نيازي عزُّ الدِّين (^١)
وكتابه «دين السُّلطان، البرهان»
يُعدُّ (نيازي) مِن أبرز أعداء السُّنَن المعاصرين جلَدًا في مُعارضةِ متونِ «الصَّحيحين»، فكتابُه هذا مِن مَصادر الطُّعونِ الَّتي اعتمدها عَددٌ مِن المعاصرين في هجمَتِهم على «الصَّحيحين» (^٢)، واقعٌ هو في مجلَّدٍ كبيرٍ قارب عدُّ صفحاتِه الألفَ، تقوم فكرتُه على شبهةٍ أساسةٍ تابعَ فيها (جُولدْسِيهر) ثمَّ (أبو ريَّة) (^٣)، منها تنبثق باقي الشُّبَه الَّتي أودَعَها في كتابِه، ومضمونها:
دعواه أنَّ السُّنة وضَعها علماء الحديثِ بأمرِ معاوية بن أبي سفيان ﵁، وأنَّ وضعَ الشَّيخين لكِتابيهما كان مُحاباةً للحُكَّام في وقتهما، وتحقيقًا لمطامعِهم السِّياسيَّة، فكان بهذا جملةُ الفقهاء والمحدِّثين جنودًا للسُّلطان لا لدين الله تعالى!
_________________
(١) كاتب سوري من أصل شركسي، من حملة لواء الطعن في الأحاديث النبوية بدعوى أنها من وضع السلاطين لتثبيت حكمهم، وأن الإسلام لم يلزم الأمة إلا بالقرآن وحده، استغرق ألف صفحة في كتابه «دين السلطان» لإثبات هذه الفرية، انظر «السنة النبوية في كتابات أعداء الإسلام» (ص/٢١).
(٢) انظر «جناية البخاري» (ص/٤٥)، وقد اتبع جمال البنَّا نفس منهجه في تكرار الأحاديث في كتابه «تجريد البخاري وسلم».
(٣) انظر «السنة ومكانتها في التشريع» للسباعي (ص/٢٣٠)، و«أضواء على السنة المحمدية» لمحمود أبو رية (ص/٩٩).
[ ١ / ٢٦٦ ]
وهذه فِرية لا تُسندها مِسكة دليلٍ ولا شاهد تاريخ، تسقطُ اعتبارَ الكتابِ من أساسِه (^١)، يقول مصطفى السِّباعي في معرضِ ردِّه عليها: «هذه دعوى جديدة، لا وجود لها إلا في خيالِ كاتِبها، فما رَوَى لنا التَّاريخ أنَّ (الحكومة الأمويَّة) وَضَعَت الأحاديثَ لتُعمِّمَ بها رأيًا مِن آرائِها، ونحن نسأله: أين هي تلك الأحاديث الَّتي وضعتها الحكومة؟! إنَّ علماءنا اعتادوا ألَّا ينقلوا حديثًا إلَّا بسندِه، وها هي أسانيد الأحاديث الصَّحيحة محفوظةٌ في كُتبِ السُّنة، ولا نجدُ في حديثٍ واحدٍ مِن آلافِها الكثيرة، في سندِه عبد الملك، أو يزيد، أو الوليد، أو أحد عُمَّالهم كالحجَّاج، وخالد بن عبد الله القسري، وأمثالهم، فأين ضاعَ ذلك في زوايا التَّاريخ لو كان له وجود؟!» (^٢).
ويقول المُعلِّمي: «أبو هريرة، والمغيرة، وعمرو، ومعاوية، صحابيُّون ﵁، وكلُّهم عند أهل السُّنة عُدول، ثمَّ كانت الدَّولة لبني أميَّة، فلو كان هؤلاء يَستحِلُّون الكذبَ على النَّبي ﷺ في عيبِ عليٍّ ﵁، لامتلأَ الصَّحيحان -فضلًا عن غيرهِما- بعَيْبِه وذمِّه وشتمِه، فما بالُنا لا نَجِدُ على هؤلاء حديثًا صحيحًا ظاهرًا في عَيْبِ عليٍّ، ولا في فضلِ معاوية؟!» (^٣).
