الْمُصْطَفى ﷺ عَن كل أَمِير أَرَادَ اللَّه بِهِ خيرا فَعَادَت بجميل نظر الْأَمِير أدام اللَّه أَيَّامه وَحسن رعايته وسياسته بِلَاد خُرَاسَان إِلَى الصّلاح بعد الْفساد وطرقها إِلَى الْأَمْن بعد الْخَوْف حَتَّى انْتَشَر ذكره بالجميل فِي الْآفَاق وأشرقت الأَرْض بِنُور عدله كل الْإِشْرَاق وَلذَلِك قَالَ سيدنَا الْمُصْطَفى ﷺ فِيمَا رُوِيَ عَنهُ
السُّلْطَانُ ظِلُّ اللَّهِ وَرُمْحُهُ فِي الأَرْضِ وَقَالَ فِيمَا رُوِيَ عَنهُ ﷺ
يَوْمٌ مِنْ أَيَّامِ إِمَامٍ عَادِلٍ أَفْضَلُ مِنْ عِبَادَةِ سِتِّينَ سَنَةً وَقَالَ عَبْد اللَّهِ بن الْمُبَارك ﵁ لَوْلَا الْأَئِمَّة لم تأمن لنَا سبل وَكَانَ أضعفنَا نهبًا لأقوانَا
زَاده اللَّه علوًّا وتأييدًا وَزَاد من يؤازره بالحير ويحثه عَلَيْهِ تَوْفِيقًا وتسديدا ثمَّ إِنَّه أعز اللَّه نَصره صرف همته الْعَالِيَة إِلَى نصْرَة دين اللَّه وقمع أَعدَاء اللَّه بعد مَا تقرر للكافة حسن إعتقاداه بتقرير خطباء أهل مَمْلَكَته على لعن من اسْتوْجبَ اللَّعْن من أهل الْبِدْعَة ببدعته وأيس أهل الزيغ عَن زيغه عَن الْحق وميله عَن الْقَصْد فَألْقوا فِي سَمعه مَا فِيهِ مساءة أهل السّنة وَالْجَمَاعَة كَافَّة ومصيبتهم عَامَّة من الْحَنَفِيَّة والمالكية وَالشَّافِعِيَّة الَّذين لَا يذهبون فِي التعطيل مَذَاهِب الْمُعْتَزلَة وَلَا يسلكون فِي التشبية طرق المجسمة فِي مَشَارِق الأَرْض وَمَغَارِبهَا ليتسلوا بالأسوة مَعَهم فِي هَذِه المساءة عَمَّا يسوءهم من اللَّعْن والقمع فِي هَذِهِ الدولة المنصورة ثبتها اللَّه وَنحن نرجو عثوره عَن قريب على مَا قصدُوا ووقوفه على مَا ارادوا فيستدرك بِتَوْفِيق الله عزوجل مَا بدر مِنْهُ فِيمَا أُلقي إِلَيْهِ
[ ١٠١ ]
وَيَأْمُر بتعزيز من زور عَلَيْهِ وقبح صُورَة الْأَئِمَّة بَين يَدَيْهِ وَكَأَنَّهُ خَفِي عَلَيْهِ آدام الله عزوجل حَال شَيْخه أَبِي الْحسن الْأَشْعَرِيّ رَحْمَة اللَّه عَلَيْهِ ورضوانه وَمَا يرجع إِلَيْهِ من شرف الأَصْل وَكبر الْمحل فِي الْعلم وَالْفضل وَكَثْرَة الْأَصْحَاب من الْحَنَفِيَّة والمالكية وَالشَّافِعِيَّة الَّذين رَغِبُوا فِي علم الْأُصُول وأحبوا معرفَة دَلَائِل الْعُقُول وَالشَّيْخ العميد أدام اللَّه توفيقه أولى أوليائه وأحراهم بتعريفه حَاله وإعلامه فَضله لما يرجع إِلَيْهِ من الْهِدَايَة والدراية والشهامة والكفاية مَعَ صِحَة العقيدة وَحسن الطَّرِيقَة وفضائل الشَّيْخ أَبِي الْحسن الْأَشْعَرِيّ ومنَاقبه أَكثر من أَن يُمكن ذكرهَا فِي هَذِهِ الرسَالَة لما فِي الإطالة من خشيَة الملالة لكى أذكر بِمَشِيئَة اللَّه تَعَالَى من شرفه بآبائه وأجداده وفضله بِعِلْمِهِ وَحسن اعْتِقَاده وَكبر مَحَله بِكَثْرَة أَصْحَابه مَا يحملهُ على الذب عَنهُ وَعَن أَتْبَاعه فَليعلم الشَّيْخ العميد أدام اللَّه سيادته أَن أَبَا الْحسن الْأَشْعَرِيّ ﵀ من أَوْلَاد أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ﵁ فَإِنَّهُ أَبُو الْحسن عَليّ بن اسمعيل ابْن اسحق بن سَالم بن اسمعيل بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى بْنِ بِلالِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ بن أَبِي مُوسَى وأَبُو مُوسَى هُوَ عَبْد اللَّهِ بن قيس بن سليم الْأَشْعَرِيّ ينْسب إِلَى الْجمَاهِر بن الْأَشْعر والأشعر من أَوْلَاد سبأ الَّذين كَانُوا بِالْيمن فَلَمَّا بعث اللَّه تَعَالَى نبيه ﷺ هَاجر أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ مَعَ أَخَوَيْهِ فِي بضع وَخمسين من قومه إِلَى أَرض الْحَبَشَة وَأَقَامُوا مَعَ جَعْفَر ابْن أَبِي طَالب ﵁ حَتَّى قدمُوا جَمِيعًا على رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
[ ١٠٢ ]
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ افْتَتَحَ خَيْبَرَ ثمَّ ذكر من فضل أَبِي مُوسَى بعض مَا قَدمته بأسانيده إِلَى أَن قَالَ ورزق من الولاد والأحفاد مَعَ الدِّرَايَة وَالرِّوَايَة وَالرِّعَايَة مَا يكثر نشره وأساميهم فِي التواريخ مثبتة ومعرفتهم عِنْد أهل الْعلم بالرواية مَشْهُورَة إِلَى أَن بلغت النّوبَة إِلَى شيخنَا أَبِي الْحسن الْأَشْعَرِيّ رَحْمَة اللَّه فَلم يحدث فِي دين اللَّه حَدثا وَلم يَأْتِ فِيهِ ببدعة بل أَخذ أقاويل الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمن بعدهمْ من الْأَئِمَّة فِي أصُول الدّين فنصرها بِزِيَادَة شرح وتبيين وَأَن مَا قَالُوا فِي الْأُصُول وَجَاء بِهِ الشَّرْع صَحِيح فِي الْعُقُول خلاف مَا زعم أهل الْأَهْوَاء من أَن بعضه لَا يَسْتَقِيم فِي الآراء فَكَانَ فِي بَيَانه تَقْوِيَة مَا لم يدل عَلَيْهِ من أهل السّنة وَالْجَمَاعَة وَنَصره أقاويل من مضى من الْأَئِمَّة كَأبي حنيفَة وسُفْيَان الثَّوْريّ من أهل الْكُوفَة وَالْأَوْزَاعِيّ وَغَيره من أهل الشَّام وَمَالك وَالشَّافِعِيّ من أهل الْحَرَمَيْنِ وَمن نجا نَحْوهمَا من الْحجاز وَغَيرهَا من سَائِر الْبِلَاد وكأحمد ابْن حَنْبَل وَغَيره من أهل الحَدِيث وَاللَّيْث بن سعد وَغَيره وَأبي عبد الله مُحَمَّد بن اسمعيل البُخَارِيّ وَأبي الْحسن مُسلم بن الْحجَّاج النَّيْسَابُورِي إمامي أهل الْآثَار وحفاظ السّنَن الَّتِي عَلَيْهَا مدَار الشَّرْع ﵃ أَجْمَعِينَ وَذَلِكَ دأب من تصدى من الْأَئِمَّة فِي هَذِهِ الْأمة وَصَارَ رَأْسا فِي الْعلم من أهل السّنة فِي قديم الدَّهْر وَحَدِيثه وَبِذَلِك وعد سيدنَا الْمُصْطَفى ﷺ أمته فِيمَا رُوِيَ عَنهُ أَبُو هُرَيْرَة ﵁ أَنه قَالَ
يَبْعَثُ اللَّهُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةٍ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا وهم هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة الَّذين قَامُوا فِي كل عصر من أعصار أمته
[ ١٠٣ ]
بنصرة شَرِيعَته وَمن قَامَ بهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَحين نزل قَول الله ﷿ ﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لومة لائم﴾ أَشَارَ الْمُصْطَفى ﷺ إِلَى أبي مُوسَى وَقَالَ
قوم هَذَا فوعد اللَّه عز ثَنَاؤُهُ وَجل شَيْئا مُعَلّقا بِشَيْء وَخص النَّبِي الْمُصْطَفى ﷺ بِهِ قوم أَبِي مُوسَى فَكَانَ خَبره حَقًا ووعد اللَّه صدقا وَحين خرج رَسُول اللَّه ﷺ من بَين أمته وَقَبضه الله عزوجل إِلَى رَحمته ارْتَدَّ نَاس من الْعَرَب فجاهدهم أَبُو بكر الصّديق ﵁ بأصحاب رَسُول اللَّهِ ﷺ مِنْهُم أَبُو مُوسَى وَقَومه حَتَّى عَاد أهل الرِّدَّة إِلَى الْإِسْلَام كَمَا وعد ربُّ الأنَام وَحين كثرت المبتدعة فِي هَذِهِ الْأمة وَتركُوا ظَاهر الْكتاب وَالسّنة وأنكروا مَا ورد بِهِ من صِفَات الله عزوجل نَحْو الْحَيَاة وَالْقُدْرَة وَالْعلم والمشيئة والسمع وَالْبَصَر وَالْكَلَام وجحدوا مادلا عَلَيْهِ من الْمِعْرَاج عَذَاب الْقَبْر وَالْمِيزَان وَأَن الْجنَّة والنَّار مخلوقتان وَأَن أهل الْإِيمَان يخرجُون من النيرَان وَمَا لنبينَا ﷺ من الْحَوْض والشفاعة وَمَا لأهل الْجنَّة من الرُّؤْيَة وَأَن الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة كَانُوا محقين فِيمَا قَامُوا بِهِ من الْولَايَة وَزَعَمُوا أَن شَيْئا من ذَلِك لَا يَسْتَقِيم على الْعقل وَلَا يَصح فِي الرَّأْي أخرج الله عزوجل من نسل أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ﵁ إِمَامًا قَامَ بنصرة دين اللَّه وجاهد بِلِسَانِهِ وَبَيَانه من صد عَن سَبِيل اللَّه وَزَاد
[ ١٠٤ ]
فِي التَّبْيِين لأهل الْيَقِين أَن مَا جَاءَ بِهِ الْكتاب وَالسّنة وماكان عَلَيْهِ سلف هَذِهِ الْأمة مُسْتَقِيم على الْعُقُول الصَّحِيحَة والآراء تَصْدِيقًا لقَوْله وتحقيقًا لتخصيص رَسُوله ﷺ قوم أَبِي مُوسَى بقوله ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقوم يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ هَذَا وَالْكَلَام فِي علم الْأُصُول وَحدث الْعَالم مِيرَاث أَبِي الْحسن الْأَشْعَرِيّ عَن أجداده وأعمامه الَّذين قدمُوا على رَسُول اللَّه ﷺ فَسَأَلُوهُ عَن علم الْأُصُول وحَدَث الْعَالم إِلَّا وَفد الْأَشْعَرِيين من أهل الْيمن ثمَّ ذكر حَدِيث عمرَان بن الْحصين حِين أَتَاهُ نفر من بَنِي تَمِيم وَقد ذكرته فِي الْجُزْء الأول بإسنَاده ثمَّ قَالَ فَمن تَأمل هَذِهِ الْأَحَادِيث وَعرف مَذْهَب شيخنَا أَبِي الْحسن ﵁ فِي علم الْأُصُول وعَلِم تبحره فِيهِ أبْصر صنع اللَّه عزت قدرته فِي تَقْدِيم هَذَا الأَصْل الشريف لما ذخر لِعِبَادِهِ من هَذَا الْفَرْع المنيف الَّذِي أَحْيَا بِهِ السّنة وأمات بِهِ الْبِدْعَة وَجعله خلف حق لسلف صدق وبِاللَّهِ التَّوْفِيق هَذَا وعلماء هَذِهِ الْأمة من أهل السّنة وَالْجَمَاعَة فِي الِاشْتِغَال بِالْعلمِ مَعَ الِاتِّفَاق فِي أصُول الدّين على اضْرِب مِنْهُم من قصر همته على التفقه فِي الدّين بدلائله وحججه من التَّفْسِير والْحَدِيث وَالْإِجْمَاع وَالْقِيَاس دون التبحر فِي دَلَائِل الْأُصُول وَمِنْهُم من قصر همته على التبحر فِي دَلَائِل الْأُصُول دون التبحر فِي دَلَائِل الْفِقْه وَمِنْهُم من جعل همته فيهمَا جَمِيعًا كَمَا فعل الأشعريون من أهل الْيمن حَيْثُ قَالُوا لرَسُول اللَّه ﷺ
[ ١٠٥ ]
أتينَاك لنتفقه فِي الدّين ولنسألك عَنْ أَوَّلِ هَذَا الأَمْرِ كَيْفَ كَانَ وَفِي ذَلِك تَصْدِيق مَا رُوِيَ عَن الْمُصْطَفى ﷺ
اخْتِلافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ كَمَا سَمِعت من الشَّيْخ الإِمَام أَبِي الْفَتْح نَاصر بن الْحَسَنِ الْعمريّ قَالَ سَمِعت الشَّيْخ الإِمَام أَبَا بكر الْقفال المرزوي ﵀ يَقُول معنَاه اخْتِلَاف هممهم رَحْمَة يَعْنِي فهمة وَاحِد تكون فِي الْفِقْه وهمة آخر تكون فِي الْكَلَام كَمَا تخْتَلف همم أَصْحَاب الْحَرْف فِي حرفهم ليقوم كل وَاحِد مِنْهُم بِمَا فِيهِ مصَالح الْعباد والبلاد ثمَّ كل من جعل همته فِي معرفَة دَلَائِل الْفِقْه وحججه لم يُنكر فِي نَفسه مَا ذهب إِلَيْهِ أهل الْأُصُول مِنْهُم بل ذهب فِي اعْتِقَاد الْمَذْهَب مَذْهَبهم بِأَقَلّ مَا دله على صِحَّته من الْحجَج إِلَّا أَنه رأى أَن اشْتِغَاله بذلك أَنْفَع وَأولى وَمن صرف همته مِنْهُم إِلَى معرفَة دَلَائِل الْأُصُول وحججه ذهب فِي الْفُرُوع مَذْهَب أحد الْأَئِمَّة الَّذين سمينَاهم من فُقَهَاء الْأَمْصَار إِلَّا أَنه رأى أَن اشْتِغَاله بذلك عِنْد ظُهُور الْبدع أَنْفَع وَأَحْرَى فعلماء السّنة إِذن مجتمعون والأشعريون مِنْهُم لجماعتهم فِي علم الْأُصُول موافقون إِلَّا أَن اللَّه جلّ ثنَاؤه جعل استقامة أَحْوَالهم باستقامة ولاتهم وسلامة أغراضهم بذب ولاتهم عَنْهُم وَبِذَلِك أخبر من جعل اللَّه تَعَالَى الْحق على لِسَانه وَقَلبه أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ وَذَلِكَ فِيمَا أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظ أَنا أَبُو عَمْرُو بْنُ السَّمَّاكِ نَا حَنْبَل بن اسحق نَا أَبُو نعيم نَا ملك بْنُ أَنَسٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ عُمَرُ ﵁ عِنْدَ مَوْتِهِ اعْلَمُوا أَنَّ النَّاسَ لَنْ يَزَالُوا بِخَيْرٍ مَا اسْتَقَامَتْ لَهُمْ
[ ١٠٦ ]
