التعريف:
حركة (*) الاتجاه الإسلامي بتونس، حركة إسلامية، قامت على منهج (*) فكر الإخوان المسلمين في العالم الإسلامي، وظهرت كرد فعل شعبي ضد التطرف العلماني المتمثل في الاستهتار بالإسلام وقيمه وأحكامه، ونتيجة لتدهور الأوضاع الاقتصادية واستشراء الاستبداد السياسي. وقد بدأها راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو واحميده النيفر، والتف حولهم عدد من الشباب وشكلوا جميعًا النواة الأولى لانتشار الفكرة الإسلامية، وأصبحت المساجد والمعاهد والجامعات رافدًا أساسيًا للحركة الإسلامية، التي واصلت معركتها ضد رموز التبعية والتغريب. وظلت تنشط في الساحة التونسية حتى صدر قرار بحلها وبدأ اعتقال قادتها وشبابها في ظل الحكم الحالي، إلا أنها حركة مستقلة في قرارها. ومازال لها وجود داخل تونس وخارجها رغم المطاردة.
التأسيس وأبرز الشخصيات:
تأسست حركة الاتجاه الإسلامي في ١٩٦٩م بتونس بعد سلسلة من الأحداث كان هدفها محو الشخصية الإسلامية لتونس، ومن أبرز شخصيات هذه الحركة:
· الدكتور راشد الغنوشي:
ـ مؤسس حركة الاتجاه الإسلامي.
ـ ولد في مدينة الحامة بولاية قابس بالجنوب الشرقي لتونس سنة ١٩٣٩م، ودرس في دمشق.
ـ أتم دراسته العليا في الفلسفة والتربية في فرنسا، اعتقل مرات كثيرة في أواخر السبعينات وحوكم في صائفة سنة ١٩٨١م وحكم عليه بعشر سنوات سجنًا، ثم أطلق سراحه سنة ١٩٨٤م ثم اعتقل في ٩مارس ١٩٨٧م وعندما أفرج عنه خرج من البلاد ويعيش الآن في الخارج.
· الشيخ عبد الفتاح مورو:
ـ الأمين العام لحركة الاتجاه الإسلامي.
[ ١ / ٢١٤ ]
ـ من مواليد سنة ١٩٤٨م في تونس - حصل على إجازة الحقوق سنة ١٩٧٠م وتولى مهنة القضاء حتى سنة ١٩٧٧م ثم التحق بالمحاماة.
ـ التقى مع راشد الغنوشي سنة ١٩٦٩م وتعاهدا على العمل والدعوة للإسلام، وتأثر الاثنان بفكر سيد قطب ﵀.
ـ وخلال تعرض الحركة (*) للمحنة في عهد ابن علي (خليفة بورقيبة) في ١٤١٢هـ - ١٩٩٢م انشق عن الحركة وشكل جماعة جديدة.
أحداث وتطورات الحركة:
· منذ أن أعلن بورقيبة سنة ١٩٤٥م - قبل إعلان الاستقلال بسنتين أنه ينوي إقامة حكم لا ديني في البلد، قرر بورقيبة وحزبه - فعلًا - تجريد البلد من كل مقوماته الإسلامية.. ففي سنة ١٩٥٧م أعلنت قوانين الأحوال الشخصية التي تقطع علاقتها بالشريعة الإسلامية (*) في مجال الأسرة. وفي سنة ١٩٥٨م ألغيت الأوقاف العامة، و١٩٥٩م منع التعليم الديني و١٩٦٠م شن بورقيبة حربًا ضد الصيام و١٩٦٢م ألغي التقويم الهجري، و١٩٦٥م - فتح أول ناد للعراة، و١٩٦٨م بدأت تعرية المرأة المسلمة من لباسها الإسلامي. و١٩٦٩م بدأت حملة لغلق المساجد، و١٩٧٤م بدأ بورقيبة بإلقاء محاضرات ضد القيم الإسلامية، وتهجم على القرآن الكريم والسنة النبوية، والآداب الشرعية والعادات الإسلامية.
ـ وكان من نتيجة هذه الأحداث تحرك بعض الغيورين على الإسلام، ومنهم الشيخ راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو للوقوف ضد هذه الهجمة الشرسة وتأسيس حركة الاتجاه الإسلامي سنة ١٩٦٩م.
ـ وبارك الله في الدعوة الإسلامية فانضم إليها الشباب من الجنسين وطلاب الجامعات، وبرزت ملامح الإسلام عليهم، من إطلاق اللحى إلى الزي الشرعي وغير ذلك.
· أهداف الاتجاه الإسلامي بتونس:
· بعث الشخصية الإسلامية لتونس حتى تستعيد مهمتها كقاعدة كبرى للحضارة الإسلامية بأفريقيا، ووضع حد لحالة التبعية والاغتراب والضلال.
· تجديد (*) الفكر الإسلامي على ضوء أصول الإسلام الثابتة ومقتضيات الحياة المتطورة وتنقيته من رواسب عصور الانحطاط وآثار التغريب.
· استعادة الجماهير حقها المشروع في تقرير مصيرها بعيدًا عن كل وصاية داخلية أو هيمنة خارجية.
