ثم قال صاحب النبذة ما نصه:
ان احدا لا يماري في ان الغناء فن جميل يتعشقه كل انسان بفطرته وتهيم به كل نفس بطبيعتها. يتوق اليه الملك في قصره. ويشتاقه الصعلوك في كوخه. وهو غذاء الأرواح. وسلسبيل القلوب. وصقال النفوس. وروضة الاذهان. وهو بعد متعة مشروعة لا يأباها الدين ولا تنكرها الشريعة. ما دام لا يكتنفه رفث ولا فسوق ولا شراب. دع عنك ما يتشدق به المتزمتون من ان الدين يحظره وان الشرع لا يبيحه. وحسبنا في تفنيد زعمهم ما ورد في الحديث الشريف عن عائشة ﵂ انها زفت امرأة إلى رجل من الانصار فقال نبي الله صلى الله
[ ٨ ]
عليه وسلم عليه وسلم يا عائشة ما كان معكم لهو فان الانصار يعجبهم اللهو وفي رواية فهلا بعثتم معها جارية تضرب بالدف وتغني وقال صاحب العقد الفريد، واحتجوا في اباحة الغناء واستحسانه بقول النبي ﷺ لعائشة اهديتم الفتاة الى بعلها قالت نعم قال فبعثتم معها من يغني قالت لا قال او ما علمت ان الانصار قوم يعجبهم الغزل. الا بعثتم معها من يقول:
أتيناكم أتيناكم فحيونا نحييكم
ولولا الحبة السمرا ء لم تحلل بواديكم
واحتجوا بحديث عبد الله بن اويس ابن عم مالك وكان من افضل رجال الزهري قال مر النبي ﷺ بجارية في ظل فارع وهي تغني:
هل علي ويحكم ان لهوت من حرج
فقال النبي لا حرج ان شاء الله.
قال صاحب النبذة فلا حرج اذًا على عمر ان يهوى الغناء ويصبو اليه ولا يغتمز ذلك فيه ولا ينقص ذلك من دينه وفضله. وليس ببدع ان يهفو عمر إلى الغناء ويشرب فؤاده حبه وهو قد نشأ في بيئة غنائية فياضة بالألحان والإِيقاع مفعمة بحذاق المغنين والمغنيات - إلى أن قال - وقد سبقت المدينة سائر المدائن الاسلامية الى الغناء وشاع اللهو والقصف بين اهلها. ثم ذكر جملة من المغنين والمغنيات ومن كان يغنى لهم من قريش - إلى أن قال - وهذه شذرة تصور لك الحياة الغنائية بالمدينة في ذلك العهد وتريك ان حياة المرح واللهو والطرب كانت تساير فيها حياة الفقه والحديث والورع والتقوى جنبا لجنب. قال واكثر
[ ٩ ]
من ذلك ان بعض كبار الائمة في المدينة كان له مشاركة حسنة في هذا الفن الجميل. وهاك استمع لصاحب الاغاني يحدثك عن الامام مالك بن انس صاحب المذهب المالكي. قال حسين بن دحمان الاشقر كنت بالمدينة فخلا لي الطريق وسط النهار فجعلت اتغنى بصوت فاذا خوخة قد فتحت واذا وجه قد بدا تتبعه لحية حمراء فقال اسأت التأدية ومنعت القائلة ثم اندفع يغنيه فظننت ان طويسا قد نشر بعينه فقلت له اصلحك الله من اين لك هذا الغناء قال نشأت وانا غلام حدث اتبع المغنين وآخذ عنهم فقالت لي امي يا بني ان المغني اذا كان قبيح الوجه لم يلتفت الى غنائه فدع الغناء واطلب الفقه فانه لايضر معه قبح الوجه فتركت المغنين واتبعت الفقهاء فبلغ الله بي ﷿ ما ترى فقلت له فأعد جعلت فداءك قال لا ولا كرامة أتريد أن تقول أخذته عن مالك بن انس. واذا هو مالك بن انس ولم اعلم. قال صاحب النبذة وملاك القول ان عمر بن عبد العزيز نشأ في ظلال هذه الأريكة الفنانة وسمع بلابلها المغردة واطيارها المرنة ووهب الله له حنجرة موسيقية فشدا ولحن وتغنى وترنم.
