واما قوله وحسبنا في تفنيد زعمهم ما ورد في الحديث الشريف عن عائشة ﵂ انها زفت امرأة الى رجل من الانصار فقال نبي الله ﷺ يا عائشة ما كان معكم لهو فان الانصار يعجبهم اللهو. وفي رواية فهلا بعثتم معها جارية تضرب بالدف وتغني. وقال صاحب العقد الفريد. واحتجوا في اباحة الغناء واستحسانه بقول النبي ﷺ لعائشة اهديتم الفتاة الى بعلها قالت نعم قال فبعثتم معها من يغني قالت لا قال او ما علمت ان الانصار قوم يعجبهم الغزل. الا بعثتم معها من يقول:
اتيناكم اتيناكم فحيونا نحييكم
ولوا الحبة السمرا ء لم تحلل بواديكم
فجوابه من وجوه. احدها ان النبي ﷺ انما رخص للنساء في الغناء في ايام الافراح كالاعياد والاعراس كما دل عليه هذا الحديث وحديث عائشة ﵂ في غناء الجاريتين عندها في يوم العيد ولم يرخص لهن مطلقا وهذا يرد قول من استدل به على جواز الغناء على الاطلاق كالصوفية وابن حزم ومن نحا نحوهم كصاحب النبذة واشباهه ممن يرى حل الغناء المحرم.
قال شيخ الاسلام ابو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى اما من يصلح له اللعب فيرخص له في الأعياد كما كانت الجاريتان تغنيان والنبي ﷺ يسمع، فمن استدل بجواز الغناء للصغار في يوم العيد على انه مباح للكبار من الرجال والنساء على الاطلاق فهو مخطئ انتهى.
[ ٣١ ]
الوجه الثاني ان النبي ﷺ انما رخص في الغناء في ايام الافراح للنساء خاصة ولم يرخص فيه للرجال.
وقد روى ابو نعيم في الحلية من حديث الربيع بن خيثم عن عبد الله بن مسعود ﵁ ان النبي ﷺ سمع رجلا يتغنى من الليل فقال لا صلاة له حتى يصلي مثلها ثلاث مرات. وهذا الحديث يدل على التشديد على الرجال في الغناء. ويدل على ذلك ايضا ما رواه ابن أبي الدنيا الخ.
وروى ابن ابي الدنيا من طريق يحيى بن سعيد عن عبيد الله بن عمر قال حدثني نافع ان ابن عمر ﵄ مر على قوم محرمين وفيهم رجل يتغنى فقال الا لا سمع الله لكم الا لاسمع الله لكم.
الوجه الثالث ان الذي وردت الرخصة فيه للنساء في ايام الافراح هو مجرد انشاد الاشعار مع الضرب على الدفوف من غير تلحين ولا تطريب في الانشاد ولا تأنق في الضرب بالدفوف ولهذا قالت عائشة ﵂ في الحديث الصحيح وليستا بمغنيتين. قال الحافظ ابن حجر فنفت عنهما من طريق المعنى ما اثبتته لهما باللفظ لان الغناء يطلق على رفع الصوت.
قلت وهذا احد الوجوه التي فسر بها قول النبي ﷺ «ما اذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به» متفق عليه من حديث ابي هريرة ﵁.
قال الخطابي يجهر به. زعم بعضهم انه تفسير لقوله يتغنى به، قال وكل من رفع صوته بشيء معلنًا به فقد تغنى به.
وقال ابو عاصم اخذ بيدي ابن جريج فوقفني على اشعب فقال غن ابن
[ ٣٢ ]
أخي ما بلغ من طمعك فقال بلغ من طمعي انه ما زفت بالمدينة جارية الا رششت بابي طمعا ان تهدى الي. يريد اخبره معلنا به غير مسر انتهى.
وذكر ابن منظور في لسان العرب عن الاصمعي انه قال كل من رفع صوته ووالاه فصوته عند العرب غناء. وكذا قال ابن الاثير في النهاية.
