أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو مَنْصُور مُحَمَّد بن عبد الْملك الْمقري بِبَغْدَاد قَالَ أخبرنَا وَأَبُو الْحسن بن سعيد قَالَ ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ الْخَطِيب قَالَ سَمِعت مُحَمَّد بن عَليّ الصُّورِي يَقُول لم أر بِبَغْدَادَ أحدا أكمل من النعيمي كَانَ قد جمع معرفَة الحَدِيث وَالْكَلَام وَالْأَدب ودرس شَيْئا من فقه الشَّافِعِي قَالَ وَكَانَ أَبُو بكر البرقاني يَقُول هُوَ كَامِل فِي كل شَيْء لَوْلَا بأوٍ وَفِيه قَالَ وَأَخْبَرَنَا أَحْمد بن عَليّ الْخَطِيب قَالَ حَدَّثَنَا البرقاني بعد موت النعيمي قَالَ رَأَيْت النعيمي فِي منَامي بهيئة جميلَة وَحَالَة صَالِحَة ثمَّ قَالَ البرقاني قد كَانَ شَدِيد العصبية فِي السّنة وَكَانَ يعرف من كل علم شَيْئا مَاتَ النعيمي فِي يَوْم الِاثْنَيْنِ مستهل ذِي الْقعدَة سنة ثَلَاث وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة ﵀
وَمِنْهُم أَبُو طَاهِر بن خراشة الدِّمَشْقِي الْمقري ﵀
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الْأمين أَبُو مُحَمَّدٍ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ أَحْمد الْأَكْفَانِيِّ قَالَ ثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّد الكتاني قَالَ توفّي شيخنَا أَبُو طَاهِر الْحُسَيْن بن مُحَمَّدِ بْنِ عَامر الأبلي الْمقري إِمَام جَامع دمشق يَوْم الْأَرْبَعَاء السَّابِع من شهر ربيع الآخر من سنة ثَمَان وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة حدث عَن يُوسُف بن الْقسم الميانجي وَالْحُسَيْن بن إِبْرَاهِيمَ بن أَبِي الزمزام الْفَرَائِضِي وَغَيرهمَا وَكَانَ ثِقَة نبيلا مأمونَا يذهب إِلَى مَذْهَب الْأَشْعَرِيّ
[ ٢٥٢ ]
وَمِنْهُم الْأُسْتَاذ أَبُو مَنْصُور النَّيْسَابُورِي الْمَعْرُوف بالبغدادي ﵀
حَدَّثَنِي الشَّيْخ أَبُو بكر يَحْيَى بن إِبْرَاهِيمَ بن أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّد السلماسي عَنْ أَبِيهِ الْقَاضِي أَبِي طَاهِر قَالَ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ نصر بن كاكا المرندي الْفَقِيه فِي ذكر أَبِي عُثْمَانَ الصَّابُونِي أَنه ذكر أَبَا مَنْصُور الْمُتَكَلّم قَالَ أَبُو عَليّ وَكنت قد أهملت ذكر اسْمه وَنسبه اعْتِمَادًا على شهرته فَقَالَ لي أَبُو عُثْمَان قيد ذكره بِإِثْبَات اسْمه وأزل الشُّبْهَة عَن فَضله وَأثبت فَوق الكنية عبد القاهربن طَاهِر لِئَلَّا يظنّ أَنَّك أردْت أَبَا مَنْصُور الآخر فَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى خلاف فِي الِاعْتِقَاد كَانَ بَينهمَا وَمهما نفيت الِاحْتِمَال وَالشَّرِكَة وَرفعت الظَّن والشبهة بَان أَنِّي أردْت ببياني أَبَا مَنْصُور الْبَغْدَادِيّ ثمَّ قَالَ أَبُو عُثْمَان كَانَ من أَئِمَّة الْأُصُول وصدور الْإِسْلَام بِإِجْمَاع أهل الْفضل والتحصيل بديع التَّرْتِيب غَرِيب التَّأْلِيف فِي التَّهْذِيب يرَاهُ الجلة صَدرا مقدما ويدعوه الْأَئِمَّة إِمَامًا مفخما وَمن خراب نيسابور أَن اضْطر مثله إِلَى مفارقتها إِلَى حَيْثُ خلق مِنْهُ وَتُوفِّي بإسفراين وَبهَا قَبره ﵀
وَقَالَ أَبُو عَليّ المرندي وحدثنى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْفَقِيه قَالَ لما حصل أَبُو مَنْصُور بإسفراين ابتهج النَّاس بمقدمه إِلَى الْحَد الَّذِي لَا يُوصف فَلم يبْق إِلَّا يَسِيرا حَتَّى مَاتَ وَاتفقَ أهل الْعلم على دَفنه بِجنب أبي اسحق إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الْمُتَكَلّم الاسفرايني فقبراهما
[ ٢٥٣ ]
متجاوران تجاور تلاصق كَأَنَّهُمَا نجمان جمعهَا مطلع وكوكبان ضمهما برج مُرْتَفع قَالَ وَإِنَّمَا انْتقل إِلَى إسفراين لِأَن حَالهَا كَانَ بعد متماسكا بعض التماسك
كتب إليَّ الشَّيْخ أَبُو الْحَسَنِ عبد الغافر بن إِسْمَاعِيلَ النَّيْسَابُورِي قَالَ فِي ذيل تَارِيخ نيسابور عبد القاهر بن طَاهِر بن مُحَمَّد الْبَغْدَادِيّ أَبُو مَنْصُور الْأُسْتَاذ الإِمَام الْكَامِل ذُو الْفُنُون الْفَقِيه الأصولي الأديب الشَّاعِر النَّحْوِيّ الماهر فِي علم الْحساب الْعَارِف بالعروض ورد نيسابور مَعَ أَبِيه أَبِي عَبْد اللَّهِ طَاهِر وَكَانَ ذَا مَال وثروة ومروءة وتفقه على أهل الْعلم والْحَدِيث وابْنه أنْفق مَاله على أهل الْعلم حَتَّى افْتقر صنف فِي الْعُلُوم وأربى على أقرانه فِي الْفُنُون ودرس فِي سَبْعَة عشر نوعا من الْعُلُوم وَكَانَ قد درس على الْأُسْتَاذ أَبِي إِسْحَاق الإسفرايني وَأَقْعَدَهُ بعده فِي مَسْجِد عقيل للإملاء مَكَانَهُ وأملى سِنِين وَاخْتلف إِلَيْهِ الْأَئِمَّة فقرؤا عَلَيْهِ مثل الإِمَام نَاصِر المرزوي وَأبي الْقسم الْقشيرِي وَغَيرهمَا وَحدث عَن الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأبي أَحْمد بن عدي خرج من نيسابور فِي أَيَّام التركمانية وفتنتهم إِلَى إسفراين فَمَاتَ بهَا سنة تسع وَعشْرين وأربعماية أنشدنَا الشَّيْخ أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الفاضلي بنوقان قَالَ أنشدنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّد الْمَدِينِيّ الْمُؤَذّن بِنَيْسَابُورَ قَالَ أنشدنَا الْأُسْتَاذ الإِمَام أَبُو مَنْصُور الْبَغْدَادِيّ لنَفسِهِ يَا من عدا ثمَّ اعْتدى ثمَّ اقْتَرَف
ثمَّ انْتهى ثمَّ ارعوى ثمَّ اعْترف
أبشر بقول اللَّه فِي آيَاته
﴿إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾
[ ٢٥٤ ]
وَمِنْهُم أَبُو ذَر الْهَرَوِيّ الْحَافِظ ﵀ أَخْبَرَنَا الشَّيْخَان أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْفَقِيهُ وَأَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْملك الْمقري قَالا قَالَ لنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ الْحَافِظ عبد بن أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّد أَبُو ذَر الْهَرَوِيّ سَافر الْكثير وَحدث بِبَغْدَادَ عَنْ أَبِي الْفضل بن خميرويه الْهَرَوِيّ وَأبي مَنْصُور النضروي وَبسر بن مُحَمَّد الْمُزنِيّ وطبقتهم وكنتُ لما حدث غَائِبا خرج أَبُو ذَر إِلَى مَكَّة فسكنها مُدَّة ثمَّ تزوج فِي الْعَرَب وَأقَام بالسروات وَكَانَ يحجّ فِي كل عَام وَيُقِيم بِمَكَّة أَيَّام الْمَوْسِم وَيحدث ثمَّ يرجع إِلَى أَهله وَكتب إلينَا من مَكَّة بِالْإِجَازَةِ بِجَمِيعِ حَدِيثه وَكَانَ ثِقَة فَاضلا ضابطا دَيِّنًا وَكَانَ يذكر أَن مولده فِي سنة خمس أَو سِتّ وَخمسين وثلاثماية يشك فِي ذَلِك وَمَات بِمَكَّة لخمس خلون من ذِي الْقعدَة سنة أَربع وثلثين وأربعماية
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّد هِبَة اللَّهِ بن أَحْمَدَ الْأَكْفَانِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو عَليّ الْحُسَيْن بن أَحْمد ابْن أَبِي حريصة قَالَ بَلغنِي أَن أَبَا ذَر عبد بن أَحْمَدَ الْهَرَوِيّ الْحَافِظ ﵀ توفّي فِي شهور سنة أَربع وثلثين وأربعماية وَكَانَ مُقيما بِمَكَّة وَبهَا مَاتَ وَكَانَ على مَذْهَب مَالك وعَلى مَذْهَب أَبِي الْحسن الْأَشْعَرِيّ
سَمِعت الشَّيْخ الْحَافِظ أَبَا الْحسن عَليّ بن سُلَيْمَان بن أَحْمَدَ الأندلسي يَقُول سَمِعت أَبَا عَليّ الْحسن بن عَليّ الْأنْصَارِيّ البطليوسي يَقُول سَمِعت أَبَا عَليّ الْحسن بن إِبْرَاهِيمَ بن تَقِيّ الجذامي المالقي يَقُول سمعتُ بعض الشُّيُوخ يَقُول قيل لأبي ذَر الْهَرَوِيّ أَنْت من هراة فَمن أَيْن تمذهبت
[ ٢٥٥ ]
لمَالِك والأشعري فَقَالَ سَبَب ذَلِك أَنِّي قدمتُ بَغْدَاد لطلب الحَدِيث فلزمت الدَّارَقُطْنِيّ فَلَمَّا كَانَ فِي بعض الْأَيَّام كنتُ مَعَه فاجتاز بِهِ الْقَاضِي أَبُو بكر بن الطّيب فأظهر الدَّارَقُطْنِيّ من إكرامه مَا تعجبتُ مِنْهُ فَلَمَّا فَارقه قلت لَهُ أَيهَا الشَّيْخ الإِمَام من هَذَا الَّذِي أظهرت من إكرامه مَا رَأَيْت فَقَالَ أَو مَا تعرفه قلت لَا فَقَالَ هَذَا سيف السّنة أَبُو بكر الْأَشْعَرِيّ فلزمت الْقَاضِي مُنْذُ ذَلِك وأقتديت بِهِ فِي مذْهبه جَمِيعًا أَو كَمَا قَالَ
وَمِنْهُم أَبُو بكر الدِّمَشْقِي الزَّاهِد الْمَعْرُوف بابْن الْجرْمِي ﵀
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ هِبَةُ اللَّهِ بن أَحْمد الْمعدل قَالَ ثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمد الصُّوفِي قَالَ حَدثنِي نجا بن أَحْمَدَ الْعَطَّار قَالَ توفّي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْجرْمِي بن الْحُسَيْن الْمقري فِي صفر سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وأربعماية حدث عَن ابْن أَبِي الزمزام وَالْفضل بن جَعْفَر وَغَيرهمَا قَالَ عبد الْعَزِيزِ وَكَانَ يذهب إِلَى مَذْهَب أَبِي الْحسن الْأَشْعَرِيّ ﵀
سَمِعت الشَّيْخ الْفَقِيه الإِمَام أَبَا الْحَسَنِ عَلِيَّ بْنَ الْمُسْلِمِ السّلمِيّ ﵀ يَحْكِي عَن بعض شُيُوخه أَن أَبَا بكر بن الْجرْمِي كَانَ من الآمرين بِالْمَعْرُوفِ النَّاهين عَن الْمُنكر وَأَنه صَادف فِي بعض الْأَيَّام أحمالا من الْخمر قد أَتَى بهَا لوالي دمشق جَيش بن الصمصامة الْوَالِي من قبل المصريين وَكَانَ جَيش هَذَا عاتيا جبارا فأراقها كلهَا أَبُو بكر عِنْد بَيت لهيا وَكَانَ جَيش ينزل فِي بَيت لهيا فأبلغ جَيش الْخَبَر فَأمر بإحضاره فَسَأَلَهُ عَن أَشْيَاء من
[ ٢٥٦ ]
الْقُرْآن والْحَدِيث وَالْفِقْه فَوَجَدَهُ عَالما بِمَا سَأَلَهُ عَنهُ فَنظر إِلَى شَاربه فَوَجَدَهُ مقصوصا ثمَّ نظر إِلَى أظافيره فَوَجَدَهَا مقلمة فَأمر بِأَن ينظر إِلَى عانته فَوَجَدَهُ قد حلق عانته فَقَالَ لَهُ جَيش اذْهَبْ فقد نجوت مني وَلَو وجدت فِيك مَا أحتج بِهِ عَلَيْك لم تنج هَذَا معنى مَا ذكره وسمعته أَيْضا يَقُول لما بلغ جَيش فِي مَرضه الَّذِي ابتلى بِهِ مَا بلغ وَكَانَ أَصَابَهُ الجذام وَألقى مَا فِي بَطْنه من أمعائه حَتَّى كَانَ يَقُول لأَصْحَابه اقتلوني وأريحوني من الْحَيَاة لشدَّة مَا كَانَ ينَاله من الْأَلَم قَالَ لأَصْحَابه رَأَيْت كَأَن أهل دمشق كلهم رموني بِالسِّهَامِ فأخطؤني غير رجل وَاحِد أصابَنِي سَهْمه وَلَا أُسَمِّيهِ لِأَنِّي لَو سميته لعَبْدِهِ أهل دمشق فَكَانُوا يرَوْنَ أَن الَّذِي أَصَابَته دَعْوَة ابْن الْجرْمِي هَذَا وَكَانَ جَيش سفاكا للدم شَدِيد التَّعَدِّي على الْأَمْوَال مظهر السب للسلف
وَمِنْهُم الإِمَام أَبُو مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ وَالِد الإِمَام أَبِي الْمَعَالِي ﵀
كتب إليَّ الشَّيْخ أَبُو الْحَسَنِ عبد الغافر بن إِسْمَاعِيلَ الْفَارِسِي قَالَ عَبْد اللَّهِ بن يُوسُفَ بن مُحَمَّدِ بْنِ حيويه الْجُوَيْنِيّ ثمَّ النَّيْسَابُورِي أَبُو مُحَمَّد الإِمَام ركن الْإِسْلَام الْفَقِيه الأصولي الأديب النَّحْوِيّ الْمُفَسّر أوحد زَمَانه تخرج بِهِ جمَاعَة من أَئِمَّة الْإِسْلَام وَكَانَ لصيانته وديانته مهيبا مُحْتَرما بَين التلامذة فَلَا يجْرِي بَين يَدَيْهِ إِلَّا الْجد والحث والتحريض على التَّحْصِيل لَهُ فِي الْفِقْه تصانيف كَثِيرَة الْفَوَائِد مثل التَّبْصِرَة والتذكرة ومختصر الْمُخْتَصر وَله التَّفْسِير الْكَبِير الْمُشْتَمل
[ ٢٥٧ ]
على عشرَة أَنْوَاع فِي كل آيَة توفّي فِي ذِي الْقعدَة سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وأربعماية وَلم يخلف مثله فِي استجماعه
وَسمعت خَالِي الإِمَام أَبَا سعيد يَعْنِي عبد الْوَاحِد بن عَبْدِ الْكَرِيم الْقشيرِي يَقُول كَانَ أئمتنَا فِي عصره والمحققون من أصحابنَا يَعْتَقِدُونَ فِيهِ من الْكَمَال وَالْفضل والخصال الحميدة أَنه لَو جَازَ أَن يبْعَث اللَّه نَبيا فِي عصره لما كَانَ إِلَّا هُوَ من حسن طَرِيقَته وورعه وزهده وديانته فِي كَمَال فَضله
وحَدَّثَنِي الْقَاضِي أَبُو بكر يَحْيَى بن إِبْرَاهِيم ابْن أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّد السلماسي بِدِمَشْقَ عَنْ أَبِيهِ أَبِي طَاهِر قَالَ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ نصر بن كاكا المرندي الْفَقِيه حَدثنِي أَبُو الْقسم بْنُ مَنْصُور بن رامس على ذكر أَبِي مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ قَالَ من ألطف أخلاقه وأحسنها أَنه رجل ركين الْجُمْلَة واخر الْعقل جاد فِي أمره كُله لَا ترى فِيهِ شَيْئا من الرعونة لمساواة ظَاهره بَاطِنه وموافقة سره عَلَانِيَته وزهده فِي الرياسة الَّتِي صَارَت تطلبه وَهُوَ يهرب مِنْهَا وترغب فِيهِ وَهُوَ يبعد عَنْهَا
وَمِنْهُم أَبُو الْقسم بن أبي عُثْمَان الهمذاني الْبَغْدَادِيّ ﵀
أَخْبَرَنَا الشَّيْخَان أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ قبيس وأَبُو مَنْصُور مُحَمَّد بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ خَيْرُونَ قَالَ عَليّ ثَنَا وَقَالَ مُحَمَّد أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ بْنِ ثَابت الْخَطِيب قَالَ عَليّ بن الْحَسَنِ بن مُحَمَّدِ بْنِ المنتاب أَبُو الْقسم الْمَعْرُوف بابْن أَبِي عُثْمَانَ الدقاق سمع أَبَا بكر بن مَالك الْقطيعِي وَأَبا مُحَمَّد ابْن ماسي وَعلي بن مُحَمَّدِ بْنِ سعيد الرزاز وَأَبا الْحُسَيْن الزَّيْنَبِي وَعبد الْعَزِيز ابْن جَعْفَر الْخرقِيّ وَأَبا حَفْص بن الزيات وَعلي ابْن إِبْرَاهِيمَ بن أَبِي عزة
[ ٢٥٨ ]
الْعَطَّار وَأَبا الْحُسَيْن بن البواب وَأَبا بكر بن شَاذان كتبتُ عَنهُ وَكَانَ شَيخا صَالحا صَدُوقًا دينَا حسن الْمَذْهَب يسكن نهر القلابين وَسَأَلته عَن مولده فَقَالَ فِي ذِي الْحجَّة من سنة هَمس وخمسن وثلاثماية وَمَات فِي يَوْم السبت السَّابِع وَالْعِشْرين من شهر ربيع الأول سنة أَرْبَعِينَ وأربعماية وَدفن فِي مَقْبرَة الشونيزي
وَمِنْهُم أَبُو جَعْفَر السمنَاني قَاضِي الْموصل ﵀
أَخْبَرَنَا الشريف أَبُو الْقسم عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحُسَيْنِي وَالشَّيْخ أبوالحسن عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْغَسَّانِيُّ وَأَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الخيروني قَالُوا قَالَ لنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابت الْخَطِيب مُحَمَّد بن أَحْمَدَ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمُود أَبُو جَعْفَر الْقَاضِي السمنَاني سكن بَغْدَاد وَحدث بهَا عَن عَليّ بن عُمَرَ السكرِي وَأبي الْحسن الدَّارَقُطْنِيّ وَأبي الْقسم بن حبابة وَغَيرهم من البغداديين وَعَن نصر بن أَحْمَدَ بْنِ الْخَلِيل الْموصِلِي كتبتُ عَنهُ وَكَانَ ثِقَة عَالما فَاضلا سخيا حسن الْكَلَام عراقي الْمَذْهَب حنيفيا ويعتقد فِي الْأُصُول مَذْهَب الْأَشْعَرِيّ وَكَانَ لَهُ فِي دَاره مجْلِس نظر فحضره الْفُقَهَاء ويتكلمون سَمِعت السمنَاني سُئل عَن مولده فَقَالَ ولدت فِي سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وثلاثماية وَمَات بالموصل وَهُوَ على الْقَضَاء بهَا وَكَانَت وَفَاته فِي يَوْم الِاثْنَيْنِ السَّادِس من شهر ربيع الأول من سنة أَربع وَأَرْبَعين وأربعماية
[ ٢٥٩ ]
وَمِنْهُم أَبُو حَاتِم الطَّبَرِيّ الْمَعْرُوف بالقزويني ﵀
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْقسم إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ السَّمَرْقَنْدِيِّ قَالَ ثَنَا الشَّيْخ أَبُو اسحق إِبْرَاهِيم بن عَليّ الشِّيرَازِيّ لفظا قَالَ وَمِنْهُم شيخنَا أَبُو حَاتِم مَحْمُود بن الْحَسَنِ الطَّبَرِيّ الْمَعْرُوف بالقزويني تفقه بآمل على شُيُوخ الْبَلَد ثمَّ قدم بَغْدَاد وَحضر مجْلِس الشَّيْخ أَبِي حَامِد ودرس الْفَرَائِض على الشَّيْخ أَبِي الْحُسَيْن بن اللبان وأصول الْفِقْه على الْقَاضِي أَبِي بكر الْأَشْعَرِيّ ﵀ وَكَانَ حَافِظًا للْمَذْهَب وَالْخلاف صنف كتبا كَثِيرَة فِي الْخلاف وَالْمذهب وَالْأُصُول والجدل ودرس بِبَغْدَادَ وآمل وَلم أنتفع بِأحد فِي الرحلة كَمَا انتفعت بِهِ وبالْقَاضِي أَبِي الطّيب الطَّبَرِيّ وَتُوفِّي بآمل
وَمِنْهُم أَبُو الْحَسَنِ رشا بن نظيف الْمقري الدِّمَشْقِي ﵀
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّد بن الْأَكْفَانِيِّ الْأمين قَالَ ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّد الكتاني قَالَ توفّي شيخنَا أَبُو الْحَسَنِ رشا بن نظيف بن مَا شَاءَ اللَّه يَوْم السبت بعد صَلَاة الْعَصْر السَّابِع وَالْعِشْرين من الْمحرم سنة أَربع وَأَرْبَعين وأربعماية وَدفن يَوْم الْأَحَد وَكَانَ ثِقَة مأمونَا قضى على سداد وَأمر جميل حدث عَن عبد الْوَهَّاب بن الْحَسَنِ بن الْوَلِيد الْكلابِي وَغَيره من المصريين والعراقيين وَغَيرهم انْتَهَت إِلَيْهِ الرياسة فِي قِرَاءَة ابْن عَامر ﵀ قَرَأَ على ابْن دَاوُد وَغَيره
[ ٢٦٠ ]
وَمِنْهُم أَبُو مُحَمَّد الْأَصْبَهَانِيّ الْمَعْرُوف بابْن اللبان ﵀
أَخْبَرَنَا الشَّيْخَانِ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْفَقِيه بِدِمَشْقَ وأَبُو النَّجْم بَدْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشِّيحِيُّ التَّاجِر بِبَغْدَادَ قَالا قَالَ لنَا الشَّيْخ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابت الْخَطِيب عبد اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن بن أَحْمد ابْن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ بن عَبْدِ السَّلَام بن حبيب بن حطيط بن عقبَة بن خثيم بن وَائِل بن مهانة بن تيم اللَّه بن ثَعْلَبَة بن عكابة بن صَعب ابْن عَلِيِّ بْنِ بكر بن وَائِل أَبُو مُحَمَّد الأصبهان يالمعروف بابْن اللبان أحد أوعية الْعلم وَمن أهل الدّين وَالْفضل سمع بأصبهان أَبَا بكر بن الْمقري وَإِبْرَاهِيم بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خرشيد قَوْله وَعلي بن مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مَيْلَة وَغَيرهم وَسمع بِبَغْدَادَ أَبَا طَاهِر المخلص وبمكة أَبَا الْحسن أَحْمد بن إِبْرَاهِيمَ بن فَارس وَكَانَ ثِقَة صحب الْقَاضِي أَبَا بكر الْأَشْعَرِيّ ودرس عَلَيْهِ أصُول الديانَات وأصول الْفِقْه ودرس فقه الشَّافِعِي على أبي حَامِد الإسفرايني وَقَرَأَ الْقُرْآن بعدة رِوَايَات وَولي قَضَاء إيذج وَحدث بِبَغْدَادَ فسمعنَا مِنْهُ وَله كتب كَثِيرَة مصنفة وَكَانَ من أحسن النَّاس تِلَاوَة لِلْقُرْآنِ وَمن أوجز النَّاس عبارَة فِي المنَاظرة مَعَ تدين جميل وَعبارَة كَثِيرَة وورع بَين تقشف ظَاهر وَخلق حسن وسمعته يَقُول حفظت الْقُرْآن ولي خمس سِنِين أدْرك ابْن اللبان شهر رَمَضَان من سنة سبع وَعشْرين وأربعماية وَهُوَ بِبَغْدَادَ فصلى بالنَّاس صَلَاة التَّرَاوِيح فِي جَمِيع الشَّهْر وَكَانَ إِذْ فرغ من صلَاته بالنَّاس فِي كل لَيْلَة لَا يزَال قَائِما فِي الْمَسْجِد يُصَلِّي
[ ٢٦١ ]
حَتَّى يطلع الْفجْر فَإِذا صلى درس أَصْحَابه وسمعته يَقُول لم أَضَع جَنْبي للنوم فِي هَذَا الشَّهْر لَيْلًا وَلَا نَهَارا وَكَانَ ورده كل لَيْلَة فِيمَا يُصَلِّي لنَفسِهِ سبعا من القرآ يقرأه بترتيل وتمهل وَلم أر أَجود وَلَا أحسن قِرَاءَة مِنْهُ مَاتَ بأصبهان فِي جُمَادَى الْآخِرَة من سنة سِتّ وَأَرْبَعين وأربعماية وَسمعت بِبَغْدَادَ من يَحْكِي أَن أَبَا يعلي بن الْفراء وَأَبا مُحَمَّد التَّمِيمِي شَيْخي الْحَنَابِلَة كَانَا يقرآن على أَبِي مُحَمَّد بن اللبان الْأُصُول فِي دَاره وكل وَاحِد مِنْهُمَا يخفي ذَلِك عَن صَاحبه فاجتمعا يَوْمًا فِي دهليزه فَقَالَ أَحدهمَا لصَاحبه مَا جَاءَ بك فَقَالَ الَّذِي جَاءَ بك فَقَالَ اكتم عَلَيَّ وأكتم عَلَيْك واتفقا على أَن لَا يعودا إِلَيْهِ بعد ذَلِك خوفًا أَن يطلع عوامهم على حَالهمَا فِي القرأة عَلَيْهِ
وَمِنْهُم أَبُو الْفَتْحِ سليم بن أَيُّوب الرَّازِيّ ﵀
حَدثنَا الشَّيْخُ الْفَقِيه أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْمُسلم من لَفظه قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو نصر أَحْمد بن مُحَمَّدِ بْنِ سعيد الطريثيثي قَالَ سَمِعت الْفَقِيه سليما ﵀ يَقُول دخلت بَغْدَاد فِي حَدثنِي أطلب علم اللُّغَة فَكنت آتى شَيخا ذكره فبكرت فِي بعض الْأَيَّام فَقيل لي هُوَ فِي الْحمام فمضيت نَحوه فعبرت فِي طريقي على الشَّيْخ أَبِي حَامِد الإسفرايني وَهُوَ يملي فَدخلت الْمَسْجِد وَجَلَست مَعَ الطّلبَة فَوَجَدته فِي كتاب الصّيام فِي هَذِه المسئلة إِذَا ولج ثمَّ أحس بِالْفَجْرِ فَنزع فاستحسنت ذَلِك وعلقت الدَّرْس على ظهر جُزْء كَانَ معي فَلَمَّا عدت إِلَى منزلي وَجعلت أُعِيد الدَّرْس حلالي وَقلت أتم هَذَا الْكتاب يَعْنِي كتاب الصّيام فعلقت كتاب الصّيام ولزمت الشَّيْخ أَبَا
[ ٢٦٢ ]
حَامِد حَتَّى علقت عَلَيْهِ جَمِيع التَّعْلِيق قَالَ وَسمعت أَبَا نصر يَقُول سَمِعت سليما يَقُول وضعت مني صور وَرفعت من أَبِي الْحسن بن الْمحَامِلِي بَغْدَاد
قَرَأت بِخَط شيخنَا أَبِي الْفرج غيث بن عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ السَّلَام التنوخي الصُّورِي غرق أَبُو الْفَتْحِ سُلَيْمِ بْنُ أَيُّوبَ بْنِ سُلَيْمٍ الرَّازِيّ فِي بَحر القلزم عِنْد سَاحل جدة بعد عوده من الْحَج فِي صفر سنة سبع وَأَرْبَعين وَكَانَ قد نَيف على الثَّمَانِينَ حَدَّثَنِي بذلك ابْنه إِبْرَاهِيم وَكَانَ فَقِيها جيدا مشارا إِلَيْهِ فِي علمه صنف الْكثير فِي الْفِقْه وَغَيره ودرس وَحدث عَنْ أبي حَامِد الإسفرايني وَغَيره حَدَّثَنَا عَنهُ جمَاعَة وَهُوَ أول من نشر هَذَا الْعلم بصور وانتفع بِهِ جمَاعَة وَكَانَ أحد من تفقه عَلَيْهِ بهَا الْفَقِيه أَبُو الْفَتْحِ نصر بن إِبْرَاهِيمَ الْمَقْدِسِي وَحدثت عَنهُ أَنه كَانَ يُحَاسب نَفسه على الأنفاس لَا يدع وقتا يمْضِي عَلَيْهِ بِغَيْر فَائِدَة إِمَّا ينْسَخ أَو يدرس أَو يقْرَأ وينسخ شَيْئا كثيرا وَلَقَد حَدَّثَنِي عَنهُ شيخنَا أَبُو الْفرج الإسفرايني أَنه نزل يَوْمًا إِلَى دَاره وَرجع فَقَالَ قد قَرَأت جُزْءا فِي طريقي قَالَ وحَدَّثَنِي المؤمل بن الْحَسَنِ أَنه رأى سليما حفي عَلَيْهِ الْقَلَم فَإلَى أَن قطه جعل يُحَرك شَفَتَيْه فَعلم أَنه يقْرَأ بِإِزَاءِ إِصْلَاحه الْقَلَم لِئَلَّا يمْضِي عَلَيْهِ زمَان وَهُوَ فارغ أَو كَمَا قَالَ
وَمِنْهُم أَبُو عبد الله الْخَبَّازِي الْمقري النَّيْسَابُورِي ﵀
كتب إليّ الشَّيْخ أَبُو الْحَسَنِ عبد الغافر بن إِسْمَاعِيلَ الْفَارِسِي قَالَ مُحَمَّد بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحسن الْأُسْتَاذ الإِمَام الْمقري أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْخَبَّازِي
[ ٢٦٣ ]
توفّي فِي شهر رَمَضَان سنة سبع وَأَرْبَعين وَصلى عَلَيْهِ الصَّابُونِي يَعْنِي أَبَا عُثْمَان ورحل إِلَى الْكشميهني لسَمَاع الصَّحِيح فَسَمعهُ وقرىء عَلَيْهِ وَكَانَ الِاعْتِمَاد فِي وقته على سَمَاعه ونسخته وَكَانَ يحيي اللَّيْل بِالْقِرَاءَةِ وَالدُّعَاء والبكاء حَتَّى قيل إِنَّه كَانَ مستجاب الدعْوَة لم ير بعده مثله
سَمِعت الشَّيْخ أَبَا المحاسن عبد الرَّزَّاق بن مُحَمَّد الطبسي بِنَيْسَابُورَ يَحْكِي عَن بعض مشايخه أَنه لما امتحن أصحابنَا بِنَيْسَابُورَ فِي أَيَّام الكندري كَانَ فيهم من خرج عَن الْبَلَد وَفِيهِمْ من أجَاب إِلَى التبري من الْمَذْهَب وَإِن الْخَبَّازِي امْتنع من الْإِجَابَة وَلم يخرج من الْبَلَد ولازم بَيته إِلَى أَن مَاتَ صَابِرًا على دينه معتصما بِقُوَّة يقينه
وَمِنْهُم أَبُو الْفضل بن عمروس الْبَغْدَادِيّ الْمَالِكِي ﵀
أَخْبَرَنَا الشريف أَبُو الْقسم عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بن الْعَبَّاسِ الْعلوِي وَالشَّيْخ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بن أَحْمَدَ بن مَنْصُور الغساني وَأَبُو مَنْصُور بن خيرون قَالُوا قَالَ لنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ الْخَطِيبُ الْحَافِظُ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عمروس أَبُو الْفضل الْبَزَّاز كَانَ أحد الْفُقَهَاء على مَذْهَب مَالك وَكَانَ أَيْضا من حفاظ الْقُرْآن ومدرسيه سمع أَبَا الْقسم ابْن حبابة وَأَبا حَفْص بن شاهين وَأَبا طَاهِر المخلص وَأَبا الْقسم بن الصيدلاني كتبت عَنهُ وَكَانَ دَيِّنًا ثِقَة مَسْتُورا وَإِلَيْهِ انْتَهَت الْفَتْوَى فِي الْفِقْه على مَذْهَب مَالك بِبَغْدَادَ وَقبل قَاضِي الْقُضَاة أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الدَّامغَانِي شَهَادَته وَكَانَ يسكن بِبَاب الشَّام سَأَلت أَبَا الْفضل عَن
[ ٢٦٤ ]
مولده فَقَالَ فِي رَجَب من سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وثلاثمائة وبلغنَا وَنحن بِدِمَشْقَ أَنه مَاتَ فِي أول الْمحرم من سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة
أخبرنَا الشَّيْخ أَبُو الْقسم إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ بن السَّمرقَنْدِي قَالَ ثَنَا الشَّيْخ الإِمَام أَبُو اسحق إِبْرَاهِيم بن عَلِيِّ بْنِ يُوسُفَ الشِّيرَازِيّ لفظا قَالَ وَمِنْهُم أَبُو الْفضل بن عمروس الْبَغْدَادِيّ الْمَالِكِي وَكَانَ فَقِيها أصوليا صَالحا مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة
وَمِنْهُم الْأُسْتَاذ أَبُو الْقسم الإسفرايني ﵀
كتب إليَّ الشَّيْخ أَبُو الْحَسَنِ عبد الغافر بن إِسْمَاعِيلَ بن عَبْدِ الغافر الْفَارِسِي قَالَ عبد الْجَبَّار بن عَلِيِّ بن مُحَمَّد بن حسكان الْأُسْتَاذ الإِمَام أَبُو الْقسم الْمُتَكَلّم الإسفرايني الْأَصَم الْمَعْرُوف بالإسكاف شيخ كَبِير جليل من أفاضل الْعَصْر ورؤس الْفُقَهَاء والمتكلمين من أَصْحَاب الْأَشْعَرِيّ إِمَام دويرة الْبَيْهَقِيّ لَهُ اللِّسَان فِي النّظر والتدريس والقدم فِي الْفَتْوَى مَعَ لُزُوم طَريقَة السّلف من الزّهْد والفقر والورع كَانَ عديم النظير فِي فنه مَا رؤى مثله قَرَأَ عَلَيْهِ إِمَام الْحَرَمَيْنِ الْأُصُول وَتخرج بطريقته عَاشَ عَالما عَاملا وَتُوفِّي يَوْم الِاثْنَيْنِ الثَّامِن وَالْعِشْرين من صفر سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة
وَمِنْهُم أَبُو بكر النَّيْسَابُورِي الْبَيْهَقِيّ الْحَافِظ ﵀
قَالَ لنَا الشَّيْخ أَبُو بكر الببغدادي قَالَ لنَا أَبُو عَليّ إِسْمَاعِيل بن أَحْمَدَ
[ ٢٦٥ ]
مولد وَالِدي الإِمَام شيخ السّنة أَبِي بكر الْبَيْهَقِيّ فِي شعْبَان سنة أَربع وَثَمَانِينَ وثلاثمائة وَتُوفِّي فِي جُمَادَى الأولى سنة ثَمَان وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة
سَمِعت الشَّيْخ أَبَا بكر مُحَمَّد بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حبيب العامري بِبَغْدَادَ يَقُول سَمِعت من يَحْكِي عَن الإِمَام أَبِي الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ أَنه قَالَ مَا من شَافِعِيّ إِلَّا وَللشَّافِعِيّ عَلَيْهِ منَّة إِلَّا أَحْمد الْبَيْهَقِيّ فَإِن لَهُ على الشَّافِعِي مِنَّة لتصانيفه فِي نصْرَة مذْهبه وأقاويله أَو كَمَا قَالَ
كتب إليَّ الشَّيْخ أَبُو الْحَسَنِ الْفَارِسِي قَالَ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى أَبُو بكر الْبَيْهَقِيّ الإِمَام الْحَافِظ الْفَقِيه الأصولي الدَّيِّن الْوَرع وَاحِد زَمَانه فِي الْحِفْظ وفرد أقرانه فِي الإتقان والضبط من كبار أَصْحَاب الْحَاكِم أَبِي عَبْد اللَّهِ الْحَافِظ والمكثرين عَنهُ ثمَّ الزَّائِد عَلَيْهِ فِي أَنْوَاع الْعُلُوم كتب الحَدِيث وَحفظه من صباه إِلَى أَن نَشأ وتفقه وبرع فِيهِ وَشرع فِي الْأُصُول ورحل إِلَى الْعرَاق وَالْجِبَال والحجاز ثمَّ اشْتغل بالتصنيف وَألف من الْكتب مَا لَعَلَّه يبلغ قَرِيبا من ألف جُزْء مِمَّا لم يسْبق إِلَيْهِ أحد جمع فِي تصانيفه بَين علم الحَدِيث وَالْفِقْه وَبَيَان علل الحَدِيث وَالصَّحِيح والسقيم وَذكر وُجُوه الْجمع بَين الْأَحَادِيث ثمَّ بَيَان الْفِقْه وَالْأُصُول وَشرح مَا يتَعَلَّق بِالْعَرَبِيَّةِ استدعى مِنْهُ الْأَئِمَّة فِي عصره الِانْتِقَال إِلَى نيسابور من النَّاحِيَة لسَمَاع كتاب الْمعرفَة وَغير ذَلِك من تصانيفه فَعَاد إِلَى نيسابور سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة وعقدوا لَهُ الْمجْلس لقِرَاءَة كتاب الْمعرفَة وحضره الْأَئِمَّة وَالْفُقَهَاء وَأَكْثرُوا الثنَاء عَلَيْهِ وَالدُّعَاء لَهُ فِي ذَلِك لبراعته ومعرفته وإفادته وَكَانَ ﵀ على سيرة الْعلمَاء قانعا من الدُّنْيَا باليسير
[ ٢٦٦ ]
متجملا فِي زهده وورعه وَبَقِي كَذَلِك إِلَى أَن توفّي ﵀ بِنَيْسَابُورَ يَوْم السبت الْعَاشِر من جُمَادَى الأولى سنة ثَمَان وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة وَحمل إِلَى خسر وجرد
أنبأني الشَّيْخ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حبيب قَالَ أَنا الإِمَام شيخ الْقُضَاة أَبُو عَليّ إِسْمَاعِيل بن أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ الْبَيْهَقِيّ قَالَ ثَنَا وَالِدي الإِمَام الْحَافِظ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ حِين ابتدأت بتصنيف هَذَا الْكتاب يَعْنِي معرفَة السّنَن والْآثَار وفرغت من تَهْذِيب أَجزَاء مِنْهُ سَمِعت الْفَقِيه أَبَا مُحَمَّد أَحْمد بن أَبِي عَليّ يَقُول وَهُوَ من صالحي أَصْحَابِي وَأَكْثَرهم قِرَاءَة لكتاب الله عزوجل وأصدقهم لهجة رَأَيْت الشَّافِعِي فِي المنَام وَبِيَدِهِ أَجزَاء من هَذَا الْكتاب وَهُوَ يَقُول قد كتبت الْيَوْم من كتاب الْفَقِيه أَحْمد سَبْعَة أَجزَاء أَو قَالَ قرأتها وَرَآهُ يعْتد بذلك قَالَ وَفِي صباح ذَلِك الْيَوْم رأى فَقِيه آخر من إخْوَانِي يعرف بعمر بن مُحَمَّد فِي منَامه الشَّافِعِي ﵀ قَاعِدا على سَرِير فِي مَسْجِد الْجَامِع بخسروجرد وَهُوَ يَقُول قد اسْتَفَدْت الْيَوْم من كتاب الْفَقِيه أَحْمد حَدِيث كَذَا وَكَذَا
قَالَ وحَدَّثَنَا وَالِدي قَالَ وَسمعت الْفَقِيه أَبَا مُحَمَّد الْحسن بن أَحْمَدَ السَّمرقَنْدِي الْحَافِظ يَقُول سَمِعت الْفَقِيه أَبَا بكر مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز المرزوي الحبوجردي يَقُول رَأَيْت فِي المنَام كَأَن تابوتا علا فِي السَّمَاء يعلوه نور فَقلت مَا هَذَا فَقَالَ هَذَا تصنيفات أَحْمد الْبَيْهَقِيّ قَالَ شيخ الْقُضَاة وَسمعت أنَا هَذِه الحكايات الثَّلَاثَة أَيْضا من الْفَقِيه أَبِي مُحَمَّد وَمن عمر بن مُحَمَّد وَمن الْحسن بن أَحْمَدَ السَّمرقَنْدِي جَمِيعًا لفظا
[ ٢٦٧ ]
ذكر بعض الْمَشْهُورين من الطَّبَقَة الرَّابِعَة المستبصرين بتبصيره وإيضاحه فِي الِاقْتِدَاء والمتابعة
فَمنهمْ أَبُو بكر الببغدادي الْحَافِظ الْمَعْرُوف بالخطيب ﵀
قَرَأت على الشَّيْخ أَبِي مُحَمَّد عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ الْخضر السّلمِيّ بِدِمَشْقَ عَنْ أَبِي نصر عَليّ بن هِبَة اللَّهِ بن عَلِيِّ بْنِ جَعْفَر الْحَافِظ الْمَعْرُوف بابْن مَاكُولَا قَالَ إِن أَبَا بكر أَحْمد بن عَليّ بْنِ ثَابت الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ كَانَ أحد الْأَعْيَان مِمَّن شاهدنَاه معرفَة وإتقانَا وحفظا وضبطا لحَدِيث رَسُول اللَّهِ ﷺ وتفننًا فِي علله وَأَسَانِيده وخبرة برواته ونَاقليه وعلما بصحيحه وغريبه وفرده ومنكره وسقيمه ومطروحه وَلم يكن للبغداديين بعد أَبِي الْحسن عَليّ بن عُمَرَ الدَّارَقُطْنِيّ من يجْرِي مجْرَاه وَلَا قَامَ بعده مِنْهُم بِهَذَا الشَّأْن سواهُ وَقد استفدنَا كثيرا من هَذَا الْيَسِير الَّذِي نحسنه بِهِ وَعنهُ وتعلمنَا شطرا من هَذَا الْقَلِيل الَّذِي نعرفه بتنبيهه وَمِنْه فجزاه اللَّه تَعَالَى عنَّا الْخَيْر ولقاه الْحسنى وَلِجَمِيعِ مشايخنَا وأئمتنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسلمين
أنبأنَا الشَّيْخ أَبُو الْفرج بن أَبِي الْحسن ابْن الأرمنازي قَالَ ثَنَا أَبُو الْفرج الاسفرايني قَالَ كَانَ الشَّيْخ أَبُو بكر الْخَطِيب معنَا فِي طَرِيق الْحَج فَكَانَ يخْتم كل يَوْم ختمة إِلَى قرب الغياب قِرَاءَة بترتيل ثمَّ يجْتَمع عَلَيْهِ النَّاس وَهُوَ رَاكب يَقُولُونَ حَدَّثَنَا فيحدثهم أَو كَمَا قَالَ
وَقَالَ أَبُو الْفرج أَيْضا قَالَ ابو الْقسم مكي بن عَبْدِ السَّلَام الْمَقْدِسِي كنت نَائما فِي منزل الشَّيْخ أَبِي الْحسن بن الزَّعْفَرَانِي
[ ٢٦٨ ]
بِبَغْدَادَ لَيْلَة الْأَحَد الثَّانِي عشر من شهر ربيع الأول سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة فَرَأَيْت فِي المنَام عِنْد السحر كأنا اجتمعنَا عِنْد الشَّيْخ الإِمَام أَبِي بكر الْخَطِيب فِي منزله بِبَاب الْمَرَاتِب لقِرَاءَة التَّارِيخ على الْعَادة فَكَأَن الشَّيْخ الإِمَام أَبَا بكر جَالس وَالشَّيْخ الْفَقِيه أَبُو الْفَتْحِ نصر بن إِبْرَاهِيمَ عَن يَمِينه وَعَن يَمِين الْفَقِيه نصر رجل جَالس لم أعرفهُ فَسَأَلت عَنهُ فَقلت من هَذَا الرجل الَّذِي لم تجر عَادَته بالحضور معنَا فَقيل لي هَذَا رَسُول اللَّه ﷺ جَاءَ ليسمع التَّارِيخ فَقلت فِي نَفسِي هَذِهِ جلالة للشَّيْخ أَبِي بكر إِذْ يحضر النَّبِي ﷺ مَجْلِسه وَقلت فِي نَفسِي وَهَذَا أَيْضا رد لقَوْل من يعيب بالتاريخ وَيذكر أَن فِيهِ تحاملا على أَقوام وشغلني التفكر فِي هَذَا عَن النهوض إِلَى رَسُول اللَّه ﷺ وسؤاله عَن أَشْيَاء كنت قد قلت فِي نَفسِي أسأله عَنْهَا فانتبهت فِي الْحَال وَلم ُأكَلِّمهُ ﷺ
قَرَأت بِخَط الشَّيْخ الْأمين أَبِي الْفَضْلِ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خيرون الباقلاني بَغْدَاد سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة مَاتَ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابت بن أَحْمَدَ بْنِ مهْدي الْخَطِيب الْحَافِظ ضحوة نَهَار يَوْم الِاثْنَيْنِ وَدفن يَوْم الثُّلَاثَاء من ذِي الْحجَّة بِبَاب حَرْب إِلَى جنب بشر بن الْحَرْث وَصلى عَلَيْهِ فِي جَامع الْمَنْصُور وَصلى عَلَيْهِ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُهْتَدِي بِاللَّهِ وَتصدق بِجَمِيعِ مَاله وَهُوَ مايتا دينَار وَفرق ذَلِك على أَصْحَاب الحَدِيث وَالْفُقَهَاء والفقراء فِي مَرضه ووصى أَن يتَصَدَّق بِجَمِيعِ مَا يخلفه من ثِيَاب وَغَيرهَا وأوقف جَمِيع كتبه على الْمُسلمين وأخرجت جنَازته من حجرَة تلِي الْمدرسَة
[ ٢٦٩ ]
النظامية من نهر مُعلى وَتَبعهُ الْفُقَهَاء والخلق الْعَظِيم وحملت الجنَازة وَعبر بهَا على الجسر وحملت إِلَى جَامع الْمَنْصُور وَكَانَ بَين يَدي الجنَازة جمَاعَة ينَادون هَذَا الَّذِي كَانَ يذب عَن رَسُول اللَّهِ ﷺ هَذَا الَّذِي كَانَ يَنْفِي الْكَذِب عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَذَا الَّذِي كَانَ يحفظ حَدِيث رَسُول اللَّه ﷺ وَعبر بالجنَازة فِي الكرخ وَمَعَهَا الْخلق الْعَظِيم وَكَانَ اجْتِمَاع النَّاس فِي جَامع الْمَنْصُور وَحضر جَمِيع الْفُقَهَاء وَأهل الْعلم ونقيب النُّقَبَاء وَتبع الجنَازة خلق عَظِيم إِلَى بَاب حَرْب وَختم على الْقَبْر ختمات ﵁ وَغفر لَهُ وألحقه بعباده الصَّالِحين فَلَقَد انتهي إِلَيْهِ علم الحَدِيث وَحفظه لَهُ سِتّ وَخَمْسُونَ مصنفا فِي علم الحَدِيث فَمِنْهَا تَارِيخ بَغْدَاد مائَة وَسِتَّة أَجزَاء ولد سنة إِحْدَى وَتِسْعين وثلاثمائة
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ ألامين أَبُو مُحَمَّد هِبَة اللَّهِ بن أَحْمَدَ الْأَكْفَانِيِّ قَالَ ثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الكتاني الْحَافِظ قَالَ وَردت كتب جمَاعَة من بَغْدَاد إِلَى دمشق كل وَاحِد يذكر فِي كِتَابَة أَن الإِمَام الْحَافِظ أَبَا بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابت بن أَحْمَدَ بْنِ مهْدي الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ ﵀ توفّي يَوْم الِاثْنَيْنِ ضحى نَهَار السَّابِع من ذِي الْحجَّة من سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ واربعمائة وَحمل يَوْم الثُّلَاثَاء الى جَانب الغربي وَدفن بِالْقربِ من قبر أَحْمد بن حَنْبَل عِنْد قبر بشر بن الْحَرْث رحمهمَا اللَّه وَكَانَ أحد من حمل جنَازته الْفَقِيه الإِمَام أَبُو اسحق إِبْرَاهِيم ابْن عَليّ الشِّيرَازِيّ وَأَنه كَانَ مَعَه مايتا دينَار فَتصدق بهَا فِي علته فَانْتهى فراغها بِمَوْتِهِ وَكَانَ ﵀ يذكر أَنه ولد يَوْم الْخَمِيس لست بَقينَ من
[ ٢٧٠ ]
جمادي الْآخِرَة من سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وثلاثمائة وَأَنه أسمع الحَدِيث وَهُوَ ابْن عشْرين سنة وَكتب عَنهُ شَيْخه أَبُو الْقسم الْأَزْهَرِي عبيد الله ابْن أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ فِي سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَكتب عَنهُ شَيْخه أَبُو بكر أَحْمد ابْن مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ غَالب البرقاني الْخَوَارِزْمِيّ الْحَافِظ فِي سنة تسع عشرَة وَأَرْبَعمِائَة وَكَانَ قد علق الْفِقْه عَن الْقَاضِي أَبِي الطّيب طَاهِر بن عَبْدِ اللَّهِ الطَّبَرِيّ وَأبي نصر بن الصّباغ وَكَانَ يذهب إِلَى مَذْهَب أَبِي الْحسن الْأَشْعَرِيّ ﵀
زادنَا أَبُو مُحَمَّد بن الْأَكْفَانِيِّ وَكَانَ قد رَحل إِلَى نيسابور وأصبهان وَالْبَصْرَة وَغَيرهَا وَكَانَ مكثرا من الحَدِيث عانيا بجمعه ثِقَة حَافِظًا متقنًا متيقظا متحمدا مصنفا ﵀ وَرَضي عَنهُ
وَمِنْهُم الْأُسْتَاذ أَبُو الْقسم الْقشيرِي النَّيْسَابُورِي ثمَّ الاستوائي
أخبرنَا الشَّيْخَانِ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَنْصُور وأَبُو مَنْصُور مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْحَسَنِ قَالا قَالَ لنَا الشَّيْخ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَافِظ عبد الْكَرِيم بن هوَازن بن عَبْدِ الْمَلِكِ بن طَلْحَة بن مُحَمَّد أَبُو الْقسم الْقشيرِي النَّيْسَابُورِي سمع أَحْمد بن مُحَمَّدِ بْنِ عمر الْخفاف ومُحَمَّد بن أَحْمد ابْن عَبدُوس الْمُزَكي وَأَبا نعيم عبد الْملك بن الْحسن الإسفرايني وَعبد الرَّحِيم بن إِبْرَاهِيمَ بن مُحَمَّد الْمُزَكي ومُحَمَّد بن الْحَسَنِ بن فورك وَالْحَاكِم أَبَا عَبْد الله بن البيع ومُحَمَّد بن الْحَسَنِ الْعلوِي وَأَبا عَبْد الرَّحْمَنِ السّلمِيّ وَقدم علينَا فِي سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة وَحدث بِبَغْدَادَ وكتبْنَا عَنهُ وَكَانَ يعظ وَكَانَ حسن الموعظة مليح الْإِشَارَة وَكَانَ يعرف الْأُصُول
[ ٢٧١ ]
على مَذْهَب الْأَشْعَرِيّ وَالْفُرُوع على مَذْهَب الشَّافِعِي سَأَلت الْقشيرِي عَن مولده فَقَالَ فِي ربيع الأول من سنة سِتّ وَسبعين وثلاثماية كَانَ يَنْبَغِي أَن يكون فِي الطَّبَقَة الثَّالِثَة وَإِنَّمَا أَخَّرته لتأخر وَفَاته
كتب إِلَى الشَّيْخ أَبُو الْحَسَنِ عبد الغافر بن إِسْمَاعِيلَ الْفَارِسِي قَالَ عبد الْكَرِيم بن هوَازن بن عَبْدِ الْمَلِكِ بن طَلْحَة بن مُحَمَّد الْقشيرِي أَبُو الْقسم الإِمَام مُطلقًا الْفَقِيه الْمُتَكَلّم الأصولي الْمُفَسّر الأديب النَّحْوِيّ الْكَاتِب الشَّاعِر لِسَان عصره وَسيد وقته وسر اللَّه بَين خلقه شيخ الْمَشَايِخ وأستاذ الْجَمَاعَة ومقدم الطَّائِفَة ومقصود سالكي الطَّرِيقَة وَبُنْدَار الْحَقِيقَة وَعين السَّعَادَة وقطب السِّيَادَة وَحَقِيقَة الملاحة لم ير مثل نَفسه وَلَا رأى الرأوون مثله فِي كَمَاله وبراعته جمع من علم الشَّرِيعَة والحقيقة وَشرح أحسن الشَّرْح أصُول الطَّرِيقَة أَصله من نَاحية استوا من الْعَرَب الَّذين وردوا خُرَاسَان وَسَكنُوا النواحي فَهُوَ قشيري الْأَب سلمي الْأُم وخاله أَبُو عقيل السّلمِيّ من وُجُوه دهاقين نَاحية استوا توفى أَبُوه وَهُوَ طِفْل فَوَقع الى ابي الْقسم الأليماني فَقَرَأَ الْأَدَب والعربية عَلَيْهِ بِسَبَب اتِّصَاله بهم وَقَرَأَ على غَيره وَحضر الْبَلَد وَاتفقَ حُضُوره مجْلِس الْأُسْتَاذ الشَّهِيد أَبِي عَليّ الْحسن بن عَليّ الدقاق وَكَانَ لِسَان وقته فَاسْتحْسن كَلَامه وسلك طَرِيق الْإِرَادَة فَقبله الْأُسْتَاذ وَأَشَارَ عَلَيْهِ بتَعَلُّم الْعلم فَخرج إِلَى درس الشَّيْخ الإِمَام أَبِي بكر مُحَمَّد بن بكر الطوسي وَشرع فِي الْفِقْه حَتَّى فرغ من التَّعْلِيق ثمَّ اخْتلف بإشارته إِلَى الْأُسْتَاذ الإِمَام أبي بكر ابْن فورك وَكَانَ الْمُقدم فِي الْأُصُول حَتَّى حصلها وبرع فِيهَا وَصَارَ من
[ ٢٧٢ ]
أوجه تلامذته وأشدهم تَحْقِيقا وضبطا وَقَرَأَ عَلَيْهِ أصُول الْفِقْه وَفرغ مِنْهُ وَبعد وَفَاة الْأُسْتَاذ أَبِي بكر اخْتلف إِلَى الْأُسْتَاذ أَبِي اسحق الإسفرايني وَقعد يسمع جَمِيع دروسه وأتى عَلَيْهِ أَيَّام فَقَالَ لَهُ الْأُسْتَاذ هَذَا الْعلم لَا يحصل بلسماع وَمَا توهم فِيهِ ضبط مَا يسمع فَأَعَادَ عِنْده مَا سَمعه مِنْهُ وَقَررهُ أحسن تَقْرِير من غير إخلال بِشَيْء فتعجب مِنْهُ وَعرف مَحَله وأكرمه وَقَالَ مَا كنت أدرى أَنَّك بلغت هَذَا الْمحل فلست تحْتَاج إِلَى درسي بل يَكْفِيك أَن تطالع مصنفاتي وَتنظر فِي طريقي وَإِن شكل عَلَيْك شَيْء طالعتني بِهِ فَفعل ذَلِك وَجمع بَين طَرِيقَته وَطَرِيقَة ابْن فورك ثمَّ نظر بعد ذَلِك فِي كتب الْقَاضِي أَبِي بكر بن الطّيب وَهُوَ مَعَ ذَلِك يحضر مجْلِس الْأُسْتَاذ أَبِي عَليّ إِلَى أَن اخْتَارَهُ لكريمته فَزَوجهَا مِنْهُ وَبعد وَفَاة الْأُسْتَاذ عَاشر أَبَا عَبْد الرَّحْمَنِ السّلمِيّ إِلَى أَن صَار أستاذ خُرَاسَان وَأخذ فِي التصنيف فصنف التَّفْسِير الْكَبِير قبل الْعشْر وَأَرْبَعمِائَة ورتب الْمجَالِس وَخرج إِلَى الْحَج فِي رفْقَة فِيهَا الإِمَام أَبُو مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ وَالشَّيْخ أَحْمد الْبَيْهَقِيّ وَجَمَاعَة من الْمَشَاهِير فَسمع مَعَهم الحَدِيث بِبَغْدَادَ والحجاز من مَشَايِخ عصره وَكَانَ فِي علم الفروسية وَاسْتِعْمَال السِّلَاح وَمَا يتَعَلَّق بِهِ من أَفْرَاد الْعَصْر وَله فِي ذَلِك الْفَنّ دقائق وعلوم انْفَرد بهَا وَأما الْمجَالِس فِي التَّذْكِير وَالْقعُود فِيمَا بَين المريدين وأسئلتهم عَن الوقايع وخوضه فِي الْأَجْوِبَة وجريان الْأَحْوَال العجيبة فَكلهَا مِنْهُ وَإِلَيْهِ أجمع أهل الْعَصْر على أَنه عديم النظير فِيهَا غير مشارك فِي أساليب الْكَلَام على الْمسَائِل وتطييب الْقُلُوب والإشارات اللطيفة المستنبطة من
[ ٢٧٣ ]
الْآيَات وَالْأَخْبَار من كَلَام الْمَشَايِخ والرموز الدقيقة وتصانيفه فِيهَا الْمَشْهُورَة إِلَى غير ذَلِك من نظم الْأَشْعَار اللطيفة على لِسَان الطَّرِيقَة وَلَقَد عقد لنَفسِهِ مجْلِس الْإِمْلَاء فِي الحَدِيث سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة فَكَانَ يملي إِلَى خمس وَسِتِّينَ يذّنب أَمَالِيهِ بأبياته وَرُبمَا يتَكَلَّم على الحَدِيث بإشاراته ولطائفه وَله فِي الْكِتَابَة طَريقَة أنيقة رشيقة تبز على النّظم وَلَقَد قَرَأت فصلا ذكره عَليّ بن الْحَسَنِ فِي دمية الْقصر وَهُوَ أَن قَالَ الإِمَام زين الْإِسْلَام أَبُو الْقسم جَامع لأنواع المحاسن تنقاد لَهُ صعابها ذلل المراسن وَلَو قرع الصخر بِسَوْط تحذيره لذاب وَلَو ربط إِبْلِيس فِي مجْلِس تذكيره لتاب وَله فصل الْخطاب فِي فضل الْمنطق المستطاب ماهر فِي التَّكَلُّم على مَذْهَب الْأَشْعَرِيّ خَارج فِي إحاطته بالعلوم عَن الْحَد البشري كَلِمَاته للمستفيدين فرائد وفوائد وعتبات منبره للعارفين وسائد وَله شعر يتتوج بِهِ رُؤُوس معاليه إِذَا ختمت بِهِ أذنَاب أَمَالِيهِ قَالَ عبد الغافر وَقد أَخذ طَرِيق التصوف من الْأُسْتَاذ أَبِي عَليّ الدقاق وَأَخذهَا أَبُو على عَن أبي الْقسم النَّصْر أباذي والنصر أباذي عَن الشبلي والشبلي عَن الْجُنَيْد والجنيد عَن السّري السَّقطِي وَالسري عَن مَعْرُوف الْكَرْخِي ومعروف عَن دَاوُد الطَّائِي وَدَاوُد لَقِي التَّابِعين هَكَذَا كَانَ يذكر إسنَاد طَرِيقَته وَمن جملَة أَحْوَاله مَا خص بِهِ من المحنة فِي الدّين والاعتقاد وَظُهُور التعصب بَين الْفَرِيقَيْنِ فِي عشر سنة أَرْبَعِينَ إِلَى خمس وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة وميل بعض الْوُلَاة إِلَى الْأَهْوَاء وسعي بعض الرؤساء والقضاة إِلَيْهِ بالتخليط حَتَّى أدّى ذَلِك إِلَى رفع الْمجَالِس وتفرق شَمل
[ ٢٧٤ ]
الْأَصْحَاب وَكَانَ هُوَ الْمَقْصُود من بَينهم حسدا حَتَّى اضطرته الْحَال إِلَى مُفَارقَة الأوطان وامتد فِي أثنَاء ذَلِك إِلَى بَغْدَاد وَورد على أَمِير الْمُؤمنِينَ الْقَائِم بِأَمْر اللَّه وَلَقي فِيهَا قبولا وَعقد لَهُ الْمجْلس فِي منَازله المختصة بِهِ وَكَانَ ذَلِك بِمحضر ومرأى مِنْهُ وَوَقع كَلَامه من مَجْلِسه الْموقع وَخرج الْأَمر بإعزازه وإكرامه وَعَاد إِلَى نيسابور وَكَانَ يخْتَلف مِنْهَا إِلَى طوس بأَهْله وَبَعض أَوْلَاده حَتَّى طلع صبح النّوبَة الْمُبَارَكَة دولة السُّلْطَان ألب أرسلان فِي سنة خمس وَخمسين وأربعماية فَبَقيَ عشر سِنِين فِي آخر عمره مرفها مُحْتَرما مُطَاعًا مُعظما وَأكْثر صَفوه فِي آخر أَيَّامه الَّتِي شاهدنَاه فِيهَا أخيرا إِلَى أَن يقْرَأ عَلَيْهِ كتبه وَالْأَحَادِيث المسموعة لَهُ وَمَا يؤول إِلَى نصْرَة الْمَذْهَب بلغ المنتمون إلية آلافا ملؤا بِذكرِهِ وتصانيفه أطرافا وَمن نثره الْكَرم أَطَالَ اللَّه بَقَاء الشَّيْخ يهدي المتوسم إِلَى صَاحبه وَيَقْضِي للمؤمل بنجح مطالبه وَإِنِّي أجلت صواعد قصدي فِي كل قطر أَشْيَم برق الْحُرِّيَّة وأعملت قواصد فكري فِي كل نَحْو استنشق نسيم الفتوة فَمَا فاح إِلَّا من بَابه نشره ومالاح إِلَّا من جنَابه بشره فتعرفت إِلَيْهِ بِأَنِّي مِمَّن هداه إِلَى وده بَقَاء عَهده وحداه على قَصده ضِيَاء مجده وَأَرْجُو أَنه إِذَا عجم عود ولائي أستصلبه وَإِذا قيد قلبِي بإحسانه مَا سيبه وَالله عزوجل يديم تَمْكِينه ويحرس عَن الْغَيْر نعْمَته دينه بمنه إِن وجد الشَّيْخ فِي مجْلِس العميد فراغا وللمنطق مساغا طالعه بِأَن فلَانا إِلَى الْبَاب مُتَرَدّد وبإقامة رسم الزِّيَارَة مستعد وَلَيْسَ يشكو تحمله خجلة الْحجاب وَلكنه يشكو تجمله بِحُضُور الْبَاب وَالسَّلَام توفّي صَبِيحَة يَوْم الْأَحَد قبل طُلُوع
[ ٢٧٥ ]
الشَّمْس السَّادِس عشر من شهر ربيع الآخر سنة خمس وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة وَدفن فِي الْمدرسَة بِجنب الْأُسْتَاذ أَبِي على الدقاق
وَمِنْهُم أَبُو عَليّ بن أبي حريصة الهمذاني الدِّمَشْقِي الْفَقِيه ﵀
قَالَ لي الشَّيْخ الْأمين أَبُو مُحَمَّد هِبَة اللَّهِ بن أَحْمَدَ الْأَكْفَانِيِّ توفى أَبُو عَليّ الْحُسَيْن بن أَحْمَدَ بْنِ المظفر بن أَحْمَدَ بن سُلَيْمَان بن المتَوَكل بن أَبِي حريصة الْهَمدَانِي ﵀ يَوْم الثُّلَاثَاء السَّادِس وَالْعِشْرين من الْمحرم من سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة وَكَانَ قد كتب الْكثير وَحدث باليسير وَكَانَ فَقِيها على مَذْهَب مَالك وَيذْهب مَذْهَب أَبِي الْحسن الْأَشْعَرِيّ
وَمِنْهُم أَبُو المظفر الإسفرايني الْفَقِيه ﵀
كتب إِلَيَّ الشَّيْخ أَبُو الْحَسَنِ عبد الغافر بن إِسْمَاعِيلَ الْفَارِسِي قَالَ شاهفور بن طَاهِر بن مُحَمَّد الإسفرايني أَبُو المظفر الإِمَام الْكَامِل الْفَقِيه الأصولي الْمُفَسّر ارتبطه نظام الْملك بطوس وَتوفى سنة إِحْدَى وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة
وَمِنْهُم الشَّيْخ أَبُو اسحق إِبْرَاهِيم بن عَلِيِّ بْنِ يُوسُفَ الشِّيرَازِيّ
ثمَّ الفيروز أباذي الْفَقِيه الزَّاهِد والنَّاسك العابد ذُو التصانيف الْحَسَنَة والتواليف المستحسنة سكن بَغْدَاد وَسمع الحَدِيث بهَا من أَبِي عَليّ ابْن شَاذان وَأبي بكر البرقاني وَغَيرهمَا وتفقه على جمَاعَة مِنْهُم الْقَاضِي أَبُو
[ ٢٧٦ ]
الطّيب الطَّبَرِيّ وأَبُو أَحْمد عبد الْوَهَّاب بن مُحَمَّدِ بْنِ عمر بن مُحَمَّدِ بْنِ رامين وأَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ الْبَيْضَاوِيّ وأَبُو الْقسم مَنْصُور بن عُمَرَ الْكَرْخِي البغداديون وَأَبُو حَاتِم مَحْمُود بن الْحَسَنِ الطَّبَرِيّ وأَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عمر الشِّيرَازِيّ وَغَيرهم درس بِبَغْدَادَ بِالْمَدْرَسَةِ النظامية وَهُوَ صَاحب كتاب الْمُهَذّب وَكتاب التَّنْبِيه فِي الْمَذْهَب والنكت فِي الْخلاف واللمع فِي أصُول الْفِقْه وَغير ذَلِك من الْكتب وَكَانَ يَظُن بِهِ بعض من لَا يفهم أَنه مُخَالف للأشعري لقَوْله فِي كِتَابه فِي أصُول الْفِقْه وَقَالَت الأشعرية أَن الْأَمر لَا صِيغَة لَهُ وَلَيْسَ ذَلِك لِأَنَّهُ لَا يعْتَقد اعْتِقَاده وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك لِأَنَّهُ خَالفه فِي هَذِه المسئلة بِعَينهَا كَمَا خَالفه غَيره من الْفُقَهَاء فِيهَا فَأَرَادَ أَن يبين فِيهَا ان هَذِه المسئلة مِمَّا انْفَرد بهَا أَبُو الْحَسَنِ وَقد ذكرنَا فِي كتابنَا هَذَا عَنهُ فتواه فِيمَن خَالف الأشعرية واعتقد تبديعهم وَذَلِكَ أوفى دَلِيل على أَنه مِنْهُم
وجدت بِخَط أخي أَبِي الْحُسَيْن هِبَة اللَّهِ بْنُ الْحسن بن هبة اللَّه للرئيس أَبِي الْخطاب عَليّ بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن عِيسَى بن عَلِيِّ بْنِ عِيسَى بن دَاوُد بن الْجراح الْكَاتِب الْبَغْدَادِيّ فِي الشَّيْخ أبي اسحق إِبْرَاهِيم بن عَليّ الشِّيرَازِيّ ﵀ سقيا لمن ألف التَّنْبِيه مُخْتَصرا
أَلْفَاظه الغر واستقصى معانيهِ
إِن الإِمَام أَبَا اسحق صنفه
لِلَّه وَالدّين لَا للكبر والتيه
رأى علوما عَن الأفهام شاردة
فحازها ابْن عَليّ كلهَا فِيهِ
لازلت للشَّرْع إِبْرَاهِيم منتصرا
تذود عَنهُ أعاديه وتحميه
[ ٢٧٧ ]
أنشدنا أَبُو الْقسم إِسْمَاعِيل بن أَحْمد السَّمَرْقَنْدِيِّ بِبَغْدَادَ قَالَ أنشدنَا الشَّيْخ الإِمَام أَبُو اسحق الشِّيرَازِيّ لنَفسِهِ سألتُ النَّاس عَن خل وَفِي
فقَالُوا مَا إِلَى هَذَا سَبِيل
تمسك إِن ظَفرت بود حر
فَإِن الْحر فِي الدُّنْيَا قَلِيل
أَخْبَرنِي أَبُو مُحَمَّدٍ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ أَحْمد بن الْأَكْفَانِيِّ قَالَ توفى الإِمَام أَبُو إِسْحَق إِبْرَاهِيم عَليّ بن يُوسُف الفيروز أباذي الشَّافِعِي ﵀ فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة سِتّ وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة وَقَالَ فِي مَوضِع آخر فِي لَيْلَة الْأَحَد الْحَادِي وَعشْرين من جُمَادَى الْآخِرَة
وَمِنْهُم الإِمَام أَبُو الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ النَّيْسَابُورِي ﵀
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ أبي عبد الله بن أبي الْحُسَيْن الأديب فِي كِتَابه قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ الْجُوَيْنِيّ أَبُو الْمَعَالِي ابْن ركن الْإِسْلَام أَبِي مُحَمَّد إِمَام الْحَرَمَيْنِ فَخر الْإِسْلَام إِمَام الْأَئِمَّة على الْإِطْلَاق حبر الشَّرِيعَة الْمجمع على إِمَامَته شرقا وغربا الْمقر بفضله السراة والحراة عجما وعربا من لم تَرَ الْعُيُون مثله قبله وَلَا ترى بعده رباه حجر الْإِمَامَة وحرك ساعد السَّعَادَة مهده وأرضعه ثدي الْعلم والورع إِلَى أَن ترعرع فِيهِ ويفع أَخذ من الْعَرَبيَّة وَمَا يتَعَلَّق بهَا أوفر حَظّ وَنصِيب فَزَاد فِيهَا على كل أديب ورزق من التَّوَسُّع فِي الْعبارَة وعلوها مَا لم يعْهَد من غَيره حَتَّى أنسى ذكر سحبان وفَاق فِيهَا الأقران وَحمل الْقُرْآن وأعجز الفصحاء
[ ٢٧٨ ]
اللد وَجَاوَزَ الْوَصْف وَالْحَد وكل من سمع خَبره أَو رأى أَثَره فَإِذا شَاهده أقرّ بِأَن خَبره يزِيد كثيرا على الْخَبَر ويبز على مَا عهد من الْأَثر وَكَانَ يذكر دورسا يَقع كل وَاحِد مِنْهَا فِي أطباق وأوراق لَا يتلعثم فِي كلمة وَلَا يحْتَاج إِلَى إستدراك عَثْرَة مرًّا فِيهَا كالبرق الخاطف بِصَوْت مُطَابق كالرعد القاصف ينزف فِيهِ المبرزون وَلَا يدْرك شأوه المتشدقون المتعمقون وَمَا يُوجد مِنْهُ فِي كتبه من الْعبارَات الْبَالِغَة كنه الفصاحة غيض من فيض مَا كَانَ على لِسَانه وغرفة من أمواج مَا كَانَ يعْهَد من بَيَانه تفقه فِي صباه على وَالِده ركن الْإِسْلَام فَكَانَ يزهي بطلعه وتحصيله وجودة قريحته وكياسة غريزته لما يرى فِيهِ من المخايل فخلفه فِيهِ من بعد وَفَاته وأتى على جَمِيع مصنفاته فقلبها ظهرا لبطن وَتصرف فِيهَا وَخرج الْمسَائِل بَعْضهَا على بعض ودرس سِنِين وَلم يرض فِي شبابه بتقليد وَالِده وَأَصْحَابه حَتَّى أَخذ فِي التَّحْقِيق وجد واجتهد فِي الْمَذْهَب وَالْخلاف ومجالس النّظر حَتَّى ظَهرت نجابته ولاح على إيامه همة أَبِيه وفراسته وسلك طَرِيق المباحثة وَجمع الطّرق بالمطالعة والمنَاظرة والمنَاقشة حَتَّى أربي على الْمُتَقَدِّمين وأنسى تَصَرُّفَات الْأَوَّلين وسعى فِي دين اللَّه سعيا يبقي أَثَره إِلَى يَوْم الدّين
وَمن إبتداء أمره أَنه لما توفى أَبُوه كَانَ سنه دون الْعشْرين أَو قَرِيبا مِنْهُ فَأقْعدَ مَكَانَهُ للتدريس فَكَانَ يُقيم الرَّسْم فِي درسه وَيقوم مِنْهُ وَيخرج إِلَى مدرسة الْبَيْهَقِيّ حَتَّى حصل الْأُصُول وأصول الْفِقْه على الْأُسْتَاذ الإِمَام أبي الْقسم الإسكاف الإسفرايني وَكَانَ يواظب على مَجْلِسه وَقد سمعته يَقُول فِي أثنَاء كَلَامه كنت علقت عَلَيْهِ
[ ٢٧٩ ]
فِي الْأُصُول أَجزَاء مَعْدُودَة وطالعت فِي نَفسِي مائَة مجلدة وَكَانَ يصل اللَّيْل بِالنَّهَارِ فِي التَّحْصِيل حَتَّى فرغ مِنْهُ ويبكر كل يَوْم قبل الِاشْتِغَال بدرس نَفسه إِلَى مَسْجِد الْأُسْتَاذ أَبِي عَبْد اللَّهِ الْخَبَّازِي يقْرَأ عَلَيْهِ الْقُرْآن ويقتبس من كل نوع من الْعُلُوم مَا يُمكنهُ مَعَ مواظبته على التدريس وَينْفق مَا وَرثهُ وَمَا كَانَ لَهُ من الدخل على أجراء المتفقهة ويجتهد فِي ذَلِك ويواظب على المناظرة إِلَى أَن ظهر التعصب بَين الْفَرِيقَيْنِ واضطربت الْأَحْوَال والأمور فاضطر إِلَى السّفر وَالْخُرُوج عَن الْبَلَد فَخرج مَعَ الْمَشَايِخ إِلَى المعسكر وَخرج إِلَى بَغْدَاد يطوف مَعَ المعسكر ويلتقي بالأكابر من الْعلمَاء ويدارسهم وينَاظرهم حَتَّى تهذب فِي النّظر وشاع ذكره ثمَّ خرج إِلَى الْحجاز وجاور بِمَكَّة أَربع سِنِين يدرس ويفتي وَيجمع طرق الْمَذْهَب وَيقبل على التَّحْصِيل إِلَى أَن اتّفق رُجُوعه بعد مُضِيّ نوبَة التعصب فَعَاد إِلَى نيسابور وَقد ظهر نوبَة ولَايَة السُّلْطَان البارسلان وتزين وَجه الْملك بِإِشَارَة نظام الْملك واستقرت أُمُور الْفَرِيقَيْنِ وَانْقطع التعصب فَعَاد إِلَى التدريس وَكَانَ بَالغا فِي الْعلم نهايته مستجمعا أَسبَابه فبنيت الْمدرسَة الميمونة النظامية وأقعد للتدريس فِيهَا واستقامت أُمُور الطّلبَة وَبَقِي على ذَلِك قَرِيبا من ثَلَاثِينَ سنة غير مُزَاحم وَلَا مدافع مُسلم لَهُ الْمِحْرَاب والمنبر والخطابة والتدليس ومجلس التَّذْكِير يَوْم الْجُمُعَة والمنَاظرة وهجرت لَهُ الْمجَالِس وانغمر غَيره من الْفُقَهَاء بِعِلْمِهِ وتسلطه وَكسرت الْأَسْوَاق فِي جنبه ونفق سوق الْمُحَقِّقين من خواصه وتلامذته وَظَهَرت تصانيفه وَحضر درسه الأكابر وَالْجمع الْعَظِيم من
[ ٢٨٠ ]
الطّلبَة وَكَانَ يقْعد بَين يَدَيْهِ كل يَوْم نَحْو من ثلاثماية رجل من الْأَئِمَّة وَمن الطّلبَة وَتخرج بِهِ جمَاعَة من الْأَئِمَّة والفحول وَأَوْلَاد الصُّدُور حَتَّى بلغُوا مَحل التدريس فِي زَمَانه وانتظم بإقباله على الْعلم ومواظبته على التدريس والمنَاظرة والمباحثة أَسبَاب ومحافل ومجامع وإمعان فِي طلب الْعلم وسوق نَافقة لأَهله لم يعْهَد قبله واتصل بِهِ مَا يَلِيق بمنصبه من الْقبُول عِنْد السُّلْطَان والوزير والأركان ووفور الحشمة عِنْدهم بِحَيْثُ لَا يذكر غَيره فَكَانَ الْمُخَاطب والمشار إِلَيْهِ والمقبول من قبله والمهجور من هجره والمصدر فِي الْمجَالِس من ينتمي إِلَى خدمته والمنظور إِلَيْهِ من يغترف فِي الْأُصُول وَالْفُرُوع من طَرِيقَته وَاتفقَ مِنْهُ تصانيف برسم الحضرة النظامية مثل النظامي والغياثي وأنفادها إِلَى الحضرة ووقوعها موقع الْقبُول ومقابلتها بِمَا يَلِيق بهَا من الشُّكْر والرضى وَالْخلْع الفائقة والمراكب المثمنة والهدايا والمرسومات وَكَذَلِكَ إِلَى أَن قلد زعامة الْأَصْحَاب ورياسة الطَّائِفَة وفوض إِلَيْهِ أُمُور الْأَوْقَاف وَصَارَت حشمته وزر الْعلمَاء وَالْأَئِمَّة والقضاة وَقَوله فِي الْفَتْوَى مرجع العظماء والأكابر والولاة واتفقت لَهُ نهضة فِي أَعلَى مَا كَانَ من أَيَّامه إِلَى أَصْبَهَان لسَبَب مُخَالفَة بعض الْأَصْحَاب فلقي بهَا من الْمجْلس النظامي مَا كَانَ من اللَّائِق بمنصبه من الاستبشار والإعزاز وَالْإِكْرَام بأنواع المبار وَأجِيب بِمَا كَانَ فَوق مَطْلُوبه وَعَاد مكرما إِلَى نيسابور وَصَارَ أَكثر عنَايته مصروفا إِلَى تصنيف الْمَذْهَب الْكَبِير الْمُسَمّى نِهَايَة الْمطلب فِي دراية الْمَذْهَب حَتَّى حَرَّره وأملاه وَأتي فِيهِ من الْبَحْث وَالتَّقْدِير والسبك والتقير والتدقيق
[ ٢٨١ ]
وَالتَّحْقِيق بِمَا شفى الغليل وأوضح السَّبِيل وَنبهَ على قدره وَمحله فِي علم الشَّرِيعَة ودرس ذَلِك للخواص من التلامذة وَفرغ مِنْهُ وَمن إِتْمَامه فعقد مَجْلِسا لتتمة الْكتاب حَضَره الْأَئِمَّة والكبار وَختم الْكتاب على رسم الْإِمْلَاء والاستملاء وتبجح الْجَمَاعَة بذلك ودعوا لَهُ وأثنوا عَلَيْهِ وَكَانَ من الْمُعْتَدِينَ بإتمام ذَلِك الشَّاكِرِينَ لِلَّه عَلَيْهِ فَمَا صنف فِي الْإِسْلَام قبله مثله وَلَا اتّفق لأحد مَا اتّفق لَهُ وَمن قَاس طَرِيقَته بطريقة الْمُتَقَدِّمين فِي الْأُصُول وَالْفُرُوع وأنصف أقرّ بعلو منصبه ووفور تَعبه ونصبه فِي الدّين وَكَثْرَة سهره فِي استنباط الغوامض وَتَحْقِيق الْمسَائِل وترتيب الدَّلَائِل
وَلَقَد قَرَأت فصلا ذكره عَليّ بن الْحَسَنِ بن أَبِي الطّيب الباخرزي فِي كتاب دمية الْقصر مُشْتَمِلًا على حَاله وَهُوَ فقد كَانَ فِي عصر الشَّبَاب غير مُسْتَكْمل مَا عهدنَاه عَلَيْهِ من اتساق الْأَسْبَاب وَهُوَ إِن قَالَ فَتى الفتيان وَمن أَنْجَب بِهِ الفتيان وَلم يخرج مثله المفتيان عنيت النُّعْمَان بن ثَابت ومُحَمَّد بن إِدْرِيس فالفقه فقه الشَّافِعِي وَالْأَدب أدب الْأَصْمَعِي وَحسن بَصَره بالوعظ لِلْحسنِ الْبَصْرِيّ وَكَيف مَا هُوَ فَهُوَ إِمَام كل إِمَام والمستعلي بهمته على كل همام والفائز بالظفر على إرغام كل ضرغام إِذَا تصدر للفقه فالمزني من مزنته قطره وَإِذا تكلم فالأشعري من وفرته شعره وَإِذا خطب ألْجم الفصحاء بالعي شقاشقه الهادرة ولثم البلغاء بِالصَّمْتِ حقائقه الْبَارِدَة وَلَوْلَا سَده مَكَان أَبِيه بسده الَّذِي أفرغ على قَطْرَة قطر تأبيه لَا صبح مَذْهَب الحَدِيث حَدِيثا وَلم يجد المستغيث مِنْهُم مغيثا
قَالَ أَبُو الْحسن هَذَا وَهُوَ وَحقّ الْحق فَوق مَا ذكره وَأَعْلَى مِمَّا وَصفه فكم من
[ ٢٨٢ ]
فصل مُشْتَمل على الْعبارَات الفصيحة الْعلية والنكت البديعة النَّادرة فِي المحافل مِنْهُ سمعنَاه وَكم من مسَائِل فِي النّظر شهدنَاه ورأينَا مِنْهُ إفحام الْخُصُوم وعهدنَاه وَكم من مجْلِس فِي التَّذْكِير للعوام مسلسل الْمسَائِل مشحون بالنكت المستنبطة من مسَائِل الْفِقْه مُشْتَمِلَة على حقائق الْأُصُول مبكية فِي التحذير مفرحة فِي التبشير مختومة بالدعوات وفنون المنَاجاة حضرنَاه وَكم من مجمع للتدريس حاو للكبار من الْأَئِمَّة وإلقاء الْمسَائِل عَلَيْهِم والمباحثة فِي غورها رأينَاه وحصلنَا بعض مَا أمكننَا مِنْهُ وعلقنَاه وَلم نقدر مَا كُنَّا فِيهِ من نَضرة أَيَّامه وزهرة شهوره وأعوامه حق قدره وَلم نشكر اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ حق شكره حَتَّى فقدنَاه وسلبْنَاه وسمعته فِي أثنَاء كَلَام يَقُول أنَا لَا أنَام وَلَا آكل عَادَة وَإِنَّمَا أنَام إِذَا غلبَنِي النّوم لَيْلًا كَانَ أَو نَهَارا وآكل إِذَا اشْتهيت الطَّعَام أَي وَقت كَانَ كَانَ لذته ولهوه وتنزهه فِي مذاكرة الْعلم وَطلب الْفَائِدَة من أَي نوع كَانَ وَلَقَد سَمِعت الشَّيْخ أَبَا الْحسن عَليّ بن فضال بن عَليّ الْمُجَاشِعِي النَّحْوِيّ القادم علينا سنة تسع وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة يَقُول وَقد قبله الإِمَام فَخر الْإِسْلَام وقابله بالإكرام وَأخذ فِي قِرَاءَة النَّحْو عَلَيْهِ والتلمذة لَهُ بعد أَن كَانَ إِمَام الْأَئِمَّة فِي وقته وَكَانَ يحملهُ كل يَوْم إِلَى دَاره يقْرَأ عَلَيْهِ كتاب أكسير الذَّهَب فِي صنَاعة الْأَدَب من تصنيفه فَكَانَ يَحْكِي يَوْمًا وَيَقُول مَا رَأَيْت عَاشِقًا للْعلم أَي نوع كَانَ مثل هَذَا الإِمَام فَإِنَّهُ يطْلب الْعلم للْعلم وَكَانَ كَذَلِك
وَمن حميد سيرته أَنه مَا كَانَ يستصغر أحدا حَتَّى يسمع كَلَامه شاديا كَانَ أَو متنَاهيا فَإِن أصَاب كياسة فِي طبع أَو جَريا
[ ٢٨٣ ]
على منهاج الْحَقِيقَة اسْتَفَادَ مِنْهُ صَغِيرا كَانَ أَو كَبِيرا وَلَا يستنكف أَن يُعزي الْفَائِدَة المستفادة إِلَى قَائِلهَا وَيَقُول إِن هَذِهِ الْفَائِدَة مِمَّا استفدته من فلَان وَلَا يحابي أَيْضا فِي التزييف إِذَا لم يرض كلَاما وَلَو كَانَ أَبَاهُ أَو أحدا من الْأَئِمَّة الْمَشْهُورين وَكَانَ من التَّوَاضُع لكل أحد بِمحل يتخيل مِنْهُ الِاسْتِهْزَاء لمبالغته فِيهِ وَمن رقة الْقلب بِحَيْثُ يبكى إِذَا سمع بَيْتا أَو تفكر فِي نَفسه سَاعَة وَإِذا شرع فِي حِكَايَة الْأَحْوَال وخاض فِي عُلُوم الصُّوفِيَّة فِي فُصُول مجالسه بالغدوات أبكى الْحَاضِرين ببكائه وقطر الدِّمَاء من الجفون بزعقاته ونعراته وإشاراته لاحتراقه فِي نَفسه وتحققه بِمَا يجْرِي من دقائق الْأَسْرَار
هَذِهِ الْجُمْلَة نبذ مِمَّا عهدناه مِنْهُ إِلَى انْتِهَاء أَجله فأدركه قَضَاء اللَّه الَّذِي لَا بُد مِنْهُ بعد مَا مرض قبل ذَلِك مرض اليرقان وَبَقِي فِيهِ أَيَّامًا ثمَّ برأَ مِنْهُ وَعَاد إِلَى الدَّرْس والمجلس وَأظْهر النَّاس من الْخَواص والعوام السرُور بِصِحَّتِهِ وإقباله من علته فَبعد ذَلِك بِعَهْد قريب مرض المرضة الَّتِي توفّي مِنْهَا وَبَقِي فِيهَا أَيَّامًا وغلبت عَلَيْهِ الْحَرَارَة الَّتِي كَانَت تزور فِي طبعه إِلَى أَن ضعف وَحمل إِلَى نستيقان لاعتدال الْهَوَاء وخفة المَاء فَزَاد الضعْف وبدت مخايل الْمَوْت وَتوفى لَيْلَة الْأَرْبَعَاء بعد صَلَاة الْعَتَمَة الْخَامِس وَالْعِشْرين من شهر ربيع الآخر من سنة ثَمَان وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة وَنقل فِي اللَّيْلَة إِلَى الْبَلَد وَقَامَ الصياح من كل جَانب وجزع الْفرق عَلَيْهِ جزعا لم يعْهَد مثله وَحمل بَين الصَّلَاتَيْنِ من يَوْم الْأَرْبَعَاء إِلَى ميدان الْحُسَيْن وَلم تفتح الأَبواب فِي الْبَلَد وَوضعت المنَاديل عَن الرؤس عَاما بِحَيْثُ مَا اجترأ أحد على ستر رَأسه من الرؤس
[ ٢٨٤ ]
والكبار وَصلى عَلَيْهِ ابْنه الإِمَام أَبُو الْقسم بعد جهد جهيد حَتَّى حمل إِلَى دَاره شدَّة الزحمة وَقت التطفيل وَدفن فِي دَاره وَبعد سِنِين نقل إِلَى مَقْبرَة الْحُسَيْن وَكسر منبره فِي الْجَامِع المنيعي وَقعد النَّاس للعزاء أَيَّامًا عزاءً عَاما وَأكْثر الشُّعَرَاء المراثي فِيهِ وَكَانَ الطّلبَة قَرِيبا من أَرْبَعمِائَة نفر يطوفون فِي الْبَلَد نَائحين عَلَيْهِ مكسرين المحابر والأقلام مبالغين فِي الصياح والجزع وَكَانَ مولده ثامن عشر الْمحرم سنة تسع عشرَة وَأَرْبَعمِائَة وَتُوفِّي وَهُوَ ابْن تسع وَخمسين سنة ﵀
سمع الحَدِيث الْكثير فِي صباه من مَشَايِخ مثل الشَّيْخ أَبِي حسان وَأبي سعد عَلَيْك وَأبي سعد النضروي وَمَنْصُور بن رامش وَجمع لَهُ كتاب الْأَرْبَعين فسمعناه مِنْهُ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ وَقد سمع سنَن الدَّارَقُطْنِيّ من أبي سعد بن عَلَيْك وَكَانَ يعْتَمد تِلْكَ الْأَحَادِيث فِي مسَائِل الْخلاف وَيذكر الْجرْح وَالتَّعْدِيل مِنْهَا فِي الروَاة وظني أَن آثَار جده واجتهاده فِي دين اللَّه يَدُوم إِلَى قيام السَّاعَة وان انْقَطع نَسْله من جِهَة الذُّكُور ظَاهرا فنشر علمه يقوم مقَام كل نسب ويغنيه عَن كل نشب مكتسب واللَّه تَعَالَى يسْقِي فِي كل لَحْظَة جَدِيدَة تِلْكَ الرَّوْضَة الشَّرِيفَة عزالي رَحمته وَيزِيد فِي ألطافه وكرامته بفضله ومنته إِنَّه ولى كل خير
وَمِمَّا قيل عِنْد وَفَاته قُلُوب الْعَالمين على المقالي
وَأَيَّام الورى شبه اللَّيَالِي
أيثمر غُصْن أهل الْفضل يَوْمًا
وَقد مَاتَ الْأَمَام أَبُو الْمَعَالِي
[ ٢٨٥ ]
وَمِنْهُم الْفَقِيه أَبُو الْفَتْحِ نصر بن إِبْرَاهِيمَ الْمَقْدِسِي ﵀
مُتَأَخّر الْوَفَاة أدركنَا جمَاعَة مِمَّن أدْركهُ وتفقه بِهِ وَكَانَ قد تفقه عِنْد أَبِي الْفَتْح سليم بن أَيُّوب الرَّازِيّ بصور ثمَّ رَحل إِلَى ديار بكر وتفقه عِنْد أَبِي عَبْد اللَّهِ مُحَمَّد بن بَيَان الكازروني الْفَقِيه وَسمع الحَدِيث بِدِمَشْقَ وَغَيرهَا من جمَاعَة ودرس الْعلم بِبَيْت الْمُقَدّس مُدَّة ثمَّ انْتقل إِلَى صور فَأَقَامَ بهَا عشر سِنِين ينشر الْعلم بهَا مَعَ كَثْرَة الْمُخَالفين لَهُ من الرافضة ثمَّ انْتقل مِنْهَا إِلَى دمشق فَأَقَامَ بهَا تسع سِنِين يحدث ويدرس ويفتي على طَريقَة وَاحِدَة من الزّهْد فِي الدُّنْيَا والتنزه عَن الدنَايا والجري على منهاج السّلف من التقشف وتجنب السلاطين وَرفع الطمع والاجتزاء باليسير مِمَّا يصل إِلَيْهِ من غلَّة أَرض كَانَت لَهُ بنابلس يَأْتِيهِ مِنْهَا مَا يقتاته وَلَا يقبل من أحد شَيْئا
سَمِعت من يَحْكِي أَن تَاج الدولة تتش بن البارسلان زَارَهُ يَوْمًا فَلم يقم لَهُ وَسَأَلَهُ عَن أحل الْأَمْوَال الَّتِي يتَصَرَّف فِيهَا السُّلْطَان فَقَالَ الْفَقِيه أحلهَا أَمْوَال الْجِزْيَة فَخرج من عِنْده وَأرْسل إِلَيْهِ بمبلغ من المَال وَقَالَ هَذَا من مَال الْجِزْيَة ففرقه على الْأَصْحَاب وَلم يقبله وَقَالَ لَا حَاجَة بنَا إِلَيْهِ فَلَمَّا ذهب الرَّسُول لامه الْفَقِيهُ أَبُو الْفَتْحِ نَصْرُ اللَّهِ بن مُحَمَّد وَقَالَ لَهُ لقد علمت حاجتنَا إِلَيْهِ فَلَو كنت قبلته وفرقته فينَا فَقَالَ لَهُ لَا تجزع من فَوته فَسَوف يَأْتِيك من الدُّنْيَا مَا يَكْفِيك فِيمَا بعدفكان كَمَا تفرس فِيهِ رَحْمَة اللَّه
وَسمعت بعض من صَحبه يَقُول لَو كَانَ الْفَقِيه أَبُو الْفَتْحِ فِي السّلف لم تقصر دَرَجَته عَن وَاحِد مِنْهُم
[ ٢٨٦ ]
لكِنهمْ فاتوه بِالسَّبقِ وَكَانَت أوقاته كلهَا مستغرقة فِي عمل الْخَيْر إِمَّا فِي نشر علم وَإِمَّا فِي إصْلَاح عمل وَحكى عَن بعض أهل الْعلم أَنه قَالَ صَحِبت إِمَام الْحَرَمَيْنِ أَبَا الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ بخراسان ثمَّ قدمت الْعرَاق فصحبت الشَّيْخ أَبَا اسحق الشِّيرَازِيّ فَكَانَت طَرِيقَته عِنْدِي أفضل من طَريقَة أَبِي الْمَعَالِي ثمَّ قدمت الشَّام فَرَأَيْت الْفَقِيه أَبَا الْفَتْح فَكَانَت طَرِيقَته أحسن من طريقتيهما جَمِيعًا
سَمِعت الشَّيْخ الْفَقِيه أَبَا الْفَتْحِ نَصْرُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْقوي المصِّيصِي يَقُول توفّي الْفَقِيه أَبُو الْفَتْحِ نصر بن إِبْرَاهِيمَ فِي يَوْم الثُّلَاثَاء التَّاسِع من الْمحرم سنة تسعين وَأَرْبَعمِائَة بِدِمَشْقَ وخرجنَا بجنَازته بعد صَلَاة الظّهْر فَلم يمكنا دَفنه إِلَى قريب الْمغرب لِأَن النَّاس حالوا بيننَا وَبَينه وَكَانَ الْخلق متوفرا ذكر الدمشقيون أَنهم لم يرَوا جنَازة مثلهَا وأقمنَا على قَبره سبع لَيَال نَقْرَأ كل لَيْلَة عشْرين ختمة ﵀ ونضر وَجهه
وَمِنْهُم أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الطَّبَرِيّ نزيل مَكَّة ﵀
كتب إليَّ الشَّيْخ أَبُو الْحَسَنِ عبد الغافر بن إِسْمَاعِيل قَالَ الْحُسَيْن ابْن عَليّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الطَّبَرِيّ الإِمَام نزيل مَكَّة تفقه على الشريف نَاصِر ابْن الْحُسَيْن الْعمريّ المرزوي بِنَيْسَابُورَ وَتخرج وَأقَام بِنَيْسَابُورَ مُدَّة ثمَّ خرج إِلَى مَكَّة وجاءنَا نعيه سنة تسع وَتِسْعين وَذكر أَنه توفى فِي شهر رَمَضَان سنة ثَمَان وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة وَكَانَ يُفْتِي ويدرس ويروى الحَدِيث بِمَكَّة وَله بهَا عقب
[ ٢٨٧ ]
ذكر بعض الْمَشْهُورين من الطَّبَقَة الْخَامِسَة الَّتِي أدركتُ بَعْضهَا بالمعاصرة وَبَعضهَا بِالرُّؤْيَةِ والمجالسة
فَمنهمْ أَبُو المظفر الخوافي النَّيْسَابُورِي ﵀
أَخْبَرنِي أَبُو الْحَسَنِ بن أَبِي عَبْد اللَّهِ الْفَارِسِي فِي كِتَابه قَالَ أَحْمد بن مُحَمَّدِ بْنِ المظفر أَبُو المظفر الخوافي الإِمَام الْمَشْهُور أنظر أهل عصره وأعرفهم بطرِيق الجدل فِي الْفِقْه لَهُ الْعبارَة الرشيقة المهذبة والتضييق فِي المنَاظرة على الْخصم والإرهاق إِلَى الِانْقِطَاع تفقه على الشَّيْخ أَبِي إِبْرَاهِيم الضَّرِير وَكَانَ مبارك النَّفس وَهَذَا الإِمَام أَحْمد كيس الطَّبْع فَتخرج بِهِ بعض التخرج ثمَّ وَقع بعده إِلَى خدمَة إِمَام الْحَرَمَيْنِ وصحبته وبرع عِنْده حَتَّى صَار من أوحد تلامذته وَأَصْحَابه القدماء وَكَانَ من جملَة منَادميه بالليالي وَالْأَيَّام بطول صحبته ولاعتداد الإِمَام بمكانه وَكَانَ معجبا بِهِ وبكلامه ثمَّ ترفع عَن الْإِعَادَة فِي درسه فَكَانَ يدرس بِنَفسِهِ وتختلف إِلَيْهِ طَائِفَة توفّي بطوس سنة خَمْسمِائَة وَكَانَ حسن العقيدة ورع النَّفس مَا عهد مِنْهُ هنَّات قطّ كَمَا عهد من غَيره