ من أصحابِه: «مَن كُنتُ مَولاه فعَليٌّ مَولاه، اللَّهم والِ مَن والاه، وعَادِ مَن عاداه» (^٣).
_________________
(١) انظر «أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية» لـ د. ناصر القفاري (٢/ ٦٩٦).
(٢) خمٌّ: وادٍ بين مكَّة والمدينة، عند الجحفة به غَدير يجتمع فيه ماءٍ، وهذا الوادي مَوصوف بكثرة الوخامة، انظر «معجم البلدان» (٢/ ٣٨٩).
(٣) أخرجه النسائي في «الكبرى» (ك: الخصائص، باب: باب قول النبي ﷺ: «من كنت وليه فعلي وليه»، رقم: ٨٤١٩)، وأحمد في «المسند» (رقم: ٩٥٠)، وابن حبان في «صحيحه» (١٥/ ٣٧٥، رقم: ٦٩٣١) وغيرهم.
[ ١ / ١٦٩ ]
فهذا حديثٌ لم يُجمِع أهل الحديثِ على صِحَّتِه، لا كما ادَّعاه (النَّجمي) وصَحبُه، بل معلومٌ أنَّ طائفةً من النُّقاد رَدُّوه (^١)، ومنهم مَن قصُر ردُّه على الشَّطرِ الثَّاني الَّذي في الدُّعاءِ دون أوَّله (^٢).
والَّذي أراه صوابًا في الحديث -والله أعلم-: أنَّه صحيحٌ بشَطرَيْه، بل مُتَواترُ الجملةِ الأولى، تبعًا لجِلَّةٍ مِن أهلِ الحديثِ (^٣)، وهو اختيار الذَّهبي (ت ٧٤٨ هـ) كما في قولِه: «صَدْرُ الحديثِ مُتواتر، أتيقَّن أنَّ رسولَ الله ﷺ قاله، وأمَّا: «اللَّهم والِ مَن والاه ..» فزيادةٌ قويَّةُ الإسناد» (^٤).
ولقد قضى ربُّنا لحكمته أن يكون هذا الحديثُ مُبتلىً لكثيرٍ من المُسلمين، فمنهم وَضَّاعون زادوا فيه زيادات منكرة تعصُّبًا للطَّائفة، كالَّذي يَذكرُه الرَّافضةُ فيه أنَّ النَّبي ﷺ قال: «إنَّه خَلِيفَتي مِن بعدي» (^٥).
وهذه لا تصحُّ بوجهٍ مِن الوجوهِ، بل هو مِن أباطيلِهم الَّتي شهد التَّاريخ بكذِبِها (^٦)، وكذا زيادة: «انصُر مَن نَصَره، واخذُلْ مَن خَذَله» (^٧)، وغيرها من الزِّيادات الباطلةِ.
والَّذي يبدو: أنَّ الإماميَّةَ ما أعملوا يدَ التَّحريفِ في هذا الحديث إلَّا بعد أن رأوه لا يخدُم أغراضَهم بتمامها، فلذا زادوا فيه زياداتٍ فاحشةٍ (^٨)؛ أمَّا الظَّنُّ
_________________
(١) كابن حزم في «الفِصَل» (٤/ ١١٦)، ونقله ابن تيمية عن إبراهيم الحربي في «منهاج السنة» (٤/ ٨٦).
(٢) كنُعيم بن حكيم (ت ١٤٨ هـ)، أورده عنه أحمد في «مُسنده» (٢/ ٤٣٤، رقم:١٣١١)، وكذا ابن تيميَّة في «منهاج السنة» (٤/ ١٦) ضعَّف الشَّطر الأول، وكذَّب الثَّاني منه!
(٣) كمحمد بن جعفر الكتاني في «نظر المتناثر في الحديث المتواتر» (ص/١٩٤)، والألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٤/ ٣٤٣).
(٤) نقله عنه ابن كثير في «البداية والنهاية» (٧/ ٦٨١)، وانظر قريبًا منه في «أعلام النُّبلاء» (٨/ ٣٣٥) و(١٤/ ٢٧٧).
(٥) كما فعل عبد المُحسن الموسوي في كتابه «المُراجعات»، وزعم تصحيح بعض المُحدثين له، فهتك الألباني أستارَ كذبِه في «سلسلة الأحاديث الضعيفة» (١٠/ ٦١٧).
(٦) بيَّن الألباني زيفَه في «سلسلة الأحاديث الضعيفة» (برقم: ٤٩٢٣ و٤٩٣٢).
(٧) كذبَّها ابن تيمية في «منهاج السنة» (٤/ ١٦).
(٨) «أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية» (٢/ ٦٩٣).
[ ١ / ١٧٠ ]
بأنَّ في الحديثِ بمتنِه الثَّابتِ الأوَّلِ دلالةً على أنَّ عَليًّا ﵁ هو الخليفةُ بعد النَّبي ﷺ: فذاك مِن الجهلِ المَقطوعِ بخطأِ صاحبِه؛ وذلك:
أنَّ الوَلايةَ -بالفتح-: ضدُّ العَداوة، والاسمُ منها: مَوْلى ووَليٌّ.