هذا حاصل ما ذكره صاحب النبذة. ونقول وبالله التوفيق.
اما قوله ان احدا لا يماري في ان الغناء فن جميل فجوابه من وجوه. احدها ان يقال ان المعارضين لما ذكره اكثر من ان يحصيهم كتاب. وكل من تمسك بالكتاب والسنة منذ عصر الصحابة ﵃ الى زماننا هذا فانه يعارض هذا القول المأفون بالرد والانكار. وامام المعارضين لهذا القول الباطل رسول الله ﷺ فقد ثبت عنه انه نهى عن المزمار والغناء وسماه الصوت الاحمق الفاجر واخبر انه صوت ملعون في الدنيا والآخرة.
[ ١٠ ]
فأما النهي عنه وتسميته الصوت الاحمق الفاجر فرواه وكيع بن الجراح عن ابن ابي ليلى عن عطاء عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال «نهيت عن صوتين فاجرين صوت عند مصيبة خمش وجه وشق جيوب وصوت عند نعمة لعب ولهو ومزامير الشيطان» اسناده حسن.
وقد رواه ابو داود الطيالسي في مسنده فقال حدثنا ابو عوانة عن ابن ابي ليلى عن عطاء عن جابر ﵁ قال خرج رسول الله ﷺ الى النخل ومعه عبد الرحمن بن عوف فانتهى الى ابنه ابراهيم وهو يجود بنفسه فوضع الصبي في حجره فبكت عائشة فقال له عبد الرحمن اتنهانا عن البكاء قال «لم انه عن البكاء انما نهيت عن صوتين فاجرين صوت مزمار عند نعمة مزمار شيطان ولعب وصوت عند رنة مصيبة شق الجيوب ورنة شيطان وانما هذه رحمة» اسناده حسن.
ورواه الترمذي في جامعه فقال حدثنا علي بن خشرم اخبرنا عيسى بن يونس عن ابن ابي ليلى عن عطاء عن جابر بن عبد الله ﵄ قال اخذ النبي ﷺ بيد عبد الرحمن بن عوف فانطلق به الى ابنه ابراهيم فوجده يجود بنفسه فأخذه النبي ﷺ فوضعه في حجره فبكى فقال له عبد الرحمن اتبكي او لم تكن نهيت عن البكاء قال «لا ولكن نهيت عن صوتين احمقين فاجرين صوت عند مصيبة خمش وجوه وشق جيوب ورنة شيطان» قال الترمذي هذا حديث حسن. قال وفي الحديث كلام أكثر من هذا. يشير الى انه لم يذكر باقي الحديث وهو ما فيه من ذكر اللهو واللعب والمزامير عند النعمة.
[ ١١ ]
وقد رواه الحاكم في مستدركه من طريق اسرائيل عن محمد بن عبد الرحمن ابن أبي ليلى عن عطاء عن جابر ﵁ عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال أخذ النبي ﷺ بيدي فانطلقت معه الى ابراهيم ابنه وهو يجود بنفسه فأخذه النبي ﷺ في حجره حتى خرجت نفسه قال فوضعه وبكى قال فقلت تبكي يا رسول الله وانت تنهى عن البكاء قال «اني لم أنهَ عن البكاء ولكني نهيت عن صوتين احمقين فاجرين صوت عند نعمة لهو ولعب ومزامير الشيطان وصوت عند مصيبة لطم وجوه وشق جيوب. وهذه رحمة ومن لا يرحم لا يرحم» الحديث.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى فانظر الى هذا النهي المؤكد بتسميته صوت الغناء صوتا احمق ولم يقتصر على ذلك حتى وصفه بالفجور ولم يقتصر على ذلك حتى سماه من مزامير الشيطان وقد اقر النبي ﷺ أبا بكر الصديق ﵁ على تسمية الغناء مزمور الشيطان في الحديث الصحيح فإِن لم يستفد التحريم من هذا لم نستفده من نهي ابدا. قال وقد اختلف في قوله لا تفعل وقوله نهيت عن كذا ايهما ابلغ في التحريم لان لا تفعل يحتمل النهي وغيره بخلاف الفعل الصريح. فكيف يستجيز العارف اباحة ما نهى عنه رسول الله ﷺ وسماه صوتا احمق فاجرا ومزمور الشيطان وجعله والنياحة التي لعن فاعلها أخوين وأخرج النهي عنهما مخرجًا واحدًا ووصفهما بالحمق والفجور وصفا واحدا انتهى.
