استحل بعض الصوفية كل المحرمات والكبائر، وتظاهروا بالفسق والفجور والمخازي، فليلة الماشوش تتم علانية عند متصوفة شيراز (^١). وقد روى خبرها التنوخي في مشوار المحاضرة (^٢)، ذلك أن ابن خفيف البغدادي، شيخ متصوفة شيراز، وقد مات رجل صوفي من أصحابه، وخلف زوجة صوفية، فاجتمع النساء الصوفيات يعزينها، حتَّى إذا انتهت مراسيم الدفن، وصل ابن خفيف الدار وأخذ يعزي المرأة بكلام من كلام الصوفية إلى أن قال: أعزبت.
قال لها: هاهنا غير (^٣).
فقالت: لا غير (^٤).
فقال: فما معنى التزام النفوس آفات الهموم وتعذيبها بعذاب الغموم؟ ولأي معنى تترك الامتزاج (^٥) لتلتقي الأنوار (^٦) وتصفو الأرواح وتقع
_________________
(١) انظر الزيات (حبيب): كتابة الديارات في الجزء الأول من مسالك الأبصار لابن فضل اللَّه العمري، مجلة المشرق ٤٢: ١٩٤٨، ٢٩٧.
(٢) التنوخي: نشوار المحاضرة، مجلة المجمع العربي بدمشق، العدد ١٧ ص ٢٦١ - ٢٦٢.
(٣) أي هل يوجد هنا غير موافق في المذهب.
(٤) أي ليس من يخالف.
(٥) كناية عن الوطء.
(٦) أي النور الإلهي.
[ ١٤ ]
الاختلافات وتنزل البركات. فقالت النساء: إذا شئت.
فاختلط جماعة الرجال بجماعة النساء طول ليلتهم، فلما كان سحرًا خرجوا، ويبدو أن ذلك الحادث قد وقع في اليوم الأول من الصوم، أو الأحد الأول من الصوم حسب رواية الشابشتي في الديارات (^١)، وأصبح ذلك اليوم احتفالًا لهم يختلط فيه الرجال بالنساء.
وقد أشار ابن الجوزي إلى أن صوفية عصره قد سدُّوا على أنفسهم باب النظر إلى النساء الأجانب، لبعدهم عن مصاحبتهن وامتناعهم عن مخالطتهن، واشتغلوا بالتعبد عن النكاح. واتفقت لهم صحبة الأحداث على وجه الإرادة وقصد الزهادة (^٢).
ويقرر ابن الجوزي بأن آفة الصوفية في عصره في صحبة الأحداث ومعاشرة الأضداد (^٣)، ولم يقف البلاء عند هذا الحد، بل تعداه لإِضفاء مشروعية ذلك للمتصوفة، فقد صنف أبو الفضل، محمد بن طاهر، المعروف بابن القيسراني الشيباني ت ٥٠٧ هـ = ١١١٣ م رسالة في إباحة السماع والنظر إلى المرد (^٤). واشتهر من المتصوفة بالتهتك والاستباحة خضر الكردي شيخ الملك الظاهر بيبرس، والشيخ أبي الحسن الحريري، وسليمان بن المولّه المجذوبه.
وكان علي الحريري أكثرَ المتصوفة تهتكًا في معاشرة الأحداث "فكان
_________________
(١) وردت عند الحديث عن دير الخوات ص ٩٣، وانظر ابن فضل اللَّه العمري: مسالك الأبصار، ١/ ٢٨٠ - ٢٨٢ (تحقيق أحمد زكي باشا).
(٢) ابن الجوزي: تلبيس إبليس، ٢٦٥.
(٣) المرجع السابق، ٢٧٦.
(٤) الشعراني: الطبقات الكبرى، ٢/ ١٢٩.
[ ١٥ ]
من وقع نظره عليه من الأحداث وأولاد الجند والأمراء وغيرهم يحسن ظنه فيه، ويميل إليه، ولا يعود ينتفع به أهله، بل يلازمه ويقيم عنده، اعتقادًا فيه وميلًا إليه" (^١).
ومع أن ظاهرة مصاحبة المُرد والأحداث والمخنثين كانت واضحة في العصور العباسية المتأخرة، فقد اشتدت في عصر المماليك، وذلك إثر قدوم طائفة من الأوبراتية التترية (^٢)، المشهورين بالجمال سنة ٦٩٥ هـ = ١٢٩٥ م، وانتشارهم في مصر والشام، ومن ثم دخولهم في خدمة الأمراء المماليك، وتنافس أمراء المماليك في اقتناء صبيانهم وبناتهم، ومن تبقى من هؤلاء الأويراتية بعد ذلك انخرط في الجيش، وتفرقوا في الممالك لتنتشر معهم المفاسد، ووجدته جماعات من الصوفية فيهم ضالتهم، فبالغوا في إضفاء مشروعية صوفية على فعلتهم النكراء، وقد أورد لنا الشعراني -أحد كبار متصوفة القرن العاشر الهجري- خبر الصالح محمد بن عراقي، الذي كان لا يمكِّن ابنه عليًا من الخروج إلى السوق، حين كان أمرد، إلّا أن يُبَرقَع خوفًا عليه من السوء والفتنة (^٣).
ولم يقف الأمر على المرد والأحداث بل تعداه إلى سواه من البهائم والحيوانات، فقد كان الشيخ الصوفي علي وحيش (ت ٩١٧ هـ/ ١٥١١ م) كثير الاعتداء على البهائم والأتن (^٤).
لقد كان هذا الضرب من التصوف استهزاءً بالأديان، وبعدًا عن جادة الزهد والعبادة، وتهتكًا، حتَّى استحق صوفية القرون التالية للقرن السادس
_________________
(١) الدلجي: الفلاكة، ٧٢، ابن الفوطي: الحوادث الجامعة، ٣٢٥.
(٢) قبائل مغولية سكنت الجزء الأعلى من خط نهر Venessei بأواسط آسيا.
(٣) الشعراني: لواقح الأنوار، ٢/ ٢٥٧، زكي مبارك: التصوف، ١/ ٢٥٧.
(٤) الشعراني: الطبقات الكبرى، ٢/ ١٢٩ - ١٣٠.
[ ١٦ ]
هجري، لقبَ "الفقراء المخربين"، لأنهم يناقضون السنن والعادات ويخرجون عن الآداب والشرائع (^١).