والوِلاية -بكسر الواو- هي الإِمارة، والاسمُ منها: والي ومُتَولِّي.
والمُوالاة ضِدُّ المُعاداة (^١)، وهذا حكمٌ ثابتٌ لكلِّ مؤمنٍ (^٢).
فالنَّبي ﷺ على هذا لم يُرِدْ بالحديثِ الخلافةَ بعدَه قطعًا، فليس في اللَّفظِ ما يَدلُّ على ذلك، ولا شكَّ أنَّ أمرَ الاستخلافِ والقيامِ على النِّاس بعده عظيمٌ، فلو كان يريد ذلك المعنى المُدَّعى «لأفصحَ لهم بذلك، كما أفصحَ لهم بالصَّلاة والزَّكاة ونحوها، .. فإنَّ أنصحَ النَّاسِ كان للمُسلمين رسولُ الله ﷺ» (^٣).
وهذا إلزام أقرَّ بصحَّته النُّوري الطَّبرسي (^٤) -أحَدِ أساطينِ الإماميَّة المُتأخِّرين- كما تراه في قوله: «لم يُصرِّح النَّبي ﷺ لعليٍّ ﵇ بالخلافةِ بعدَه بلا فصلٍ في يومِ الغدير، وأشارَ إليها بكلامٍ مُجمَلٍ مُشتركٍ، في معانٍ يحتاجُ تَعيينُ ما المقصود منها إلى قرائن» (^٥).
ثمَّ إنَّ الحديثَ بهذا اللَّفظ -وإن كان متضمِّنًا لإبطال قول أعداء عليٍّ ﵁ فيه مِن الخوارج والنَّواصب- لا يستلزم أن لا يكون للمؤمنين مَولًى غيرُه (^٦)! كلُّ ما في الأمرِ، أنَّه ﷺ «لمَّا بَعَثه إلى اليَمن، كثُرَت الشَّكاة عنه ﵁، وأظهروا
_________________
(١) انظر «التَّقفِية» للبندنيجي (ص/٧٠٨)، و«الإبانة في اللُّغة» لسلمة بن مسلم (٤/ ٥٤٧).
(٢) انظر تقرير هذا المعنى من الحديث «شرح مشكل الآثار» للطحاوي (٥/ ٢٥).
(٣) كان هذا جوابَ الحسن بن الحسن بن علي ﵁ لمن سأله عن دلالة هذا الحديث، كما في «الاعتقاد» للبيهقي (ص/٣٥٥)، و«تاريخ دمشق» لابن عساكر (١٣/ ٧٠).
(٤) حسين بن محمد تقي النوري المازندراني الطَّبرسي: فقيه إمامي، ولد في إحدى قُرى طبرستان، وتوفي بالكوفة، من كتبه: «دار السلام» في تفسير الأحلام، و«مستدرك الوسائل» في الفقه، وله كتب أخرى ورسائل بالفارسيَّة، طُبع أكثرها، انظر «الأعلام» للزركلي (٢/ ٢٥٧).
(٥) في كتابه «فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب» (ص/٢٠٥ - ٢٠٦)، نقلًا عن كتاب «وقفات مع كتاب المراجعات» لـ د. عثمان الخميس (ص/٦٩).
(٦) «منهاج السنة» (٤/ ٨٦).
[ ١ / ١٧١ ]
بُغضَه، فأرادَ النَّبي ﷺ أن يَذكُر اختصاصَه به، ومَحبَّته إيَّاه، ويُحثَّهم بذلك على مَحبَّتِه، ومُوالاتِه، وتركِ مُعاداتِه» (^١).
وبهذا البيانِ لمعنى الحديث، تنتقضُ دعوى الإماميَّة على الشَّيخينِ تَكتُّمَهما عن ذكرِ هذا الحديثِ، زعمًا أنّ فيه أحقِّيةَ عليٍّ بالخلافةِ دون إخوانِه الثَّلاثةِ الأُوَل ﵃.
ثانيًا: وأمَّا زعمُ الإماميَّة إغفالَ الشَّيخينِ لحديثِ الطَّائرِ المَشْوِيِّ:
يَعْنون به ما رُوِيَ عن أنس بن مالك ﵁، أنَّه أُهدِيَ للنَّبي ﷺ فَرْخٌ مَشويٌّ، فقال: «اللُّهم ائتنِي بأحَبِّ خلقِك إليك، يَأكُلْ معي هذا الطَّير» فجاءَ عليٌّ ﵁، فأكَلَ معه (^٢).