لكن المُؤلِّف مع ذلك مُصرٌّ على عِمايتِه في اتِّهامه لأبي هريرة ﵁ بالكذبِ (^٤)، كما زعَمَ أنَّ كعبَ الأحبارِ قد دَسَّ في الإسلامِ نصوصًا كثيرة مِن كُتب أهلِ الكتابِ المُحرَّفة (^٥)، ثمَّ جاء الشَّيخان فأودَعاها في «صَحيحَيهما» (^٦)، هكذا مِن غير حَسيبٍ ولا رقيبٍ، ولا انتبَه لذلك أحَدٌ مِن الأمَّة قبله!
_________________
(١) انظر الردَّ على هذه التُّهمة في «السنة ومكانتها في التشريع» للسباعي (ص/٢٠٥) و«الأنوار الكاشفة» للمعلمي (ص/٢١١)، و«كتابات أعداء الإسلام» لعماد الشربيني (ص/٤٩٤).
(٢) «السُّنة ومكانتها في التَّشريع» (١/ ٢٠٣).
(٣) «الأنوار الكاشفة» (ص/٢١١).
(٤) «دين السلطان» (ص/١٦٨، ٧١٤).
(٥) «دين السلطان» (ص/١٥٠).
(٦) «دين السلطان» (ص/٧١٣)
[ ١ / ٢٦٧ ]
وأمَّا عَملُ (نيازي) في الكتاب:
فقد بدأه ببضعِ مقدِّماتٍ فَصَّل فيها بعضَ الأصولِ الَّتي يقوم عليها تسويدُه، حيث قَسَّم أحاديث «الصَّحيحين» على أربعين فصلًا، كثيرًا ما يُكرِّر الحديثَ تحتَ أكثرِ مِن مَوضعٍ بلا فائدةٍ زائدةٍ، غير الحشو والاستكثار! (^١).
مِن هذه الفصول -مثلًا- «ما تعلَّق بالأحاديثِ الَّتي يُناقض متنُها مَعاني القرآن الكريم»، و«أحاديث تُناقض بعضَها»، و«أحاديث تناقض أخلاق الرَّسول ﷺ»، وفصل «في الشَّواهد على إشراكِنا الحاليِّ!»، حيث يَرى أنَّ قولَ المُسلمينِ بأنَّ السُّنة وحيٌ، إشراكٌ بالله تعالى في تشريعِه وألوهيَّتِه! (^٢) وليس يَدري المسكين بأنَّ قول المُسلمين بأنَّ السُّنة وَحي ناجمٌ عن أنَّ السُّنة في أصلِها من عند الله تعالى، أوحى بها إلى نبيِّه إمَّا إلهامًا أو إقرارًا، فليس النَّبي ﷺ إلَّا مُبلِّغًا، لا مُشرِّعًا في حقيقتِه مع الله.
يقول (نيازي) في بيانِ خُطَّةِ كتابِه:
في كتابي هذا، سوف أدرس -فقط- «صحيح البخاريِّ»، ثمَّ آتي على ذكر أحاديث «مسلم» بتركيز أقلٍّ .. لأنَّ غايتي مِن الدِّراسة، ليس حصر الحديث وتبيان الموضوع فحسب، وإنَّما مَقصدي من الدِّراسة: إظهار وتوضيح حقيقةٍ تَغاضى عنها أغلبُ المسلمين اليوم، وتلك الحقيقة هي: تناقضُ أغلبِ الأحاديثِ المَرويَّة في «الصَّحيحين» مع صريحِ القرآن الكريم» (^٣).
فكان ممَّا خلُص إليه المؤلِّف فيه بعد دراستِه لأحاديثهما:
أنَّه لم يجد مِن ذلك في «الصَّحيحين» يوافق القرآن، سِوى (أربعمائةٍ وتسعةٍ وثمانين) حديثًا! ثمَّ هذا القليل لا يلزم عنده منه أن يكون مِن قول النَّبي ﷺ
_________________
(١) انظر -على سبيل المثال- (ص/٢٩٠) من كتابه، وقارنها بما في (ص/٤٦٣).
