دأب عدد من الصوفية على تعاطي الحشيشة، بدعوى أنها تذهب الهموم الكثيفة عن قلوبهم، وتجلو بفعلها أفكارهم الشريفة.
وليس بين أيدينا نص موثوق حول كيفية دخولها إلى العالم الإسلامي، فقد تعددت الروايات حولها، فبعض الروايات تنسبها إلى الهندي بيرزطن الذي حملها معه من الهند إلى فارس في القرن الأول الهجري، ومن ثم انتقلت بواسطة جماعة القلندرية الذين كانوا ينتظمون في سلك الصوفية، وقد حلقوا الرؤوس والحواجب والشوارب (^٢).
ورواية أخرى تنسب كشفها إلى الشيخ حيدر ت ٦١٨ هـ = ١٢٢١ م، والذي جعلها وقفًا على رفاقه من متصوفة خراسان، وأوصى أن يزرعوها على قبره بعد وفاته، ومن ثم انتقلت إلى بغداد فالشام ومصر، ومن الجدير بالذكر أن جماعة الحيدرية قدموا إلى دمشق بعد سنة ٦٥٥ هـ = ١٢٥٧ م، وعلى رؤوسهم طراطير، ولحاهم مقصوصة، وشواربهم بغير قص، وبنوا لهم زاوية خارج دمشق، ومنها وصلوا إلى مصر (^٣).
وقد تغنّى شعراء الصوفية بمحاسن الحشيشة، وأطلقوا عليها عدة أسماء مثل حشيشة الفقراء، ومدامة حيدر، والقلندرية.
وكان شاعرهم محمد بن علي بن الأعمى، أكثر الشعراء لهجًا بمزايا الحشيشة، فقال: [الطويل].
_________________
(١) الزيات: الفقراء المخربون، مجلة المشرق، مجلد ٤٣ سنة ١٩٤٩، ٥١١ - ٥١٥.
(٢) ابن شاكر الكتبي: فوات الوفيات، ٢/ ١١٢.
(٣) المقريزي: السلوك، ج ١ ق ١ ص ٤٠٧.
[ ١٧ ]
دع الخمر واشرب من مدامة حيدر معنبرة خضراء مثل الزبرجد
يعاطيكَها ظبي من الترك أغيد يميسُ على غصنٍ من البانِ أملدِ
فتحسبها في كفِّه إذ يديرها كرقم عذار فوق خدِّ مورَّد
يرنحها أَدنى نَسيم تنسَّمت فتهفو إلى بردِ النَّسيم المرود
وتشدو على أغصانها الوُرقُ في الضحى فيطربها سجع الحمامِ المغرّدِ
هي البِكْرُ لَمْ تُنْكَح بماءِ سحابةٍ ولا عُصرتْ يومًا برجلٍ ولا يدِ
ولا عبثَ القسيس يومًا بكَأْسها ولا قرَّبوا مِنْ دنّها كلَّ مقعدِ
ولَا نصَّ في تحريمها عندَ مالكٍ ولا [هي] عند الشافعيّ وأحمدِ
ولا أثبت النُّعمانُ تنجيسَ عينهِا فخُذْها بحدّ المشرفي المهنَّدِ
وكف أكف الهمّ بالكيفِ واسترحْ ولا تطرحن يومَ السرورِ إلى غدِ (^١)
لقد أدخل الصوفية الحشيشة إلى العالم الإسلامي منذ القرن السادس الهجري، ولا زالت أمتنا تعاني من آثار هذا المرض الاجتماعي حتَّى اليوم.