[ ١ / ٢١٥ ]
· إعادة بناء الحياة الاقتصادية على أسس إنسانية وتوزيع الثروة بالبلاد توزيعًا عادلًا على ضوء المبدأ الإسلامي "الرجل وبلاؤه، والرجل وحاجته" أي "من حق كل فرد أن يتمتع بثمار جهده في حدود مصلحة الجماعة وأن يحصل على حاجته في كل الأحوال" حتى تتمكن الجماهير من حقها الشرعي المسلوب في العيش الكريم بعيدًا عن كل ضروب الاستغلال والدوران في فلك القوى الاقتصادية الدولية.
· المساهمة في بعث الكيان السياسي والحضاري للإسلام على المستوى المحلي والمغربي والعربي والعالمي وحتى يتم إنقاذ شعوبنا والبشرية جمعاء مما تردت فيه من ضياع نفسي وحيف اجتماعي وتسلط دولي.
وتتخذ الحركة الوسائل التالية لتحقيق هذه المهام:
· إعادة الحياة إلى المسجد كمركز لتعبد والتعبئة الجماهيرية الشاملة أسوة بالمسجد في العهد النبوي وامتدادًا لما كان يقوم به الجامع الأعظم، جامع الزيتونة، من صيانة للشخصية الإسلامية ودعمًا لمكانة البلاد كمركز عالمي للإشعاع الحضاري.
· تنشيط الحركة الفكرية والثقافية، ومن ذلك: إقامة الندوات وتشجيع حركة التأليف والنشر، وتأصيل وبلورة المفاهيم والقيم الإسلامية في مجالات الأدب والثقافة عامة وتشجيع البحث العلمي ودعم الطلاب، واللباس الشرعي للفتيات.
ـ هذا الوضع أثار صحيفة اللوموند الفرنسية فكتبت صفحة كاملة سنة ١٩٧٤م تحذر بورقيبة من ظاهرة الصحوة الإسلامية، وخطرها على التقدم والمدنية في تونس.
ـ في نفس السنة شنَّت جرائد الحزب الحاكم حملة شعواء على الإسلاميين وسخرت منهم. ثم انتقلت إلى التهديد والوعيد وما إن أعلن راشد الغنوشي عن تشكيل المكتب السياسي العلني الأول لحركة الاتجاه الإسلامي، وتقدم بطلب رسمي للترخيص القانوني بقيام الحزب حتى دخلت مجال العمل السياسي وبدأت الحرب ضدها.
· سنة ١٩٨١م فتحت أبواب السجون لرجال الحركة (*) الإسلامية وصدرت أحكام بسجن ما يقرب من ٢٠٠منهم بتهم ملفقة.
· سنة ١٩٨٤م أطلق سراح العاملين بحركة الاتجاه الإسلامي، وحرموا حقهم في الوظيفة ومنعت صحفهم الإسلامية ودروسهم المسجدية.
· سنة ١٩٨٦م أعلن بورقيبة أنه سيكرس العشر سنوات القادمة من حياته لمحاربة الاتجاه الإسلامي.
· وفي سنة ١٩٨٧م/ رجب ١٤٠٧هـ أعيد رجال الحركة إلى السجون التونسية.
[ ١ / ٢١٦ ]
ـ وفي نفس هذه السنة سقط بورقيبة ومات سياسيًا على يد حركة الاتجاه الإسلامي.
· وجاء ابن علي خليفة بورقيبة واستبشر المسلمون خيرًا، إلا أنه اتّبع سياسة بورقيبة بعد ذلك في محاربة حركة الاتجاه الإسلامي ورجال الحركة حاليًا ١٤١٧هـ بين سجين ومطارد.
المبادئ والأفكار:
· جاء في البيان التأسيسي لحركة الاتجاه الإسلامي أن الحركة تعمل على تحقيق المهام التالية:
ـ الإعلام الملتزم حتى يكون بديلًا عن إعلام الميوعة والنفاق.
ـ دعم التعريب في مجال التعليم والإدارة مع الاهتمام باللغات الأجنبية.
ـ رفض العنف كأداة للتغيير وتركيز الصراع على أسس شورية تكون هي أسلوب الحسم في مجالات الفكر والثقافة والسياسة.
ـ رفض مبدأ الانفراد بالسلطة الأحادية (Unipartisme) لما يتضمنه من إعدام لإرادة الإنسان وتعطيل لطاقات الشعب ودفع البلاد في طريق العنف، مع إقرار حق كل القوى الشعبية في ممارسة حرية التعبير والتجمع وسائر الحقوق الشرعية، والتعاون في ذلك مع كل القوى الوطنية.
ـ بلورة مفاهيم الإسلام الاجتماعية في صيغ معاصرة وتحليل الواقع الاقتصادي التونسي حتى يتم تحديد مظاهر الحيف وأسبابه، والوصول إلى بلورة الحلول البديلة.
ـ الانحياز إلى صفوف المستضعفين من العمال والفلاحين وسائر المحرومين في صراعهم مع المستكبرين والمترفين.