وهذا لا شكَّ مِن المَوضوعاتِ عند أهلِ النَّقد والمعرفةِ بحقائقِ النَّقل (^٣)، قد أعَلَّه كثيرٌ مِن حُذَّاق العِلَل، مع عِلْمِهم بما يَبدو مِن كثرةِ طُرقِه، منهم: البخاريُّ نفسُه! (^٤) والتِّرمذي (^٥)، وأبو زرعة الرَّازي (^٦)، والبَزَّار (^٧)، والدَّارقطني (^٨)، والعُقَيليُّ (^٩)، وابن عَدِيٍّ (^١٠)، والخليليُّ (^١١)، وغيرهم كثيرٌ.
_________________
(١) «الاعتقاد» للبيهقي (ص/٣٥٤).
(٢) أخرجه الترمذي في (ك: مناقب عليٍّ، رقم: ٣٧٢١) وقال: «حديث غريب»، وأحمد في «فضائل الصحابة» (٢/ ٥٦٠، رقم:٩٤٥)، والنسائي في «الكبرى» (برقم:٨٣٤١)، والحاكم في «المستدرك» (برقم: ٤٦٥٠)، وغيرهم.
(٣) «منهاج السنة» (٤/ ٩٩).
(٤) «العلل الكبير» للترمذي (ص/٣٧٤).
(٥) «جامع الترمذي» (٥/ ٦٣٦).
(٦) «الضعفاء» لأبي زرعة الرازي، أجوبته على أسئلة البرذعي (٢/ ٦٩٢).
(٧) «مسند البزار» (١٤/ ٨٠).
(٨) «تذكرة الحفاظ» لابن طاهر المقدسي (ص/١٤٦).
(٩) «الضعفاء» للعقيلي (١/ ٤٦)
(١٠) «الكامل في الضعفاء» (٣/ ٣٤٥).
(١١) «الإرشاد» للخليلي (١/ ٤٢٠).
[ ١ / ١٧٢ ]
ثمَّ صَرَّح بوَضْعِه: الباقِلَّاني (^١)، وابنُ طاهرٍ المَقدسيُّ، وابن الجوزيِّ (^٢)، وابن تيميَّة (^٣)، وابن حجرٍ العسقلانيُّ (^٤).
فإذا ما احتجَّ الإماميَّة بقولِ الحاكمِ النَّيسابوريِّ (ت ٤٠٥ هـ): «هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط الشَّيخين، ولم يُخرجاه» (^٥).
فالجواب عليهم أن يُقال:
قد تعَّقبَ الذَّهبيُّ الحاكمَ في إسنادِ هذه الرِّواية، حيث قال في «تلخيصِه لمُستدركِه»: «ابنُ عِياضٍ لا أعرفُه؛ ولقد كنتُ أظنُّ زمانًا طويلًا، أنَّ حديث الطَّير لم يَجسُر الحاكمُ أن يُودِعَه في مُستدرَكه، فلما علقتُ هذا الكتابَ، رأيتُ الهولَ مِن المَوضوعاتِ الَّتي فيه، فإذا حديثُ الطَّيرِ بالنِّسبةِ إليه سماء!».
وأمَّا قول الحاكم في الحديث أيضًا: «قد رواه عن أنسٍ زيادةً على ثلاثين نفسًا»:
قد تَعَقَّبه فيه الذَّهبي أيضًا بقولِه: «صِلْهُم بثقةٍ يَصحُّ الإسنادُ إليه!» (^٦)؛ وهو يعني: أنَّ الطُّرقَ إلى هذه الأنفسِ الثَّلاثين لا تَصِحُّ إليهم أصلًا، وقد أبانَ عن هذه الحقيقة الخَليليُّ (ت ٤٤٦ هـ) مِن قبلُ، حين قال: «ما رَوى حديثَ الطِّيرِ ثقةٌ، رواه الضعفاء .. ويَردُّه جميعُ أئمَّة الحديث» (^٧).
وهذا الكلام من الخليليِّ يُصدِّقه ما تَوصَّل إليه الذَّهبيُّ في جزءٍ له جَمَعه لهذا الحديثِ، فبعد ما أورَدَ طُرقًا له مُتعدِّدة قال: «يُروَى هذا الحديث مِن وجوهٍ باطلةِ أو مُظلمة: عن حجَّاج بن يوسف، وأبي عصام خالد بن عبيد، ودينار أبي مكيس ..».
_________________
(١) كما في «البداية والنهاية» لابن كثير (١١/ ٨٣).
(٢) «العلل المتناهية» لابن الجوزي (١/ ٢٣٤).
(٣) «منهاج السنة» (٤/ ٩٩).
(٤) «لسان الميزان» (٤/ ١٣٦) في ترجمة سليمان بن حجَّاج.
(٥) «المستدرك على الصحيحين» (٣/ ١٤١).
(٦) نقله عنه ابن كثير في «البداية والنهاية» (١١/ ٧٦).
(٧) «الإرشاد» (١/ ٤٢٠).
[ ١ / ١٧٣ ]
ثمَّ قال بعد أن ذَكَرَ الجميعَ: «.. الجميعُ بضعةٌ وتسعون نفسًا، أقربُها غرائب ضعيفةٌ، وأردؤها طرقٌ مختلقَة مُفتَعَلة! وغالبُها طُرقٌ واهيةٌ» (^١).
