المخطوطة -وهو لا يَصِلُ إليها-، فإن كان هذا عُذرًا له! فقد طُبع المجلد الذي فيه الحديث (٢/ ٤٩/ ٤٢٨)؛ فلماذا لم يَعزُهُ إليه؟
ولقد بلغ به شَغَفُهُ بالمخالفةِ، والجنايةِ على السنة؛ أنْ تعامى عن أنَّ مسلمًا قد أخرج الجملة الأولى من حديث أبي هريرة من طريق أخرى عنه، وعن كون الشيخين قد أخرجا لها شاهدًا من حديث ابن عمر، وهما مخرّجان في "أحكام الجنائز" (ص ٢٧٠ - ٢٧١ - طبعة المعارف)؛ فهل يفعل هذا مسلمٌ ناصحٌ ذو علمٍ؟ !
٧٠ - "عن جابر أنَّ رسول اللَّه - ﷺ - نهى أن تُجصَّصَ القبور، وأن يُكتب عليها، قال التِّرمذي: حديث حسن صحيح":
قلت: وتمام كلام التِّرمذي: "قد رُوي من غير وجه عن جابر"؛ ذكره تحت باب: (ما جاء في كراهية تجصيص القبور والكتابة عليها).
وعزاه (الهدَّام) لأبي داود -أيضًا-، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم؛ وعقَّب على ذلك بقوله (١/ ٢٨٦):
"وفي إسنادهِ نَظَرٌ بالزيادة التي فيها نَصُّ الكتابةِ، وكأنَّ حديثًا دخل في حديث، ويُفصَّل في غير هذا الموضع"!
قلت: هذا هُراءٌ في هُراءٍ، لا يعجز عن مثله أجبنُ الجبناء، وأجهلُ الجهلاء، لأنَّه مجرّد ادعاء، يلجأ إليه -عادةً- الأدعياء! وإلّا فما الذي يمنعه من التفصيل الذي زعمه! ويُحيل إلى موضع ربّما هو نفسُه لا يعلمه! بل إنَّ مثل هذا الكلام الغوعْائيِّ لَيُشْعِرُ أنَّ الرجل يرتجل الحكم على الحديث بالضعف، دون أي بحث، وإنَّما حسبما (يُوحي) إليه شيطانُهُ!
وَلَديّ على ذلك أدلّةٌ:
[ ١٥٢ ]
الأوّل: تخريجه المذكور، فإِنَّه عزا الحديث للخمسة، وقال: "وفي إسناده نظر"؛ فأوهم أنَّه عندهم بإسنادٍ واحد، وهو كذبٌ -لغةً وشرعًا-، فإِنَّه عند بعضهم بإسنادٍ آخر؛ فأخرجه التِّرمذي من طريق محمد بن ربيعةَ، والحاكم عن حفص بن غِيَاث، وأبي معاوية، وابن حِبّان أيضًا (٣١٥٤)، والطّحاوي في "شرح المعاني" (١/ ٢٩٦) كلاهما عن أبي معاوية محمد بن خازم، ثلاثتهم، عن ابن جُريج، عن أبي الزبير، عن جابر.
وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم"، ووافقه الذهبي.
فهذا هو الإسناد الأوّل.
والإسناد الآخر عند الثلاثة الآخرين -أبي داود، والنسائي، وابن ماجه-؛ من طريق ابن جُرَيج، عن سُلَيْمان بن موسى، عن جابر، وكذلك رواه ابن حِبّان، وليس عند ابن ماجه إلا جملة الكتابة -فقط-.
فلْيتأمل القراء كم في تخريج (الهدَّام) من خَبْطِ وخلطٍ وزُورٍ؟ !
هذا؛ وقد كنت صحّحت في "الإرواء" (٣/ ٢٠٨) هذا الإسنادَ الثاني، ثم بدا لي أنَّ فيه انقطاعًا بين سليمان بن موسى وجابر.
و(سليمان) -هذا- ليس في شيوخه أبو الزبير؛ فالغالب أنَّه تلقّاه من غيره، فيصلُحُ الاستشهادُ به، وإلّا فهو متابعٌ قويٌّ لابن جريج.
وأصلُ الحديثِ عند مسلم وغيره من طُرُقٍ عن ابن جُريج: أخبرني أبو الزبير، أنَّه سمع جابر بن عبد اللَّه. . . به.
ومن الملاحظ على (الهدَّام) -هنا- ما يُلاحَظ على الكثير من تخريجاته؛ وهو إخلالُهُ بالأمانة العلمية، فقد كتم تصحيحَ التِّرمذي والحاكم والذهبي إياه، وكذا تصحيحَ ابن حبان، وكذا قول التِّرمذي: "وقد رُوي من غير
[ ١٥٣ ]