وروى الامام احمد والبخاري في تاريخه بأسانيد جيدة عن معاوية ﵁ ان رسول الله ﷺ نهى عن تسع وذكر منها الغناء.
واما لعن الغناء والمزمار فرواه البزار من حديث انس بن مالك رضي
[ ١٢ ]
الله عنه قال قال رسول الله ﷺ «صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة مزمار عند نعمة ورنة عند مصيبة» قال المنذري والهيثمي رواته ثقات.
وقد رواه الحافظ الضياء المقدسي في كتابه المختارة وهو ما اختاره من الاحاديث الجياد الزائدة على ما في الصحيحين قال شيخ الاسلام ابو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى وهو اعلى مرتبة من تصحيح الحاكم وهو قريب من تصحيح الترمذي وابي حاتم البستي ونحوهما فان الغلط في هذا قليل ليس هو مثل تصحيح الحاكم انتهى.
قال القرطبي وغيره في هذا الحديث دلالة على تحريم الغناء فان المزمار هو نفس صوت الانسان يسمى مزمارا كما في قوله لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود.
قلت المزمار يطلق ويراد به الصوت الحسن كما في قوله لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود ويطلق ويراد به الغناء كما في الصحيحين وغيرهما عن عائشة ﵂ قالت دخل علي النبي ﷺ وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث فاضطجع على الفراش وحول وجهه ودخل ابو بكر ﵁ فانتهرني وقال مزمار الشيطان عند النبي ﷺ الحديث ويطلق ويراد به الآلة التي يزمر بها كما سيأتي في حديث ابن عمر ﵄ في زمارة الراعي. وكذلك كل ما له نغمة وصوت مطرب كالجرس لحديث ابي هريرة ﵁ مرفوعا «الجرس مزامير الشيطان» وكذلك الدف وسائر آلات اللهو والطرب فكلها من مزامير الشيطان وكما ان اللعن يتناول صوت آلات اللهو وصوت الغناء فكذلك التحريم شامل لهما والله اعلم.
وقد ذكرت اقوال الصحابة والتابعين وتابعيهم في ذم الغناء والمنع عنه في كتابي «فصل الخطاب في الرد على ابي تراب» فلتراجع هناك.
[ ١٣ ]
وذكرت أيضًا أقوال الأئمة الأربعة: مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد في ذلك وما حكاه غير واحد من الاجماع على تحريم الغناء والمنع منه وفي ذلك رد لقول صاحب النبذة ان احدا لا يماري في ان الغناء فن جميل.
الوجه الثاني ان يقال كيف يكون الغناء فنا جميلا والنبي ﷺ قد نهى عنه وسماه الصوت الاحمق الفاجر واخبر انه صوت ملعون في الدنيا والآخرة.
لا شك ان القول بهذا محادة لله تعالى ولرسوله ﷺ فإِن الصوت الأحمق الفاجر لا يكون جميلًا وانما يكون قبيحًا، وكذلك الملعون في الدنيا والآخرة لا يكون جميلا وانما يكون من القبائح.
الوجه الثالث ان الغناء صوت الشيطان ومزماره والشيطان اقبح من كل قبيح وافعاله اقبح الافعال فالغناء اذا فن قبيح بلا شك.
الوجه الرابع ان الله تعالى قال في صفة رسوله ﷺ (يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث) وقد ثبت عن النبي ﷺ انه نهى عن الغناء والمزامير. واخبر ﷺ انه يكون في امته اقوام يستحلون المعازف. والنبي ﷺ انما كان ينهى عن مساوئ الاخلاق ومذامها لا عن محاسنها والجميل منها.
وعلى هذا فالغناء فن قبيح خبيث لان النبي ﷺ قد نهى عنه وحرمه.
الوجه الخامس ان الله تعالى ذم الغناء في آيات من كتابه. وما ذمه الله تعالى فهو قبيح بلا شك.