وُلاتُهُمْ وَهُدَاتُهُمْ وَقَالَ أَبُو حَازِم مَا أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بن الْحسن أَنا حَاجِب بن أَحْمَدَ نَا مُحَمَّدُ بْنُ حَمَّاد حَدَّثَنَا أَبُو ضَمرَة أنس بن عِيَاض قَالَ سَمِعت أَبَا حَازِم يَقُول لَا يَزَالُ النَّاس بِخَير مَا لم يَقع هَذِهِ الأَهْوَاءُ فِي السُّلْطَانِ هُمُ الَّذِينَ يَذُبُّونَ عَنِ النَّاسِ فَإِذَا وَقَعْتَ فِيهِمْ فَمَنْ يَذُبُّ عَنْهُمْ وَأخْبرنَا بِهَاتَيْنِ الحكايتين أَبُو الْقسم الشحامي أَنا أَبُو بكر الْبَيْهَقِيُّ مثل مَا ههنَا ثمَّ رجعنَا إِلَى رِوَايَة أبي بكر بن حبيب نسْأَل الله عزوجل عصمَة الْأَمِير وإطالة بَقَائِهِ وإدامة نعمائه وَزِيَادَة توفيقه لإحياء السّنة بتقريب أَهلهَا من مَجْلِسه وقمع الْبِدْعَة بتبعيد أَهلهَا من حَضرته ليكْثر سرُور أهل السّنة وَالْجَمَاعَة من الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا بمكانه وينتشر صَالح دعواتهم لَهُ فِي مَشَارِق الأَرْض وَمَغَارِبهَا بإحسانه ويرغب إِلَى الله عزوجل ويتضرع إلية فِي إمتاع الْمُسلمين بِبَقَاء الشَّيْخ العميد وإدامة نعْمَته وَزِيَادَة توفيقه وعصمته فعلى حسن اعْتِقَاده وَصِحَّة دينه وَقُوَّة يقينه وَكَمَال عقله وَكبر مَحَله اعْتِمَاد الكافة فِي اسْتِدْرَاك مَا وَقع من هَذِهِ الْوَاقِعَة الَّتِي هِيَ لمعالم الدّين خافضة ولآثار الْبدع رَافِعَة ومصيبتها إِن دَامَت وَالْعِيَاذ بِاللَّهِ فِي كل مصر من أَمْصَار الْمُسلمين دَاخِلَة وَقُلُوب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة بهَا واجفة وَمَا ذَلِك على اللَّه بعزيز أَن يوفق الشَّيْخ العميد أدام اللَّه تسديده للِاجْتِهَاد فِي إِزَالَة هَذِهِ الْفِتْنَة وَالسَّعْي فِي إطفاء هَذِهِ الثائرة موقنًا بِمَا يتبعهُ فِي دُنْيَاهُ من الثنَاء الْجَمِيل وَفِي عقباه من الْأجر الجزيل قَاضِيا حق هَذِهِ الدولة الْعَالِيَة الَّتِي جعل الله تدبيرها إِلَيْهِ وزمامها بيدَيْهِ فبقاء الْملك بِالْعَدْلِ وصلاحه بصلاح الدّين وحلاوته بِمَا
[ ١٠٧ ]
يتبعهُ من الثنَاء الْجَمِيل واللَّه يوفقه ويسدده وَعَن المكاره يَقِيه ويحفظه وَالسَّلَام عَلَيْهِ وَرَحْمَة اللَّه وَبَرَكَاته
قَالَ الإِمَام الْحَافِظ قدس اللَّه روحه وَإِنَّمَا كَانَ انتشار مَا ذكره أَبُو بكر الْبَيْهَقِيُّ ﵀ من المحنة واستعار مَا أَشَارَ بإطفائه فِي رسَالَته من الْفِتْنَة مِمَّا تقدم بِهِ من سبّ حزب الشَّيْخ أَبِي الْحسن الْأَشْعَرِيّ فِي دولة السُّلْطَان طغرلبك ووزارة أبي مَنْصُور بن مُحَمَّد الكندري وَكَانَ السُّلْطَان حنفيًا سُنيًا وَكَانَ وزيره معتزليا رَافِضِيًّا فَلَمَّا أَمر السُّلْطَان بلعن المبتدعة على المنَابر فِي الْجمع قرن الكندري للتسلي والتشفي اسْم الأشعرية بأسماء أَرْبَاب الْبدع وامتحن الْأَئِمَّة الأماثل وَقصد الصُّدُور الأفاضى وعزل أَبَا عُثْمَان الصَّابُونِي عَن الخطابة بِنَيْسَابُورَ وفوضها إِلَى بعض الْحَنَفِيَّة فَأم الْجُمْهُور وَخرج الْأُسْتَاذ أَبُو الْقسم وَالْإِمَام أَبُو الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ رَحْمَة اللَّه عَلَيْهِمَا عَن الْبَلَد وَهَان عَلَيْهِمَا فِي مُخَالفَته الاغتراب وفراق الوطن والأهل وَالْولد فَلم يكن إِلَّا يَسِيرا حَتَّى تقشعت تِلْكَ السحابة وتبدد بهلك الْوَزير شَمل تِلْكَ الْعِصَابَة وَمَات ذَلِك السُّلْطَان وَولي ابْنه آلب أرسلان واستوزر الْوَزير الْكَامِل والصدر الْعَالم الْعَادِل أَبَا عَليّ الْحسن بن عَلِيِّ بن اسحق فأعز أهل السّنة وقمع أهل النِّفَاق وَأمر بِإِسْقَاط ذكرهم من السب وإفراد من عداهم باللعن والثلب واسترجع من خرج مِنْهُم إِلَى وَطنه واستقدمه مكرمًا بعد بعده وظعنه وبَنِي لَهُم الْمَسَاجِد والمدارس وَعقد لَهُم الْحلق والمجالس وبَنِي لَهُم الْجَامِع المنيعي فِي أَيَّام ولد ذَلِك السُّلْطَان وَكَانَ ذَلِك تداركًا لما سلف فِي
[ ١٠٨ ]
حَقهم من الإمتحان فاستقام فِي وزارته الدّين بعد اعوجاجه وَصفا عَيْش أهل السّنة بعد تكدره وامتزاجه وَاسْتقر الْأَمر بيمن نقيبته على ذَلِك إِلَى هَذَا الْوَقْت وَنظر أَرْبَاب الْبدع بِعَين الاحتقار والمقت وَلم يضر جمع الْفرْقَة المنصورة مَا فرط فِي حَقهم فِي الْمدَّة الْيَسِيرَة مِمَّن قصدهم بالمساءة وَرَمَاهُمْ بالشنَاعة لما ظهر فيهم اللَّعْن إِذْ كَانُوا برَاء عِنْد الْعُقَلَاء وَأهل الْعلم من الابتداع والذم والطعن وَلَهُم فِي أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أَبِي طَالب ﵁ أُسْوَة حَسَنَة فقد كَانَ يُسب على المنَابر فِي الدولة الأموية نَحوا من ثَمَانِينَ سنة فَمَا ضرّ ذَلِك عليًّا رضوَان اللَّه عَلَيْهِ وَلَا الْتحق بِهِ مَا نسب إِلَيْهِ مقتل الْوَزير شَرّ قتلة بعد مَا مثل بِهِ كل مثلَة فَقَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو الْقسم الْقشيرِي ﵁ فِيهِ عميد الْملك ساعدك اللَّيَالِي على مَا شِئْت فِي دَرك الْمَعَالِي
فَلم يَك مِنْك شَيْء غير أَمر بلعن الْمُسلمين على التوالي
فقابلك الْبلَاء بِمَا تلاقي فذق مَا تسْتَحقّ من الوبال
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْفَقِيه أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذ أَبُو الْقسم الْقشيرِي ﵁ قَالَ الْحَمد لِلَّه الْمُجْمل فِي بلائه المجزل فِي عطائه الْعدْل فِي قَضَائِهِ المكرم لأوليائه المنتقم من أعدائه النَّاصر لدينة بإيضاح الْحق وتبينه المبيد للإفك وَأَهله المجتث للباطل من أَصله فاضح الْبدع بِلِسَان الْعلمَاء وَكَاشف الشّبَه بِبَيَان الْحُكَمَاء وممهل الغواة حينا غير مهملهم ومجازي كُلٍّ غَدا على مقتضي عَمَلهم نحمده على مَا عرفنَا من
[ ١٠٩ ]
توحيده ونستوقفه على مَا كلفنَا من رِعَايَة حُدُوده ونستعصمه من الْخَطَأ والخطل والزيغ والزلل فِي القَوْل وَالْعَمَل ونسأله أَن يُصَلِّي على سيدنَا الْمُصْطَفى وعَلى آله مصابيح الدجى وَأَصْحَابه أَئِمَّة الوري هَذِهِ قصَّة سميناها شكاية أهل السّنة بحاكية مَا نَالهم من المحنة تخبر عَن بثة مكروب ونفثة مغلوب وَشرح ملم مؤلم وَذكر مُهِمّ موهم وَبَيَان خطب فادح وَشر سائح للقلوب جارح رَفعهَا عبد الْكَرِيم بن هوازان الْقشيرِي إِلَى الْعلمَاء الْأَعْلَام بِجَمِيعِ بِلَاد الْإِسْلَام أما بعد فَإِن اللَّه إِذَا أَرَادَ أمرا قدره فَمن ذَا الَّذِي أمسك مَا سيره أَو قدم مَا أَخّرهُ أَو عَارض حكمه فَغَيره أَو غَلبه على أمره فقهره كلا بل هُوَ اللَّه الْوَاحِد القهار الْمَاجِد الْجَبَّار وَمِمَّا ظهر بِبَلَد نيسابور من قضايا التَّقْدِير فِي مفتتح سنة خمس وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة من الْهِجْرَة مَا دَعَا أهل الدّين إِلَى شقّ صُدُور صبرهم وكشف قنَاع ضرهم بل ظلت الْملَّة الحنيفية تَشْكُو غليلها وتبدي عويلها وتنصب غزائر رَحْمَة اللَّه على من يسمع شكوها وتصغي مَلَائِكَة السَّمَاء حِين تندب شجوها ذَلِك مِمَّا أحدث من لعن إِمَام الدّين وسراج ذَوي الْيَقِين مُحي السّنة وقامع الْبِدْعَة ونَاصر الْحق ونَاصح الْخلق الزكي الرضي أَبِي الْحسن الْأَشْعَرِيّ قدس اللَّه روحه وَسَقَى بِمَاء الرَّحْمَة ضريحه وَهُوَ الَّذِي ذَبَّ عَن الدّين بأوضح حجج وسلك فِي قمع الْمُعْتَزلَة وَسَائِر أَنْوَاع المبتدعة أبين مَنْهَج واستنفد عمره فِي النصح عَن الْحق وأورث الْمُسلمين بعد وَفَاته كتبه الشاهدة بِالصّدقِ وَلما مَنَّ اللَّه الْكَرِيم على الْإِسْلَام بِزَمَان السُّلْطَان الْمُعظم الْمُحكم بِالْقُوَّةِ السماوية فِي رِقَاب الْأُمَم الْملك الْأَجَل شاها نشاه يَمِين
[ ١١٠ ]
خَليفَة اللَّه وغياث عباد اللَّه طغرلبك أَبِي طَالب مُحَمَّد بن مِيكَائِيل وَقَامَ بإحياء السّنة والمنَاضلة عَن الْملَّة حَتَّى لم يبْق من أَصْنَاف المبتدعة حزبا حزبا إِلَّا سل لاستئصالهم سَيْفا عَضْبًا وأذاقهم ذلا وخسفا وعقب لآثارهم نسفا حرجت صُدُور أهل الْبدع عَن تحمل هَذِهِ النقم وضاق صبرهم عَن مقاساة هَذَا الْأَلَم ومنوا بلعن أنفسهم على رُؤْس الشهاد بألسنتهم وَضَاقَتْ عَلَيْهِم الأَرْض بِمَا رَحبَتْ بانفرادهم بالوقوع فِي مهواة محنتهم فسولت لَهُم أنفسهم أمرا فظنوا أَنهم بِنَوْع تلبيس وَضرب تدلي سيجدون لعسرهم يسرا فسعوا إِلَى عالي مجْلِس السُّلْطَان الْمُعظم بِنَوْع نميمة ونسبوا الْأَشْعَرِيّ إِلَى مَذَاهِب ذميمة وحكوا عَنهُ مقَالات لَا يُوجد فِي كتبه مِنْهَا حرف وَلم ير فِي المقَالات المصنفة للمتكلمين الموافقين والمخالفين من وَقت الْأَوَائِل إِلَى زماننَا هَذَا لشَيْء مِنْهَا حِكَايَة وَلَا وصف بل كل ذَلِك تَصْوِير بتزوير وبهتان بِغَيْر تَقْدِير وَمَا نقموا من الْأَشْعَرِيّ إِلَّا أَنه قَالَ بِإِثْبَات الْقدر لِلَّه خَيره وشره نَفعه وضره وَإِثْبَات صِفَات الْجلَال لِلَّه من قدرته وَعلمه وإراداته وحياته وبقائه وسَمعه وبصره وَكَلَامه وَوَجهه وَيَده وَإِن الْقُرْآن كَلَام اللَّه غير مَخْلُوق وَإنَّهُ تَعَالَى مَوْجُود تجوز رُؤْيَته وَإِن إِرَادَته نَافِذَة فِي مراداته وَمَا لايخفى من مسَائِل الْأُصُول الَّتِي تخَالف طرقه طرق الْمُعْتَزلَة والمجسمة فِيهَا معاشر الْمُسلمين الغياث الغياث سعوا فِي إبِْطَال الدّين وراموا هدم قَوَاعِد الْمُسلمين وهيهات هَيْهَات ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نوره﴾ وَقد وعد اللَّه للحق نَصره وظهوره وللباطل محقه وثبوره
[ ١١١ ]
إِلَّا أَن كتب الْأَشْعَرِيّ فِي الْآفَاق مبثوثة ومذاهبه عِنْد أهل السّنة من الْفَرِيقَيْنِ مَعْرُوفَة ومشهورة فَمن وَصفه بالبدعة علم أَنه غير محق فِي دَعْوَاهُ وَجَمِيع أهل السّنة خَصمه فِيمَا افتراه ثمَّ ذكر أَربع مسَائِل شنع بهَا عَلَيْهِ وَبَين بَرَاءَة ساحته فِيمَا نسب مِنْهَا إِلَيْهِ ثمَّ قَالَ وَلما ظهر ابْتِدَاء هَذِهِ الْفِتْنَة بِنَيْسَابُورَ وانتشر فِي الْآفَاق خَبره وَعظم على قُلُوب كَافَّة الْمُسلمين من أهل السّنة وَالْجَمَاعَة أمره وَلم يبعد أَن يخَامر قُلُوب بعض أهل السَّلامَة والوداعة توهم فِي بعض هَذِهِ الْمسَائِل أَن لعلّ الإِمَام أَبَا الْحسن عَليّ بن اسمعيل الْأَشْعَرِيّ ﵀ قَالَ بِبَعْض هَذِهِ المقَالات فِي بعض كتبه وَلَقَد قيل
من يسمع يخل أثبتنَا هَذِهِ الْفُصُول فِي شرح هَذِهِ الْحَالة وأوضحنَا صُورَة الْأَمر بِذكر هَذِهِ الْجُمْلَة ليضْرب كل من أهل السّنة إِذَا وقف عَلَيْهَا بسهمه فِي الِانْتِصَار لدين اللَّه من دُعَاء يخلصه واهتمام يصدقهُ وكل عَن قُلُوبنَا بالاستماع إِلَى هَذِهِ الْقِصَّة يحملهُ بل ثَوَاب من اللَّه على التوجع بذلك يستوحيه واللَّه غَالب على أمره وَله الْحَمد على مَا يمضيه من أَحْكَامه ويبرمه ويقضيه من أَفعاله فِيمَا يُؤَخِّرهُ ويقدمه وصلواته على سيدنَا الْمُصْطَفى وعَلى آله وَسلم وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّهِ العلى الْعَظِيم
قَالَ الإِمَام الْحَافِظ أَبُو الْقسم عَليّ بن اسمعيل بن الْحَسَنِ ﵁ دفع إِلَيَّ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْوَاحِد بن عَبْدِ الْمَاجِد بن عَبْدِ الْوَاحِدِ بن عَبْدِ الْكَرِيم بن هوَازن الْقشيرِي الصُّوفِي النَّيْسَابُورِي بِدِمَشْقَ مَكْتُوبًا بِخَط جده الإِمَام أبي الْقسم الْقشيرِي وأنَا أعرف الْخط فَوجدت فِيهِ
[ ١١٢ ]
