ينتهي إنجيل متى هكذا: (فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الأب والابن والروح القدس، وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به، وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر) متى ٢٨: ١٩ - ٢٠.
يقول ر. ت فرانس (١): قيل إن هذه الكلمات لم تكن أساسا جزءا من النص الأصلي لإنجيل متى، لأن يوسابيوس اعتاد فى كتاباته السابقة لمجمع نيقية أن يقتبس من متى (٢٨: ١٩) فى صيغتها المختصرة: (اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم باسمي).
ومن المتفق عليه أنه عندما كتب إنجيل متى سنة (٨٥م) لم يكن الثالوث المقدس بمحتواه الأقنومي قد تبلور بعد ولم يشر إليه المسيح فى حياته ولم يذكره الرسل بعد رحيله وحتى كلمتي (الثالوث) و(الأقانيم) لم يذكرا على الإطلاق فى العهد الجديد (٢).
ويؤكد ذلك الأب متى المسكين: بسبب عدم وجود قاعدة عقائدية محددة قبل مجمع نيقية كانت بعض الكتابات لبعض الآباء تخرج عن الأصالة العقائدية كما عرفتها الكنيسة بعد المجامع (٣)
_________________
(١) التفسير الحديث لإنجيل متى: ر. ت. فرانس صـ٤٦٢.
(٢) علم اللاهوت النظامي: هنرى ثيسن صـ١٥٦.
(٣) التقليد وأهمته فى الإيمان المسيحي: الأب متي المسكين.
[ ٧٦ ]
إن صيغة التثليث كما وردت فى نهاية إنجيل متى (الأب والابن والروح القدس) لم تعرف بصورتها تلك إلا بعد مجمع القسطنطينية الأول عام ٣٨١م لذلك فإن يوسابيوس (٢٦٤م: ٣٤٠م) لم يطلع عليها فى إنجيل متى كما ذكر ر. ت فرانس لأنها لم تكن قد أضيفت إلى الإنجيل بعد.
يقول هنري ثيسن (١): أوضح مجمع نيقية عام ٣٢٥م عقيدة ألوهية المسيح (الأقنوم الثاني) وتم تأليه الروح القدس (الأقنوم الثالث) فى مجمع القسطنطينية عام ٣٨١م. وهكذا تكون الثالوث المسيحي.
نص قانون الإيمان الذي أصدره مجمع (نيقية) عام ٣٢٥م:
(نؤمن بإله واحد، الله الأب، ضابط الكل، خالق السماء والأرض، ما يرى وما لا يرى، نؤمن برب واحد يسوع المسيح، المولود من الأب قبل كل الدهور نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساو للأب فى الجوهر، الذي كل شئ به كان، هذا الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل من السماء وتجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء تأنس، وصلب على عهد بيلاطس البنطي، تألم وقبر وقام من بين الأموات فى اليوم الثالث كما فى الكتب، وصعد إلى السموات وجلس عن يمين أبيه، وأيضا يأتي فى مجده ليدين الأحياء والأموات، الذي ليس لملكه إنقضاء) نص قانون الإيمان الصادر عن مجمع
_________________
(١) هنري ثيسن: علم اللاهوت النظامي صـ١٧١
[ ٧٧ ]
القسطنطينية الأول عام (٣٨١م) (١) الذي قام بتألية الروح القدس واعتبارها الأقنوم الثالث المقدس: (نؤمن بإله واحد، أب ضابط الكل، خالق السماء والأرض، كل ما يرى ومالا يرى وبرب واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد، المولود من الأب قبل كل الدهور وبالروح القدس الرب المحيى المنبثق من الأب الذي هو مع الأب والابن مسجود له وممجد، الناطق بالأنبياء.)
ومن المنطق والبديهي أنه لو كانت هذه العبارة التي تذكر الثالوث المقدس بوضوح وصراحة كاملة وما يترتب على ذلك من تألية للابن والروح القدس (حيث إن الثالوث يجب أن يتكون من عناصر من نفس الجوهر) لها نفس أقدمية الإنجيل (٨٥م) ما كانت هناك ضرورة لانعقاد المجامع المسيحية لمناقشة وإقرار عقيدة حسمها نص إنجيلي فى زمن مبكر.
يقول د. قس حنا الخضري (٢): مجمع القسطنطينية قد أضاف بعض العبارات غير الموجودة فى قانون الإيمان النيقي مثل (الروح القدس الرب المحيى المنبثق من الأب).
ثم فى مجمع توليدو فى أسبانيا عام ٥٨٩م حدث التعديل الآتي:
( أؤمن بالروح القدس الرب والمحي المنبثق من الأب والابن)