ـ دعم العمل النقابي بما يضمن استقلاله وقدرته على تحقيق التحرر الوطني بجميع أبعاده الاجتماعية والسياسية والثقافية.
ـ اعتماد التصور الشمولي للإسلام، والتزام العمل السياسي بعيدًا عن اللادينية والانتهازية.
ـ تحرير الضمير المسلم من الانهزام الحضاري إزاء الغرب.
ـ بلورة وتجسيم الصورة المعاصرة لنظام الحكم الإسلامي بما يضمن طرح القضايا الوطنية في إطارها التاريخي والعقائدي والموضوعي مغربيًا وعربيًا وإسلاميًا وضمن عالم المستضعفين عامة.
ـ توثيق علاقات الأخوة والتعاون مع المسلمين كافة: في تونس وعلى صعيد
[ ١ / ٢١٧ ]
المغرب والعالم الإسلامي كله.
ـ دعم ومناصرة حركات التحرر في العالم.
الجذور الفكرية والعقائدية:
ـ حركة (*) الاتجاه الإسلامي قامت على منهج (*) حركة الإخوان المسلمين في مصر والعالم العربي.
(ولهذا فيلحقها ما يلحق أصلها من مؤاخذات) .
ـ كما تأثرت الحركة بمنهج المدرسة العقلية (المعتزلة - أهل الكلام) في التاريخ الإسلامي؛ كما يظهر ذلك جليًا في كتابات مؤسسها.
الانتشار ومواقع النفوذ:
· انتشر فكر الحركة (*) في تونس بشكل خاص وأعلنت الحركة عام ١٩٨٥م عن مكتبها التنفيذي الثالث برئاسة الأستاذ راشد الغنوشي والأستاذ عبد الفتاح مورو أمينًا عامًا، وعضوية السادة حمادي الجبالي والحبيب اللور والحبيب السويسي واعتُرف بالحركة رسميًا عندما استقبلهم الوزير الأول محمد المزالي في قصر الحكومة، واعترفت كل الأطراف بالوجود السياسي الفعلي لحركة الاتجاه الإسلامي واضطرت للتعامل معها. وكانت جريدة الرأي وسيلة النشر لمؤلفات بعض مفكري الحركة مثل الدكتور عبد المجيد النجار ومحسن الميلي وعندما تولى ابن علي السلطة أفرج عن رموز الحركة في البداية واضطر قادتها في ٨ فبراير ١٩٨٩م أن يتقدموا بطلب تأشيرة للسماح للحركة بمزاولة نشاطها تحت اسم جديد هو "حزب النهضة" تمشيًا مع قانون الأحزاب ولكن سرعان ما غيرت السلطة موقفها وقلبت لهم ظهر المجنَّ، وسارعت إلى القبض على الكثير من شباب الحزب وأودعتهم السجون واضطر الكثيرون من رموز الحركة إلى الفرار بدينهم إلى خارج البلاد بعد مصادرة نشاطها.
ويتضح مما سبق:
أن حركة الاتجاه الإسلامي بتونس هي حركة إسلامية تتبنى كثيرًا من المفاهيم الفكرية لحركة الإخوان المسلمين، وهدفها القضاء على المد العلماني، وبعث الشخصية الإسلامية وتجديد (*) الفكر الإسلامي، وإعادة بناء الحياة الاقتصادية على أسس إنسانية، وبعث الكيان السياسي والحضاري للإسلام
[ ١ / ٢١٨ ]
داخل البلاد وخارجها في ظل إعلام إسلامي ملتزم، ورفض كامل للعنف كأداة للتغيير، وتكريس السلطة الإسلامية الشورية الجماعية والانحياز إلى صفوف المستضعفين من العمال والفلاحين. ويلحقها ما يلحق جماعة الإخوان من مؤاخذات؛ إضافة إلى الانحراف بالجماعة نحو الفكر العصراني المتميع والمخالف للنصوص الشرعية استجابة للواقع المنحرف.
مراجع للتوسع:
ـ تدرجات راشد الغنوشي، سليمان الخراشي، بحث منشور في موقع (صيد الفوائد) .
ـ معلومات عن حركة الاتجاه الإسلامي بتونس - (نشرة موسعة باللغة العربية عن الحركة) .
ـ تصريحات ومقابلات كل من الشيخ راشد الغنوشي والشيخ عبد الفتاح مورو - في كل من:
ـ مجلة المجتمع الكويتية في ١٥/١/١٩٨٥م - ٤/١٠/١٩٨١م.
ـ مجلة الإصلاح العدد ١١٣ و١١٤ في ١/٦/١٩٨١م.
ـ مجلة الغرباء رمضان ١٤٠٧هـ آيار ١٩٨٧م.
ـ مجلة البلاغ في ١٢/٩/١٩٨٤ و٢٣/٨/١٩٨١م.
ـ البيان التأسيسي للحركة في ٦/٦/١٩٨١م.
ـ حركة الاتجاه الإسلامي في تونس - راشد الغنوشي - نشر دار القلم - الكويت ١٤٠٩هـ/١٩٨٩م.
[ ١ / ٢١٩ ]