بِسم اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم اتّفق أَصْحَاب الحَدِيث أَن أَبَا الْحسن عَليّ بن إِسْمَاعِيلَ الْأَشْعَرِيّ ﵁ كَانَ إِمَامًا من أَئِمَّة أَصْحَاب الحَدِيث ومذهبه مَذْهَب أَصْحَاب الحَدِيث تكلم فِي أصُول الديانَات على طَريقَة أهل السّنة ورد على الْمُخَالفين من أهل الزيغ والبدعة وَكَانَ من الْمُعْتَزلَة وَالرَّوَافِض والمبتدعين من أهل الْقبْلَة والخارجين من الْملَّة سَيْفا مسلولا وَمن طعن فِيهِ أَو قدح أَو لَعنه أَو سبه فقد بسط لِسَان السوء فِي جَمِيع أهل السّنة بذلنَا خطوطنَا طائعين بذلك فِي هَذَا الذّكر فِي ذِي الْقعدَة سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة وَالْأَمر على هَذِهِ الْجُمْلَة الْمَذْكُورَة فِي هَذَا الذّكر وَكتبه عبد الْكَرِيم بن هوَازن الْقشيرِي وَفِيه بِخَط أَبِي عَبْد اللَّهِ الْخَبَّازِي الْمقري كَذَلِك يعرفهُ مُحَمَّد بن عَليّ الجنازي وَهَذَا خطه وبخط الإِمَام أَبِي مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ الْأَمر على هَذِهِ الْجُمْلَة الْمَذْكُورَة فِيهِ وَكتبه عَبْد اللَّهِ بن يُوسُفَ وبخط أَبِي الْفَتْح الشَّاشِي الْأَمر على هَذِهِ الْجُمْلَة الَّتِي ذكرت وَكتبه نصر بن مُحَمَّد الشَّاشِي بِخَطِّهِ وبخط آخر الْأَمر على هَذِهِ الْجُمْلَة الْمَذْكُورَة فِيهِ وَكتبه عَليّ بن أَحْمَدَ الْجُوَيْنِيّ بِخَطِّهِ وبخط أَبِي الْفَتْح الْعمريّ الْهَرَوِيّ الْفَقِيه الْأَمر على هَذِهِ الْجُمْلَة الْمَذْكُورَة فِيهِ وَكتبه نَاصر بن الْحُسَيْنِ بِخَطِّهِ وبخط الأيوبي الْأَمر على الْجُمْلَة الَّتِي ذكرت فِيهِ وَكتبه أَحْمد بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي أَيُّوب بِخَطِّهِ وبخط أَخِيه الْأَمر على هَذِهِ الْجُمْلَة الْمَذْكُورَة فِيهِ وَكتبه عَليّ بن مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي أَيُّوب بِخَطِّهِ وبخط الإِمَام أَبِي عُثْمَانَ الصَّابُونِي الْأَمر على الْجُمْلَة الْمَذْكُورَة وَكتبه إِسْمَاعِيل بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الصَّابُونِي وبخط ابْنه أَبِي نصر الصَّابُونِي الْأَمر
[ ١١٣ ]
على الْجُمْلَة الْمَذْكُورَة صدر هَذَا الذّكر وَكتبه عَبْد اللَّهِ بن إِسْمَاعِيلَ الصَّابُونِي وبخط الشريف الْبكْرِيّ الْأَمر على نَحْو مَا بَين درج هَذَا الذّكر وَكتبه عَليّ بن الْحَسَنِ الْبكْرِيّ الزبيرِي بِخَطِّهِ وبخط آخر هُوَ إِمَام من أَئِمَّة أَصْحَاب الحَدِيث وَالْأَمر على مَا وصف فِي هَذَا الذّكر وَكتبه مُحَمَّد بن الْحَسَنِ بِيَدِهِ وبخط أَبِي الْحسن الملقاباذي أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيّ رَحْمَة اللَّه عَلَيْهِ إِمَام من أَئِمَّة أَصْحَاب الحَدِيث وَرَئِيس من رُؤَسَائِهِمْ فِي أصُول الدّين وطريقته طَريقَة السّنة وَالْجَمَاعَة وَدينه واعتقاده مرضِي مَقْبُول عِنْد الْفَرِيقَيْنِ وَكتبه عَليّ بن مُحَمَّد الملقاباذي بِخَطِّهِ وبخط عبد الْجَبَّار الاسفرايني بِالْفَارِسِيَّةِ أَيْن بو الْحسن أشعري إِمَام أست كه خداوند عزوجل ايْنَ آيت درشان وى فرستاد ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ ومصطفى ﵇ درآن وَقت بجدوى اشارت كردبو مُوسَى أشعري فَقَالَ
هم قوم هَذَا وَكتبه عبد الْجَبَّار بن عَليّ بن مُحَمَّد الاسفرايني بِخَطِّهِ وبخط ابْنه هَكَذَا يَقُول مُحَمَّد بن عَبْدِ الْجَبَّارِ بن مُحَمَّد قَالَ الإِمَام الْحَافِظ ﵁ نقلت هَذِهِ الخطوط على نَصهَا من ذَلِك الدرج ونقلها غَيْرِي من الْفُقَهَاء وَتَفْسِير قَول هَذَا الْفَارِسِي
هَذَا أَبُو الْحسن كَانَ إِمَامًا وَلما أنزل الله عزوجل قَوْلِهِ ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ أَشَارَ الْمُصْطَفى ﷺ إِلَى أَبِي مُوسَى ﵁ وَقَالَ
هُمْ قَوْمُ هَذَا
[ ١١٤ ]
وَذكر الشَّيْخ الإِمَام ركن الدّين أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ الْجُوَيْنِيّ ﵀ فِي آخر كتاب صنفه وَسَماهُ عقيدة أَصْحَاب الإِمَام المطلبي الشَّافِعِي ﵀ وكافة أهل السّنة وَالْجَمَاعَة وَقَالَ ونعتقد أَن الْمُصِيب من الْمُجْتَهدين فِي الْأُصُول وَالْفُرُوع وَاحِد وَيجب التَّعْيِين فِي الْأُصُول فاما الْفُرُوع فَرُبمَا يَتَأَتَّى التَّعْيِين وَرُبمَا لَا يَتَأَتَّى وَمذهب الشَّيْخ أَبِي الْحسن ﵀ تصويب الْمُجْتَهدين فِي الْفُرُوع وَلَيْسَ ذَلِك مَذْهَب الشَّافِعِي ﵁ وأَبُو الْحَسَنِ أحد أَصْحَاب الشَّافِعِي ﵃ فَإِذا خَالفه فِي شَيْء أعرضنَا عَنهُ فِيهِ وَمن هَذَا الْقَبِيل قَوْله أَن لَا صِيغَة لِلْأَمْرِ وتقل وتعز مُخَالفَته أصُول الشَّافِعِي ﵁ ونصوصه وَرُبمَا نسب المبتدعون إِلَيْهِ أَنه يَقُول لَيْسَ فِي الْمُصحف قُرْآن وَلَا فِي الْقَبْر نَبِي وَكَذَلِكَ الاستثنَاء فِي الْإِيمَان وَنفى قدرَة الْخلق فِي الْأَزَل وتكفير الْعَوام وَإِيجَاب علم الدَّلِيل عَلَيْهِم وَقد تصفحت مَا تصفحت من كتبه وتأملت نصوصه فِي هَذِهِ الْمسَائِل فَوَجَدتهَا كلهَا خلاف مَا نسب إِلَيْهِ وَلَا عجب إِن اعْترضُوا عَلَيْهِ واخترصوا فَإِنَّهُ ﵀ فاضح الْقَدَرِيَّة وَعَامة المبتدعة وَكَاشف عَوْرَاتهمْ وَلَا خير فِيمَن لَا يعرف حاسده
قَالَ الإِمَام الْحَافِظ ﵁ قَرَأت فِي كتاب أَبِي يَعْقُوب
[ ١١٥ ]
يُوسُف بن عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّد الْمُؤَدب الَّذِي قَرَأَهُ على أَبِي الْفتُوح بن عَبَّاس عَن عبيد اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ الرجراجي قَالَ نَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بن عمار الكلَاعِي المايرقي الْفَقِيه قَالَ
أعظم مَا كَانَت المحنة يَعْنِي الْمُعْتَزلَة زمن الْمَأْمُون والمعتصم فتورع من مجادلتهم أَحْمد بن حَنْبَل ﵁ فموهوا بذلك على الْمُلُوك وقَالُوا لَهُم إِنَّهُم يعنون أهل السّنة يفرون من المنَاظرة لما يعلمونه من ضعفهم عَن نصْرَة الْبَاطِل وَأَنَّهُمْ لَا حجَّة بأيدهم وشنعوا بذلك عَلَيْهِم حَتَّى امتحن فِي زمانهم أَحْمد ابْن حَنْبَل وَغَيره فَأخذ النَّاس حِينَئِذٍ بالْقَوْل بِخلق الْقُرْآن حَتَّى مَا كَانَ تقبل شَهَادَة شَاهد وَلَا يستقضي قَاض وَلَا يُفْتِي مفت لَا يَقُول بِخلق الْقُرْآن وَكَانَ فِي ذَلِك الْوَقْت من الْمُتَكَلِّمين جمَاعَة كَعبد الْعَزِيزِ الْمَكِّيّ والْحَارث المحاسبي وعَبْد اللَّهِ بن كلاب وَجَمَاعَة غَيرهم وَكَانُوا أولي زهد وتقشف لم يرَوا اُحْدُ مِنْهُم أَن يطَأ لأهل الْبدع بساطًا وَلَا أَن يداخلهم فَكَانُوا يردون عَلَيْهِم ويؤلفون الْكتب فِي إدحاض حججهم إِلَى أَن نَشأ بعدهمْ وعاصر بَعضهم بِالْبَصْرَةِ أَيَّام إِسْمَاعِيل الْقَاضِي بِبَغْدَادَ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي بشر الْأَشْعَرِيّ ﵁ وصنف فِي هَذَا الْعلم لأهل السّنة التصانيف وَألف لَهُم التواليف حَتَّى أدحض حجج الْمُعْتَزلَة وَكسر شوكتهم وَكَانَ يقصدهم بِنَفسِهِ ينَاظرهم فَكلم فِي ذَلِك وَقيل لَهُ كَيفَ تخالط أهل الْبدع وتقصدهم بِنَفْسِك وَقد أمرت بهجرهم فَقَالَ هم أولُوا رياسة مَعَهم الْوَالِي والْقَاضِي ولرياستهم لَا ينزلون إليَّ فَإِذا كَانُوا هم لَا ينزلون إِلَى وَلَا أَسِير أنَا إِلَيْهِم فَكيف يظْهر الْحق
[ ١١٦ ]
ويعلمون أَن لأهل السّنة نَاصرا بِالْحجَّةِ وَكَانَ أَكثر منَاظرته مَعَ الجبائي المعتزلي وَله مَعَه فِي الظُّهُور عَلَيْهِ مجْلِس كَثِيرَة فَلَمَّا كثرت تواليفه وَنصر مَذْهَب السّنة وَبسطه تعلق بهَا أهل السّنة من الْمَالِكِيَّة وَالشَّافِعِيَّة وَبَعض الْحَنَفِيَّة فَأهل السّنة بالمغرب والمشرق بِلِسَانِهِ يَتَكَلَّمُونَ وبحجته يحتجون وَله من التواليف والتصانيف مَا لَا يُحْصى كَثْرَة وَكَانَ ألف فِي الْقُرْآن كِتَابه الملقب بالمختزن ذكر لي بعض أصحابنَا أَنه رأى مِنْهُ طرفا وَكَانَ بلغ سُورَة الْكَهْف وَقد انتهي مائَة كتاب وَلم يتْرك آيَة تعلق بهَا بدعي إِلَّا بَطل تعلقه بهَا وَجعلهَا حجَّة لأهل الْحق وَبَين الْمُجْمل وَشرح الْمُشكل وَمن وقف على تواليفه رأى أَن اللَّه تَعَالَى قد أمده بمواد توفيقه وأقامه لنصرة الْحق والذب عَن طَرِيقه وَكَانَ فِي مذْهبه مالكيًّا على مَذْهَب مَالك بن أنس ﵁ وَقد كَانَ ذكر لي بعض من لقِيت من الشَّافِعِيَّة أَنه كَانَ شافعيًّا حَتَّى لقِيت الشَّيْخ الْفَاضِل رَافعا الْحمال الْفَقِيه فَذكر لي عَن شُيُوخه أَن أَبَا الْحسن الْأَشْعَرِيّ ﵁ كَانَ مالكيًّا فنسب من تعلق الْيَوْم بِمذهب
[ ١١٧ ]
أهل السّنة وتفقه فِي معرفَة أصُول الدّين من سَائِر الْمذَاهب إِلَى الْأَشْعَرِيّ لِكَثْرَة تواليفه وَكَثْرَة قِرَاءَة النَّاس لَهَا وَلم يكن هُوَ أول مُتَكَلم بِلِسَان أهل السّنة إِنَّمَا جرى على سنَن غَيره وعَلى نصْرَة مَذْهَب مَعْرُوف فَزَاد الْمَذْهَب حجَّة وبيانًا وَلم يبتدع مقَالَة اخترعها وَلَا مذهبا انْفَرد بِهِ إِلَّا ترى أَن مَذْهَب أهل الْمَدِينَة ينْسب إِلَى مَالك بن أنس ﵁ وَمن كَانَ على مَذْهَب أهل الْمَدِينَة يُقَال لَهُ مالكي وَمَالك ﵁ إِنَّمَا جرى على سنَن من كَانَ قبله وَكَانَ كثير الإتباع لَهُم إِلَّا أَنه زَاد الْمَذْهَب بَيَانا وبسطًا وَحجَّة وشرحًا وَألف كِتَابه الْمُوَطَّأ وَمَا أَخذ عَنهُ من الأسمعة والفتاوى فنسب الْمَذْهَب إِلَيْهِ لِكَثْرَة بَسطه لَهُ وَكَلَامه فِيهِ فَكَذَلِك أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيّ ﵁ لَا فرق وَلَيْسَ لَهُ فِي الْمَذْهَب أَكثر من بَسطه وَشَرحه وتواليفه فِي نصرته فنجب من تلامذته خلق كثير بالمشرق وَكَانَت شَوْكَة الْمُعْتَزلَة بالعراق شَدِيدَة إِلَى أَن كَانَ زمن الْملك فنَاخسره وَكَانَ ملكا يحب الْعلم وَالْعُلَمَاء وَكَانَت لَهُ مجَالِس يقْعد فِيهَا للْعُلَمَاء ومنَاظرتهم وَكَانَ قَاضِي الْقُضَاة فِي وقته معتزليًّا فَقَالَ لَهُ فنَاخسره يَوْمًا هَذَا الْمجْلس عَامر من الْعلمَاء إِلَّا أَنِّي لَا أرى
[ ١١٨ ]
أحدا من أهل السّنة وَالْإِثْبَات ينصر مذْهبه فَقَالَ لَهُ إِن هَؤُلَاءِ الْقَوْم عَامَّة رعاع أَصْحَاب تَقْلِيد وأخبار وَرِوَايَات يروون الْخَبَر وضده ويعتقدونهما وَأَحَدهمَا نَاسخ للثَّانِي أَو متأول وَلَا أعرف مِنْهُم أحدا يقوم بِهَذَا الْأَمر وَهَذَا الْفَاسِق إِنَّمَا أَرَادَ إطفاء نور الْحق ويأبي اللَّه إِلَّا أَن يتم نوره ثمَّ أقبل يمدح الْمُعْتَزلَة ويثني عَلَيْهِم بِمَا اسْتَطَاعَ فَقَالَ الْملك محَال أَن يَخْلُو مَذْهَب طبق الأَرْض من نَاصر ينصره فانظروا أَي مَوضِع يكون منَاظر ليكتب فِيهِ ويحضر مجلسنَا فَلَمَّا عزم فِي ذَلِك وَكَانَ ذَلِك الْعَزْم أمرا من اللَّه أَرَادَ بِهِ نصْرَة الْحق فَقَالَ لَهُ أصلح اللَّه الْملك أخبروني أَن بِالْبَصْرَةِ رجلَيْنِ شَيخا وشابًّا أَحدهمَا يعرف بِأبي الْحسن الْبَاهِلِيّ والشاب يعرف بابْن الباقلاني وَكَانَت حَضْرَة الْملك يَوْمئِذٍ بشيراز فَكتب الْملك إِلَى الْعَامِل ليبعثهما إِلَيْهِ وَأطلق مَالا لنفقتهما من طيب المَال قَالَ الْقَاضِي أَبُو بكر بن الباقلاني فَلَمَّا وصل الْكتاب إلينَا قَالَ الشَّيْخ وَبَعض أصحابنَا هَؤُلَاءِ الْقَوْم فسقة لَا يحل لنَا أَن نَطَأ بساطهم وَلَيْسَ غَرَض الْملك من هَذَا إِلَّا أَن يُقَال إِن مَجْلِسه مُشْتَمل على أَصْحَاب المحابر كلهم وَلَو كَانَ ذَلِك لله عزوجل خَالِصا لنهضت فَأَنا لَا أحضر عِنْد قوم هَذِهِ صفتهمْ فَقَالَ الْقَاضِي ﵁ كَذَا قَالَ ابْن كلاب والمحاسبي وَمن كَانَ فِي عصرهما من الْمُتَكَلِّمين إِن الْمَأْمُون لَا نحضر مَجْلِسه حَتَّى سَاق أَحْمد إِلَى طرسوس ثمَّ مَاتَ الْمَأْمُون وردوه إِلَى المعتصم فامتحنه وضربه وَهَؤُلَاء أسلموه وَلَو مروا إِلَيْهِ ونَاظروه لكفوه عَن هَذَا الْأَمر فَإِنَّهُ كَانَ يزْعم أَن الْقَوْم لَيست لَهُم حجَّة على