ثم ذكر الحافظ ابن حجر ان الغناء يطلق على الترنم الذي تسميه العرب النصب بفتح النون وسكون المهملة. وعلى الحداء. قال ولا يسمى فاعله مغنيا وانما يسمى بذلك من ينشد بتمطيط وتكسير وتهييج وتشويق بما فيه تعريض بالفواحش او تصريح.
قلت ويطلق الغناء ايضا على مجرد الانشاد لما روى الزبير بن بكار من طريق زيد بن اسلم عن ابيه ان عمر ﵁ قال للحطيئة كأني بك عند شاب من قريش قد كسر لك نمرقة وبسط لك اخرى وقال يا حطيئة غننا فاندفعت تغنيه بأعراض الناس. قال اسلم فرأيت الحطيئة بعد ذلك عند عبيد الله بن عمر وقد كسر له نمرقة وبسط له اخرى وقال يا حطيئة غننا فاندفع حطيئة يغني. فقلت له يا حطيئة اتذكر يوم عمر حين قال لك ما قال ففزع وقال ﵀ ذلك المرء لو كان حيا ما فعلنا هذا فقلت لعبيد الله اني سمعت أباك يقول كذا وكذا فكنت انت ذلك الرجل. واذا علم هذا فالغناء الجائز الذي وردت الرخصة فيه للنساء في ايام الافراح لا يخرج عن احد الاقسام الجائزة كما يدل لذلك قول عائشة ﵂ وليستا بمغنيتين. وقد جزم الحافظان ابو الفرج ابن الجوزي وابو موسى المديني وغيرهما من اكابر العلماء ان غناء
[ ٣٣ ]
الجاريتين عند عائشة ﵂ كان مجرد انشاد لا تلحين فيه ولا تطريب. وهو ظاهر ما رواه جعفر بن محمد عن الامام احمد رحمه الله تعالى كما سيأتي.
وقال ابن الأثير في النهاية وابن منظور في لسان العرب وفي حديث عائشة ﵂ وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث أي تنشدان الاشعار التي قيلت يوم بعاث وهو حرب كانت بين الانصار ولم ترد الغناء المعروف بين اهل اللهو واللعب وقد رخص عمر ﵁ في غناء الاعراب وهو صوت كالحداء انتهى.
ومع ان غناء الجاريتين كان مجرد انشاد فقد اضطجع النبي ﷺ على الفراش وتسجى بثوبه وحول وجهه. وهذا اوضح دليل على كراهته لذلك فانه كان يكره الشعر. قالت عائشة ﵂ كان ابغض الحديث اليه رواه الامام احمد وابو داود الطيالسي وابن جرير وابن ابي حاتم.
وروى عنه ﷺ انه قال «الشعر من مزامير ابليس» رواه البيهقي وغيره من حديث عقبة بن عامر ﵁.
وقد اقر ﷺ ابا بكر الصديق ﵁ على تسمية الشعر مزامير الشيطان كما في حديث عائشة ﵂ المتفق على صحته.
وإِذا كان النبي ﷺ يبغض الشعر المجرد من الغناء ويسميه مزامير الشيطان فكيف يظن به انه كان يقر الغناء ويبيحه.
وكذلك لا ينبغي ان يظن بأم المؤمنين عائشة ﵂ انها كانت تستمع إلى الغناء المحرم وانما كانت تستمع الى ما يجوز استماعه من
[ ٣٤ ]
انشاد الاشعار بدون تلحين وتطريب.
وقد ثبت عنها ﵂ إِنكار الغناء والمنع عنه. فروي البخاري في الادب المفرد والبيهقي باسناد صحيح عنها ﵂ ان بنات أخيها خفضن فألمن من ذلك فقيل لها يا أم المؤمنين ألا ندعو لهن ما يلهيهن قالت بلى فأرسلوا الى فلان المغني فأتاهم فمرت به عائشة ﵂ في البيت فرأته يتغنى ويحرك رأسه طربا وكان ذا شعر كثير فقالت أف شيطان اخرجوه اخرجوه فأخرجوه.