[ ١٤ ]
الآية الاولى قوله تعالى (ومن الناس من يشتري لهو الحديث) الآية. قال ابن مسعود ﵁ هو والله الغناء. وفي رواية عنه هو الغناء والله الذي لا اله الا هو يرددها ثلاث مرات. رواه ابن ابي شيبة وابن جرير والحاكم بأسانيد صحيحة.
وكذا قال جابر ابن عبد الله وابن عباس ﵃ ومجاهد وعكرمة والحسن وسعيد بن جبير وقتادة وابراهيم النخعي وحبيب بن ابي ثابت ومكحول وعمرو بن شعيب وعلي بن بذيمة ان لهو الحديث هو الغناء.
الآية الثانية قوله تعالى (واستفزز من استطعت منهم بصوتك) قال مجاهد صوته الغناء والباطل رواه ابن ابي حاتم باسناد حسن. وفي رواية عنه قال صوته هو المزامير رواه ابن أبي حاتم بإِسناد صحيح. وفي رواية عنه قال هو الغناء والمزامير رواه ابن الجوزي باسناد حسن. وعنه انه قال هو اللهو والغناء رواه ابن جرير باسناد حسن.
الآية الثالثة قوله تعالى (والذين لا يشهدون الزور واذا مروا باللغو مروا كراما) قال محمد بن الحنفية الزور اللهو والغناء. وقال مجاهد في قوله لا يشهدون الزور قال لا يسمعون الغناء. وقال ثعلب الزور هنا مجالس اللهو، وقال الزجاج قيل الزور ههنا مجالس الغناء.
وروى ابن جرير وابن ابي حاتم عن ابراهيم بن ميسرة ان ابن مسعود ﵁ مر بلهو فلم يقف فقال رسول الله ﷺ «لقد اصبح ابن مسعود وامسى كريما» ثم تلا ابراهيم بن ميسرة (وإِذا مروا باللغو مروا كرامًا).
الآية الرابعة قوله تعالى (أفمِن هذا الحديث تعجبون. وتضحكون ولا تبكون وانتم سامدون).
[ ١٥ ]
قال الجوهري السمود اللهو والسامد اللاهي والمغني يقال للقينة أسمدينا أي ألهينا بالغناء وغنينا.
وقال ابن منظور في لسان العرب سمد سمودًا لهى وسمده ألهاه وسمد سمودا غنى قال ثعلب وهي قليلة. وقوله ﷿ (وانتم سامدون) فسر باللهو وفسر بالغناء ويقال للقينة أسمدينا أي ألهينا بالغناء، انتهى وروى ابن أبي الدنيا وأبو الفرج ابن الجوزي من طريقه عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ (وأنتم سامدون) قال هو الغناء بالحميرية يقال اسمدي لنا أي غنِّي لنا. قال ابو الفرج وقال مجاهد هو الغناء يقول اهل اليمن سمد فلان اذا غنى وكذا حكى ابو العباس القرطبي عن مجاهد انه قال هو الغناء بلغة اهل اليمن. وقال ابو زبيد:
وكأن العزيف فيها غناء للندامى من شارب مسمود
قال ابو عبيدة المسمود الذي غني له. وقال عكرمة كانوا اذا سمعوا القرآن تغنوا فنزلت هذه الآية.
واذا كان الغناء بهذه المثابة من الذم فهو فن قبيح وليس بجميل.
الوجه السادس ان الغناء ينبت النفاق في القلب قاله ابن مسعود ﵁ وابراهيم النخعي وعمر بن عبد العزيز ومكحول والامام احمد. وما كان منبتا للنفاق فهو فن قبيح.
الوجه الثامن أن الغناء مسخطة للرب ﵎ قاله الضحاك كان مفسدا للقلب فهو فن قبيح.
الوجه الثاني من الغناء مسخطة للرب ﵎ قاله الضحاك وعمر بن عبد العزيز وانما كان مسخطة للرب ﵎ لانه يصد عن ذكره وطاعته وما كان مسخطة للرب فهو مرضاة للشيطان وذلك قبيح على كل حال.
الوجه التاسع ان الغناء رقية الزنا. وقد ذكر القاضي محمد بن
[ ١٦ ]
المظفر الشامي الشافعي عن ابن مسعود ﵁ انه قال الغناء خطبة الزنا.
