تتقَوَّى روايته بمجيئها من طريق أخرى، فكيف وقد جاءت من طرق؟ !
فقد أخرجه عبد الرزّاق في "المصنف" (٣/ ٢٢١ - ٢٢٢)، وعبد اللَّه بن أحمد في "زوائد الزهد" (ص ٣٥٣)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٩/ ١٣٣ - ١٣٤)، وأبو نُعيم في "الحلية" (٤/ ٣٨٠ - ٣٨١) من طرق؛ عن عبد اللَّه بن مسعود. . . بقصة أصحاب الذكر المبتدع، وأقربها إلى لفظ الكتاب طريةت قيس بن أبي حازمٍ، قال:
ذُكر لابن مسعود قاصٌّ يجلس بالليل، ويقول للناس: قولوا كذا، قولوا كذا! قال: فجاء عبد اللَّه مُتقَنِّعًا، فقال: مَن عرفني فقد عرفني، ومَن لم يعرفني فأنا عبد اللَّه بن مسعود؛ تعلمون أنَّكم لأهدى من محمدٍ وأصحابه؛ أو إنكم لَمتعلِّقون بذنب ضلالة!
وقد صحّح هذه الطريقَ الهيثميُّ في "المجمع" (١/ ١٨١ - ١٨٢)، ورجاله ثقات؛ لكنْ فيه إسحاق بن إبراهيم الدَّبَري، وفيه كلامٌ معروفٌ، لكن يقوّيه رواية الطبراني، وأبي نعيم من طريقِ سَلَمة بن كُهيل، عن أبي الزعراء. . . نحوه.
قلت: وإسناده جيد.
فماذا يمكن أن يقولَ القائلُ فيب هذا المعلّق المضعِّف الذي كتم كلَّ هذه الطرق، ولم يُشِرْ إليها أدنى إشارة؟ ! أهو عالم يكتم علمه، ولا يؤدّي الأمانة؟ ! أم هو جاهلٌ متعالم، لا علم عنده؟ !
(تنبيه): لفظ الدّارمي أتمُّ من لفظ قيس بن أبي حازم؛ وهو مخرّج في "ردّي على الشيخ الحبشي" (ص ٤٥ - ٤٦/ الطبعة الأولى).
٥١ - "قال أبو هريرة: كنّا مع النبي -ﷺ- في صلاة العشاء، فلَمّا سجد
[ ١٢٥ ]
وثب الحسن والحسين على ظهره. . . حتى قضى صلاته؛ رواه الإمام أحمد":
أعلَّه (الهدَّام) (١/ ٢٢٣) بقوله: "وفي إسناده كامل بن العلاء، وفيه ضعف"!
قلت: هذه من تضليلاته ومراوغاته الكثيرة، فكلُّ ثقةٍ فيه ضعفٌ يسيرٌ؛ يصِحُّ أن يقال فيه: "فيه ضعف"! حتى بعض رجال "الصحيحين" -كما لا يخفى على العارفين بهذا العلم-، ومع ذلك يكون حديثه مُحتَجًّا به، ولو في مرتبة الحسن، وهذه حالُ (كاملٍ) هذا، فقد وثّقه ابن معين، وقال النسائي: "ليس بالقوي"، ولهذا قال الحافظ: "صدوق يخطئ".
فهو -إذن- وَسَطٌ، فـ (الهدَّام) بَدَلَ أن يصرِّح بتحسين إسناده، راوغ؛ فقال: "فيه ضعف"! ومع ذلك، فهذا الضعف يزول ويرتقي حديثه إلى مرتبة الصِّحّة بالشاهد الذي ساقه (الهدَّام) عَقِبَهُ من رواية أحمد (٥/ ٤٤ و٥١) من طريقين، عن المبارك بن فَضَالَة، عن الحسن البصري، عن أبي بكرة. . . نحوه؛ ولكنّه زاغ عن الحقّ أيضًا، فأعلّه بعلتين:
١ - قال: "وهذا إسناد ضعيف، لضعف المبارك بن فَضَالة"!
قلت: فهذا التضعيفُ المطلق مخالِفٌ لما استقرّ عليه قولُ الحفّاظ من تقييد ضعفه بما إذا عنعن؛ كما قال أبو داود وأبو زُرعة:
"إذا قال: "حدّثنا"؛ فهو ثقةٌ"؛ ولَخَّصَ الحافظُ هذا فقال: "صدوق يُدَلِّس" (١).
و(الهدَّام) يعرفُ هذه الحقيقةَ، ولذلك كان من تمام زَوَغانِه أنَّه ساق إسناده المعنعن -من الموضع الثاني المشار إليه بصفحة (٥١) -، وكتم سياقَه
_________________
(١) أمّا قوله: "وَيُسَوِّي"؛ ففيه نَظَرٌ بيَّنتُهُ في غير ما موضع.
[ ١٢٦ ]
الذي صرَّح فيه المباركُ بتحديثهِ وتحديثِ الحسن البصري -أيضًا-، وهو في الموضع الأوّل (٤٤)!
فقال أحمد: ثنا هاشم: ثنا المبارك: ثنا الحسن: ثنا أبو بكرة. . . وهذا إسناد جَيِّد قوي، فماذا يقال عَمَّن يُدَلِّس على القراء، ويكتم عنهم الحقائق؟ !
على أنَّ هناك شواهدَ أخرى يزداد بها الحديث قُوَّةً على قوة؛ عند ابن خزيمة وابن حِبّان في "صحيحيهما"؛ وهو مخرَّج في "الصحيحة" برقم (٤٠٠٢).
٢ - وأمّا العِلّة الأُخرى؛ فهي زَعمه أنَّه: "رواه جَمْعٌ عن الحسن البصري لم يذكروا قِصَّة الوثب! وأثبتوا آخره".
قلت: لا يزال مستمرًّا في التعمية على القرَّاء! فهو يعني بـ "آخره"؛ قولَه -ﷺ-: "إن ابني هذا سيِّدٌ. . . " الحديث، وهذا لم يذكره ابن القيم، فكان عليه البيان، وجوابًا عليه أقول:
ما رواه الجمع قِصَّةٌ أخرى، بدليل أنَّ في رواية للبخاري برقم (٣٧٤٦) -الذي أحال (الهدَّام) عليه- أنَّ النبي -ﷺ- كان على المِنبر، والحسنُ إلى جنبه، ينظر إلى النّاس مَرَّةً" وإليه مرَّةً، ويقول. . . فذكره.
قلت: فهذه القصةُ لا تدفع قِصَّة المبارك، لا سيما ولم يتفَرَّد بها -كما تَقَدَّم-، فهما قِصَّتان، ومن الممكن أنهما وقعتا في يومٍ واحدٍ، إحداهما متمِّمةٌ للأخرى، وفيه قال -ﷺ-: "إنَّ ابني هذا سيد. . . " الحديث، هذا هو الواجبُ عند العلماء الغيورين على حديث رسول اللَّه -ﷺ-؛ الحِرْصُ على الجمع بين أحاديثه؛ وليس ضربَ بعضها ببعض، كما يفعل (الهدَّام) وأهل الأهواء -من أمثالهِ-، نسأل اللَّه السلامة!
[ ١٢٧ ]