محمَّد جواد خليل
وكتاباه «كشف المُتواري في صحيح البخاري»
و«صحيح مسلم تحت المجهر»
ألَّف هذا الباحث اللُّبنانيُّ مَوسوعتين جَمَعَتا مِن الشُّبَه على «الصَّحيحين» ما لم يجمعه رافَضيٌّ غيره فيما وقفتُ عليه، بحيث تَضمَّنتا طعونَ مَن سبقه وزيادة، ولعلَّهما آخرُ ما أُلِّف في بابِ الطَّعنِ في «الصَّحيحين» مِن كُتَّابِ الإماميَّة إلى ساعة كتابتي لهذا البحث.
فأمَّا كتابه «كشف المُتواري»: فواقعٌ في ثلاثِ مجلَّداتٍ، استوعبَ فيها الكلامَ على (تسعمائةٍ واثنين وخمسين) حديثًا مِن «صحيح البخاريِّ»! يَستدلُّ ببعضِها لإثباتِ مذهبِه، وأكثرُها للطَّعنِ في صحَّتِها متنًا، ويتطرَّق أحيانًا إلى أسانيدها إن رَمقَ فيها أيَّ راوٍ تُكلُّم فيه ولو كلامًا خفيفًا مُتجاوَزًا.
وأمَّا كتابه الآخر «صحيح مسلم تحت المجهر»: فهو اختصار لكتابه الأصل «صحيح مسلم بين القداسة والموضوعية»، نقدَ فيه قرابةَ ألفِ حديثٍ في «مسلم» في أربعةِ مُجلَّدات، ارتأى اختصارَه في هذا، قد ضَمَّنه خمسةً وأربعين بابًا، في كلِّ باب حديثٌ واحد -على الأقلِّ- مَطعون فيه.
[ ١ / ٢١٦ ]
ولقد صرَّح الكاتبُ بالغَرض مِن وَضعِ كتابِه «المُتواري» -ويلحقُه في ذلك كتابُه عن مسلم- بأنَّه: ألَّفه فهرسًا لأجل تسهيل رجوعِ طائفتِه إلى أحاديثِهما عند مناقشةِ أهلِ السُّنةِ، حِسبةً منه لنصرةِ باطِله، بعد قَلقِه مِن تساهُلِ طائفتِه في عَزوِ الأخبارِ النَّبويَّة إلى مظانِّها الصَّحيحة، وضعفهم في معرفةِ مَصادِرها عند أهل السُّنة، وتسرُّعِهم إلى تكذيبِ وجودِ أحاديث بادِّعاءِهم فقدَها في بعض الطَّبعاتِ الحديثة، مع أنَّها في طبعاتٍ أصَحَّ وأتقن موجودة!
يقول: «.. لذا قمتُ بجمعِ الأحاديثِ الَّتي طالما يحتاجُها إخواني، ووَضعتُها ما بين دَفَّتي هذا الكتاب، ومِن تلك الأحاديث ما فيه نَظَر، وعليه علامات استفهام، ومنها ما يُخالف الشَّريعة، ويَتعارض مع السُّنة النَّبوية الشَّريفة، ومنها ما يحطُّ مِن منزلةِ وشأنِ الرَّسول ﷺ، مُضافًا إلى الأحاديثِ الَّتي تسخرُ من بقيَّة الأنبياء والمرسلين» (^١).
ولقد رتَّبَ المؤلِّف كتابَيه من حيث الكُتب والأبواب والأحاديث حسب ترتيبها الموجود في «الصَّحيحين»، مقتصرًا فيهما على «الأحاديث التي يجب أن يتوقَّف المسلم المُوحِّد عندها» (^٢).
