وأعلَّ حديث (كاتم الضالّة) بأن في إسناده مَنْ هو ضعيفٌ، وبالشكِّ في وصله عن أبي هريرة! وجهل أو تجاهل بأنَّ له شاهدًا من حديث عمرو بن شعيب في بعض الطرق عنه؛ رواه أحمد (٢/ ١٨٦)؛ فهو به صحيحٌ، وهو في "صحيح أبي داود" (١٥١١)، وانظر "الإرواء" (٨/ ٧١).
٩٥ - "حَبَسَ -ﷺ- في تهمةٍ ليتبين حال المتهم".
خرَّجه (الهدَّام) من رواية التِّرمذي وغيره من أصحاب "السنن" من حديث مَعْمَر، عن بَهْز بن حكيم، عن أبيه، عن جدِّه، وقال: "وفي هذا الإسناد كلام".
قلت: تقدَّم قبل حديثين الرّدُّ على مثل هذا الكلام، وبيان أنَّه لا ينافي أنَّه إسناد حسن، وقد صحَّحه ابنُ معين إذا كان دون بهزٍ ثقةٌ، ومَعْمَرٌ ثقةٌ من رجال الشيخين، وقد كتم (الهدَّام) -كعادته- تحسينَ التِّرمذي إيّاه، وكذا تصحيحَ الحاكم (٤/ ١٠٧)، والذهبي! ! وذكر له الشوكانيُّ شاهدًا من حديث أبي هُريرة في "السيل الجرار" (٤/ ٣٧٦)؛ لكنْ فيه متروك، ففي حديث بهز بَرَكَةٌ.
٩٦ - "أنَّ النبي -ﷺ- أمر عبد اللَّه بن عُمَر أن يطيع أباه؛ لما أمره بطلاق زوجته":
خرَّجه برواية أصحاب "السنن" الثلاثة -منهم الترمذي- من حديث ابن عير، ثم أعَلَّه بقوله (١/ ٤٦٥):
"وفيه الحارث بن عبد الرحمن -خال ابن أبي ذئب-، وفيه نَظَرٌ لجهالته"!
قلتُ: وكذا قال (الهدَّام) في تعليقه على طبعته لـ "رياض الصالحين" (٢٤٣/ ١٣٤)! ولكنّه لم يَحْشُرْهُ في زمرة الأحاديث الضعيفة التي ذيّل بها
[ ١٩٥ ]
لطبعتِهِ، وفيها عشراتُ الأحاديث الصحيحة التي جنى عليها، وهذا منها.
وإعلالُهُ إياه بالجهالة مُعَارَضٌ بقول من وثّقه، فقال أحمد، والنسائي: "ليس به بأس"، وقال ابن معين: "يُروى عنه وهو مشهور" -كما في "تاريخ الدارمي" (٩٨/ ٢٢٤) -، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٤/ ١٣٤)، وقال: "غزا مع جماعة من أصحاب النبي -ﷺ- ".
فأعرض (الهدَّام) عن أقوال هؤلاء العارفين الموثِّقين إلى قول من جهّله؛ ضربًا بقاعدة: (من علم حُجَّة على من لم يعلم) عُرْضَ الحائط، وكتم -أيضًا- قول التِّرمذي: "حديث حسن صحيح"؛ فضلًا عن تصحيح الحاكم الذي لم يَعْزُهُ إليه، وعن موافقة الذهبي إيّاه، وتصحيح ابن حبان -أيضًا-، كما أعرض عن قول الذهبي، والحافظ فيه: "صدوق"؛ ولذلك أقرّ في "الفتح" (٩/ ٦٣١) تصحيح التِّرمذي، وابن حبان، والحاكم، وكذلك فقد كنت حسّنته في "الصحيحة" (٩١٩)؛ فعاكسني (الهدَّام) بهذا الغُثاءِ الذي رأيتَ!
وقد وهم المعلِّق على "الإحسان"؛ فقال (٢/ ١٦٩ و١٧٠): "إسناده صحيح على شرط الشيخين"! !
وإنّ من غَفَلات (الهدَّام) الكثيرة -والتي تدلُّ على أنَّه لا تحقيق عنده حتى في تصحيح تجارِب المطبعة-: أنَّ هذا التخريج والإعلال وقع عنده تعليقًا على حديث (بيع أمهات الأولاد) الذي غفل أيضًا عنه؛ فلم يُخَرِّجْه! ! وهو مخرَّجٌ في "الإرواء" (٦/ ١٨٩) بإسنادين صحيحين عن جابر بن عبد اللَّه -﵁-.
ولعلّه تَعَمّد التهرُّبَ من تخريجه لأنّه غير معقول عنده! ولم يجد مجالًا لإعلاله، فرأى أن (الهروبَ ثُلُثا الشجاعة) كما يُقال في بعض البلاد! ! واللَّه أعلم بما في نفسه!
[ ١٩٦ ]