وهذا الحديث يرد قول من زعم ان الجاريتين كانتا تغنيان بالغناء المعروف عند اهل اللهو واللعب.
وقد قال ابو بكر الخلال اخبرنا منصور بن الوليد ان جعفر بن محمد حدثهم قال قلت لابي عبد الله احمد بن حنبل. حديث الزهري عن عروة عن عائشة ﵂ عن جوار يغنين أي شيء هذا الغناء قال غناء الركب أتيناكم أتيناكم.
وقال الامام احمد رحمه الله تعالى حدثنا اسود بن عامر حدثنا ابو بكر عن الاجلح عن ابي الزبير عن جابر بن عبد الله ﵄ قال قال رسول الله ﷺ لعائشة ﵂ اهديتم الجارية إلى بيتها قالت نعم قال فهلا بعثتم معها من يغنيهم يقول:
اتيناكم اتيناكم فحيونا نحييكم
فان الانصار قوم فيهم غزل.
وروى ابو بكر الخلال عن عائشة ﵂ قالت كانت عندنا جارية يتيمة من الانصار فزوجناها رجلا من الانصار فكنت فيمن
[ ٣٥ ]
اهداها الى زوجها فقال رسول الله ﷺ يا عائشة ان الأنصاري أناس فيهم غزل فما قلت قالت دعونا بالبركة قال أفلا قلتم:
اتيناكم اتيناكم فحيونا نحييكم
ولولا الذهب الاحمـ ـر ما حلت بواديكم
ولولا الحبة السمـ ـراء لم تسمن عذاريكم
وروى ابن ماجة في سننه باسناد صحيح عن انس بن مالك ﵁ ان النبي ﷺ مر ببعض المدينة فاذا هو بجوار يضربن بدفهن ويتغنين ويقلن:
نحن جوار من بني النجار يا حبذا محمد من جار
فقال النبي ﷺ «الله يعلم اني لأحبكن». وروى الامام احمد والبخاري واهل السنن الا النسائي عن خالد بن زكوان قال قالت الربيع بنت معوذ بن عفراء ﵂ جاء النبي ﷺ يدخل حين بني علي فجلس على فراشي كمجلسك مني فجعلت جويريات لنا يضربن بالدف ويندبن من قتل من آبائي يوم بدر اذ قالت احداهن: وفينا نبي يعلم ما في غد فقال «دعي هذه وقولي بالذي كنت تقولين» قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح. وزاد ابن ماجة في آخره «ما يعلم ما في غد الا الله».
وروى الطبراني في الاوسط والصغير عن عائشة ﵂ ان النبي ﷺ مر بنساء من الانصار في عرس لهن وهن يغنين:
واهدى لها كبشًا تبحبح في المربد
وزوجك في النادي ويعلم ما في غد
[ ٣٦ ]
فقال رسول الله ﷺ «لا يعلم ما في غد الا الله» قال الهيثمي رجاله رجال الصحيح. وقد رواه الحاكم في مستدركه بنحوه وقال صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وهذا الذي ذكرناه وما اشبهه هو الذي كان الصحابة ﵃ يترخصون فيه وفي سماعه في ايام الافراح كالاعياد والاعراس. واما الغناء المعروف عند اهل اللهو واللعب وهو ما يطلق عليه اسم الغناء في زماننا فقد كانوا يذمونه ويمنعون منه. وقد ذكرت أقوالهم في ذلك في كتابي «فصل الخطاب في الرد على ابي تراب» فلتراجع هناك.
قال الحافظ ابو الفرج ابن الجوزي روينا عن الشافعي ﵁ انه قال اما استماع الحداء ونشيد الاعراب فلا بأس به. قال ابن الجوزي ومن إِنشاد العرب قول أهل المدينة عند قدوم رسول الله ﷺ:
طلع البدر علينا من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ما دعا لله داع
قال ومن هذا الجنس كانوا ينشدون اشعارهم بالمدينة وربما ضربوا عليه بالدف عند إِنشاده.
