إِنَّ الحمدَ لله؛ نحمدُهُ ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ بالله مِن شرور أنفسِنا ومن سيِّئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يضلل فلا هاديَ له. وأشهدُ أنْ لا إِله إلا الله - وحده لا شريكَ له -. وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه.
أمّا بعد:
فبين يَدَيكَ - أيها القارئُ الكريم - كتابي "النّصيحة "؛ وهو بحوثٌ علميَّةٌ نقديَّةٌ حديثيةٌ؛ مبنيّةٌ على القواعد الصحيحة، ومُؤسَّسةٌ على الأُصول الصَّريحة؛ سَيْرًَا على ما خَلَّفَهُ أئمّةُ الإسلام - حُفَّاظُ السُّنَّةِ الأعلام - لِمَن بَعْدَهم مِن أَتباعهم؛ السائرين - بحقِّ - على مَنْهَجِهم، والسَّالكينَ - بصدقٍ - دَرْبَهم وطريقَهم.
وأصلُ هذه البُحُوثِ ردودٌ على (غُمْرٍ) من أَغمار الشباب (١)؛ تصدّى لِمَا
_________________
(١) وهو المدعوُّ (حسّان عبد المنّان)! ولقد تحقّق عندي أنّه صارَ ينشرُ كتبَهُ - أخيرًا - بعد انكشاف حقيقته، وافتضاح أمره - تحت أسم (أبو صهيب الكرمي)! ! إمعانًا في التمويه والتلبيس! وإغراقًا في التضليل والدليس! ! بل إنّه - بَعْدُ - نَشَرَ كُتُبًا فيها مقدّماتُهُ، وعليها تعليقاتُهُ: دونما أيِّ اسمٍ أو كُنية! ! ولكي يقفَ القارئُ على صُوَرٍ مِن (تخريبه) لِكُتُب أهل العلمِ - غير ما في كتابا هذا -: فلينظر صنيعَهُ في "صحيح البخاري" الذي أخرجه في مجلّد واحد! ليرى سوءَ صنيعهِ، وفسادَ عملهِ، وما وقع فيه من سَقْطٍ، وتصحيفٍ، وتحريفٍ، واضطرابٍ بل إنّني أظن - بعد خِبْرَتي يه، ومعرفتي له - أنَّ (بعضَ) ذلك مقصودٌ منه، فهو =
[ ٥ ]
لا يُحْسِن، و(فَسْلٍ) من جَهَلةِ المُتعالمين؛ تطاول برأْسهِ بين الكُبَراءِ - وعليهم -؛ فحقّق (!) كُتُبًا! وخرّج (!) أحاديثَ! وسوّد تعليقاتٍ! وتكلّم - بجرأة بالِغَةٍ - فيما لا قِبَلَ له به من دقائق علم المصطلح، وأُصول الجرح والتعديل! ! !
فجاءَ منه فسادٌ كبيرٌ عريض، وَصَدَرَ عنه قولٌ كثيرٌ مريض؛ لا يعلمُ حقيقةَ مُنتهاه إلا ربُّه ومولاه - جلّ في عُلاه -.
ولقد كنتُ رَدَدْتُ عليه - قَبْلُ - في مواضعَ متعدّدةٍ من كُتُبي - وبخاصّة "سلسلة الأحاديث الصحيحة"- لمناسباتٍ تَعْرِضُ؛ كشفتُ فيها جهلَه، وَأَبَنْتُ بها عن حقيقتهِ؛ حيث ظهر لي - بكُلِّ وضوحٍ - أنّه للسُّنَّة (هدّام)، ومُتَعَدٍّ على الحق هجّام.
فهو يتعدّى على الأحاديث الصحيحة بالظَّنِّ والجهلِ والإفسادِ والتخريب؛ بما يُوافقُ هواه، ويلتقي ما يراه - بدعوى التحقيق والتخريج! -
ولقد رأيتُ له - منذ مدّةٍ - تحقيقًا - بل تَخْريبًا - لكتاب "إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان" للإمام ابن قَيِّم الجوزيّة، تلميذ شيخ الإسلام ابن تيميّة
_________________
(١) = - أحيانًا - يُسقِطُ التابعيَّ الذي بين الصحابي والراوي عنه! ليظهر الحديثُ - بذلك - أنه منقطعُ السند! ! كما أنّه يُسقِطُ - أحيانًا - بعضَ الكلماتِ من متنٍ ما، ويزيد كلماتٍ أُخرى في متن آخر؛ ممّا يؤدّي إلى إيقاع فساد في معنى الأحاديثِ، واضطراب في دلالتها! ! فإفسادُهُ مُنَوعٌّ: روايةً ودرايةً! ! وَمَعَ هذا كُلِّه؛ فهو يدَّعي التحقيقَ (ويستدركُ على المُحقّقين!)؛ علمًا بأنّ مثلَ هذه الأخطاء - بل الخطايا! - لم تقعْ في أيٍّ من مطبوعات "البُخاري" أو غيرهِ! ! فيُقالُ له: ليس هذا بعشِّك فادْرُجي وللوقوفِ على نماذجَ ممّا ذكرتُ يُراجع ما كَتَبَهُ صاحبُنا الأخ علي الحلبي - في ذلك - في مجلّة (الأصالة- العدد: ٢٠/ ص ٤٧ - ٥١). و﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾
[ ٦ ]
- رحمهما الله تعالى -؛ ظهر فيه - بجلاءٍ بَيِّنٍ - جهلُهُ الواضح، وتعالُمُه الفاضح؛ فرأيتُ أداءً لواجب النَّصيحةِ، وحِرْصًا على مكانة العلم، ومُحافظةً على السُّنَّة النبوية: أنْ أُفردَ بهِ هذا الكتاب؛ ردًّا على جهالاتِه، وكشفًا لسوءِ حالاتِه ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾.
وإنّي لأعلمُ أنَّ بعضًا من إخواننا دُعاة السُّنَّةِ - أو الحريصين عليها - (قد) يقولون في أنفسهم: أليس في هذا الردِّ إشهارٌ لهذا الجاهل، وتعريفٌ بهذا (الهدَّام)؟ ! !
فأقولُ: فكان مَاذَا؟ ! أَلَيْسَ واجبًا كشفُ جهلِ الجاهل للتحذير منه؟ ! أليس هذا - نفسُهُ - طريقَ عُلماءِ الإسلام - منذ قديم الزمان - لنقضِ كُلِّ منحرفٍ هَجّام، ونقدِ كُلِّ متطاولٍ هَدّام؟ !
ثم، أليس السكوتُ عن مثلِهِ سبيلًا يُغَرَّرُ بهِ العامّةُ والدَّهْماء، والهَمَجُ الرَّعَاع؟ ! فَلْيَكُن - إذًا - ما كان؛ فالنّصيحةُ أُسُّ الدين، وكشفُ المُبْطِلِ صيانةٌ للحقِّ المُبين؛ ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ﴾؛ ولو بعد حِين
وما حالُ سَلَفِ هذا (الهدّام) - ذاك (السَّقَّاف) - وما آلَ إليهِ - والحمدُ لله - عن عارفي الحقِّ ودُعاتهِ ببعيدٍ
وختامًا؛ فلو كان عند هذا (الهَدّام) شيءٌ من الإنصاف: لكانَ منه - ولو قليلًا - تطبيقٌ وامتثالٌ لِمَا قاله بعضُ كبار أهل العلمِ - نصحًا وتوجيهًا -: "لا ينبغي لرجلٍ أن يرى نفسَه أهلًا لشيءٍ؛ حتّى يَسأل مَن كان أعلمَ منه (١) "!
ولكن؛ هيهات، هيهات؛ فالغُرورُ قتّالٌ، وحُبُّ الظهور يقصمُ الظهور وَمعَ هذا كُلِّه؛ فإنِّي أسألُ الله - سُبحانه - له الهدايةَ إلى الحقِّ، والرجوعَ
_________________
(١) "صفة الفتوى والمفتي والمستفتي" (ص ٨) لابن حمدان - بتحقيقي.
[ ٧ ]
الصوابِ، والاستقامةَ على نهج السّنّةِ وأهلِها وَبَعْدُ:
فإنّ هذا الكتاب قد مضى عليه - اليومَ - مخطوطًا - أكثرُ من خمس سنوات؛ ولقد رأيتُ - بعدَ مُشاورةٍ مع بعض إخواننا مِن طلاّب العلم - لُزومَ نشرهِ على الناس؛ إحقاقًا للحقِّ، ونُصرةً لِحُمَاتِهِ، وردًّا للباطلِ، وكَبْتًا لِدُعاتِهِ.
وجزى الله خيرًا كُلَّ مَن كان له يَدٌ في إخراج هذا الكتابِ؛ وبخاصّةٍ ناشِرَهُ (دار ابن عفّان/ القاهرة)، داعِيًا الله - سُبحانَه - لهم بمزيدٍ من التوفيقِ.
فالحمدُ لله على نَعْمائِه، وأسألُهُ - سُبحانَه - المزيدَ من عَطائِه. وسُبحانك اللهمَّ وبحمدك، أشهدُ أنْ لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
عمان
١٨/ محرّم/ ١٤٢٠ هـ
وكتب
محمد ناصر الدين الألباني
أبو عبد الرحمن
[ ٨ ]