قَالَ الأستاذُ القُشَيْريُّ: كانَ الناسُ بَعْدَ النبيِّ يُسَمَّوْنَ بالصحَّابَةِ؛ إذْ لا فَضيلةَ فَوْقَها، ثم من أدْرَك الصحَّابَةَ يُسمَّوْن تابِعين، ثم أتباعُ التَّابعين، ثم
_________________
(١) هو محمد بن علي القصاب، أستاذ الجُنيد في التصوف، انظر الطوسي: اللمع، ٤٥ الرسالة القشيرية، ٢/ ٥٥٣.
(٢) وردت في الرسالة القشيرية ٢/ ٥٥٢ وتتمتها "ظهرت في زمان كريم، من رجل كريم، مع قوام كريم".
(٣) هو الجنيد بن محمد الفقيه، البغدادي، أبو القاسم الخراز، ت ٢٩٧ هـ، سيد الطائفة وإمام الصوفية في عصره، منشؤه ومولده بالعراق، أصله من نهاوند، كان على مذهب أبي ثور، إبراهيم بن خالد بن اليمان، الكلبي، لقب والده بالقواريري لاشتغاله ببيع الزجاج، حول ترجمته انظر، أبو نُعيم، حلية الأولياء، ١٠/ ٢٥٥ - ٢٨٧، ابن الجوزي: المنتظم ٦/ ١٠٥، ابن خلكان: وفيات، ١/ ١٤٦، السبكي: طبقات، ٢/ ٢٨، الكلاباذي: التعرف، ١/ ١٣٢ - ١٣٦ الشعراني: طبقات، ١/ ٨٤، البغدادي (الخطيب): تاريخ بغداد، ٧/ ٢٤١ - ٢٤٩، القشيري: الرسالة، ١/ ٣٣ (ط. مصر)، ابن خلكان: وفيات الأعيان، ١/ ٣٧٣، ابن الأثير: البداية، ٨/ ٦٢.
(٤) وردت في الرسالة القشيرية، ٢/ ٥٥٣.
[ ٣٧ ]
اخَتَلفَ الناسُ وتَبايَنَت المراتِبُ، فسُمِّي خواصُّ الناسِ مِمَنْ لهم شِدَّةُ عنايةٍ بأَمرِ الدِّين، الزُّهادَ والعُبَّادَ.
ثم ظهرت البِدَعُ وحَصَلَ التَّداعِي بَيْنَ الفِرَق، فَانْفردَ خَواصُّ أهَلِ السُّنَّة، المُراعونَ أنفسهُمْ مع اللَّه، الحافِظونَ قُلوبهم من طَوارقِ الغَفْلَةِ باسمِ التَّصوُّفِ.
قال: واشْتُهِرَ هذا الاسم لهم قَبْلَ المئتين مِنَ الهجرة (^١).
قَالَ: وكان أحمدُ بنُ حَنْبلٍ -﵀- يقولُ لأبي حَمْزَةَ البَزّاز البَغْدادِي (^٢):
ما تَقَولُ في هذه المسألَةِ يا صُوفيّ. وكانَ فقيهًا عالمًا بالقراءات (^٣).
ثمّ اختَلَف النّاسُ في أنّ هذه نِسبةٌ إلى ماذا؟ فقالَ بَعْضُهمُ: نسبةً إلى الصَّفاء، لمّا صَفَتْ قُلوبُهُم، وتَنَقّتْ مِن الكدوراتِ جُعلَتْ لَهمْ هذه النِسبةُ (^٤).
قَالَ القُشَيْريُّ: وهذا بَعيدٌ من جهةِ اللُّغةِ.
وَكَأَنَّهُ استَبْعَدَ من حيث أَنَّ النّسبَة إلى الصّفاء، صَفَويٌّ، ولكن يجوزُ أنْ يكونَ أصْلُهُ صَفويًّا، ثم حَصَلَ التَّغْييرُ من مُتداوِلي اللَّفْظِ.
_________________
(١) وردت في نقد العلم والعلماء "تلبيس إبليس لابن الجوزي"، ١٧٣، الرسالة القشيرية، ٢/ ٦١ - ٦٢.
(٢) أبو حمزة البزاز البغدادي، من أولاد عيسي بن أبان، كان عالمًا بالقراءات، من أصحاب الجنيد، ولكنه مات قبل المجنيد، لا نعرف سنة وفاته بالضبط، انظر البغدادي (الخطيب): تاريخ بغداد، ١/ ٣٩٠، السّلمي: طبقاته، ٢٩٥، القشيري: الرسالة، ١/ ١٧٣، الشعراني: الطبقات ١/ ٩٩.
(٣) وردت في الرسالة القشيرية، ١/ ١٧٣.
(٤) وردت في التعرف لمذهب أهل التصوف، ٢٨.