وذكر ابن القيِّم رحمه الله تعالى عنه ﵁ انه قال الغناء رقية الزنا.
وقال ابن ابي الدنيا اخبرنا الحسين بن عبد الرحمن قال قال فضيل بن عياض الغناء رقية الزنا.
وقال ابن ابي الدنيا ايضا اخبرني محمد بن الفضل الازدي قال نزل الحطيئة برجل من العرب ومعه ابنته مليكة فلما جنه الليل سمع غناء فقال لصاحب المنزل كف هذا عني فقال وما تكره من ذلك فقال ان الغناء رائد من رادة الفجور ولا احب ان تسمعه هذه يعني ابنته فان كففته والا خرجت عنك.
وقال ابن ابي الدنيا ايضا اخبرنا الحسين بن عبد الرحمن قال قال ابو عبيدة معمر بن المثنى جاور الحطيئة قوما من بني كلب فمشى ذو النهي منهم بعضهم الى بعض وقالوا يا قوم انكم قد رميتم بداهية هذا الرجل شاعر والشاعر يظن فيحقق ولا يستأني فيتثبت ولا يأخذ الفضل فيعفو فأتوه وهو في فناء خبائه فقالوا يا أبا مليكة انه قد عظم حقك علينا بتخطيك القبائل الينا وقد اتيناك لنسألك عما تحب فنأتيه وعما تكره فنزدجر عنه فقال جنبوني ندي مجلسكم ولا تسمعوني اغاني شبيبتكم فان الغناء رقية الزنا.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى فاذا كان هذا الشاعر المفتون اللسان الذي هابت العرب هجاءه خاف عاقبة الغناء وان تصل رقيته الى حرمته فما الظن بغيره.
ولا ريب ان كل غيور يجنب اهله سماع الغناء كما يجنبهن اسباب
[ ١٧ ]
الريب. ومن طرق اهله الى سماع رقية الزنا فهو اعلم بالاثم الذي يستحقه انتهى.
وذكر ابن ابي الدنيا وابو الفرج ابن الجوزي عن خالد بن عبد الرحمن قال كنا في عسكر سليمان بن عبد الملك فسمع غناء من الليل فأرسل اليهم بكرة فجيء بهم اليه فقال ان الفرس ليصهل فتستودق له الرمكة وان الفحل ليهدر فتضبع له الناقة وان التيس لينب فتستحرم له العنز وان الرجل ليتغنى فتشتاق اليه المرأة ثم قال اخصوهم فقال عمر بن عبد العزيز هذه المثلة ولا تحل فخل سبيلهم قال فخلى سبيلهم.
وروى ابو الفرج ايضا باسناده عن معن بن عبد الرحمن بن ابي الزناد عن ابيه قال كان سليمان بن عبد الملك في بادية له فسمر ليلة على ظهر سطح ثم تفرق عنه جلساؤه فدعا بوضوء فجاءت به جارية له فبينما هي تصب عليه اذ استمدها بيده واشار اليها فاذا هي ساهية مصغية بسمعها مائلة بجسدها كله الى صوت غناء تسمعه في ناحية العسكر فأمرها فتنحت واستمع هو الصوت فاذا صوت رجل يغني فأنصت له حتى فهم ما يغني به من الشعر ثم دعا جارية من جواريه غيرها فتوضأ فلما اصبح اذن للناس اذنا عاما فلما اخذوا مجالسهم اجرى ذكر الغناء ومن كان يسمعه ولين فيه حتى ظن القوم انه يشتهيه فأفاضوا في التليين والتحليل والتسهيل فقال هل بقي احد يسمع منه فقام رجل من القوم فقال يا امير المؤمنين عندي رجلان من أهل ايلة حاذقان قال واين منزلك من العسكر فأومأ إلى الناحية التي كان الغناء منها فقال سليمان يبعث اليهما فوجد الرسول أحدهما فأقبل به حتى أدخله على سليمان فقال له ما اسمك قال سمير فسأله عن الغناء كيف هو فيه فقال حاذق محكم
[ ١٨ ]
قال ومتى عهدك به قال في ليلتي هذه الماضية قال وفي أي نواحي العسكر كنت فذكر له الناحية التي سمع منها الصوت قال فما غنيت فذكر الشعر الذي سمعه سليمان فأقبل سليمان فقال هدر الجمل فضبعت الناقة ونب التيس فشكرت الشاة وهدل الحمام فزافت الحمامة وغنى الرجل فطربت المرأة ثم امر به فخصى وسأل عن الغناء اين اصله واكثر ما يكون قالوا بالمدينة وهو في المخنثين وهم الحذاق به والأئمة فيه فكتب الى عامله على المدينة وهو أبو بكر بن محمد بن حزم ان اخص من قبلك من المخنثين المغنين.