ثم ذكر ان من هذا الجنس ما في حديث عائشة ﵂ في قصة الجاريتين اللتين كانتا تغنيان عندها بغناء بعاث.
ثم ذكر حديث عائشة وحديث جابر ﵄ في اهداء الجارية الى زوجها. ثم قال فقد بان بما ذكرنا ما كانوا يغنون به وليس مما يطرب ولا كانت دفوفهن على ما يعرف اليوم انتهى.
[ ٣٧ ]
واذا علم هذا فمن الخطأ الواضح قياس غناء اهل هذه الازمان على ما كان الصحابة ﵃ يترخصون فيه في ايام الافراح مع عظم الفرق بين الجنسين وكيف يقاس ما يستفز العقول ويفسد القلوب وينبت النفاق فيها ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة على ما ليس كذلك. لقد ضل من قال بهذا القياس الفاسد وبعد عن الصواب غاية البعد.
الوجه الرابع انه قد ثبت عن النبي ﷺ انه نهى عن الغناء وسماه الصوت الاحمق الفاجر وقرنه بالنياحة واخبر انه ملعون في الدنيا والآخرة. وقرن استحلاله باستحلال الزنا والخمر ولبس الحرير في حق الذكور وقد تقدمت الاحاديث بذلك. واذا كان الامر في الغناء ما ذكرنا فكيف يظن بالنبي ﷺ انه رخص فيه. هذا تناقض ينزه عنه آحاد العقلاء فضلا عن الشارع الحكيم.
الوجه الخامس ان يقال ان ما كان احمق فاجرا ملعونا في الدنيا والآخرة فان الشريعة لا تأتي بالرخصة فيه ابدا. ومن زعم ان الشريعة جاءت بالرخصة فيه فقد غلط على الشريعة.
الوجه السادس ان الغناء يطلق على خمسة انواع كما تقدم ايضاح ذلك.
الاول رفع الصوت وموالاته.
والثاني النصب بفتح النون وسكون الصاد المهملة وهو الترنم.
والثالث الحداء.
والرابع انشاد الاشعار. وهذه كلها جائزة.
والخامس ما يكون فيه تمطيط وتكسير وتلحين وتطريب وهذا هو الغناء المحرم وهو الصوت الأحمق الفاجر الملعون في الدنيا والآخرة.
[ ٣٨ ]
وهذا النوع هو المعروف عند اهل الغناء في زماننا وهو الذي يستعمله اهل الاذاعات والتسجيل وغيرهم من المفتونين بصوت الشيطان ومزاميره.
ومن قاس هذا النوع الملعون على الانواع الجائزة واستدل على جوازه بجوازها فقد ابعد النجعة ونادى على كثافة جهله. وهو كمن قاس الميتة على المذكاة والربا على البيع والتحليل الملعون فاعله على النكاح الصحيح وشراب الخمر على الاشربة المباحة وغير ذلك من الاقيسة الفاسدة التي يستعملها من قل نصيبه من العلم والايمان.
الوجه السابع ان غناء الجواري في زمن النبي ﷺ نوعان احدهما انشاد الاشعار من غير تلحين ولا تطريب وهذا هو الذي فعلته الجاريتان عند عائشة ﵂ في يوم العيد وأقره النبي ﷺ.
والنوع الثاني رفع الصوت وموالاته بقول:
اتيناكم اتيناكم فحيونا نحييكم
وهذا هو الذي اذن فيه النبي ﷺ للجواري وسماه غناء وليس هو مثل غناء المخنثين ومن يحذو حذوهم في التلحين والتطريب. وانما اطلق عليه اسم الغناء من اجل رفع الصوت وموالاته وقد تقدم عن الاصمعي انه قال كل من رفع صوته ووالاه فصوته عند العرب غناء.
واذا علم هذا فالاستدلال بقول اتيناكم اتيناكم وما اشبهه مما روي عن جواري الصحابة على جواز غناء اهل الاذاعات وما اشبهه من الأغاني لا يقول به الا من هو من أجهل خلق الله وأبعدهم عن الصواب.
[ ٣٩ ]