و(جواد خليل) في مُقدِّماتِ كتابه الأوَّل منهما غير مكترث من أن يقذعَ القولَ في شخصِ البخاريِّ بخاصَّة، وأن يُجهد قلَمه لتسفيهِ «صحيحِه»، فهو الَّذي يرى البخاريَّ رجلًا سيِّءَ الحفظ! (^٣) يَروِي عن المَجرُوحين البَيِّن جَرحهُم، وأنَّه فوق ذلك ناصِبيٌّ، «يطمس فضائلَ أهل البيت، في حين أنَّه قامَ بوضعِ واختلاقِ رواياتٍ في صحابةٍ، وهم مِمَّن كان الطَّعن فيهم أولى» (^٤).
_________________
(١) «كشف المتواري» (١/ ١٠).
(٢) «كشف المتواري» (١/ ١١).
(٣) «كشف المتواري» (١/ ٤٨).
(٤) «كشف المتواري» (١/ ٢٣).
[ ١ / ٢١٧ ]
فلقد وقع المؤلِّف بهذه النَّفسية المضطربةِ بالغيظِ على البخاريِّ في كثيرٍ مِن الخطايا المنهجيَّة، منها:
انتزاعه للنَّتائج الحُكميَّة مِن مُسلَّماتٍ أوَليَّة: كأنْ يهرِفَ في بعضِ تعليقِاته بالطَّعنِ على أيِّ حديثٍ فيه فضيلةٌ لصَحابيٍّ، لمُجرَّد أنَّه صحابيٌّ، فالحَقُّ عنده أن يكون مِن أهل النِّفاق!
بل كان من فظيعِ استنتاجاته: استدلاله على تفشِّي النِّفاقِ في الصَّحابةِ، بقولِ ابن أبي مليكة: «أدركتُ ثلاثين مِن أصحابِ النَّبي ﷺ، كلُّهم يَخافُ النِّفاق على نفسه»! وحكاية مثل هذا الهراء تُغني عن إبطالِه، مع قولِه بعدها: «الشَّاهد على ذلك: ما تقوله العامَّةُ بتعريفِ الصَّحابي: أنَّه مَن لَقِي النبَّي ﷺ في حياته مُسلمًا، وماتَ على إسلامِه .. إذن، فعبدُ الله بن أبيِّ بن سلول -هذا المُنافق- يُدرَج مع الصَّحابة!» (^١).
ومعلومٌ عند وِلدانِ الكَتاتيبِ، أنَّ الرَّجل إذا كان على عهد النَّبي ﷺ مَعلوم النِّفاق، فإنَّ ذلك مِن مَوانع اتِّصافِه بالصُّحبةِ أصلًا.
فهكذا أغلبُ حالِه في تَعَقُّباتِه لأحاديثِ «الصَّحيحين»، كثير الإلزامِ لأهلِ السُّنةِ بما لا يَلزم، تراه -مثلًا- يَردُّ حديثَ رُؤيا النَّبي ﷺ نفسَه يُعطي فضلَ لَبنٍ شَرِبه لعمر ﵁، وتأويلَه إيَّاه بالعلم، فيُعارِضه (جوادٌ) بالحديثِ المشهورِ في إنكارِ امرأةٍ على عمر نهيَه عن المغالاةِ في المهور (^٢)! بدعوى: أنْ كيف يجتمعُ علمُه هذا، مع استدراكِ هذه العامِيَّة عليه؟! حيث اختلط في عقله بين الأعلَمِيَّة والعِصمة.
ليختمَ بعدُ نقدَه لهذا الحديث بظَريفِ قولِه: «.. ثمَّ ألَا يعلمُ أهلُ العامَّةِ بأنَّ الفضائلَ لا تُكتَسبُ بالرُّؤيا والأحلام؟!» (^٣).
_________________
(١) «كشف المتواري» (١/ ٦٧ - ٦٨).
(٢) وقد عزا المؤلف هذا الأثر إلى تفسير الزمخشري (١/ ٤٩١)، مع كونه بأسانيده في غير ما مُصنَّفٍ من مُصنَّفات الحديث، وهذا من عَوار التَّخريج!