فلعلَّ هذا منشأ البَليَّةِ في الحديثِ، أي: من انقطاعِه، فـ «لا يُدرَى الرَّواي له عن أنس ﵁، ثمَّ سرَقَه بعض الوَضَّاعين، مِن الشِّيعة والضُّعفاء والمَجهولين منهم، أو المُتعاطِفين معهم، فرَكَّبوا عليه أسانيدَ كثيرةً» (^٢)، وهذا ما كان انتهى إليه ابنِ القيسرانيِّ في دراسته للحديث، حيث قال: «حديثُ الطَّائر مَوضوعٌ، إنَّما يَجيء مِن سُقَّاطِ أهلِ الكوفة، عن المَشاهيرِ والمَجاهيلِ، عن أنسٍ وغيره» (^٣).
فكيف للحاكمِ أن يقول بعد كلِّ هذا أنَّ الحديث على شرطِ الشَّيخين؟!
ثمَّ لم يكتفِ هو بركونه إلى كثرة طُرقهِ الواهيةِ وتصحيحِه لأحدِها، بل قال عَقِب ذلك: «.. ثمَّ صَحَّت الرِّواية عن عليٍّ وأبي سعيد الخدري وسفينة».
ليَنتفِضَ عليه الذَّهبيُّ قائلًا: «لا والله ما صَحَّ شيءٌ مِن ذلك!» (^٤).
وما حنَثَ الذَّهبي، فإنَّ الطُّرق إلى هؤلاء الثَّلاثة ساقطة الأسانيد، قد بَيَّن ابن كثيرٍ عِلَلَها، كما بيَّن عِلَل كثيرٍ مِن الطُّرق المُشار إليها آنفًا (^٥).
العجيب بعدُ مِن الحاكِم: أنَّه مِن زمرة مَن ضَعَّف حديثَ الطَّير بالنَّظر إلى نكارة متنِه! ولم يَلتفِت إلى طُرقِه، وذلك فيما ساقه الذَّهبي في ترجمتِه بإسنادٍ صحيحٍ عنه: «أنَّهم كانوا في مَجلسٍ، فسُئِل أبو عبد الله الحاكم عن حديثِ الطَّير؟ فقال: لا يَصِحُّ، ولو صَحَّ، لمَا كان أحدٌ أفضلَ مِن عليٍّ بعد النَّبي ﷺ».
قال الذَّهبي عقِبَه: «فهذه حِكايةٌ قَويَّةٌ؛ فما بالُه أخرَجَ حديثَ الطَّير في «المُستدرَك»؟! فكأنَّه اختَلَف اجتهادُه» (^٦).
_________________
(١) نقله عنه ابن كثير في «البداية والنهاية» (١١/ ٧٦).
(٢) «سلسلة الأحاديث الضعيفة» (١٤/ ١٧٧).
(٣) «العلل المتناهية» لابن الجوزي (١/ ٢٣٤).
(٤) نقله عنه ابن كثير في «البداية والنهاية» (١١/ ٧٦).
(٥) انظر «البداية والنهاية» (١١/ ٧٦ - ٧٧).
(٦) «سير أعلام النبلاء» (١٧/ ١٦٨).
[ ١ / ١٧٤ ]
قلتُ: استبعِدُ هذا التَّوجيه مِن الذَّهبي، فإنَّ القِصَّة ظاهرٌ مِنها استنكارُ الحاكمِ للمتن نفسِه، وحُقَّ له ذلك، فهو مُناقضٌ لِما استقَرَّ عليه عمومِ المُسلمين مِن أفضليَّة أبي بكر وعمر على سائرِ الصَّحابةِ ﵃، ومثلُ هذا الاستنكارِ لا يندفِعُ عادةً بمُجرَّدِ اجتهادِ نَظرٍ في طُرقِ الحديث.
والَّذي أميلُ إليه في اختلاف موقف الحاكم من هذا الحديث: أنَّ الحاكِم كان أدخلَه بادئَ الأمرِ في كتابِه مُسودَّة، مِن غيرِ تحقيقٍ كافٍ في طُرُقِه، ولا تَأمُّلِ شافٍ في مَتْنِه، فلمَّا تَبَيَّنتْ له عِلَّتُه بعدُ، عَزَم على إخراجِه مِن كتابِه حينَ تمام تبيِضِه، لكنَّ المَنيَّةَ أعجَلَته قبل أن يبلُغَ به.
يقول ابن حجر: «إنمَّا وَقَع للحاكم التَّساهل لأنَّه سوَّد الكتاب لينقِّحَه، فأعجلته المنيَّة، قال: وقد وجدتُ في قريب نصف الجزء الثَّاني من تجزئة ستَّة من المستدرك: إلى هنا انتهى إملاء الحاكم، قال: والَّتساهل في القدر المُمْلى قليل جدًّا بالنِّسبة إلى ما بعده» (^١)، والله أعلم.