[ ٣٨ ]
وقَالَ بَعْضُهُم: نِسبَةٌ إلى الصُّفَّة، وذلكَ أنّهُم كانوا مُجرّدينَ من الحُظوظِ الدّنيويَّةِ، شابَهوا في حالِهمْ حالَ أهل الصُّفَّةِ (^١)، فَحَصلَت لهم هذه النّسبةُ.
واعتُرِضَ على هذا بأنّ النّسبة إلى الصُّفَّة، صَفِّيّ لا صوفيّ، ويُجابُ عنه بما أُجِيبَ به عن الأوَّل (^٢).
وَقَالَ بَعْضُهم: نِسبةٌ إلى الصَّف، فَكأنهم بما تَعاطوه من الحِرْصِ على الفضلِ والأعْمالِ المُقرِّبة وَطَلب التَّقَدُمِ إلى رضوان اللَّه ويعترض بما أعتُرِض وَيجابُ بِمِثِل ما أُجِيِبَ بِهِ (^٣).
_________________
(١) أهل الصّفة: جماعة من الفقراء كانوا يقيمون في صفة مسجد رسول اللَّه -ﷺ-، التي جعلت لزهاد المسلمين، رغبوا عن عروض الدنيا. من أهم المصادر التي أرختهم: كتاب تاريخ أهل الصفة، لأبي عبد الرحمن السلمي (ت ٤١٢ هـ)، وكتاب التحفة في الكلام على أهل الصفة، لتقي الدين السُّبكي (ت ٤١٢ هـ)، وقد أفرد عبد الرحمن بدوي فصلًا لهم في كتابه: تاريخ التصوف الإسلامي، ط. الكويت، ١٩٧٥ ص ١٢٧. وقد وردت أخبارهم في الطبقات لابن سعد ج ٢ ق ٢ ص ١٣ نشرة سخاو، ومسند أحمد بن حنبل، وصحيح البخاري، ومسلم وسنن الترمذي، وسنن ابن ماجه، وكتاب اللمع، لأبي نصر السراج الطوسي (١٣٢ - ١٣٤)، وكتاب التعرف، للكلابادي، الباب الأول ص ٥، ط. مصر، وحلية الأولياء لأبي نُعيم، ١/ ٣٣٧، ٢/ ١ - ٣٤) ط. مصر، وكشف المحجوب، للهجويري ٩٧ - ٩٩ (نشر زوكوفسكي) وإحياء علوم الدين، للغزالي، ٣/ ١٦٧ ط. القاهرة ١٢٨٩ هـ، وتلبيس إبليس، لابن الجوزي، ١٧٦ ط. القاهرة، ١٩٢٨ م، أبو الفيض: جمهرة الأولياء، أهل الصفة، ١٣١، قاسم غني: تاريخ التصوف، ٦٠.
(٢) وردت في الرسالة القشيرية، ١/ ١٧٣، جمهرة الأولياء، وأعيان التصوف، لأبي الفيض، ١٥٣.
(٣) حول التعريفات انظر أيضًا. القشيري: الرسالة القشيرية (ط. مصر)، ٢/ ٥٥٠ - ٥٥١، الكلاباذي: التعرف لمذهب أهل التصوف، ٢٨، ابن الجوزي: تلبيس إبليس، ١٦٢.
[ ٣٩ ]
وَقَال بعَضُهُم: نِسْبةٌ إلى لِبْسِ الصوّف (^١)، وهذا صحَيحٌ من حَيْثُ اللَّغَة، وَاعْتَرَضَ القُشَّيريُّ عَلَيه، بأنَّ القَوْمَ لم يَخَتصُّوا بِلِبس الصّوفِ.
وَيُجابُ بأنّهُ الغالِب عَلَى مَنْ طلبَ خُشَونَةَ العَيْشِ والتَّقَلُّلِ مِنَ الدُّنْيا. والتَّقَشفِ فيها. من تركَ الناعمَ من الثيابِ، ويَقنَعُ بالخَشِن منها. ولبس الصوفِ والقطنِ غالبٌ في هذه الحالةِ. والصوفُ أغلبُ لعمومِ وجودهِ، وخشونتُه أكثر من خشونةِ القطنِ.
وفي الحديث الصحيح من حديث أَبي بردة، قالَ: أخرجتْ لنا عائشةُ كساءً غليظًا وإزارًا غليظًا، فقالت: قُبِضَ [رُوْحُ] رسولُ اللَّه في هذين (^٢).