(٢) «دين السلطان» (ص/٧١٢)، وهذا حكم يشاركه فيه غيره من منكري السُّنة، كما تراه في قول ابن قرناس في «الحديث والقرآن» (ص/١٨): «اتِّباع ما يقوله محمد ﷺ من غير القرآن: يعني أنَّنا عبدناه من دون الله، أو أشركناه في العبادة مع الله»!
(٣) «دين السلطان» (ص/١٧).
[ ١ / ٢٦٨ ]
حقيقةً (^١)! بل هواه إلى ردِّ كثيرٍ منها، هذا مع اعترافِه بعدم مُناقضتِها للقرآن، بدعوى أنَّها متونَها مِن المواضيع الشَّكليَّة الَّتي لا تأثير لها في الإسلام، كما الحال مع حديث: «احفوا الشَّوارب، وأرخوا اللِّحى» (^٢)، فهو لا يرى في هذا الحديث فائدةً أصلًا!
وهكذا كثيرًا ما يُورِّطه ذوقُه الرَّديء في اتِّهامِ الحديثِ ورواتِه باختراعِ ألفاظٍ في المتونِ افتراءً على الدِّين، كحديثِ أبي ذرٍّ ﵁ الَّذي فيه: «.. قال: هذا آدم، وهذه الأسْوِدة عن يَمينه وشِماله نَسَم بَنِيه ..».
هذا الحديث قد أقلق مضجعَ (نيازي) وأغاضَه، إذ لم يسبِق لحضْرته أن سَمِع بكلمةَ «الأسْوِدَة» (^٣) ولا عَلِم بمعناها! وطالما أنَّ عربِّيًا مثلَه لا يعرفها، فهي إذن مُختلَقةٌ لا معنى لها في لسان العرب! ثمَّ راح يُفسِّر للقارئ سببَ هذه البائقة، بـ «أنَّ راوي هذا الحديث لا يُتقِن العرَبيَّة، ولم يعرف عند نقلِ الحديث معنى (السَّواد)، فكتَب (أسوِدة)! وجَعلَ الَّذي على اليمين أيضًا مِن الأسودة الَّتي لا معنى لها» (^٤)!
المُضحك من هذا، أنَّه مع عجزِه عن تفهُّمِ مثل ذاك الكلامٍ العَربيِّ المُبين، وتَعسُّفه في (فبركةِ) أسبابٍ لوضعِ الحديث لم تخطر على قلب بشر: يعاتبُ العلماء على تقصيرِهم -بل جُبنِهم- عن مُصارحةِ مَتبوعيهِم بما في «الصَّحيحين» مِن مَكذوباتٍ! تهدم أُسَّ العقيدة والشَّريعة برُمَّتها، وبما فيها مِن مُناقِضاتٍ لكتاب الله تعالى في الأحكامٍ والأخبارٍ، كما فَعلوا ذلك -دون تَهيُّبٍ- بأحاديث مَوضوعةٍ أخرى في غيرهما مِن مُصنَّفات الحديث.
_________________
(١) «دين السلطان» (ص/٢٤٠).
(٢) «دين السلطان» (ص/٢٤٠).
(٣) الأسودة: جمع سواد، وهو الشَّخص، وقيل: الجماعات من الناس، انظر شرح النووي على صحيح مسلم (٢/ ٢١٨).
(٤) «دين السلطان» (ص/٣٧١).
[ ١ / ٢٦٩ ]
فلماذا هذا التَّحاشي من نقدِ «الصَّحيحين» -في نظره-؟ أفلا عاملوا الكلَّ مُعاملةً واحدةَ؟!