فبهذا يتبيَّن سقوط الحديث متنًا وإسنادًا، ولأجلِها أعرضَ الشَّيخانِ عن إخراجِه في «صحيحَيهما».
ثالثًا: وأمَّا حديثُ أَمْرِه ﷺ بسَدِّ الأبوابِ إلى المَسجدِ إلَّا بابَ عليٍّ ﵁:
فهذا الحديث قد اختلفَ العلماء في حقيقته:
فذهب إلى تضعيفه: أحمد (^٢)، والتِّرمذي (^٣).
وكَذَّبه ابنُ الجَوزيِّ فقال: «هذه الأحاديث كلُّها مِن وَضعِ الرَّافضة، قابَلوا بها الحديثَ المُتَّفَقَ على صِحَّتِه في «سُدُّوا الأبوابَ إلَّا بابَ أبي بكرٍ» (^٤).
_________________
(١) من كلام ابن حجر، نقلَه عنه السيوطي في «تدريب الراوي» (١/ ١١٣)، بتصرفٍ يسير.
(٢) «شرح علل التِّرمذي» لابن رجب (ص/٣٦٤)، و«بحر الدَّم» لابن المبرد (ص/١٧٢).
(٣) حيث قال في «جامعه» (٥/ ٦٤١): «هذا حديث غريب، لا نعرفه عن شعبة بهذا الإسناد إلَّا من هذا الوجه».
(٤) «الموضوعات» لابن الجوزي (١/ ٣٦٦).
[ ١ / ١٧٥ ]
وتَبِع ابن الجوزيَّ على وضعِه ابن تيميَّة (^١).
وابن الجوزيِّ يعني بحديث باب أبي بكر: ما ورَد في «الصَّحيحين» وغيرِهما: أنَّ النبَّي ﷺ خَطَب في مَرضِ مَوتِه، وذكَرَ أبا بكرٍ ﵁ فقال: «لا تَبقيَنَّ في المسجدِ خوخَةٌ إلَّا خوخة أبا بكرٍ» (^٢)، وفي روايةٍ: «لا يَبقيَنَّ في المسجدِ بابٌ إلَّا سُدَّ إلَّا بابَ أبي بكرٍ» (^٣)، «وأهلُ المدينةِ يَستدِلُّون بهذا على خِلافةِ أبي بكرٍ، فعارَضَهم شيعةُ الكوفةِ، وذَكروا رواياتٍ فيها الأمرُ بسَدِّ الأبوابِ في المَسجدِ إلَّا بابَ عليٍّ» (^٤).
فمِن أهلِ العلمِ مَن ارتابَ برواياتِ أهلِ الكوفة هذه، حتَّى جَزَم ابن الجوزيِّ ببُطلانِها كما تَقدَّم.
ومنهم مَن لم يرَ مانِعًا مِن تَصحيحِها، وتَصَدَّى منهم ابن حَجرٍ للدِّفاع عن بعضِ رواياتِ الكوفِيِّين (^٥)، وهم يُوفِّقون في ذلك بينها وبين ما وَرَد في حقِّ أبي بكرٍ: بكونِ الحديثين حادثتين مُستقِلَّتين، وذلك:
أنَّه كان لبعض الصَّحابةِ مَنازلُ لها أبوابٌ إلى خارجِ المسجد، وأبوابٌ شارعةٌ في المسجد، كان بيتُ عليٍّ ﵁ كما في بعضِ الرواياتِ في المسجدِ، ويُؤخَذ مِن بعضِها أنَّه كانت بين أبياتِ النَّبي ﷺ (^٦)، وفي بعضِها أنَّه لم يَكُن له طريقٌ غير المَسجد (^٧)، فلذلك لم يُؤمَر بسَدِّه (^٨).
_________________
(١) «منهاج السنة النبوية» (٥/ ٣٥).
(٢) أخرجه البخاري في (ك: الصلاة، باب: الخوخة والممر في المسجد، رقم: ٣٩٠٤)، ومسلم في (ك: فضائل الصحابة، باب: من فضائل أبي بكر الصديق ﵁، رقم: ٢٣٨٢).
(٣) أخرجه البخاري في (ك: المناقب، باب قول النبي ﷺ: «سدوا الأبواب، إلا باب أبي بكر»، رقم: ٣٦٥٤).
(٤) المعلِّمي في تعليقِه على «الفوائد المجموعة» للشوكاني (ص/٣٦٣).
(٥) خاصَّةً في كتابه «القول المُسدَّد» (ص/١٦)، وأورد لها السيوطي في «اللآلئ المصنوعة» (١/ ٣٢١) طرقا أخرى لم يوردها ابن حجر.
(٦) كما في «صحيح البخاري» (ك: المناقب، باب مناقب علي بن أبي طالب ﵁، رقم: ٣٧٠٤).
(٧) أخرجه أحمد في «المسند» (٥/ ١٧٨، رقم: ٣٠٦٠)، والنسائي في «الكبرى» (رقم: ٨٥٧٣).
(٨) «فتح الباري» (٧/ ١٥).
[ ١ / ١٧٦ ]
ويشهد لهذا التَّأويل للحديث: ما رواه القاضي إسماعيل بن إسحاق، عن المُطَّلبِ بنِ عبد الله التَّابعي (^١) قال: إنَّ النَّبي ﷺ لم يَكُن أَذِنَ لأحدٍ أن يمُرَّ في المسجدِ، ولا يجلس فيه وهو جُنبٌ، إلَّا علي بن أبي طالب، لأنَّ بيتَه كان في المسجد» (^٢).
فإلى نحوِ هذا الجمَعِ بين أحاديث البابِ ذَهَب جمعٌ مِن الفقهاء، كالطَّحاوي (^٣)، وأبي بكر الكلاباذي (^٤).
أمَّا ابن كثيرٍ، فارتأى أنَّ ذاكَ النَّفيَ في حقِّ عليٍّ ﵁ كان في حالِ حياتِه، لاحتياجِ زوجِه فاطمةَ إلى المرورِ مِن بيتِها إلى بيتِ أبيها، فكأنَّه جَعَله رِفقًا بها ﵂ (^٥).
وعلى كلٍّ؛ فبعد امتثال الصَّحابةِ ﵃ لذاك النَّهي النَّبوي، كأنَّهم استَبَقوا خوخاتٍ يَستقرِبون منها الدُّخولَ إلى المسجدِ للصَّلاةِ فقط، لكَّنهم أُمِروا بسَدِّها أيضًا إلَّا خوخةَ أبي بكرٍ، كونه أفضلَ النَّاس يَدًا عنده (^٦)، وإشارةً إلى استخلافِ أبي بكرٍ ﵁، كونه يحتاج إلى المسجدِ كثيرًا دون غيره (^٧).
وبصرَفِ النَّظَرِ عن التَّحقيقِ والاستدلالِ والبحثِ فيما يُؤيِّد قولَ مَن صَحَّح الحديثَ أو مَن أبطلَه، فقد أبنَّا عن أنَّه خَالٍ مِمَّا يَرمي إليه الرَّافضةُ مِن دعوى كِتمانِ البخاريِّ ومسلمٍ له، لِما يَزعمُونه فيه مِن استحقاقِ عليٍّ للخلافةِ دون غيره،
_________________
(١) المطلب بن عبد الله بن حنطب المخزومى المَدَنى، ثقة كثير التدليس والإرسال، من الطبقة الَّتي تلي الوسطى من التَّابعين، كان حيًّا سنة ١٢٠ هـ، انظر «تهذيب التَّهذيب» (١/ ١٧٩).
(٢) أخرجه القاضي إسماعيل في كتابه «أحكام القرآن» (ص/١٢٦، رقم: ١٣٨)، قال ابن حجر في «الفتح» (٧/ ١٥): «وهذا مرسل قوي، يشهد له ما أخرجه الترمذي، من حديث أبي سعيد الخدري، أن النبي ﷺ قال لعلي: لا يحلُّ لأحد أن يطرق هذا المسجد جُنبا غيري وغيرك».
(٣) في «شرح مشكل الآثار» (٩/ ١٩٠).
(٤) في كتابه «معاني الأخبار» (ص/١٤ - ١٦).
(٥) «البداية والنهاية» (١١/ ٥٧).
(٦) «الحاوي للفتاوي» للسيوطي (٢/ ٢٠).
(٧) انظر «البداية والنهاية» (١١/ ٥٧)، و«فتح الباري» (٧/ ١٥).
[ ١ / ١٧٧ ]
فإنَّ غايته مُراعاةُ النَّبي ﷺ لمَحَلِّ بيتِه ﵁ أو زوجِه فاطمة، مع ما في أسانيدِه مِن نَظرٍ وكلامٍ كثيرٍ؛ والشِّيخان قد أخرجَا مِن مَناقبِ عليٍّ ﵁ ما هو أجَلُّ وأجْلَى وأصَحُّ مِن هذا الحديث،، والله أعلم.
رابعًا: وأمَّا حديثِ: «أنا مدينةُ العلمِ وعَليٌّ بابُها»:
فكلُّ أسانيدِه إمَّا واهيةٌ أو مَسروقة على الصَّحيح، لا يَصلحُ شيءٌ منها للاحتجاجِ أو الاعتِضاد؛ وعليها قال أبو جعفر الحضرميُّ (ت ٢٩٧ هـ) (^١): «لم يَروِ هذا الحديث عن أبي معاوية مِن الثِّقات أحدٌ، رواه أبو الصَّلت فكَذَّبوه» (^٢).
فهذا الحديث -كما قال- ممَّا ابتَكَره أبو الصَّلت الهَرويُّ، والكَذَبَة على مِنواله نَسَجوا، حتَّى شنَّع عليه أحمدُ به، فكان يقول: «قبَّحَ الله أبا الصَّلت!» (^٣).
وقال ابن عَديٍّ: «هذا الحديث مَوضوع، يُعرف بأبي الصَّلت، وقد رواه جماعةٌ سَرَقوه منه» (^٤).
وقال ابن حِبَّان: «هذا شيءٌ لا أصلَ له، ليس مِن حديثِ ابن عبَّاسٍ، ولا مجاهدٍ، ولا الأعمش، ولا أبو معاوية حَدَّث به، وكلُّ مَن حدَّثَ بهذا المتنِ، فإنَّما سَرَقه مِن أبي الصَّلت هذا، وإن أقلَبَ إسنادَه» (^٥).
والتِّرمذيُّ قد استنكَرَه أيضًا مِن حديث عليٍّ (^٦)، ثمَّ نقَلَ استنكارَ البخاريِّ له (^٧).
_________________
(١) محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي، الملقب: بمُطَيَّن، الشيخ، الحافظ، محدث الكوفة، سئل عنه الدارقطني فقال: «ثقة جبل»، صنَّف (المُسند) و(التَّاريخ)، انظر «سير النُّبلاء» (١٤/ ٤١).
(٢) «تاريخ بغداد» (٨/ ٥٥).
(٣) «الموضوعات» لابن الجوزي (١/ ٣٤٥).
(٤) «الكامل» لابن عدي (١/ ٤٣٤).
(٥) «المجروحين» لابن حبان (٢/ ١٥٢).
(٦) «جامع الترمذي» (٥/ ٦٣٧).
(٧) «العلل الكبير» (ص/٣٧٤).
[ ١ / ١٧٨ ]
وقال فيه ابن مَعينٍ: «هذا حديث كذِبٌ، ليس له أصل» (^١).
وقال الدَّارقطنيُّ: «إنَّه حديثٌ مُضطربٌ غير ثابتٍ» (^٢)، وقد عَدَّ جماعةً مِمَّن سَرَقَه (^٣).
وردَّه مِن النُّقاد غير هؤلاء كثيرٌ (^٤).
فلا عِبرةَ بعدُ بقولِ الحاكم إنَّه: «صحيحٌ الإسناد، ولم يُخرِجاه، وأبو الصَّلت ثقةٌ مأمون» (^٥)، وقد تعقَّبه الذَهبيُّ فقال: «بل هو حديث مَوضوعٌ، أبو الصَّلت ليس بثقةٍ ولا مَأمونٍ».
وكان صَرَّح بوَضْعِه قبلَه ابنُ الجوزيِّ حين أورَده في «الموضوعات» (^٦)، وابن القيسراني كذلك (^٧).
ثمَّ جاء المُعلِّمي (^٨) والألبانيُّ (^٩) بأخرة، فأجادا في نَقدِ طُرقِه تفصيلًا، وبيانِ ما فيها مِن عِلَلٍ قادحةٍ، لا يشكُّ النَّاظر فيها إلى صوابِ ما حَكَمَ به النُّقاد الأوائل مِمَّن مَضى قولُهم في الحديث آنفًا، وإلى خطأِ مَا جنحَ إليه بعضُ المُتأخِّرين مِن تحسينِهم له بالنَّظر إلى كثرةِ طُرقِه، كالعَلائيِّ (^١٠)، وابن حَجرٍ (^١١)، وتَبعِه السَّخاويُّ (^١٢).
_________________
(١) «سؤالات ابن الجنيد لابن معين» (ص/٢٨٥)، و«العلل ومعرفة الرجال» لأحمد (٣/ ٩).
(٢) «العلل» (٣/ ٢٤٧).
(٣) «تذكرة الحفاظ» لابن القيسراني (ص/١٣٧).
(٤) انظر «الضعفاء» للعقيلي (٣/ ١٤٩)، و«تذكرة الحفاظ» لابن القيسراني (ص/١٣٧).
(٥) «المستدرك على الصحيحين» (٣/ ١٣٧).
(٦) (١/ ٣٤٩).
(٧) «تذكرة الحفاظ» له (ص/١٣٧).
(٨) في تعليقه على «الفوائد المجموعة» للشوكاني (ص/٣٤٩).
(٩) «سلسلة الأحاديث الضعيفة» (٦/ ٥٢٠).
(١٠) «النَّقد الصحيح لما اعترض من أحاديث المصابيح» للعلائي (ص/٥٢).
(١١) كما في «الدرر المنتثرة» للسيوطي (ص/٥٧)، و«فيض القدير» للمناوي (٣/ ٤٦).
(١٢) «الأجوبة المرضية» للسخاوي (٢/ ٨٧٧ - ٨٨٠).
[ ١ / ١٧٩ ]
وقد كان في المتأخِّرين أيضًا مَن طعنَ في أسانيدِ هذا الحديث؛ مِن أمثالِ ابن الجوزيِّ، والذَّهبي، والنَّووي (^١)، وابن تيميَّة -وسيأتي كلامُه-، بل أشارَ ابن دقيقِ العيد إلى أنَّ عدم إثباتِه هو مَذهب أهلِ الحديث (^٢).
لكنَّ الغُماريَّ مع إقرارِه بما أشار إليه ابن دقيق العيد، واعترافِه بأنَّ إنكارَ الحديثِ مَذهبُ عامَّةِ المُتقدِّمين (^٣)، إلَّا أنَّه -كعادته- لم يُبال باتِّفاقِهم، فحَكمَ بصِحَّة الحديثِ في جزءٍ مُفردٍ مشهور له، سَمَّاه «فتح الملِك العَليِّ، بصحَّةِ حديثِ: بابُ مدينةِ العلمِ عليّ».
فإن قيل: مُجرَّد وَهاءِ الطُّرقِ أو تُهمةِ السَّرقةِ للحديث، لا يكفي للحكمِ على الحديثِ بالوَضع رأسًا، بل كثرتها تدلُّ على أنَّ له أصلًا.
قلت: قد كانَ قولُ هذا جديرًا بالنَّظر، لولا أنَّ في متنِه ما يَدلُّ على وَضْعِه، ذلك أنَّ «الشِّيعةَ إنَّما أرادوا به التَّمثيل أنَّ أخذَ العلمَ والحكمةَ منه ﷺ مُختصٌّ بعليٍّ، لا يتجاوَزه إلى غيره إلَّا بواسطتِه ﵁، لأنَّ الدَّار إنَّما يُدخَل فيها مِن بابِها» (^٤).
وهذا ما بَينَّ ابن تيميَّة بُطلانَه فقال:
«حديث: «أنا مدينة العلم وعليٌّ بابُها» أضعفُ وأوهى؛ ولهذا إنَّما يُعَدُّ في المَوضوعاتِ، وإنْ رواه التِّرمذي، وذَكَره ابن الجوزيِّ، وبيَّن أن سائرَ طُرقِه مَوضوعة.
وهذا الكذبُ يُعرَف مِن نفسِ متنِه، فإن النَّبي ﷺ إذا كان مدينةَ العلمِ، ولم يكُن لها إلا بابٌ واحدٌ، ولم يُبلِّغ العلمَ عنه إلَّا واحدٌ: فسَدَ أمرُ الإسلام، ولهذا اتَّفقَ المسلمون على أنَّه لا يجوز أن يكون المُبلِّغ عنه العلمَ واحدٌ، بل يجبُ أن
_________________
(١) قال عنه: باطل، في «تهذيب الأسماء واللُّغات» (١/ ٣٤٨).
(٢) «شرح الإلمام» لابن دقيق العيد (٣/ ٥٢٤).
(٣) كما في كتابه «المُداوي» (٥/ ٣٦٣).
(٤) «مرقاة المفاتيح» (٩/ ٣٩٤٠) نقلًا عن الطَّيبي.
[ ١ / ١٨٠ ]
يكون المُبلِّغون أهلَ التَّواتر الَّذين يحصُل العلم بخَبرِهم للغائب، وخبرُ الواحدِ لا يُفيد العلمَ بالقرآنِ والسُّنن المُتواترة
ثمَّ عِلمُ الرَّسول ﷺ مِن الكتابِ والسُّنة قد طَبَّق الأرضَ، وما انفرَدَ به عليٌّ ﵁ عن رسولِ الله ﷺ فيَسيرٌ قليلٌ، وأجَلُّ التَّابعين بالمدينة هم الَّذين تَعلَّموا في زمنِ عمر وعثمان، وتعليمُ معاذٍ للتَّابعين ولأهلِ اليَمنِ، أكثرُ مِن تعليمِ علي ﵃، وقدِمَ عليٌّ على الكوفة، وبها مِن أئمَّة التابعين عددٌ ..» (^١).
وقال في مَوضعٍ آخر: «.. وهذا الحديث إنَّما افتراه زنديقٌ أو جاهلٌ، ظنَّه مَدحًا، وهو مُطرِّقُ الزَّنادقة إلى القدحِ في علمِ الدِّين! إذْ لم يُبلِّغه إلَّا واحدٌ مِن الصَّحابة؛ ثمَّ إنَّ هذا خلافُ المَعلوم بالتَّواتر ..» (^٢).
وبهذا يَبين للمُنصف بأنَّ البخاريَّ ومُسلمًا إنَّما تحاشا هذا الحديث عن علمٍ ودرايةٍ بمُشكلاتِه سندًا ومتنًا، فنَزَّها «صحيحَيْهما» أن يَتَلطَّخا بمثلِ هذه الواهِياتِ المُشِينات، وإن حسِبَها الوَضَّاعون لعليٍّ ﵁ مِن المَنْقَبات.
_________________
(١) «منهاج السنة» (٧/ ٥١٥).
(٢) «مجموع الفتاوى» (٤/ ٤١٠).
[ ١ / ١٨١ ]