[ ١١٩ ]
دعاويهم فَلَو مروا إِلَيْهِ وبينوا للمعتصم لارتدع المعتصم وَلَكِن أسلموه فَجرى على أَحْمد بن حَنْبَل ﵁ مَا جرى وَأَنت أَيهَا الشَّيْخ تسلك سبيلهم حَتَّى يجْرِي على الْفُقَهَاء مَا جرى على أَحْمد وَيَقُولُونَ بِخلق الْقُرْآن وَنفى رُؤْيَة اللَّه تَعَالَى وَهَا أنَا خَارج إِن لم تخرج قَالَ فَخرجت مَعَ الرَّسُول نَحْو شيراز فِي الْبَحْر حَتَّى وصلت إِلَيْهَا ثمَّ ذكر من دُخُوله على الْملك ومنَاظرته مَعَ الْمُعْتَزلَة وقطعه إيَّاهُم مَا ذكر قَالَ ثمَّ دفع إِلَيْهِ الْملك ابْنه يُعلمهُ مَذْهَب أهل السّنة وَألف لَهُ كتاب التَّمْهِيد فَتعلق أهل السّنة بِهِ تعلقًا شَدِيدا وَكَانَ الْقَاضِي أَبُو بكر ﵁ فَارس هَذَا الْعلم مُبَارَكًا على هَذِهِ الْأمة كَانَ يلقب شيخ السّنة ولسان الْأمة وَكَانَ مالكيًّا فَاضلا متورعًا مِمَّن لم يحفظ عَلَيْهِ زلَّة قطّ وَلَا انتسبت إِلَيْهِ نقيصة ذكر يَوْمًا عِنْد شيخنَا أَبِي عَبْد اللَّهِ الصَّيْرَفِي رَحْمَة اللَّه عَلَيْهِ فَقَالَ كَانَ صَلَاح الْقَاضِي أَكثر من علمه وَمَا نفع اللَّه هَذِهِ الْأمة بكتبه وبثها فيهم إِلَّا لحسن سَرِيرَته وَنِيَّته واحتسابه ذَلِك عِنْد ربه وَذكر من فَضله كثيرا وَحكى بعض شيوخنَا أَن الْقَاضِي كَانَ يدرس نَهَاره وَأكْثر ليله وَكَانَ حصنًا من حصون الْمُسلمين وَمَا سر أهل الْبِدْعَة بِشَيْء كسرورهم بِمَوْتِهِ رَحْمَة اللَّه عَلَيْهِ ورضوانه إِلَّا أَنه خلف بعده من تلاميذه جمَاعَة كَثِيرَة تفَرقُوا فِي الْبِلَاد أَكْثَرهم بالعراق وخراسان وَنزل مِنْهُم إِلَى الْمغرب رجلَانِ أَحدهمَا أَبُو عَبْدِ الله الأندي ﵁ وَبِه انْتفع أهل القيروان وَترك بهَا من تلاميذه مبرزين مشاهير جمَاعَة أدْركْت أَكْثَرهم وَكَانَ رجلا ذَا علم وأدب أَخْبَرنِي بعض شيوخنَا عَنهُ ﵀
[ ١٢٠ ]
أَنه قَالَ لي خَمْسُونَ عَاما متغربًا عَن أَهلِي ووطني وَلم أكن فِيهَا إِلَّا على كور جمل أَو بَيت فندق أطلب الْعلم آخِذا لَهُ ومأخوذًا عني وَقَالَ لي غَيره من شيوخنَا مَا قدر أحد من تلاميذه يُعْطِيهِ على تَعْلِيمه لَهُ شَيْئا من عرض الدُّنْيَا وَكَانَ يَقُول تعليمي هَذَا الْعلم أوثق أعمالي عِنْدِي فَأَخَاف أَن تدخله دَاخِلَة إِن أخذت عَلَيْهِ أجرا وَلَا أحتسب أجري فِيهِ إِلَّا على اللَّه وَلَقَد كَانَ يتركنَا فِي بَيته وَنحن جمَاعَة ثمَّ يذهب إِلَى السُّوق فيشترى غداءه أَو عشاءه ثمَّ ينْصَرف بِهِ فِي يَده فكنَّا نقُول لَهُ ياسيدنا الشَّيْخ نَحن شباب جمَاعَة كلنَا نرغب فِي قَضَاء حَاجَتك فِي المهم الْعَظِيم فَكيف فِي هَذَا الْأَمر الْيَسِير نَسْأَلك بِاللَّهِ الْعَظِيم إِلَّا مَا تركتنَا وَقَضَاء حوائجك فَإِن هَذَا من الْعَار الْعَظِيم علينَا فَكَانَ يَقُول لنَا بَارك اللَّه فِيكُم مَا يخفى عَليّ أَنكُمْ مسارعون لهَذَا الْأَمر وَلَكِن قد علمْتُم عُذْري وأخاف أَن يكون هَذَا من بعض أجْرى على تعليمي وَتُوفِّي بالقيروان غَرِيبا رَحْمَة اللَّه عَلَيْهِ ورضوانه وَالثَّانِي أَبُو طَاهِر الْبَغْدَادِيّ النَّاسك الْوَاعِظ كَانَ رجلا صَالحا شَيخا كَبِيرا مُنْقَطِعًا فِي طرف الْبَلَد أَدْرَكته بالقيروان لَا يدرس لكبره وكُنَّا نقصده فِي الْجَامِع لفضله ودعائه وَكَانَ يذكر لنَا بعض الْمسَائِل وشيئًا من أَخْبَار الْقَاضِي ﵀ وَكَانَ الْفَقِيه أَبُو عمرَان يَعْنِي الفاسي ﵀ يَقُول لَو كَانَ علم الْكَلَام طيلسانًا مَا تطيلس بِهِ إِلَّا أَبُو طَاهِر الْبَغْدَادِيّ وَكَانَ ﵀ حسن الْخط مليح اللَّفْظ جميل الشيبة غزير الدمعة كَانَ يعظ فِي مُؤخر الْجَامِع بعد صَلَاة الْجُمُعَة وَلم يكن بالقيروان عَالم مَذْكُور وَهُوَ عَالم بِعلم الْأُصُول إِلَّا وَقد
[ ١٢١ ]
أَخذ ذَلِك عَنهُ كمُحَمَّد بن سَحْنُون وابْن الْحداد ولولاه لضاع الْعلم بالمغرب وَمن الشُّيُوخ الْمُتَأَخِّرين الْمَشَاهِير أَبُو مُحَمَّد بن أَبِي زيد وشهرته تغني عَن ذكر فَضله اجْتمع فِيهِ الْعقل وَالدّين وَالْعلم والورع وَكَانَ يلقب بِمَالك الصَّغِير وخاطبه من بَغْدَاد رجل معتزلي يرغبه فِي مَذْهَب الإعتزال وَيَقُول لَهُ إِنَّه مَذْهَب مَالك وَأَصْحَابه فجاوبه بِجَوَاب من وقف عَلَيْهِ علم أَنه كَانَ نِهَايَة فِي علم الْأُصُول ﵁ وَبعده وَمَعَهُ الشَّيْخ الْفَاضِل الْكَامِل أَبُو الْحَسَنِ الْقَابِسِيّ مُتَأَخّر فِي زَمَانه مُتَقَدم فِي شَأْنه جمع الْعلم وَالْعَمَل وَالرِّوَايَة والدراية من ذَوي الِاجْتِهَاد فِي الْعُبَّاد والزُّهَّاد مجاب الدعْوَة لَهُ منَاقب يضيق عَنْهَا هَذَا الْكتاب كَانَ عَالما بالأصول وَالْفُرُوع والْحَدِيث وَغير ذَلِك من الرَّقَائِق ودقيق الْوَرع وَله رِسَالَة فِي أَبِي الْحسن الْأَشْعَرِيّ ﵁ أحسن الثنَاء عَلَيْهِ وَذكر فَضله وإمامته ثمَّ ذكر الكلَاعِي جمَاعَة من أفاضل هَذَا الْعلم بالمغرب تركت ذكرهم تجنبًا للإطالة خوفًا من السَّآمَة والملالة قَالَ الشَّيْخ الإِمَام الْحَافِظ ﵁ قَرَأت بِخَط بعض أهل الْعلم بالفقه والْحَدِيث من أهل الأندلس مِمَّن أَثِق بِهِ فِيمَا يحكيه وأصدقه فِيمَا يرويهِ فِي جَوَاب سُؤال سُئِلَ عَنهُ أَبُو الْحَسَنِ على الْفَقِيه القيرواني الْمَعْرُوف بابْن الْقَابِسِيّ وَهُوَ من كبار أَئِمَّة الْمَالِكِيَّة بالمغرب سَأَلَهُ عَنهُ بعض أهل تونس من بِلَاد الْمغرب فَكَانَ فِي جَوَابه لَهُ أَن قَالَ وَاعْلَمُوا أَن أَبَا الْحسن الْأَشْعَرِيّ ﵁ لم يَأْتِ من هَذَا الْأَمر يَعْنِي الْكَلَام إِلَّا مااراد بِهِ إِيضَاح السّنَن والتثبيت عَلَيْهَا وَدفع الشّبَه عَنْهَا فهمه من فهمه بِفضل اللَّه عَلَيْهِ وخفي عَمَّن
[ ١٢٢ ]
خَفِي بقسم الله وَله وَمَا أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيّ إِلَّا وَاحِد من جملَة القائمين بنصر الْحق مَا سمعنَا من أهل الْإِنْصَاف من يُؤَخِّرهُ عَن رتبته ذَلِك وَلَا من يُؤثر عَلَيْهِ فِي عصره غَيره وَمن بعده من أهل الْحق سلكوا سَبيله فِي الْقيام بِأَمْر الله عزوجل والذب عَن دينه حسب اجتهادهم قَالَ وَأما قَوْلكُم وَإِن كَانَ التَّوْحِيد لَا يتم إِلَّا بمقالة الْأَشْعَرِيّ فَهَذَا يدل على أَنكُمْ فهمتم أَن الْأَشْعَرِيّ قَالَ فِي التَّوْحِيد قولا خرج بِهِ عَن أهل الْحق فَإِن كَانَ قد نسب هَذَا الْمَعْنى عدكم إِلَى الْأَشْعَرِيّ فقد أبطل من قَالَ ذَلِك عَلَيْهِ لقد مَاتَ الْأَشْعَرِيّ ﵁ يَوْم مَاتَ وَأهل السّنة باكون عَلَيْهِ وَأهل الْبدع مستريحون مِنْهُ فَمَا عرفه من وَصفه بِغَيْر هَذَا قَالَ ﵁ وقرأت بِخَط عَليّ بن بَقَاء الْمصْرِيّ الْوراق الْمُحدث فِي رِسَالَة كتب بهَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زيد القيرواني الْمَالِكِي جَوَابا لعَلي بن أَحْمَدَ بْنِ اسمعيل الْبَغْدَادِيّ المعتزلي حِين ذكر أَبَا الْحسن الْأَشْعَرِيّ ﵁ وَنسبه إِلَى مَا هُوَ بَرِيء مِنْهُ مِمَّا جرت عَادَة الْمُعْتَزلَة بِاسْتِعْمَال مثله فِي حَقه فَقَالَ ابْن أَبِي زيد فِي حق أَبِي الْحسن هُوَ رجل مَشْهُور أَنه يرد على أهل الْبدع وعَلى الْقَدَرِيَّة والجهمية متمسك بالسنن حَدَّثَنِي الثِّقَةُ مِنْ أَصْحَابِنَا قَالَ نَا القَاضِي أَبُو اسحق
[ ١٢٣ ]
إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الشَّيْبَانِيُّ الطَّبَرِيُّ ثُمَّ الْمَكِّيُّ مِنْ لَفظه بِبَغْدَاد وَقد لقِيت أَنا القَاضِي أَبَا اسحق بِبَغْدَاد وصاحبته فِي طَرِيقِ مَكَّةَ وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْهُ شَيْئًا قَالَ نَا الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ بِأَصْبَهَانَ نَا أَبُو إِبْرَاهِيمَ أَسْعَدُ بْنُ مَسْعُودٍ الْعُتْبِيُّ بِنَيْسَابُورَ أَخْبَرَنَا الأُسْتَاذُ الإِمَامُ أَبُو مَنْصُورٍ عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرٍ الْبَغْدَادِيُّ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ الصُّوفِيَّ يَقُولُ رَأَيْتُ أَبَا الْحسن الْأَشْعَرِيّ ﵁ فِي مَسْجِدِ الْبَصْرَةِ وَقَدْ أَبْهَتِ الْمُعْتَزِلَةُ فِي الْمُنَاظَرَةِ فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ قَدْ عَرَفْنَا تَبَحُّرَكَ فِي عِلْمِ الْكَلامِ وَأنَا أَسْأَلُكَ عَنْ مَسَألَةٍ ظَاهِرَةٍ فِي الْفِقْهِ فَقَالَ سَلْ عَمَّا شِئْتَ فَقَالَ لَهُ مَا تَقُولُ فِي الصَّلاةِ بِغَيْرِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَقَالَ نَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى السَّاجِيُّ نَا عَبْدُ الْجَبَّارِ نَا سُفْيَانُ حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْ عُبَادَةِ بْنِ الصَّامِتِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ
لَا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ قَالَ وَحَدَّثَنَا زَكَرِيَّا نَا بُنْدَارٌ نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ جَعْفَرِ بن مَيْمُون حَدثنِي أَبُو عثمن عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أُنَادِيَ بِالْمَدِينَةِ إِنَّه لاصلاة إِلا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ قَالَ فَسَكَتَ السَّائِلُ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا قَالَ الإِمَامُ الْحَافِظُ ﵁ وَفِي هَذِهِ الْحِكَايَة دلَالَة للذكي الألمعي أَن أَبَا الْحسن كَانَ يذهب مَذْهَب الشَّافِعِي وَكَذَلِكَ
[ ١٢٤ ]
ذكر أَبُو بكر بن فورك الْأَصْبَهَانِيّ فِي كتاب طَبَقَات الْمُتَكَلِّمين وَذكره غَيره من أئمتنَا وشيوخنَا الماضين فَكفى أَبَا الْحسن فضلا أَن يشْهد بفضله مثل هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة وحسبه فحرا أَن يثني عَلَيْهِ الأماثل من عُلَمَاء الْأمة وَلَا يضرّهُ قدح من قدح فِيهِ لقُصُور الْفَهم ودنَاءة الهمة وَلم يبرهن على مَا يَدعِيهِ فِي حَقه إِلَّا بِنَفس الدَّعْوَى وَمُجَرَّد التُّهْمَة
بَاب ذكر مااشتهر بِهِ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيّ ﵁ من الْعلم وَظهر بِهِ من وفور الْمعرفَة بِهِ والفهم
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو المظفر أَحْمد بن الْحَسَنِ بن مُحَمَّد البسطامي بهَا أَنا جدي لأمي الشَّيْخ الإِمَام أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ بن الْحُسَيْنِ بْنِ سَهْلٍ السهلكي ببسطام قَالَ سَمِعت سُفْيَان الْمُتَكَلّم الصُّوفِي ﵀ يَقُول سَمِعت الشَّيْخ أَحْمد العريماني ﵀ يَقُول سَمِعت الْأُسْتَاذ أَبَا اسحق يَعْنِي إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الاسفرايني الْفَقِيه الصولي يَقُول كنت فِي جنب الشَّيْخ أَبِي الْحسن الْبَاهِلِيّ كقطرة فِي الْبَحْر سَمِعت الشَّيْخ أَبَا الْحسن الْبَاهِلِيّ قَالَ كنت أنَا فِي جنب الشَّيْخ الْأَشْعَرِيّ كقطرة فِي جنب الْبَحْر قَرَأت بِخَط بعض أهل الْعلم فِيمَا حُكيَ عَنْ أَبِي عَمْرو عثمن ابْن أبي بكر حمود السفاقسي قَالَ سَمِعت الْقَاضِي تَاج الْعلمَاء أَبَا جَعْفَر السمنَاني بالموصل يَقُول سَمِعت الْقَاضِي لِسَان الْأمة أَبَا بكر بن الطّيب يَقُول وَقد قيل لَهُ كلامك أفضل وَأبين من كَلَام أَبِي الْحسن الْأَشْعَرِيّ
[ ١٢٥ ]
﵀ فَقَالَ واللَّه إِن أفضل أحوالي أَن أفهم كَلَام أَبِي الْحسن ﵀ أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْمَعَالِي مُحَمَّدُ بْنُ اسميل بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْفَارِسِيِّ أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَافِظُ أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ أَخْبَرنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ الْعَنْزِيُّ نَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحِ عَن معوية بْنِ صَالِحٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله عزوجل ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمر مِنْكُم﴾ قَالَ يَعْنِي أَهْلَ الْفِقْهِ وَالدِّينِ وَأَهْلَ طَاعَةِ اللَّهِ الَّذِينَ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ مَعَانِيَ دِينِهِمْ وَيَأْمُرُونَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ فَأَوْجَبَ اللَّهُ عزوجل طَاعَتَهُمْ وَأَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْمَعَالِي الْفَارِسِي أَنا أَبُو بَكْرٍ الْحَافِظُ نَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ فورك أَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ نَا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ نَا أَبُو دَاوُدَ نَا الصَّعْقُ بْنُ حَزْنٍ عَنْ عَقِيلٍ الْجَعْدِيِّ عَنْ أَبِي اسحق عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفْلَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
أَيُّ عُرَى الإِسْلامِ أَوْثَقُ قَالَ قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ الْوِلايَةُ فِي اللَّهِ الْحُبُّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ وَيَا عَبْدَ اللَّهِ أَتَدْرِي أَيَّ النَّاسِ أَعْلَمُ قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ فَإِنَّ أَعْلَمَ النَّاسِ أَعْلَمُهُمْ بِالْحَقِّ إِذَا اخْتَلَفَ النَّاسُ وَإِنْ كَانَ مُقَصِّرًا فِي الْعَمَلِ وَإِنْ كَانَ يَزْحَفُ عَلَى اسْتِهِ قَالَ وَنَا ابو بكر بن فورك أَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ نَا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ نَا أَبُو دَاوُدَ نَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ فَلْيَقُلْ بِعِلْمِهِ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ فَلْيَقُلْ اللَّهُ أَعْلَمُ
[ ١٢٦ ]
قَالَ الإِمَامُ الْحَافِظُ ﵁ فَكَانَت هَذِهِ صفة الشَّيْخ أَبِي الْحسن ﵁ عِنْد ظُهُور الْبدع وَوُقُوع الْفِتَن فَعلم النَّاس مَعَاني دينهم وأوضح الْحجَج لتقوية يقينهم وَأمرهمْ بِالْمَعْرُوفِ فِيمَا يجب اعْتِقَاده من تَنْزِيه اللَّه تَعَالَى عَن مشابهة مخلوقاته وَبَين لَهُم مَا يجوز إِطْلَاقه عَلَيْهِ عزوجل من أَسْمَائِهِ الْحسنى وَصِفَاته ونهاهم عَن الْمُنكر من تَشْبِيه صِفَات الْمُحدثين وذواتهم بأوصافه أَو ذَاته فَكَانَت طَاعَته فِيمَا أمربه من التَّوْحِيد مقربة للمقتدي بِهِ إِلَى مرضاته لِأَنَّهُ كَانَ فِي عصره علم الْخلق بِمَا يجوز أَن يُطلق فِي وصف الْحق فأظهر فِي مصنفاته مَا كَانَ عِنْده من علمه فهدى اللَّه بِهِ من وَفقه من خلقه لفهمه قَالَ أَبُو بكر بن فُورَكٍ ﵀ انْتقل الشَّيْخ أَبُو الْحَسَنِ عَليّ بن اسمعيل الْأَشْعَرِيّ ﵁ من مَذَاهِب الْمُعْتَزلَة إِلَى نصْرَة مَذَاهِب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة بالحجج الْعَقْلِيَّة وصنف فِي ذَلِك الْكتب وَهُوَ بَصرِي من أَوْلَاد أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ﵁ صَاحب رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ الَّذِي فتح كثيرا من بِلَاد الْعَجم مِنْهَا كور الأهواز وَمِنْهَا أَصْبَهَان وَكَانَ نفر من أَوْلَاد أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ﵁ بِالْبَصْرَةِ وَإِلَى وَقت الشَّيْخ أَبِي الْحسن مِنْهُم من كَانَ يذكر بالرياسة فَلَمَّا وفْق اللَّه الشَّيْخ أَبَا الْحسن مَا كَانَ عَلَيْهِ من بدع الْمُعْتَزلَة وهداه إِلَى مَا يسره من نصْرَة أهل السّنة وَالْجَمَاعَة ظهر أمره وانتشرت كتبه بعد الثلثمائة وَبَقِي إِلَى سنة أَربع وَعشْرين وثلثمائة وَمِمَّنْ تخرج بِهِ مِمَّن اخْتلف إِلَيْهِ واستفاد مِنْهُ الْمَعْرُوف بِأبي الْحسن الْبَاهِلِيّ وَكَانَ إماميًّا فِي الأول رئيسيا مقدما
[ ١٢٧ ]
فانتقل عَن مَذْهَبهم بمنَاظرة جرت لَهُ مَعَ الشَّيْخ أَبِي الْحسن الْأَشْعَرِيّ ﵁ ألزمهُ فِيهَا الْحجَّة حَتَّى بَان لَهُ الْخَطَأ فِيمَا كَانَ عَلَيْهِ من مَذَاهِب الإمامية فَتَركهَا وَاخْتلف إِلَيْهِ وَنشر علمه بِالْبَصْرَةِ واستفاد مِنْهُ الْخلق الكثيرون ثمَّ تخرج بِهِ أَيْضا الْمَعْرُوف بِأبي الْحسن الرماني وَكَانَ مقدما فِي أَصْحَابه وَكَذَلِكَ تخرج بِهِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ حَمَّوَيْهِ السيرافي وطالت صحبته لَهُ وَعَاد إِلَى سيراف وانتفع بِهِ مَنْ هنَاك وَرَأَيْت من أَصْحَابه بشيراز مَنْ لقِيه ودرس عَلَيْهِ وَمِمَّنْ صحب الشَّيْخ أَبَا الْحسن بِبَغْدَادَ واستفاد مِنْهُ من أهل خُرَاسَان الشَّيْخ أَبُو عَلِيٍّ زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ السَّرخسِيّ وَكَذَلِكَ الْفَقِيه أَبُو زيد المرزوي والفقيه أَبُو سهل الصعلوكي النَّيْسَابُورِي وَمِمَّنْ صَحبه أَبُو نصر الكوازي بشيراز فَإِنَّهُ قَصده وَنسخ مِنْهُ كثيرا من كتبه مِنْهَا كِتَابه فِي النَّقْض على الجبائي فِي الْأُصُول يشْتَمل على نَحْو من أَرْبَعِينَ جُزْءا نسخت أنَا من كِتَابه الَّذِي نسخه من نُسْخَة الشَّيْخ أَبِي الْحسن بِالْبَصْرَةِ
فَأَما أسامي كتب الشَّيْخ أَبِي الْحسن ﵁ مِمَّا صنفه إِلَى سنة عشْرين وثلثمائة فَإِنَّهُ ذكر فِي كِتَابه الَّذِي سَمَّاهُ الْعمد فِي الرُّؤْيَة أسامي أَكثر كتبه فَمن ذَلِك أَنه ذكر أَنه صنف كتابا سَمَّاهُ الْفُصُول فِي الرَّد على الْمُلْحِدِينَ والخارجين عَن الْملَّة كالفلاسفة والطبائعيين والدهريين وَأهل التَّشْبِيه والقائلين بقدم الدَّهْر على اخْتِلَاف مقَالاتهم وأنواع مذاهبهم ثمَّ ردّ فِيهِ على البراهمة وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس وَهُوَ كتاب كَبِير يشْتَمل على اثْنَي عشر كتابا
[ ١٢٨ ]
أول كتاب إِثْبَات النّظر وَحجَّة الْعقل وَالرَّدّ على من أنكر ذَلِك ثمَّ ذكر علل الْمُلْحِدِينَ والدهريين مِمَّا احْتَجُّوا بهَا فِي قِدَم العَالَم وَتكلم عَلَيْهَا وَاسْتوْفى مَا ذكره ابْن الراوندي فِي كِتَابه الْمَعْرُوف بِكِتَاب التَّاج وَهُوَ الَّذِي نصر فِيهِ القَوْل بقدم الْعَالم وَذكر بعده الْكتاب الَّذِي سَمَّاهُ كتاب الموجز وَذَلِكَ يشْتَمل على اثْنَي عشر كتابا على حسب تنوع مقَالات الْمُخَالفين من الخارجين عَن الْملَّة والداخلين فِيهَا وَآخره كتاب الْإِمَامَة تكلم فِي إِثْبَات إِمَامَة الصّديق ﵁ وأبطل قَول من قَالَ بالنَّص وَأَنه لَا بُد من إمامٍ مَعْصُوم فِي كل عصر قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ ﵁ فِي كتاب الْعمد وألفنَا كتابا فِي خَلْق الْأَعْمَال نقضنَا فِيهِ اعتلالات الْمُعْتَزلَة والقدرية فِي خلق الْأَعْمَال وكشفنَا عَن تمويههم فِي ذَلِك قَالَ وألفنَا كتابا كَبِيرا فِي الِاسْتِطَاعَة على الْمُعْتَزلَة نقضنَا فِيهِ استدلالاتهم على أَنَّهَا قبل الْفِعْل ومسائلهم وجواباتهم قَالَ وألفنَا كتابا كَبِيرا فِي الصِّفَات تكلمنَا على أصنَاف الْمُعْتَزلَة والجهمية والمخالفين لنَا فِيهَا فِي نفيهم علم اللَّه وَقدرته وَسَائِر صِفَاته وعَلى أَبِي الْهُذيْل وَمعمر والنظام والفوطي وعَلى مَنْ قَالَ بقدم الْعَالم وَفِي فنون كَثِيرَة من فنون الصِّفَات فِي إِثْبَات الْوَجْه لِلَّه وَالْيَدَيْنِ وَفِي استوائه على الْعَرْش وعَلى النَّاشي ومذهبه فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات قَالَ وألفنَا كتابا فِي جَوَاز رُؤْيَة اللَّه بالأبصار نقضنَا فِيهِ جَمِيع إغتلالات الْمُعْتَزلَة فِي نَفيهَا وإنكارها وإبطالها قَالَ وألفنَا كتابا كَبِيرا ذكرنَا فِيهِ اخْتِلَاف النَّاس فِي الْأَسْمَاء وَالْأَحْكَام وَالْخَاص وَالْعَام قَالَ وألفنَا
[ ١٢٩ ]
كتابا فِي الردّ على المجسمة وألفنَا كتابا آخر فِي الْجِسْم نرى أَن الْمُعْتَزلَة لَا يُمكنهُم أَن يجيبوا عَن مسَائِل الجسمية كَمَا يمكننا ذَلِك وَبينا لُزُوم مسَائِل الجسمية على أصولهم قَالَ وألفنَا كتابا سمينَاه كتاب إِيضَاح الْبُرْهَان فِي الرَّد على أهل الزيغ والطغيان جعلنَاه مدخلًا إِلَى الموجز تكلمنا فِيهِ فِي الْفُنُون الَّتِي تكلمنَا فِيهَا فِي الموجز وألفنَا كتابا لطيفا سمينَاه كتاب اللمع فِي الرَّد على أهل الزيغ والبدع وألفنا كتابا سميناه اللمع الْكَبِير جعلنَاه مدخلًا إِلَى إِيضَاح الْبُرْهَان وألفنَا اللمع الصَّغِير جعلنَاه مدخلًا إِلَى اللمع الْكَبِير وألفنَا كتابا سمينَاه كتاب الشَّرْح وَالتَّفْصِيل فِي الرَّد على أهل الْإِفْك والتضليل جعلنَاه للمبتدئين ومقدمة ينظر فِيهَا قبل كتاب اللمع وَهُوَ كتاب يصلح للمتعلمين وألفنَا كتابا مُخْتَصرا جعلنَاه مدخلًا إِلَى الشَّرْح وَالتَّفْصِيل قَالَ وألفنَا كتابا كَبِيرا نقضنَا فِيهِ الْكتاب الْمَعْرُوف بالأصول على مُحَمَّد ابْن عَبْدِ الْوَهَّاب الجبائي كشفنَا عَن تمويهه فِي سَائِر الأَبواب الَّتِي تكلم فِيهَا من أصُول الْمُعْتَزلَة وذكرنَا مَا للمعتزلة من الْحجَج فِي ذَلِك بِمَا لم يَأْتِ بِهِ ونقضنَاه بحجج اللَّه الزاهرة وبراهينه الباهرة يَأْتِي كلامنَا عَلَيْهِ فِي نقضه فِي جَمِيع مسَائِل الْمُعْتَزلَة وأجوبتها فِي الْفُنُون الَّتِي اخْتَلَفْنَا نَحن وَهُوَ فِيهَا قَالَ وألفنَا كتابا كَبِيرا نقضنَا فِيهِ الْكتاب الْمَعْرُوف بِنَقْض تَأْوِيل الْأَدِلَّة على الْبَلْخِي فِي أصُول الْمُعْتَزلَة وأبَنَّا عَن شبهه الَّتِي أوردهَا بأدلة اللَّه الْوَاضِحَة وأعلامه اللائحة وضممنَا إِلَى ذَلِك نقض مَا ذكره من الْكَلَام فِي الصِّفَات فِي عُيُون الْمسَائِل والجوابات وألفنَا كتابا فِي
[ ١٣٠ ]
مقالات الْمُسلمين يستوعب جَمِيع اختلافاتهم ومقَالاتهم وألفنَا كتابا فِي جمل مقَالات الْمُلْحِدِينَ وجمل أقاويل الْمُوَحِّدين سمينَاه كتاب جمل المقَالات وألفنَا كتابا كَبِيرا فِي الصِّفَات وَهُوَ أكبر كتبه سمينَاه كتاب الجوابات فِي الصِّفَات عَن مسَائِل أهل الزيغ والشبهات نقضنَا فِيهِ كتابا كنَّا ألفنَاه قَدِيما فِيهَا على تَصْحِيح مَذْهَب الْمُعْتَزلَة لم يؤلف لَهُم كتاب مثله ثمَّ أبان اللَّه سُبْحَانَهُ لنَا الْحق فرجعنَا عَنهُ فنقضناه وأوضحنا بُطْلَانه والنفا كتابا على ابْن الراوندي فِي الصِّفَات والقرى ن وألفنَا كتابا نقضنَا فِيهِ كتابا للخالدي أَلفه فِي الْقُرْآن وَالصِّفَات قبل أَن يؤلف كِتَابه الملقب بالملخص وألفنَا كتابا نقضنَا بِهِ كتابا للخالذي فِي إِثْبَات حَدَث إِرَادَة اللَّه تَعَالَى ووأنه شَاءَ مَا لم يكن وَكَانَ مَا لم يَشَأْ وأوضحنَا بطلَان قَوْله فِي ذَلِك وسمينَاه القامع لكتاب الخالدي فِي الْإِرَادَة وألفنَا كتابا نقضنَا فِيهِ كتابا للخالدي فِي المقَالات سَمَّاهُ الْمُهَذّب سمينَا نقضه فِيمَا نخالفه فِيهِ من كِتَابه الدَّافِع للمهذب ونقضنَا كتابا للخالدي نفى فِيهِ رُؤْيَة اللَّه تَعَالَى بالأبصار وألفنَا على الخالدي كتابا نقضنَا فِيهِ كتابا أَلفه فِي نفى خلق الْأَعْمَال وتقديرها عَن رب الْعَالمين وألفنَا كتابا نقضنَا بِهِ على الْبَلْخِي كتابا ذكر أَنه أصلح بِهِ غلط ابْن الراوندي فِي الجدل وألفنَا كتابا فِي الاستشهاد أرينَا فِيهِ كَيفَ يلْزم الْمُعْتَزلَة على محجتهم فِي الاستشهاد بِالشَّاهِدِ على الْغَائِب أَن يثبتوا علم اللَّه وَقدرته وَسَائِر صِفَاته وألفنَا كتابا سمينَاه الْمُخْتَصر فِي التَّوْحِيد وَالْقدر فِي أَبواب من الْكَلَام مِنْهَا الْكَلَام فِي إِثْبَات رُؤْيَة اللَّه بالأبصار وَالْكَلَام
[ ١٣١ ]
فِي سَائِر الصِّفَات وَالْكَلَام فِي أَبواب الْقدر كلهَا وَفِي التوليد وَفِي التَّعْجِيز والتجوير وسألنَاهم فِيهِ عَن مسَائِل كَثِيرَة ضاقوا بِالْجَوَابِ عَنْهَا ذرعا وَلم يَجدوا إِلَى الانفكاك عَنْهَا بِحجَّة سَبِيلا وألفنَا كتابا فِي شرح أدب الجدل وألفنَا كتابا سمينَاه كتاب الطبريين فِي فنون كَثِيرَة من الْمسَائِل الْكَثِيرَة وألفنَا كتابا سمينَاه جَوَاب الخراسانية فِي ضروب من الْمسَائِل كَثِيرَة وألفنَا كتابا سمينَاه كتاب الأرّجانيين فِي أَبواب مسَائِل الْكَلَام وألفنَا كتابا سمينَاه جَوَاب السيرافيين فِي أَجنَاس الْكَلَام وألفنَا كتابا سمينَاه جَوَاب العمانيين فِي أَنْوَاع من الْكَلَام وألفنَا كتابا سمينَاه جَوَاب الجرجانيين فِي مسَائِل كَانَت تَدور بيننَا وَبَين الْمُعْتَزلَة وألفنَا كتابا سمينَاه جَوَاب الدمشقيين فِي لطائف من الْكَلَام وألفنَا كتابا سمينَاه جَوَاب الواسطيين فِي فنون من الْكَلَام وألفنَا كتابا سمينَاه جوابات الرامهرمزيين وَكَانَ بعض الْمُعْتَزلَة من رامهرمز كتب إليَّ يسألني الْجَواب عَن مسَائِل كَانَت تَدور فِي نَفسه فأجبت عَنْهَا وألفنَا كتابا سمينَاه الْمسَائِل المنثورة البغدادية وَفِيه مجَالِس دارت بيننَا وَبَين أَعْلَام الْمُعْتَزلَة وألفنَا كتابا سمينَاه المنتخل فِي الْمسَائِل المنثورات البصريات وألفنَا كتابا سميته كتاب الْفُنُون فِي الرَّد على الْمُلْحِدِينَ وألفت كتاب النَّوَادِر فِي دقائق الْكَلَام وألفت كتابا سميته كتاب الْإِدْرَاك فِي فنون من لطائف الْكَلَام وألفت نقض الْكتاب الْمَعْرُوف باللطيف على الإسكافي وألفت كتابا نقضت
[ ١٣٢ ]
فِيهِ كَلَام عباد بن سُلَيْمَان فِي دقائق الْكَلَام وألفت كتابا نقضت فِيهِ كتابا على عَليّ بن عِيسَى من تأليفه وألفنَا كتابا فِي ضروبٍ من الْكَلَام سمينَاه المختزن ذكرنَا فِيهِ مسَائِل للمخالفين لم يسألونَا عَنْهَا وَلَا سطروها فِي كتبهمْ وَلم يتجهوا للسؤال وأجبنَا عَنْهَا بِمَا وفقنَا اللَّه تَعَالَى لَهُ وألفنَا كتابا فِي بَاب شَيْء وَأَن الْأَشْيَاء هِيَ أَشْيَاء وَإِن عدمت رجعنَا عَنهُ ونقضنَاه فَمن وَقع إِلَيْهِ فَلَا يعولن عَلَيْهِ وألفنَا كتابا فِي الِاجْتِهَاد فِي الْأَحْكَام وألفنَا كتابا فِي أَن الْقيَاس يخص ظَاهر الْقُرْآن وألفنَا كتابا فِي المعارف لطيفا وألفنَا كتابا فِي الْأَخْبَار وتخصيصها وألفنَا كتابا سمينَاه الْفُنُون فِي أَبواب من الْكَلَام غير كتاب الْفُنُون الَّذِي ألفنَاه على الْمُلْحِدِينَ وألفنَا كتابا سمينَاه جَوَاب المصريين أتينَا فِيهِ على كثير من أَبواب الْكَلَام وألفنَا كتابا فِي أَن الْعَجز عَن الشَّيْء غير الْعَجز عَن ضِدّه وَإِن الْعَجز لَا يكون إِلَّا من الْمَوْجُود نصرنَا فِيهِ مَنْ قَالَ مِنْ أصحابْنَا بذلك وألفنَا كتابا فِيهِ مسَائِل على أهل التَّثْنِيَة سمينَاه كتاب الْمسَائِل على أهل التَّثْنِيَة وألفنَا كتابا مُجَردا ذكرنَا فِيهِ جَمِيع اعْتِرَاض الدهريين فِي قَول الْمُوَحِّدين أَن الْحَوَادِث أَولا إِنَّهَا لَا تصح وَأَنَّهَا لَا تصح إِلَّا من مُحدث وَفِي أَن الْمُحدث وَاحِد وأجبْنَاهم عَنهُ بِمَا فِيهِ إقنَاع للمسترشدين وذكرنَا أَيْضا اعتلالات لَهُم فِي قِدَم الْأَجْسَام وَهَذَا الْكتاب غير كتبنَا الَّتِي ذكرنَاها فِي صدر كتابنَا هَذَا وَهُوَ مرسوم بالاستقصاء لجَمِيع اعْتِرَاض الدهريين وَسَائِر أصنَاف الْمُلْحِدِينَ وألفنَا كتابا عَليّ الدهريين فِي اعتلالاتهم
[ ١٣٣ ]
فِي قدم الْأَجْسَام بِأَنَّهَا لَا تَخْلُو أنْ لَو كَانَت محدثة من أَن يكون أحدثها لنَفسِهِ أَو لعِلَّة وألفنَا كتابا نقضنَا بِهِ اعتراضا على دَاوُد بن عَليّ الْأَصْبَهَانِيّ فِي مسئلة الِاعْتِقَاد وألفنَا كتاب تَفْسِير الْقُرْآن رددنَا فِيهِ على الجبائي والبلخي مَا حرَّفا من تَأْوِيله وألفنَا كتاب زيادات النَّوَادِر وألفنَا كتابا سمينَاه جوابات أهل فَارس وألفنَا كتابا أَخْبَرْنَا فِيهِ عَن اعتلال من زعم أَن الْموَات يفعل بطبعه ونقضنَا عَلَيْهِم اعتلالهم وأوضحنَا عَن تمويههم وألفنَا كتابا فِي الرُّؤْيَة نقضنَا بِهِ اعتراضات اعْترض بهَا علينَا الجبائي فِي مَوَاضِع مُتَفَرِّقَة من كتب جمعهَا مُحَمَّد بن عُمَرَ الصَّيْمَرِيّ وحكاها عَنهُ فأبَنَّا عَن فَسَادهَا وأوضحنَاه وكشفنَاه وألفنَا كتابا سمينَاه الْجَوْهَر فِي الرَّد على أهل الزيغ وَالْمُنكر وألفنَا كتابا أجبْنَا فِيهِ عَن مسَائِل الجبائي فِي النّظر وَالِاسْتِدْلَال وشرائطه وألفنَا كتابا سمينَاه أدب الجدل وألفنَا كتابا فِي مقَالات الفلاسفة خَاصَّة وألفنَا كتابا فِي الرَّد على الفلاسفة يشْتَمل على ثَلَاث مقَالات ذكرنَا فِيهِ نقض علل ابْن قيس الدهري وتكلمنَا فِيهِ على الْقَائِلين بالهيولي والطبائع ونقضنَا فِيهِ علل أرسطو طاليس فِي السَّمَاء والعالم وبينَّا مَا عَلَيْهِم فِي قَوْلهم بِإِضَافَة الْأَحْدَاث إِلَى النُّجُوم وَتَعْلِيق أَحْكَام السَّعَادَة والشقاوة بهَا
[ ١٣٤ ]
قَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ فُورَكٍ هَذَا هُوَ أسامي كتبه الَّتِي ألفها إِلَى سنة عشْرين وثلثمائة سوى أَمَالِيهِ على النَّاس والجوابات المتفرقة عَن الْمسَائِل الواردات من الْجِهَات المختلفات وَسوى مَا أملاه على النَّاس ممَّا لم يذكر أساميه ههنَا وَقد عَاشَ بعد ذَلِك إِلَى سنة أَربع وَعشْرين وثلثمائة وصنف فِيهَا كتبا مِنْهَا كتاب نقض المضاهاة على الإسكافي فِي التَّسْمِيَة بِالْقدرِ وَكتاب الْعمد فِي الرُّؤْيَة وَكتاب فِي مَعْلُومَات اللَّه ومقدوراته أَنه لَا نِهَايَة لَهَا على أَبِي الْهُذيْل وَكتاب على حَارِث الورَّاق فِي الصِّفَات فِيمَا نقض على ابْن الراوندي وَكتاب على أهل التنَاسخ وَكتاب فِي الردَّ فِي الحركات على أَبِي الْهُذيْل وَكتاب على أهل الْمنطق ومسائل سُئل عَنْهَا الجبائي فِي الْأَسْمَاء وَالْأَحْكَام ومجالسات فِي خبر الْوَاحِد وَإِثْبَات الْقيَاس وَكتاب فِي أَفعَال النَّبِي ﷺ تَسْلِيمًا وَكتاب فِي الْوُقُوف والعموم وَكتاب فِي متشابه الْقُرْآن جمع فِيهِ بَين الْمُعْتَزلَة والملحدين فِيمَا يطعنون بِهِ فِي متشابه الحَدِيث وَنقض كتاب التَّاج على ابْن الراوندي وَكتاب فِيهِ بَيَان مَذْهَب النصاري وَكتاب فِي الْإِمَامَة وَكتاب فِيهِ الْكَلَام على النَّصَارَى ممَّا يحْتَج بِهِ عَلَيْهِم من سَائِر الْكتب الَّتِي يعترفون بهَا وَكتاب فِي النَّقْض على ابْن الراوندي فِي إبِْطَال التَّوَاتُر وَفِيمَا يتَعَلَّق بِهِ الطاعنون على التَّوَاتُر ومسائل فِي إِثْبَات الْإِجْمَاع وَكتاب فِي حكايات مَذَاهِب المجسمة وَمَا يحتجون بِهِ وَكتاب نقض شرح الْكتاب وَكتاب فِي مسَائِل جرت بَينه وَبَين أَبِي الْفرج
[ ١٣٥ ]
الْمَالِكِي فِي عِلّة الْخمر وَنقض كتاب آثَار العلوية على أرسطو طاليس وَكتاب فِي جوابات مسَائِل لأبي هَاشم استملاها ابْن أَبِي صَالح الطَّبَرِيّ وَكتابه الَّذِي سَمَّاهُ الِاحْتِجَاج وَكتاب الْأَخْبَار الَّذِي أملاه على الْبُرْهَان وَذَلِكَ آخر مَا بلغنَا من أسامي تصانيفه وَله كتاب فِي دَلَائِل النُّبُوَّة مُفْرد وَكتاب آخر فِي الْإِمَامَة مُفْرد
قَالَ الشَّيْخ الإِمَام الْحَافِظ ﵁ هَذَا آخر مَا ذكره أَبُو بكر بن فورك من تصانيفه وَقد وَقع إِلَى أَشْيَاء لم يذكرهَا فِي تَسْمِيَة تواليفه فَمِنْهَا رِسَالَة الْحَث على الْبَحْث ورسالة فِي الْإِيمَان وَهل يُطلق عَلَيْهِ اسْم الْخلق وَجَوَاب مسَائِل كتب بهَا إِلَى أهل الثغر فِي تَبْيِين مَا سَأَلُوهُ عَنهُ من مَذْهَب أهل الْحق وأَخْبَرنِي الشَّيْخ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ نصر الْوَاعِظ فِي كِتَابه عَنْ أَبِي الْمَعَالِي بن عَبْدِ الْمَلِكِ الْقَاضِي قَالَ سَمِعت من أَثِق بِهِ قَالَ رَأَيْت تراجم كتب الإِمَام أَبِي الْحسن فعددتها أَكثر من مِائَتَيْنِ وثلثمائة مُصَنف وَفِي ذَلِك مَا يدل على سَعَة علمه وينبىء الْجَاهِل بِهِ عَن غزارة فهمه وخطبته فِي أول كِتَابه الَّذِي صنفه فِي تَفْسِير الْقُرْآن أدل دَلِيل على تبريزه فِي الْعلم بِهِ على الأقران وَهُوَ الَّذِي سَمَّاهُ تَفْسِير الْقُرْآن وَالرَّدّ على من خَالف الْبَيَان من أهل الْإِفْك
[ ١٣٦ ]
والبهتان وَنقض مَا حرفه الجبائي والبلخي فِي تأليفهما قَالَ فِي أَوله الْحَمد لِلَّه الحميد الْمجِيد المبدىء المعيد الفعال لما يُرِيد الَّذِي افْتتح بِحَمْدِهِ كِتَابه وأوضح فِيهِ برهانه وَبَين فِيهِ حَلَاله وَحَرَامه وَفرق بَين الْحق وَالْبَاطِل والعالم وَالْجَاهِل وأنزله محكما ومتشابها ونَاسخا ومنسوخا ومكيا ومدنيا وخاصا وعاما ومثلا مَضْرُوبا أخبر فِيهِ عَن أَخْبَار الْأَوَّلين وأقاصيص الْمُتَقَدِّمين وَرغب فِيهِ فِي الطَّاعَات ورهب فِيهِ وزجر عَن الزلات والتبعات وخطوات الشَّيْطَان والضلالات ووعد فِيهِ بالثواب لمن عمل بِطَاعَتِهِ ليَوْم المآب وتوعد فِيهِ من كفر بِهِ وجانب الصَّوَاب وَلم يعْمل بِالطَّاعَةِ ليَوْم الْحَشْر والحساب جعله موعظة للْمُؤْمِنين وعبرة للغابرين وَحجَّة على الْعَالمين لِئَلَّا يَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ من الْمُؤمنِينَ جمع فِيهِ علم الْأَوَّلين والآخرين وأكمل فِيهِ الْفَرَائِض وَالدّين فَهُوَ صِرَاط اللَّه المستبين وحبله المتين من تمسك بِهِ نجا وَمن جَانِبه ضل وغوى وَفِي الْجَهْل تردى وَجعله قُرْآنًا عربيًّا غير ذِي عوج بِلِسَان الْعَرَب الْأُمِّيين الَّذين لم يَأْتهمْ رَسُول قبله من عِنْد رب الْعَالمين بِكِتَاب يتلوه بلسانهم من عِنْد فاطر السَّمَوَات
[ ١٣٧ ]
وَالْأَرضين وَقطع بِهِ عذر الْمُخَالفين لنبوة سيد الْمُرْسلين إِذْ جعله معجزًا يعجزون عَن الْإِتْيَان بِمثلِهِ وهم أَرْبَاب اللِّسَان وَالنِّهَايَة فِي الْبَيَان بَين لَهُم فِيهِ مَا يأْتونَ وَمَا يَتَّقُونَ وَمَا يحلونَ وَمَا يحرمُونَ وأوضح لَهُم فِيهِ سبل الرشاد وَالْهدى والسداد وَمَا صنعه بالأولين الَّذين كَانُوا لَدَيْهِ مخالفين وَعنهُ منحرفين وَمَا ينزله من النقمات بالكافرين إِن أَقَامُوا على الْكفْر وَكَانُوا بِهِ مُتَمَسِّكِينَ لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويحيا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ الله لسميع عليم أما بعد فَإِن أهل الزيغ والتضليل تأولوا الْقُرْآن على آرائهم وفسروه على أهوائهم تَفْسِيرا لم ينزل الله بِهِ سُلْطَانا وَلَا أوضح بِهِ برهانًا وَلَا رَوَوْهُ عَن رَسُول رب الْعَالمين وَلَا عَن أهل بَيته الطيبين وَلَا عَن السّلف الْمُتَقَدِّمين من أَصْحَابه وَالتَّابِعِينَ افتراءً على اللَّه قَدْ ضلوا وَمَا كَانُوا مهتدين وَإِنَّمَا أخذُوا تفسيرهم عَنْ أَبِي الْهُذيْل بياع الْعلف ومتبعيه وَعَن إِبْرَاهِيم نظام الخرز ومقلديه وَعَن الفوطي ونَاصريه وَعَن الْمَنْسُوب إِلَى قَرْيَة جبي ومنتحليه وَعَن الْأَشَج جَعْفَر بن حَرْب ومجتبيه وَعَن جَعْفَر بن مُبشر القصبي ومتعصبيه وَعَن الإسكافي الْجَاهِل ومعظميه وَعَن الْفَروِي الْمَنْسُوب إِلَى مَدِينَة بَلخ وَذَوِيهِ فَإِنَّهُم قادة الضلال من الْمُعْتَزلَة الْجُهَّال الَّذين قلّدوهم دينهم وجعلوهم معولهم الَّذِي عَلَيْهِ يعولون وركنهم الَّذِي إِلَيْهِ يستندون وَرَأَيْت الجبائي ألف فِي تَفْسِير الْقُرْآن كتابا أوَّله على خلاف مَا أنزل الله عزوجل وعَلى لُغَة أهل قريته الْمَعْرُوفَة بجبي وَلَيْسَ من أهل اللِّسَان الَّذِي نزل بِهِ الْقُرْآن وَمَا روى فِي كِتَابه حرفا وَاحِدًا عَن أحدٍ من الْمُفَسّرين وَإِنَّمَا اعْتمد على مَا وسوس بِهِ صَدره
