عمَّ بين الصوفية اعتقاد بأن الإنسان إذا ارتاض وجاهد في العبادة، فإنه قد يلتحق بالملائكة الكرام حتّى يطير في الهواء ويمشي على الماء، فبالرياضية حسب اعتقادهم، ينسلخ الصوفي بالكليَّة عن الحظوظ البشرية، وهذا الاعتقاد في أساسه، اعتقاد البراهمة (^٢)، ولكنه شاع عند الصوفية، وكانوا يحرصون على نشر الأخبار التي تروي طيران أحدهم في الهواء، فالشيخ أبو يوسف، صفي الدِّين، الحسين بن جمال الدِّين الأنصاري الخزرجي "ارتفع بجلسته إلى العلو قدر قامتين، ودار وسع المجلس الذي كان الصوفية فيه، ثم نزل إلى موضعه! ! " (^٣).
_________________
(١) المقريزي: الخطط، ٣/ ٤٠.
(٢) الغزي: لطف السمر، ١/ ٣٦٣.
(٣) صفي الدين الخزرجي: سير الأولياء، ٣٠، تحقيق مأمون محمود ياسين وعفت وصال، ط. بيروت.
[ ١٨ ]
وقد أنكر ابن تيميَّة على صوفية الأحمدية ما يفعلونه من دخولهم في النيران المشتعلة، وأكلهم الحيَّات، ولبسهم الأطواق الحديد في أعناقهم، وتقلدهم بالسلاسل على مناكبهم، وعمل الأساور الحديد في أيديهم (^١) وغيرها من الخوارق.
لقد حفلت القرون من السابع الهجري إلى العاشر الهجري بأخبار كرامات وخوارق هؤلاء الصوفية حتّى غدت أمرًا مصدوقًا، يتعرض من كذَّبه إلى التعزير والإيذاء، وانسحبت آثار ذلك على العصور التالية، وخاصة في العهد العثماني، حين أصبحت الطرق الصوفية واسعة الانتشار، كثيرة الأتباع.
كانت الصوفية في ذلك العصر شرًّا أصاب المجتمع، وإفسادًا للقيم والآداب، وتخريبًا للشرائع والسنن، وقد عبر كلُّ من فتح الدِّين ابن سيد الناس، وصلاح الدِّين الصفدي عن حال الصوفية بعبارات مقنعة، تعكس واقع حال المتصوفة، فالشيخ فتح الدِّين محمد بن محمد بن سيد الناس، يقول فيهم: [الخفيف]
ما شروط الصوفي في عصرنا اليو م سوى ستة بغير زيادة
وهي. . . (^٢) العلوق والسكر والسطْ ـلة والرقص والغنا والقياده
وإذا ما هذى وأبدي اتّحادًا وحلولًا من جهله وأعاده
وأتى المنكراتِ عقلًا وشرعًا فهو شيخُ الشُّيوخ ذو السِّجَّادَة (^٣)
كما وصف الصفدي هيئة أحد رجال الصوفية، فقال:
"شيخ مسن فقير، حرفوش، مكشوف الرأس، منفوش الشعر، عليه
_________________
(١) المقريزي: السلوك، ج ٢ ق ١ ص ١٦.
(٢) كلمة فاحشة بذيئة.
(٣) المقريزي: الخطط، ٢/ ٤٢٤، ابن شاكر الكتبي: فوات الوفيات ٣/ ٢٨٧.
[ ١٩ ]
دلق رقيق، بالي الخلقة رقيق، قد تمكن منه الوسخ ونبت فيه ورسخ، قد جمعه من عدة رقاع، له مدفأة يستدفئ بنارها" (^١).