كما رأينا أن مذبحة أطفال بيت لحم التي حدثنا عنها إنجيل متى، لم نجد لها أى ذكر أو إشارة فى الأناجيل الثلاثة الأخرى (٢) أو عند المؤرخين الذين سجلوا حياة الملك هيرودس الكبير. إن إنجيل متى يدلل على حدوث تلك المذبحة بذكر عبارة من العهد القديم (سفر ارميا) كنبوءة بها، فلنقرأ إنجيل متي (حينئذ تم ما قيل بارميا النبي القائل: صوت سمع فى الرامة نوح وبكاء وعويل كثير. راحيل تبكي على أولادها ولا تريد أن تتعزى لأنهم ليسوا بموجودين) متى ٢: ١٧ - ١٨
ونعود إلي سفر ارميا المقصود (صوت سمع فى الرامة نوح بكاء مر راحيل تبكي على أولادها وتأبي أن تتعزي عن أولادها لأنهم ليسوا بموجودين .. أمنعي صوتك
_________________
(١) ENCYCLOPEDIA JUDAICA VOL ٦ PAGE ١٠
(٢) إن تسجيل لوقا لطفولة المسيح بالتفصيل كما بينا يناقض ادعاء متى بحدوث هذه المذبحة.
[ ١٤٠ ]
عن البكاء وعينيك عن الدموع لأنه يوجد جزاء لعملك يقول الرب، فيرجعون من أرض العدو .. فيرجع الأبناء إلي تخمهم) ارميا ٣١: ١٥ - ١٨
الرامة: مدينة تقع فى إقليم اليهودية بالشمال الغربي لأورشليم، وهي من المدن التي سكنها بنو بنيامين (أحفاد راحيل) حيث جاء فى سفر يشوع (وكانت مدن سبط بني بنيامين حسب عشائرهم: أريحا وبيت حجلة ووادي قصيص وبيت العربة وصمارايم وبيت ايل وجبعون والرامة وبئيروت ..) يشوع ٢١:١٨
راحيل: زوجة (يعقوب) ﵇ وهى أم يوسف ﵇ وأخيه بنيامين وهما من أسباط بنى إسرائيل الاثني عشر.
ارميا: هو ارميا بن حلقيا أحد أنبياء بني إسرائيل من عنائوت فى أرض بنيامين. وقد عاصر ارميا النبي الملك يوشيا بن آمون ملك يهوذا (إقليم اليهودية) وابنه الملك (يهويا قيم) (١) ثم الملك صدقيا.
اين يوشيا (يهويا قيم) توفي قبل الغزو ٣ شهور ومن المعروف تاريخيا أن نبوخذ نصر البابلي ٦٠٥ - ٥٦٢ق. م قام بغزو مملكة يهوذا والاستيلاء على عاصمتها أورشليم عام ٥٩٨ق. م وأسر ملكها يهوياكين ومعه آلافا من جنوده (٢) ونقل هؤلاء الأسرى إلي بابل وهو ما عرف بالسبي البابلي الأول. وقد قام نبوخذ نصر بتعيين صدقيا ملكا على أورشليم وبذلك ظلت مملكة يهوذا تحت النفوذ البابلي لمدة أحد
_________________
(١) توفي الملك قبل الغزو البابلي بثلاثة شهور فقام نبوخذ نصر بأسر ابنه وخليفته يهوياكين الذي كان فى الثامنة عشرة من عمره (الحضارات السامية: موساكتي)
(٢) يقدرهم ول ديورانت بعشرة آلاف أسير (قصة الحضارة)
[ ١٤١ ]
عشر عاما، وبعد تلك الفترة ثارت مملكة يهوذا على الحكم البابلي تحت زعامة ملكها صدقيا، فعاجل نبوخذ نصر هذه الثورة بحملة عسكرية واستولي على أورشليم فى عام ٥٨٦ق. م ودمر وأحرق هيكل سليمان وقتل وأسر الآلاف من أهلها ويعرف هذا بالسبي البابلي الكبير (١)
وقد أعفي البابليون ارميا من قرار النفي العام لأنه كان يدعو إلي الاعتراف بنفوذ البابليين وأن بابل سوط عذاب فى يد الله.
ويصف ارميا فى سفره ما أحدثه الغزو البابلي من خراب ودمار والبكاء والعويل على القتلي والمأسورين الذين بلغوا الآلاف، ثم يبشر بعودة هؤلاء الأسرى إلي وطنهم.
ونعود ثانية إلي إنجيل متى، إن كاتب إنجيل متى قد ربط أحزان مدينة الرامة على اولادها أحفاد راحيل المأسورين فى بابل بأحزان مدينة بيت لحم على أطفالها المذبوحين على يد الملك هيرودس على حد ادعائه.
ونتساءل هل كل بكاء وصراخ مذكور فى أسفار الأنبياء يعتبره متى مشاركة وجدانية ونبوءة بالمذبحة المزعومة؟! إن وجود فجوة زمنية تبلغ ٥٩٨ عاما وفاصل جغرافي بين بيت لحم التي تقع جنوب أورشليم ومدينة الرامة التي تقع فى شمالها الغربي بالإضافة إلي اختلاف الظروف التاريخية، كل تلك العوامل تثبت عدم تحري متى الدقة فى كتابة الأنجيل والاستشهاد بعبارات العهد القديم.
_________________
(١) معالم العصر التاريخي فى العراق القديم: د. نبيلة محمد عبد الحليم.
[ ١٤٢ ]
ويعلق وليم باركلي على تلك النبوءة قائلا: الصورة التي يرسمها ارميا هنا هى صورة الشعب اليهودي وهو فى طريقه إلي السبي مارا بمدينة الرامة حيث دفنت راحيل، ولكن متي يستخدم هذه النصوص ليجعلها تناسب الصورة الجديدة فى قصة ميلاد المسيح، وإن بدالنا أسلوب متى هذا غير مقنعا لنا فقد يكون مقنعا لليهود الذين كتب لهم متى بشارته ويضيف ر. ت فرانس: لم تكن بيت لحم واحدة من المدن التابعة للسبط الذي منه راحيل (١)