وقال ابن ابي الدنيا حدثني ابراهيم بن محمد المروزي عن ابي عثمان الليثي قال قال يزيد بن الوليد الناقص يا بني امية اياكم والغناء فانه ينقص الحياء ويزيد الشهوة ويهدم المروءة وانه لينوب عن الخمر ويفعل ما يفعل المسكر فان كنتم لا بد فاعلين فجنبوه النساء فان الغناء داعية الزنا .. قال الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي اعلم ان سماع الغناء يجمع شيئين احدهما انه يلهي القلب عن التفكر في عظمة الله سبحانه والقيام بخدمته.
والثاني انه يميله الى اللذات العاجلة ويدعو الى استيفائها من جميع الشهوات الحسية ومعظمها النكاح وليس تمام لذته الا في المتجددات ولا سبيل الى كثرة المتجددات من الحل فلذلك يحث على الزنا. فبين الغناء والزنا تناسب من جهة ان الغناء لذة الروح والزنا اكبر لذات النفس ولهذا جاء في الحديث الغناء رقية الزنا.
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى من الامر المعلوم عند القوم ان المرأة اذا استعصت على الرجل اجتهد ان يسمعها صوت الغناء فحينئذ تعطي الليان وهذا لأن المرأة سريعة الانفعال للاصوات جدا فاذا كان الصوت
[ ١٩ ]
بالغناء صار انفعالها من وجهين من جهة الصوت ومن جهة معناه - الى ان قال - فلعمر والله كم من حرة صارت بالغناء من البغايا. وكم من حر اصبح به عبدا للصبيان او الصبايا. وكم من غيور تبدل اسما قبيحا بين البرايا.
وقال ايضا ليس على الناس اضر من سماع المكاء والتصدية والمعازف ولا افسد لعقولهم وقلوبهم واديانهم واموالهم واولادهم وحريمهم منه.
وقال أيضًا وقد شاهد الناس أنه ما عاناه صبي إِلا فسد ولا امرأة إِلا وبغت ولا شاب إِلا وإِلا. ولا شيخ الا والا. والعيان من ذلك يغْني عن البرهان .. وقال شيخ الإسلام ابو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى الغناء رقية الزنا وهو من اعظم الاسباب لوقوع الفواحش ويكون الرجل والصبي والمرأة في غاية العفة والحرية حتى يحضره فتنحل نفسه وتسهل عليه الفاحشة ويميل لها فاعلا او مفعولا به او كلاهما كما يحصل بين شاربي الخمر واكثر انتهى.
ومما ذكرنا يعلم ان الغناء فن قبيح لان الزنا من اقبح الاشياء وما كان رقية للفجور وداعيا اليه فهو قبيح مثله. ومن قال انه فن جميل فقد عكس القضية وقلب الحقيقة.
الوجه العاشر ان الغناء صنو الخمر في الصد عن ذكر الله وعن الصلاة. وقد شاهدنا وشاهد غيرنا ثقل الصلاة على المفتونين بالغناء والمعازف وتهاونهم بها ولا سيما صلاة العشاء وصلاة الفجر.
وما كان فيه صد عن ذكر الله وعن الصلاة فهو فن قبيح على كل حال.
الوجه الحادي عشر أن الغناء مجلبة للشياطين وما كان كذلك فهو مطردة للملائكة لأن الملائكة والشياطين ضدان فلا يجتمعان
[ ٢٠ ]
وقد روى البغوي في تفسيره عن ابي امامة ﵁ مرفوعا. ما من رجل يرفع صوته بالغناء الا بعث الله عليه شيطانين احدهما على هذا المنكب والآخر على هذا المنكب فلا يزالان يضربانه بأرجلهما حتى يكون هو الذي يسكت.