وأَخرجَ الترمذيّ من حديثِ عبدِ اللَّه بنِ مسعودٍ عن النبيّ قالَ: "كانَ على موسى يومَ كلَّمه ربَّه كساءُ صوفٍ وجبة صوفٍ، وكمةُ صوفٍ وسراويلُ صوفٍ (^٣)
ولذلك أيضًا منْ يأخذُ نفسَه بالإِعراض عن الأمور الدنيوية من الأمم الماضية، يتَّصفون بلبسِ الصُّوفِ كالرهبانِ وأشباههم حتّى لا يكادوا ينفَكُّونَ عنه.
وقالَ بعضهم: هو نسبةٌ إلى المصافَاةِ.
قال الشاعرُ: صافَي فَصُوفِيَ حتى لُقِّبَ الصوفي (^٤).
_________________
(١) انظر الكلاباذي: التعرف، ٢٩، ٣٠.
(٢) رواه البخاري رقم ٥٨١٧ في اللباس: باب الأكسية والخمائص، وفي الجهاد: باب ما ذكر من درع النبي -ﷺ- وعصاه وسيفه، ومسلم رقم (٢٠٨٠) في اللباس: باب التواضع في اللباس، وانظر "زاد المعاد" لابن قيم الجوزية (١/ ١٤١). (م).
(٣) رواه الترمذي رقم (١٧٣٤) في اللباس: باب ما جاء في لبس الصوف، وهو حديث ضعيف، وانظر "جامع الأصول" لابن الأثير بتحقيق والدي الشيخ عبد القادر الأرناؤوط (م).
(٤) انظر السبكي: معيد النعم، ١٧٣ وفيه: =
[ ٤٠ ]
فهو مصافٍ لمولاه بالخدمة والامتثالِ والإِقبالِ على ما يُرضيهِ، والإِعراض عن ما سواه، ومصافٍ للخلقِ باطِّراحِ ما في أيديهم، وتركِ الالتفاتِ إلى ما هو محبوب عندهُم، فهوَ مصافٍ لهم، وهم مصافُونَ لَه، وهذا كما قيلَ في عصفورةِ الجنّة (^١).
إنّها لمّا اجتَنبت بُرَّهم اجتَلَبَت بِرَّهم، أَو اجتنبَت حَبَّهم فاجتلبَت حُبَّهُم.
وكذلك لمّا صافُوا الخَلقَ بتركِ ما في أيديهِمْ وعدم مزاحمتِهِمْ في أغراضهم وأعراضهم صافُوهم بمحبَّتِهِم وإجلالهم وتعظيمهم وإكرامِهِمْ.
وقيلَ، نسبةً إلى صوفانة، وهي بقلةٌ تنبت بالصَّحراءِ، فنُسبُوا إليها لأنهم اجتزأُوا باليَسيرِ وبما يُلتفَتُ إليه، قانعينَ ببقلة مُجتزِئين بِها (^٢).
وقيل: نسبةً إلى صوفَة، وهي قبيلةٌ كانت تجيرُ الحاجّ في الدّهرِ الأولِ، يُقالُ: أَجيري صوفَةَ (^٣)، فكانُوا ساداتِ النّاس ومنقذِيهِمْ، والمقتدى
_________________
(١) = تنازع الناس في الصوفيّ واختلفوا قدما وظنّوه مشتقًا من الصّوفِ ولست أمنح هذا الاسم غير فتًى صافي فصوفي حتى سمّي الصوفي
(٢) وردت في حياة الحيوان "عصفور الجنة" وتعني الخطاف، أوزوار الهند، وهو من الطيور التي تقطع المسافات البعيدة، رغبة في القرب من الناس، وسمي بعصفور الجنة؛ لأنه زهد بما في أيدي الناس من الأقوات، فلا يأكل البر أو الحب، وإنما يقتات بالذباب والبعوض، وقد ورد في الشعر: كن زاهدًا فيما حوته يد الورى تضحي إلى كلّ الأنام حبيبا أوّ ما ترى الخطاف حرم زادهُم أضحى مقيمًا في البيوت ربيبا انظر الدميري: حياة الحيوان، ١/ ٢٩٣، الجاحظ: الحيوان، ٣/ ٣٣٢.
(٣) انظر، ابن الجوزي: تلبيس إبليس، ١٦٣ وفيه أنها بقلة رغباء قصيرة، فنسبوا إليها لاجتزائهم بنبات الصحراء". وانظر أيضًا، الدمياطي: معجم أسماء النبات، ٨٩.
(٤) بنو صوفة: بطن من مضر من العدنانية، وهم بنو الغوث بن مر، كانوا يخدمون الكعبة =
[ ٤١ ]
بِهم، فلمَّا حصلَتْ لهذهِ الطائفةِ هذه الرُّتْبَةُ، نُسبُوا إلى تلكَ القبيلةِ لمشاركتِهِمْ في التّقدُّمِ والاقتداءِ بفعلِهِمْ، ذكرَه أبُو نُعَيمٍ وغيرُه.