واما قوله يتعشقه كل انسان بفطرته. وتهيم به كل نفس بطبيعتها فجوابه من وجوه:
احدها ان يقال ان الغناء مزمار الشيطان وصوته فلا يتعشقه وتهيم به نفسه الا من استفزه الشيطان وغلب عليه كما قال الله تعالى (واستفزز من استطعت منهم بصوتك) وقد ثبت عن مجاهد انه قال صوته هو الغناء والمزامير. ومجاهد انما تلقى التفسير عن حبر الامة وترجمان القرآن ابن عباس ﵄ كما قال محمد بن اسحاق حدثنا ابان ابن صالح عن مجاهد قال عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات من فاتحته الى خاتمته اوقفه عند كل آية منه واسأله عنها ..
[ ٢٣ ]
وروى ابن جرير عن ابي مليكة قال رأيت مجاهدا سأل ابن عباس ﵄ عن تفسير القرآن ومعه ألواحه قال فيقول له ابن عباس ﵄ اكتب حتى سأله عن التفسير كله.
ولهذا قال سفيان الثوري اذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به.
الوجه الثاني انه لا يتعشق الغناء ويستبيحه الا الفساق. قال الامام احمد رحمه الله تعالى حدثنا اسحاق ابن عيسى الطباع قال سألت مالك بن انس عما يترخص فيه اهل المدينة من الغناء فقال انما يفعله عندنا الفساق. قال الحافظ ابن رجب وكذا قال ابراهيم بن المنذر الحزامي وهو من علماء اهل المدينة المعتبرين.
الوجه الثالث ان اهل التقوى ينفرون من سماع الغناء والمزامير اشد النفرة ويبغضونها غاية البغض وقد قال الله تعالى في نعتهم (والذين لا يشهدون الزور واذا مروا باللغو مروا كراما).
قال محمد بن الحنفية الزور اللهو والغناء. وقال مجاهد لا يسمعون الغناء وقال ثعلب الزور ههنا مجالس اللهو وقال الزجاج قيل الزور ههنا مجالس الغناء.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى والمعنى لا يحضرون مجالس الباطل واذا مروا بكل ما يلغي من قول وعمل أكرموا أنفسهم أن يقفوا عليه أو يميلوا اليه ويدخل في هذا اعياد المشركين كما فسرها به السلف والغناء وانواع الباطل كلها. قال وتأمل كيف قال سبحانه لا يشهدون الزور ولم يقل بالزور لأن يشهدون بمعنى يحضرون فمدحهم على ترك حضور مجالس الزور فكيف بالتكلم به وفعله. والغناء من اعظم الزور انتهى.
وروى ابن جرير وابن ابي حاتم عن ابراهيم بن ميسرة ان ابن
[ ٢٤ ]
مسعود ﵁ مر بلهو فلم يقف فقال رسول الله ﷺ لقد اصبح ابن مسعود وامسى كريما ثم تلا ابراهيم بن ميسرة (واذا مروا باللغو مروا كراما).
وقد ثبت عن النبي ﷺ انه سد اذنيه لما سمع صوت الزمارة وعدل راحلته عن الطريق. قال الامام احمد رحمه الله تعالى حدثنا الوليد حدثنا سعيد بن عبد العزيز عن سليمان بن موسى عن نافع مولى ابن عمر ان ابن عمر ﵄ سمع صوت زمارة راع فوضع اصبعيه في اذنيه وعدل راحلته عن الطريق وهو يقول يا نافع اتسمع فأقول نعم فيمضي حتى قلت لا فوضع يديه واعاد راحلته الى الطريق وقال رأيت رسول الله ﷺ وسمع صوت زمارة راع فصنع مثل هذا. اسناده صحيح. وقد رواه ابو داود في سننه عن احمد بن عبيد الله الغداني عن الوليد بن مسلم فذكره بنحوه، وبوب عليه بقوله «باب كراهية الغناء والزمر» وقد رواه ابن الجوزي من طريق الامام احمد ثم قال اذا كان هذا فعلهم في حق صوت لا يخرج عن الاعتدال فكيف بغناء اهل الزمان وزمورهم.
قلت واعظم من ذلك ما فشى في زماننا من الحان الغناء واصوات المعازف التي تفعل في نفس من اصغى اليها نحو ما تفعل الخمر فهذه اولى بأن تسد عنها المسامع وان يبتعد عن سماعها غاية البعد. وما اصعب ذلك في زماننا فالله المستعان.
[ ٢٥ ]