ورواه الحافظ ابو الفرج ابن الجوزي ولفظه ما من رجل يرفع عقيرة صوته بالغناء الا بعث الله له شيطانين يرتدفانه اعني هذا من ذا الجانب وهذا من ذا الجانب ولا يزالان يضربانه بأرجلهما في صدره حتى يكون هو الذي يسكت.
وروى الطبراني عن عقبة بن عامر ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «ما من راكب يخلو في مسيره بالله وذكره الا ردفه ملك ولا يخلو بشعر ونحوه الا كان ردفه شيطان»، قال المنذري والهيثمي اسناده حسن .. وذكر ابن الجوزي وابن رجب عن ابن مسعود ﵁ انه قال «اذا ركب الانسان الدابة ولم يسم ردفه الشيطان وقال له تغنه فان لم يحسن الغناء قال تمنه» واذا كان الغناء جالبا للشياطين ومبعدا للملائكة فلا شك انه فن قبيح.
الوجه الثاني عشر ان الغناء سبب لأنواع العقوبات في الدنيا والآخرة قال الله تعالى (ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين، وإِذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في اذنيه وقرا فبشره بعذاب أليم) وقد تقدم قول ابن مسعود وابن عباس ﵃ وجماعة من التابعين ان لهو الحديث هو الغناء. وقد حلف ابن مسعود ﵁ على ذلك وكرر الحلف ثلاث مرات وهو الصادق البار في يمينه
[ ٢١ ]
وقد ورد الوعيد الشديد لاهل الغناء والمعازف في أكثر من عشرين حديثًا ذكرتها في كتابي «فصل الخطاب في الرد على أبي تراب» فلتراجع هناك، وفي اكثرها الوعيد لهم ولشاربي الخمر بالخسف والقذف والمسخ. وما كان الامر فيه هكذا فهو من الفنون القبيحة.
الوجه الثالث عشر ان الغناء يغير العقل وينقص الحياء ويهدم المروءة ولهذا يرقص اهله كما ترقص القرود والدباب ويتمايلون كما يتمايل المجانين والسكارى ويصفقون كما تصفق النساء ولا يرون بهذه الروعونات بأسا. ومن له ادنى عقل لا يخفى عليه قبح هذه الأفعال ومضادتها للعقل وللحياء والمروءة. فالغناء اذًا فن قبيح.
قال الحافظ ابو الفرج ابن الجوزي رحمه الله تعالى الغناء يخرج الانسان عن الاعتدال ويغير العقل وبيان هذا ان الانسان اذا طرب فعل ما يستقبحه في حال صحته من غيره من تحريك رأسه وتصفيق يديه ودق الارض برجليه الى غير ذلك مما يفعله اصحاب العقول السخيفة. والغنا يوجب ذلك بل يقارب فعله فعل الخمر في تغطية العقل، فينبغي أن يقع المنع منه انتهى.
الوجه الرابع عشر ان الغناء من لذات الفساق كما ان الزنا وشرب الخمر من لذاتهم ايضا. فهل يقول عاقل ان الزنا فن جميل لانه لذيذ الى النفس او ان شرب الخمر فن جميل لانه لذيذ الى المفتونين به. كلا لايقول هذا عاقل ابدا.
وكذلك لا يقول عاقل ان الغناء فن جميل من اجل التذاذ الفساق به. الوجه الخامس عشر ان النبي ﷺ قال «ان الله جميل يحب الجمال» رواه الامام احمد ومسلم والترمذي من حديث
[ ٢٢ ]
عبد الله بن مسعود ﵁ وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح غريب.
وهذا الحديث من اوضح الادلة على ان الغناء فن قبيح لانه مسخطة للرب ﵎ ومرضاة للشيطان ولانه صوت الشيطان ومزماره. فهل يقول عاقل ان الله تعالى يحب صوت الشيطان ومزماره وانه فن جميل.
كلا لا يقول هذا الا من اعمى الله بصيرته فصار يرى الباطل في صورة الحق والقبيح في صورة الحسن. وقد قيل:
يقضى على المرء في أيام محنته حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن
وابلغ من هذا قول الله تعالى (ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا اولئك الذين لم يرد الله ان يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم).