(الهدّام)، والكتاب مطبوعٌ -بحمد اللَّه ومِنّته-.
وأمّا حديث الأزيز؛ فهو مخرج في "صحيح أبي داود" (٨٣٩).
٣٣ - حديث البراء بن عازب: لقينا المشركين يومئذ [يعني: يومَ أُحُد]، وأجلس النبي -ﷺ- جيشًا من الرّماة، وأمّر عليهم عبد اللَّه، وقال: "لا تبرحوا إن رأيتمونا ظهرْنا عليهم. . . "، الحديث:
قلت: ساقه (الهدَّام) (١/ ١٤٤)، وقد أشار إليه ابن القيم، فلم يزد (الهدَّام) في تخريجه إيّاه على قوله: "أخرجه البخاري" (٤٠٤٣) ".
قلت: وهذا التخريج المُبْتَسَرُ؛ من الأدلة الكثيرة على أنّ (الهدَّام) لا يهمّه التحقيق الذي يدّعيه، إلّا للهدم فقط، وليس للتصحيح والبناء! ! وإلّا: فما باله اقتصر على هذا العزو، وهو بحاجة إلى دعمٍ بِغَيره؛ لأنّ الحديث في الموضع الذي أشار إليه من "البخاري" هو من رواية إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء؟ !
وهو يعلم أن في هذا الإسناد علّتين: إسرائيل، وجدَّه أبا إسحاق السبيعي، وأن هذا مجروح بالاختلاط والتدليس، وقد ضعّف به حديث خطبة الحاجة كما سبق رقم (١٩)، وحفيده لا يُعرف بسماعه منه قبل الاختلاط، ولذلك كان لا بدّ من إزالة عِلَّتَي التدليس والاختلاط؛ خشية أن يتشبّث بهما غيرُه من المحدَثين والهَدَّامين -بجهلهم أو بسوء نيّتهم-!
فأقول: لقد قصر (الهدَّام) -جهلًا أو تجاهلًا! - تقصيرًا فاحشًا في العزو المذكور؛ لِمَا يأتي:
أوّلًا: أنّ البخاريَّ قد أخرجه في مكان آخرَ (٣٠٣٨) بإسناد قوي؛ من طريق زهير: حدّثنا أبو إسحاق، قال: سمعت البراء. . .
[ ١٠٦ ]
فهذه متابعةٌ قويةٌ من زهير -وهو ابن معاوية، أبو خيثمة الكوفي- صرّح فيها بسماع أبي إسحاق من البراء، أزالت علّةَ التدليس؛ والحمد للَّه.
ثانيًا: لو توسَّع قليلًا في التخريج، وأطال نفَسَه فيه -ولا كإطالته في التضعيف! ! - لوجد تصريح إسرائيل نفْسِه بتحديث جده؛ في رواية أبي عَوانة في "صحيحه" عنه (٤/ ٣٠٦).
ثالثًا: بقيت عِلّةُ الاختلاط، وعهدي بـ (الهدَّام) أنّه كثيرًا ما يُضعِّف الأحاديثَ الصحيحةَ بمثل هذه العلّة! ! وسيأتي على ذلك بعضُ الأمثلة.
ولذلك؛ فإنّي أخشى (!) أن يكون كتمها لغايةٍ في نفْسه؛ قد يُبديها عند الحاجة! ! وإلّا لدفعها -كما تقتضيه الأمانةُ العلميةُ- بطريقةٍ أو بأُخرى! !
وأنا -شخصيًّا- كنت دفعتها بشاهدٍ قويٍّ من حديث عبد اللَّه بن عباس -﵄-؛ كنت خرَّجته في "تخريج فقه السيرة" (٢٥٠ و٢٥١/ القلم)، ولذلك أوردته في "صحيح أبي داود" (٢٣٩٠)، وقد أخرجه مسلسلًا من طريق زهير بالتحديث، وخرّجت له -فيه- شاهدًا آخرَ من حديث عبد اللَّه ابن مسعود.
وأمّا قول الحافظ في "مقدّمة فتح الباري" في ترجمة أبي أسحاق السَّبِيعي (٤٣١):
"ولم أرَ في "البخاري" من الرواية عنه إلّا عن القدماء من أصحابه؛ كالثوريّ وشعبةَ، لا عَنِ المتأخرين؛ كابن عيينة وغيرِه".
فهذا من عجائبه -﵀-! فإنّه الحافظ بحقّ-؛ فهذا الحديث -برواية إسرائيلَ وزهير- يردّه، وهناك أحاديث أُخرى لهما؛ قد كنت نبهّت على ذلك في بعض المواضع، فجلَّ اللَّه؛ ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾.
[ ١٠٧ ]