فأقول: يؤخذ عليه:
أولًا: أنَّه لم يبيِّن حالَ إسناد حديث أبي هريرة، ولا الشواهد التي أشار إليها؛ وما حال أسانيدها؟
ثانيًا: لم يُحِل -كما هي عادته أحيانًا- إلى مصدر فيه بيانٌ لما أهمله؛ وذلك لأنَّ مرجعه في ذلك تعليقي على "المشكاة" (٥٠٣)، وقد استفاده -أيضًا- المعلِّق على "الإحسان" (٤/ ٢٥٠)!
ثالثًا: لم يبيِّن السبب في تقويته للحديث هنا بالشواهد، وإعراضه عن تقويته لأحاديث أخرى بشواهدها -وما أكثرَها -! أقربُها حديث: "حرّم لباس الحرير والذهب على الرجال " رقم (١٢)؛ وهكذا فهو (لَعَّاب على الحبلين)، ليس له منهج معروف يستقرُّ عليه، ولئن وجد فهو من اختلاقه، وهل يستقيم الظلُّ والعود أعوج؟ !
١٦ - أشار ابن القيِّم إلى سبب نزولِ آية ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾؛ فخرّجه (الهدَّام) (١/ ٩٣) من رواية أصحاب "السنن" الثلاثة، وقال: "وقال التِّرمذي: "حسن غريب"، وهو كما قال".
فأقول: هُنا -لأول مَرّة - نراه يوافق التِّرمذي على التحسين؛ ولذلك فإِني آخذ عليه ما يأتي:
أولًا: لماذا لم يبين سبب الموافقة المذكورة، والمعروف عنه أنَّه يصرح في مناسبات كثيرة أنَّه متساهل في التحسين، فضلًا عن التصحيح! ولذلك فهو يخالفه في عشرات الأحاديث؛ كما هو شأنه مع كل علماء الحديث -لا فرق بين متساهلٍ منهم ومتشدد ومتوسط -، وأقرب مثالٍ على ذلك حديث عائشة المتقدم آنفًا رقم (١٤)؛ فما هو الضابط في الموافقة والمخالفة؟ !
[ ٧٣ ]
إنَّه الهوى الذي لا ضابط له!
ثانيًا: ذاك موقفه العام بالنسبة لتحسين التِّرمذي، ونحوُه موقفُه بالنسبة لرواية عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده؛ فإِنَّه -أيضًا- متناقض؛ فها هو هنا يوافقه على التحسين لإسناده، وفي حديث آخر يأتي (١/ ١٨١) يقول: "أميل إلى تضعيف روايته"! وفي ثالث يقول (١/ ٤٦٣): "فيه ضعف"! ! وهذا لا ينافي التحسين إن كان يُحْسِن التعبير، ويعرف ما يقول! فإِنَّه لو لم يكن فيه ضعف لكان صحيحًا؛ لما لايخفى على العارفين بالفرق بين الحديث الصحيح والحديث الحسن في علم المصطلح، وكذا قال أيضًا في حديثين آخرين لعمرو ابن شعيب، وذلك في تعليقه على "رياضه" (ص ١٢٦ و٤٣١)، ولم يوردهما في "ضعيفته" الذي ذيَّل به عليه، مُشْعِرًا بذلك أنهما من قسم الحسن، ولكنه لايفصح بذلك، ولايتكلَّم، سترًا على اضطرابه في حديث عمرو! فإنّه أورد فيها حديثًا آخر (ص ٥٣٢/ ٦٤)! وقد أعلّه هناك بالراوي عنه عبد الرحمن بن حرملة -أيضًا- وهو من رجال مسلم! -، وقد صحّحه الحاكم، والذهبي، وحسّنه التِّرمذي -كما في "الصحيحة" (٦٤) -، وحسّنه البغوي -أيضًا- (٢٦٧٥).
ثالثًا: ومع اضطرابه المذكور وكتمانه لسبب الموافقة، فهناك كتمان آخر لطريق أخرى أقلُّ ما يقال فيها: إنَّها شاهد قوي، أخرجه الحاكم وغيره من طريق القاسم بن محمد بن عبد الله بن عَمرو:
أنَّ رجلًا من المسلمين استأذن نبي الله -ﷺ- في امرأةٍ - يقال لها: أم مهزول - كانت تسافح وتشترط أن تنفق عليه، وأنَّه استأذن فيها نبي الله -ﷺ-، وذكر له أمرها، فقرأ نبي الله -ﷺ-: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً ﴾ الآية.
وقال الحاكم: "صحيح الإسناد"، ووافقه الذهبي، وهو مخرَّج من الطريق
[ ٧٤ ]