(٣) هذا النَّص والذي قبله في «كشف المتواري» (١/ ٧٤).
[ ١ / ٢١٨ ]
نعم، هذا إذا كانت واردةً في أضغاثِ أحلامك المُزعجة! أمَّا رؤيا الأنبياء فحَقٌّ ووَحْي، كما اعترفت به أنت نفسُك بعد هذا الموضع بصفحاتٍ! (^١)
لكنَّ التَّحامُلَ يودي بصاحبِه إلى التَّغابي والتَّغافل!
فرع: نموذجٌ مِن طَعْنِ (جواد خليل) بأخبارِ «الصَّحيحين»: أحاديث سهوِ النَّبي ﷺ في الصَّلاة:
العجيب مِمَّا تقدَّم مِن عَبثِ الكاتِب، أنْ يُعلِنَ توصُّلَه إلى مَرمى أهلِ الحديث مِن اختلاقِ ما اختلقوه مِن أخبارِ «الصَّحيحين»، واكتشافِه للُمؤامرةِ الَّتي باعوا لأجلِها الدِّينَ.
وذلك في سياقِ طعنِه في أخبارِ سَهوِ النَّبي ﷺ في الصَّلاة، حيث قال: «حاشا رسولَ الله ﷺ أن ينسَى كمْ صَلَّى! وكلُّ ما يُقال في ذلك، فهو لتبريرِ ما صَدَر مِن الحكَّام، الَّذين كانوا يصلُّون وهُم سُكارى، ولا يَدرون كم صَلُّوا! .. وهذا هو دَأبُ أهلِ العامَّة: الطَّعنُ في النَّبي الأكرم، وذلك لإخراجِ أمثالِ الوليدِ مِن وَحْل التَّاريخ» (^٢).
وهذا كلامُ مَن جانبَ الحقَّ والفطرة، ونقضُه مُجلّى في عِدَّة وجوه:
الوجه الأوَّل: أنَّ السَّهوَ أو النِّسيانَ في المَرءِ -أحيانًا قليلةً- ليس سُبَّةُ ولا وصمةَ عارٍ حتَّى نُنَزِّه عنه مَن هو بَشَرٌ مثلنا، ولو كان هو نبيًّا رفيعًا؛ فهذا نبيُّ الله آدم ﵇ يقول عنه ربُّه: ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥]، وقال موسى ﵇ مُعتذرًا للخضر: ﴿قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ [الكهف: ٧٣].
بل قال ربُّنا في حَقِّ نبيِّه محمَّدٍ ﷺ نفسِه: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤].
_________________
(١) انظر «كشف المتواري» (٢/ ٦٤٣).
(٢) «كشف المتواري» (١/ ١٥٤).
[ ١ / ٢١٩ ]
الوجه الثَّاني: القولُ بعِصَمَة الأنبياءِ مِن السَّهو والنِّسيان، فضلًا عن مُخالفتِه لصريحِ آي الكتابِ، هو مُخالفٌ للفطرةِ البَشريَّة الَّتي أجراها الله تعالى على البَشَر دلالةً على نقصِهم، والأنبياء لا شكَّ مِن جُملتِهم وإن كانوا أكملَهم؛ فذانِك أصلٌ في بني آدم كلِّهم، ومَن أخرجَ الأنبياءَ مِن هذا الأصلِ مُلزمٌ هو بالدَّليل؛ وأنَّا للإِماميَّةِ به؟! وقد نُقِل الإجماعُ على جَوازِ ذلك فيهم ﵈ (^١).
الوجه الثَّالث: أنَّ السَّهو قد يَقَعُ مِن الإنسانِ وهو خاشِعٌ في صلاتِه، خاضعٌ فيها لربِّه، ولا مُنافاة بينهما، وهذا واقعٌ بالتَّجربة، مَعلومٌ مِن أحوالِ النَّاس.
الوجه الرَّابع: إنَّ وقوع السَّهوِ مِن النَّبي ﷺ في صلاتِه في بضعِ مرَّاتٍ قليلةٍ طيلةَ حياتِه المُبارَكة، لا يجعلُه بحالٍ في عِدادِ السَّاهين أو اللَّاهين، كما وَدَّ الكاتبُ أن يُصوِّره تَهويلًا وتشنيعًا، فمثلُ هذه النُّعوتِ المُشينة، لا يَصحُّ إطلاقُها إلَّا على مَن كان ذلك ديدَنَه -كما أشرنا إليه آنفًا-، وليس في أخبارِ سَهوِه ﷺ ما يُشير إلى تكرُّرِ ذلك منه.
هذا على ما أجراه الله تعالى على نبيِّه مِن ذلك السَّهو من جليلِ الحِكَم التَّشريعيَّة، حتَّى عَدَّ ابن القيِّم «سهوَه ﷺ في الصَّلاةِ مِن تمامِ نعمةِ الله على أُمَّتِه، وإكمالِ دينِه، ليقتدوا به فيما يُشرِّعه لهم عند السَّهو» (^٢).
الوجه الخامس: ما ادَّعاه من وضعِ هذه الأحاديث تسويغًا لِما صَدَر مِن بعضِ الأمراءِ من تخليطٍ في ركعاتِ الصَّلاةِ جرَّاء سُكرِهم، فهو من المؤلِّف مُغالطةٌ ومُكابرة، تقتضي عدمَ تفريقِه بين السَّهو والسُّكْر! فلا صِلة بين سهو العاقلِ الصَّاحي في صلاتِه، وبين صلاته وهو سكران.
ثمَّ إنَّ استشهاده بالوليد بن عقبة زيادةٌ منه في الغَيِّ، فإنَّ الوليدَ حين صَلَّى الفجرَ أربعًا لسُكرِه، لم يعتذر لمَن خلفَه بهذه الأحاديث، ولا الخليفة عثمان ﵁ سَوَّغَ فِعْلَتَه كما يُسَوَّغ للسُّهاةِ، بل عاقبَه!
_________________
(١) نقله الشَّوكاني في «إرشاد الفحول» (١/ ١٠١).
(٢) «زاد المعاد» (١/ ٢٨٢).
[ ١ / ٢٢٠ ]
وخُلاصة القول في مثلِ أحاديث هذا الباب:
أنَّا لا نُثبِتُ للَّنبي ﷺ فِعلًا تَضمَّن صِفةً، أو نَنفي عنه ذلك، إلَّا بدليلٍ مِن كتابٍ أو أَثَرٍ صحيحٍ؛ وإلَّا فتَخيُّرنا الكَمالاتِ له على مَزاجِنا مُطلقًا أمرٌ لا ينضبِطُ، والآخذون بهذا المنهج، واقعون -لا مَحالةَ- في وَرطةٍ مع آي الكتاب، مع مثلِ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم: ١]، وقولِه تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧]!
فالأعلى قدرًا للنَّبي ﷺ، أن نَضَعه في المنزلةِ الَّتي وَضَعه فيها ربُّنا ﵎، مِن غير إفراطٍ يرفعُه عن بشَريَّتِه، ولا تفريطٍ يُخرجه عن نُبوَّتِه.
ومع ما وقع فيه المؤلِّف من خطايا منهجيَّة ومغالطات علميَّة كثيرة، إلَّا أنَّ كتابه قد اشتمل على جملةِ لا يُستهان بها مِن شُبهاتٍ مُغلَّفة بغشاءِ الاستشكالِ العلميِّ البَريء، تقتضي الوقوفَ عندها بحزمٍ وقوَّة، لبيان زيفِ دعاويها لمن يقع عليها، كي لا تلبِّس على طلَاّب الحقائق الشَّرعية، ناهيك عن عوامِّ المسلمين.
[ ١ / ٢٢١ ]