يقول نيازي: «لا يَهمُّنا السَّندُ، طالما تَبيَّن لنا أنَّ المتنَ ليس مِن الله، ولا يُطابق كلامَ الله، وما أحاديثُ الإمامين البخاريِّ ومسلم -رحمهما الله- في هذا المَقام، إلَّا كأحاديث أخرى اعتَرفَ العلماء بأنَّها مَوضوعة، دون أن تكون لهم الجرأةُ الكافيةُ لقولِ الحقِّ» (^١).
ولتَعجَبْ معي مَرَّةً أخرى -وما أكثرَ عجائب الرَّجل- مِن إقحامِ (نيازي) قُرَّائه في عالمٍ مِن الإثارة النَّفسيَّة الغَريبة، على نَمط كُتَّاب الرِّوايات البُوليسيَّة! فلقد هَمَس في آذانهم باكتشافِه سِرًّا محوريًّا خطيرًا عن سببِ إيرادِ البخاريِّ لتلك الأحاديث المَوضوعةِ كلِّها في كتابِه، مع ظهورِ بُطلانها للعالَم كلِّهِ! يقول:
«إنَّ للبخاريِّ رسالةً سِريَّةً، يحاول أن يُنبِّهنا إلى ما يحدُث في الدِّين ..» (^٢)، إنَّه «لم يكُن مُوافقًا على كلِّ ما يُقال عن الرَّسول ﷺ مِن أحاديث غير صحيحةٍ، ولكنَّه مِن خشيةِ السَّيافِ، كان لا يجرؤُ على الإجهارِ بها عَلَنًا! فوَضَعَها في كتابِه «الصَّحيح»، حتَّى يلمَحَها كلُّ مُؤمنٍ غَيورٍ على دينه» (^٣).
ولله في خلقِه شؤون!
ولأجل أن يكون كلام الرَّجل عَمليًّا، لا مُجرَّد عتابٍ عاطفيٍّ، اقتَرَح على العلماءِ مَشروعًا مِعياريًّا لإنقاذِ الأمَّة ممَّا أُلزق بدينِها مِن أكاذيبِ أسلافِهم، متسائلًا بصيغة الاستنكار: «لماذا لا يجتمع علماء المسلمين، ليدرسوا أحاديث البخاريِّ ومسلم مِن جديدٍ، ويَعرضوها على آياتِ الله في القرآن الكريم؟!» (^٤).
_________________
(١) «دين السلطان» (ص/٧١٥).
(٢) «دين السلطان» (ص/٣٠٩).
(٣) «دين السلطان» (ص/٤٤٦).
(٤) «دين السلطان» (ص/٧١٥).
[ ١ / ٢٧٠ ]
لكنَّه سرعانَ ما تراجع عن هذا المُقترحَ مِن أساسِه، وقنَّط القارئ مِن جدوى جوابِه، ذلك أنَّ السُّنة النَّبويَّة -مهما حاولنا تنقيتها عنده- لا تعدو أن تكون «فهمَ الرَّسولِ الخاصِّ والمَحدود بإنسانيَّتِه بالزَّمانِ والمكانِ»؛ فكان الحلُّ المريحُ «أن نطيع أمرَ الرَّسولِ الدَّائم .. -وطاعة الرَّسول واجبةٌ على كلِّ المسلمين المؤمنين برسالتِه-: «مَن كَتَب عنِّي غير القرآن فليمحُه» (^١)!
فأيُّ تناقضٍ هذا؟! بين إنكارِه قبلُ لمِا زادَ عن القرآن مِن الحديث، ثمَّ استدلالِه هو على كلامِه هذا بـ (حديثٍ) فيه الأمر بمحوِ (الحديثِ)! وليس هو في القرآن؟! مع عدم اعترافِه بالأحاديث مِن الأصل! وستأتي دراسة نماذج مِن مُعارضاتِه لأحاديث «الصَّحيحين» في مكانها المُناسب من الباب الثَّالث للبحث -إن شاء الله-.
_________________
(١) «دين السلطان» (ص/٧١٦).
[ ١ / ٢٧١ ]