[ ١٣٨ ]
وشيطانه وَلَوْلَا أَنه استغوى بكتابه كثيرا من أهل الْعَوام واستزل بِهِ عَن الْحق كثيرا من الطغام لم يكن لتشاغلي بِهِ وَجه قَالَ الإِمَام الْحَافِظ أَبُو الْقسم ﵁ ثمَّ ذكر بعض الْمَوَاضِع الَّتِي أَخطَأ فِيهَا الجبائي فِي تَفْسِيره وَبَين مَا أَخطَأ فِيهِ من تَأْوِيل الْقُرْآن بعون اللَّه لَهُ وتيسيره وكل ذَلِك مِمَّا يدل على نبله وَكَثْرَة علمه وَظُهُور فَضله فجزاه اللَّه على جهاده فِي دينه بِلِسَانِهِ الْحسنى وأحله بإحسانه فِي مُسْتَقر جنَانه الْمحل الْأَسْنَى
وَذكر أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَعْرُوف بقاضي الْعَسْكَر وَكَانَ من كبراء أَصْحَاب أَبِي حنيفَة ﵁ أَنه نظر فِي كتب صنفها المتقدمون فِي علم التَّوْحِيد قَالَ فَوجدت بَعْضهَا للفلاسفة مثل اسحق الْكِنْدِيّ والإسفرازي وأمثالهما وَذَلِكَ كُله خَارج عَن الطَّرِيق الْمُسْتَقيم زائغ عَن الدّين القويم لَا يجوز النّظر فِي تِلْكَ الْكتب لِأَنَّهُ يجر إِلَى المهالك لِأَنَّهَا مملوءَة من الشّرك والنفاق مُسَمَّاة باسم التَّوْحِيد وَلِهَذَا مَا أمسك المتقدمون من أهل السّنة وَالْجَمَاعَة شَيْئا من كتبهمْ وَوجدت تصانيف كَثِيرَة فِي هَذَا الْفَنّ من الْعلم للمعتزلة مثل عبد الْجَبَّار الرَّازِيّ والجبائي والكعبي والنظام وَغَيرهم وَلَا يجوز إمْسَاك تِلْكَ الْكتب وَلَا النّظر فِيهَا كَيْلا تحدث الشكوك ويوهن الِاعْتِقَاد وَلِئَلَّا ينْسب ممسكها إِلَى الْبِدْعَة وَلِهَذَا مَا أمْسكهَا المتقدمون من أهل السّنة وَالْجَمَاعَة فَكَذَا المجسمة صنفوا كتبا فِي هَذَا الْفَنّ مثل مُحَمَّد بن لهيصم وَأَمْثَاله وَلَا يحل النّظر فِيهَا وَلَا إِمْسَاكهَا فَإِنَّهُم شَرّ أهل الْبدع وَقد وَقع فِي يَدي بعض هَذِهِ التصانيف فَمَا أَمْسَكت مِنْهَا شَيْئا وَقد وجدت لأبي
[ ١٣٩ ]
الْحسن الْأَشْعَرِيّ ﵁ كتبا كَثِيرَة فِي هَذَا الْفَنّ وَهِي قريبَة من مِائَتي كتاب والموجز الْكَبِير يَأْتِي على عَامَّة مَا فِي كتبه وَقد صنف الْأَشْعَرِيّ كتابا كَبِيرا لتصحيح مَذْهَب الْمُعْتَزلَة فَإِنَّهُ كَانَ يعْتَقد مَذْهَب الْمُعْتَزلَة فِي الِابْتِدَاء ثمَّ إِن اللَّه تَعَالَى بَين لَهُ ضلالهم فَبَان عَمَّا اعتقده من مَذْهَبهم وصنف كتابا نَاقضا لما صنف للمعتزلة وَقد أَخذ عَامَّة أَصْحَاب الشَّافِعِي بِمَا اسْتَقر عَلَيْهِ مَذْهَب أَبِي الْحسن الْأَشْعَرِيّ وصنف أَصْحَاب الشَّافِعِي كتبا كَثِيرَة على وفْق مَا ذهب إِلَيْهِ الْأَشْعَرِيّ إِلَّا أَن بعض أصحابنَا من أهل السّنة وَالْجَمَاعَة خطأ أَبَا الْحسن الْأَشْعَرِيّ فِي بعض الْمسَائِل مثل قَوْله التكوين والمكون وَاحِد وَنَحْوهَا على مَا يبين فِي خلال الْمسَائِل إِن شَاءَ اللَّه تَعَالَى فَمن وقف على الْمسَائِل الَّتِي أَخطَأ فِيهَا أَبُو الْحَسَنِ وَعرف خطأه فَلَا بَأْس لَهُ بِالنّظرِ فِي كتبه فقد أمسك كتبه كثير من أصحابنَا من أهل السّنة وَالْجَمَاعَة ونظروا فِيهَا
قَالَ الإِمَامُ الْحَافِظُ ﵁ وهَذِهِ الْمسَائِل الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا لَا تكسب أَبَا الْحسن تشنيعا وَلَا توجب لَهُ تكفيرا وَلَا تضليلا وَلَا تبديعا وَلَو حققوا الْكَلَام فِيهَا لحصل الِاتِّفَاق وَبَان بِأَن الْخلاف فِيهَا حَاصله الْوِفَاق وَمَا زَالَ الْعلمَاء يُخَالف بَعضهم بَعْضًا ويقصد دفع قَول خَصمه إبراما ونقضا ويجتهد فِي إِظْهَاره خِلَافه بحثا وفحصا وَلَا يعْتَقد ذَلِك فِي حَقه عَيْبا ونقصا وقديما مَا خَالف أَبَا حنيفَة صَاحِبَاه وأجابا فِي كثير من الْمسَائِل بِمَا أَبَاهُ واللَّه يتغمد جَمِيع الْعلمَاء برحمته ويحشرنَا فِي زمرتهم بِلُطْفِهِ ورأفته
[ ١٤٠ ]
بَاب ذكر مَا عرف من أَبِي الْحسن ﵁ من الِاجْتِهَاد فِي الْعِبَادَة وَنقل عَنهُ من التقلل من الدُّنْيَا والزهادة
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْمُظَفَّرِ بْنُ أَبِي الْعَبَّاس الشعيري الصُّوفِي قَالَ أَخْبَرَنَا الإِمَام أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ البسطامي جدي لأمي قَالَ سَمِعت عَليّ بن مُحَمَّد الطَّبَرِيّ الْمُتَكَلّم قَالَ سَمِعت أَبَا الْحُسَيْن السروي الْفَاضِل فِي الْكَلَام يَقُول كَانَ الشَّيْخ أَبُو الْحَسَنِ يَعْنِي الْأَشْعَرِيّ قَرِيبا من عشْرين سنة يُصَلِّي صَلَاة الصُّبْح بِوضُوء الْعَتَمَة وَكَانَ لَا يَحْكِي عَن اجْتِهَاده شَيْئا إِلَى أحد
كتب إِلَى الشَّيْخ أَبُو الْقَاسِمِ نصر بن نصر بن عَليّ عَن يُونُس بن العكبري من بَغْدَاد يُخْبِرنِي عَن الْقَاضِي أَبِي الْمَعَالِي عزيزي بن عَبْدِ الْمَلِكِ شيذلة قَالَ سَمِعت الشَّيْخ الإِمَام أَبَا عَبْد اللَّهِ الْحُسَيْن بن مُحَمَّد الدَّامغَانِي قَالَ سَمِعت الإِمَام أَبَا الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سمعون قَالَ سَمِعت أَبَا عمرَان مُوسَى بن أَحْمَدَ بْنِ عَليّ الْفَقِيه قَالَ سَمِعت أَبِي يَقُول خدمت الإِمَام أَبَا الْحسن بِالْبَصْرَةِ سِنِين وعاشرته بِبَغْدَادَ إِلَى أَن توفّي ﵀ فَلم أجد أورع مِنْهُ وَلَا أَغضّ طرفا وَلم أر شَيخا أَكثر حَيَاء مِنْهُ فِي أُمُور الدُّنْيَا وَلَا أنشط مِنْهُ فِي أُمُور الْآخِرَة قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْمَعَالِي فأظهر الْحق وَنَصره وأدحض الْبَاطِل وزجره وأعلن معالم الدّين وَأقَام دعائم الْيَقِين وصنف كتبا هِيَ فِي الْآفَاق مَشْهُورَة مَعْرُوفَة وَعند الْمُخَالف والمؤالف مثبوتة مَوْصُوفَة فَلم تزل وُجُوه الدّين بجانبه مكشوفة القنَاع وأيدي الشَّرِيعَة بنصرته مبسوطة الباع وَكلمَة الْبدع منقمعة الْأَمر
[ ١٤١ ]
وَشبه الْبَاطِل منقصمة الظّهْر إِلَى أَن مَاتَ رضوَان اللَّه عَلَيْهِ
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بن أَحْمد بن مَنْصُور القفيه بِدِمَشْق قَالَ ثَنَا وَالشَّيْخ أَبُو مَنْصُور مُحَمَّد بن عَبْدِ الْمَلِكِ بن الْحَسَنِ بن خيرون الْمقري بِبَغْدَاد قَالَ أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ بن ثَابت الْحَافِظ قَالَ ثَنَا الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ ابْن مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَصْبَهَانِيّ قَالَ سَمِعت أَبَا عَبْد اللَّهِ بن دانيال يَقُول سَمِعت بنْدَار بن الْحُسَيْنِ وَكَانَ خَادِم أَبِي الْحسن عَليّ بن إِسْمَاعِيلَ بِالْبَصْرَةِ قَالَ كَانَ أَبُو الْحَسَنِ يَأْكُل من غلَّة ضَيْعَة وَقفهَا جده بِلالِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ على عَقِبِه قَالَ وَكَانَت نَفَقَته فِي كل سنة سَبْعَة عشر درهما
بَاب ذكر مَا يُسِّر لأبي الْحسن ﵀ من النِّعْمَة من كَونه من خير قُرُون هَذِهِ الأمَّة
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْقَسْمِ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ الْحُصَيْنِ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ التَّمِيمِيِّ قَالَ أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بن حمدَان الْقطيعِي قَالَ ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ حَدَّثَنِي أبي قَالَ ثَنَا هشيم قَالَ أَنا ابو بشر بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
خَيْرُ أُمَّتِي الْقَرْنُ الَّذِي بُعِثْتُ فِيهِمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ الثَّالِثَةَ أَمْ لَا ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ يُحِبُّونَ السِّمَانَةَ يَشْهَدُونَ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدُوا
[ ١٤٢ ]
رَوَاهُ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فِي صَحِيحِهِ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيِّ عَنْ هُشَيْمِ بْنِ بَشِيرٍ الْوَاسِطِيِّ وَقد جَاءَ هَذَا الحَدِيث من وَجْهَيْن آخَرين من غير شكّ فِي ذكر الْقرن الثَّالِث بعد ذكر القرنين أَخْبَرَنَا بِهِ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الفرضي الْمقري بِبَغْدَاد قَالَ ثَنَا الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ الْمُهْتَدي بِاللَّه ح وَأَخْبَرَنَا بِهِ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ اسمعيل بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ بْنِ السَّمرقَنْدِي قَالَ أَنا أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بن أَحْمد الْبَزَّاز قَالَا أَنا أَبُو الْقَاسِمِ عِيسَى بْنُ عَلِيِّ بن عِيسَى الْوَزير قَالَ أَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عبد الْعَزِيز قَالَ ثَنَا دَاوُد بن عَمْرو الضَّبِّيّ قَالَ ثَنَا سَلام أَبُو الْأَحْوَص قَالَ ثَنَا مَنْصُورٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عُبَيْدَةَ السَّلْمَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتُهُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَكُنَّا نُنْهَى أَنْ نَحْلِفَ بِالْعَهْدِ وَالشَّهَادَاتِ هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ الْعَبْدِيِّ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ سَعِيدٍ الثَّوْرِيِّ عَنْ مَنْصُورٍ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ وَهَنَّادِ بْنِ السَّرِيِّ عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ سَلامِ بْنُ سُلَيْمٍ الْكُوفِيِّ إِلا أَنَّهُمَا لَمْ يَذْكُرَا
ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ الثَّالِثَةَ كَمَا ذَكَرَهَا دَاوُدُ بْنُ عَمْرٍو الضَّبِّيُّ فِي حَدِيثِهِ وَأخْبرنَا بِهِ الشَّيْخ أَبُو أَبُو الْقَسْمِ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ الشَّيْبَانِيُّ قَالَ أَنا أَبُو طَالِبٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ غِيلانَ الْهَمَذَانِيُّ قَالَ أنبأ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الشَّافِعِيُّ قَالَ ثَنَا الْحَرْث
[ ١٤٣ ]
ابْن أبي أُسَامَة قَالَ ثَنَا أَبُو النَّضر قَالَ ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ شَيْبَانُ عَنْ عَاصِمٍ عَن خَيْثَمَة وَالشَّعْبِيِّ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ
خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثمَّ يأتى يقوم تَسْبِقُ أَيْمَانُهُمْ شَهَادَتَهُمْ وَتَسْبِقُ شَهَادَتُهُمْ أَيْمَانَهُمْ أَخْرَجَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أحمج بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ ﵀ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَبِي النَّضر هَاشم بن الْقسم الْبَغْدَادِيِّ هَكَذَا وَذَكَرَ فِيهِ الْقَرْنَ الثَّالِثَ بَعْدَ قَرْنِ النَّبِيِّ ﷺ وَفِيه أوفى دَلِيل على الْمَعْنى الَّذِي أَشرت فِي تَرْجَمَة الْبَاب إِلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو أَن يكون وقته ابْتِدَاء الْقرن من مبعثه أَو من حِين توفاه الله عزوجل وَنَقله إِلَى جدته وَمُدَّة الْقرن من الزَّمَان مائَة سنة فَفِي الرِّوَايَتَيْنِ مَا يدل على منقبة لأبي الْحسن حَسَنَة فَإِنَّهُ ولد فِي الْقرن الثَّالِث بعد قرن الْمُصْطَفى فَكَانَ مِمَّا اخْتَارَهُ اللَّه من أمة مُحَمَّد ﷺ وَاصْطفى فَهُوَ لَا شكّ من قرن شهد لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ سلم بالخيرية مَعَ مَا انضاف إِلَى ذَلِك من كَونه من الجرثومة الأشعرية الَّتِي وصفهَا نَبِي هَذِهِ الْأمة فِيمَا صَحَّ عَنهُ بِالْإِيمَان وَالْحكمَة إِذْ لَا نعلم إِمَامًا من الْأَشْعَرِيين تجرد لَا فحام الْمَلَاحِدَة والمفترين فِي سالف أَو آنف من الزَّمن كتجرد الإِمَام الْعَالم أَبِي الْحسن فَهُوَ الْمُسْتَحق لهَذِهِ الْمرتبَة والمخصوص من الْأَشْعَرِيين بشرف المنقبة وَيدل على مبلغ قدر الْقرن وأمده مِمَّا لَا يتمارى أحد فِي صِحَة سَنَده مَا أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْمُظَفَّرِ عَبْدُ الْمُنْعِمِ بْنُ الأُسْتَاذِ أَبِي الْقسم عَبْدِ الْكَرِيم بن هوَازن الْقشيرِي بنيسابور قَالَ أَنا ابي ﵀ قَالَ أَنا أَبُو نُعَيْمٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ
[ ١٤٤ ]
الْأَزْهَرِي قَالَ أَنا أَبُو عوَانَة يَعْقُوب بن اسحق بن إِبْرَاهِيم بن الاسفرايني قَالَ ثَنَا السُّلَمِيُّ يَعْنِي أَحْمَدَ بْنَ يُوسُفَ قَالَ ثَنَا عبد الرَّزَّاق قَالَ أَنا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ يَعْنِي ابْنَ أَبِي خَيْثَمَةَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ صَلاةَ الْعِشَاءِ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ
أَرَأَيْتُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ فَإِنَّ عَلَى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لَا يبْقى مِمَّن ظهر على الأَرْض أحدا يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنْ يَنْخَرِمَ ذَلِكَ الْقَرْنُ فَلا يَبْقَى أَحَدٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ وَعَبْدِ بْنِ حميد وَعَن عبد الرَّزَّاق وَيدل عَلَيْهِ أَيْضا مَا أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْفَتْحِ يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُف الماهاني بأصبهان قَالَ أَنا أَبُو مَنْصُورٍ شُجَاعُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ شُجَاعٍ الْمَصْقَلِيُّ الصُّوفِيُّ قَالَ أَنا عبد الله مُحَمَّد بن اسحق بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْعَبْدِيُّ قَالَ أَنا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ أَيُّوبَ بن حزَام قَالَ ثَنَا مُوسَى بْنُ أَبِي عَوْفٍ قَالَ ثَنَا سَلمَة بن خِدَاش قَالَ ثَنَا مُحَمَّد بن الْقسم الطَّائِيُّ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بُسْرٍ كَانَ مَعَهُمْ فِي قَرْيَتِهِ فَقَالَ هَاجَرَ أَبِي وَأُمِّي إِلَى النَّبِي ﷺ وَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ بِيَدِهِ رَأْسِي وَقَالَ لَيَعِيشَنَّ هَذَا الْغُلامُ قَرْنًا قُلْتُ بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَمِ الْقَرْنُ قَالَ مِائَةُ سَنَةٍ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ فَلَقَدْ عِشْتُ خَمْسًا وَتِسْعِينَ سَنَةً وَبَقِيَتْ خَمْسُ سِنِينَ إِلَى أَنْ أُتِمَّ قَوْلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ مُحَمَّدٌ فَحَسَبْنَا بَعْدَ ذَلِكَ خَمْسَ سِنِينَ ثُمَّ مَاتَ وَأَخْبَرَنَا الشَّيْخَانِ أَبُو غَالِبٍ أَحْمَدُ وَأَبُو عبد الله يحيى ابْنا الْحَسَنِ بن أَحْمَدَ بن الْبناء بِبَغْدَاد قَالَا أَنا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بن مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ
[ ١٤٥ ]
الأبنوسي قَالَ انا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ الْبِيرِيِّ إِجَازَةً قَالَ أَنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بن سعيد الزَّعْفَرَانِي قَالَ ثَنَا أَبُو بكر أَحْمد ابْن أَبِي خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ ثَنَا عَلِيُّ بْنُ بَحْرِ بْنِ بَرِّيٍّ وَيَعْقُوب ابْن كَعْبٍ الأَنْطَاكِيُّ قَالا حَدَّثَنَا عِيسَى عَن يُونُس قَالَ ثَنَا الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى ابْن أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ كَانَ بَيْنَ آدَمَ وَنُوحٍ ﵉ عَشْرَةُ قُرُونٍ الْقَرْنُ مِائَةُ عَامٍ وَكَانَ بَين نوح وإبرهيم ﵉ عَشْرَةُ قُرُونٍ أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي بن مُحَمَّدٍ الْفَرَضَيُّ قَالَ أَنا ابو مُحَمَّد الْحسن ابْن عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ أَنا أَبُو عُمَرَ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ بن مُحَمَّد الخزاز قَالَ أَنا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مَعْرُوفِ بن بشر الخشاب قَالَ أَنا أَبُو مُحَمَّد حَارِث ابْن أبي أُسَامَة قَالَ أَنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ سعد قَالَ أَنا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَاقِدِيُّ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالُوا كَانَ بَيْنَ آدَمَ وَنُوحٍ عَشْرَةُ قُرُونٍ الْقَرْنُ مِائَةُ عَامٍ وَبَيْنَ نُوحٍ وَإِبْرِاهِيمَ عَشْرَةُ قُرُونٍ والقرن ماية سَنَةٍ وَبَيْنَ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى بْنِ عمرَان عشرَة قُرُون والقرن ماية سَنَةٍ
فَأَما معرفَة زمَان أَبِي الْحسن وتاريخ مولده وَذكر وَفَاته ومبلغ عمره ومنتهي أمدة فأخبرنَا الشَّيْخ أَبُو الْقسم نصر بن أَحْمَدَ بْنِ مقَاتل قَالَ أَخْبَرَنَا جدي أَبُو مُحَمَّد بن أَحْمد الْمقري قَالَ أَنا أَبُو عَليّ بن إِبْرَاهِيمَ الْفَارِسِي قَالَ سَمِعت أَبَا الْحسن مُحَمَّد بن مُحَمَّد الوزَّان بِالْبَصْرَةِ يَقُول سَمِعت أَبَا بكر الْوزان يَقُول ولد ابْن أَبِي بشر سنة سِتِّينَ ومأتين وَمَات سنة نَيف وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة لَا أعلم لقَائِل هَذَا القَوْل فِي تَارِيخ مولده مُخَالفا وَلَكِن أرَاهُ فِي تَارِيخ وَفَاته ﵀ مجازفا وَلَعَلَّه أَرَادَ سنة نَيف
[ ١٤٦ ]
وَعشْرين فَإِن ذَلِك وَفَاته قَول إِلَّا كثيرين فقد ذكر لي الشَّيْخَانِ الْفَقِيه أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ قبيس وأَبُو مَنْصُور مُحَمَّد بن عبد الْملك الْمقري أَن أَبَا بكر الْخَطِيب الْحَافِظ ذكر لَهما قَالَ ذكر أَبُو مُحَمَّد عَليّ بن أَحْمَدَ بن سعيد أَن أَبَا الْحسن مَاتَ فِي سنة أَربع وَعشْرين وثلاثمائة قَالَ الْخَطِيب أَبُو بكر وَذكر لي أَبُو الْقسم عبد الْوَاحِد بن عَليّ الْأَسدي أَنه مَاتَ بِبَغْدَادَ بعد سنة عشْرين وَقبل سنة ثَلَاثِينَ وثلاثمائة وقرأت فِي تَارِيخ أَبِي يَعْقُوب اسحق بن إِبْرَاهِيمَ بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الهدوي بِخَط بعض أهل الْمعرفَة قَالَ سنة أَربع وَعشْرين وثلاثمائة فِيهَا مَاتَ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَشْعَرِيّ وَكَذَا ذكر الْأُسْتَاذ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحسن بْنُ فورك الْأَصْبَهَانِيّ تلميذ تِلْمِيذه أَبِي الْحسن الْبَاهِلِيّ وَهُوَ أعلم بأَمْره وَأخْبرنَا الشَّيْخ أَبُو الْقسم نصر بن نصر بن عَلِيِّ العكبري فِي كِتَابه عَن الْقَاضِي أَبِي الْمَعَالِي عزيزي بن عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ قيل إِن أَبَا الْحسن مَاتَ قبل الثَّلَاثِينَ وَنُودِيَ على جنَازته بنَاصر الدّين وروى الشَّيْخ أَبُو الْحُسَيْنِ بن سمعون قَالَ كَانَ لي صَاحب يلازم مجلسي متصاون جميل الظَّاهِر كثير المجاهدة فَمَاتَ فحسنت تَجْهِيزه ودفنته بِبَاب حَرْب فَلَمَّا كَانَ بعد أَيَّام رَأَيْته فِي النّوم عُريَانا مُشَوه الْخلق على صُورَة قبيحة فَقلت لَهُ ياأبا عَبْد اللَّهِ مَا فعل اللَّه بك فَقَالَ أنَا مطرود كَمَا ترى فَقلت أما كنت حسن الظَّن بِاللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ نعم وَلَكِنِّي كنت مسيء الظَّن بِهَذَا الشَّيْخ فَنَظَرت فَإِذا أنَا بشيخ طوال بهي المنظر حسن الْهَيْئَة طيب الرَّائِحَة جميل المحاسن وَهُوَ يقْرَأ بِصَوْت جَهورِي طيب قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا
[ ١٤٧ ]
وعد ربكُم حَقًا وَينظر إِلَى ذَلِك الْمِسْكِين صَاحِبي وَكَانَ مَعَه خلق عَظِيم فَوق الإحصاء فَسَأَلت عَنهُ فَقيل لي هَذَا أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيّ قد غفر اللَّه لَهُ قَالَ الشَّيْخ أَبُو الْحُسَيْنِ وأظنهم قَالُوا وشفعه فِي أَصْحَابه ﵃ أَجْمَعِينَ وَقد كَانَ الشَّيْخ أَبُو الْحَسَنِ كجده أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ مَوْصُوفا بِحسن الصَّوْت فِيمَا بَلغنِي من بعض الْوُجُوه كَمَا رَآهُ أَبُو الْحُسَيْن ابْن سمعون فِي منَامه بعد الْمَوْت
بَاب مَا وُصف من مجانبته لأهل الْبدع وجهاده وَذكر مَا عُرف من نصيحته للْأمة وَصِحَّة اعْتِقَاده
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْفُرَاوِيُّ بِنَيْسَابُورَ قَالَ سَمِعت الْأُسْتَاذ أَبَا الْقسم عبد الْملك بن هوَازن الْقشيرِي يَقُول سَمِعت الْأُسْتَاذ الشَّهِيد أَبَا عَليّ الْحسن بن عَليّ الدّقاق ﵀ يَقُول سَمِعت أَبَا عَلِيٍّ زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ الْفَقِيهُ ﵀ يَقُول مَاتَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيّ ﵀ وَرَأسه فِي حجري وَكَانَ يَقُول شَيْئا فِي حَال نَزعه من دَاخل حلقه فأدنيت إِلَيْهِ رَأْسِي وأصغيت إِلَى مَا كَانَ يقرع سَمْعِي فَكَانَ يَقُول لعن اللَّه الْمُعْتَزلَة موهوا ومخرقوا سَمِعت الشَّيْخَيْنِ أَبَا مُحَمَّد عبد الْجَبَّار ابْن أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّد الْبَيْهَقِيّ الْفَقِيه وَأَبا الْقسم زَاهِر بن طَاهِر الْمعدل بِنَيْسَابُورَ يَقُولَانِ سمعنَا الشَّيْخ أَبَا بكر أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَيْهَقِيّ يَقُول سَمِعت أَبَا حَازِم عمر بن أَحْمَدَ العبدوي الْحَافِظ يَقُول سَمِعت أَبَا
[ ١٤٨ ]
عَليّ زَاهِر بن أَحْمَدَ السَّرخسِيّ يَقُول لمَّا قرب حُضُور أجل أَبِي الْحسن الْأَشْعَرِيّ رَحْمَة اللَّه فِي دَاري بِبَغْدَادَ دَعَاني فَأَتَيْته فَقَالَ أشهد على أَنِّي لَا أكفر أحدا من أهل هَذِهِ الْقبْلَة لِأَن الْكل يشيرون إِلَى معبود وَاحِد وَإِنَّمَا هَذَا كُله اخْتِلَاف الْعبارَات كتب إليّ الشَّيْخ أَبُو الْقسم نصر بن نصر الْوَاعِظ يُخْبِرنِي عَن الْقَاضِي أَبِي الْمَعَالِي بن عَبْدِ الْمَلِكِ وَذكر أَبَا الْحسن الْأَشْعَرِيّ فَقَالَ نضر اللَّه وَجهه وَقدس روحه فَإِنَّهُ نظر فِي كتب الْمُعْتَزلَة والجهمية والرافضة وَإِنَّهُم عطلوا وأبطلوا فقَالُوا لَا علم لِلَّه وَلَا قدرَة وَلَا سمع وَلَا بصر وَلَا حَيَاة وَلَا بَقَاء وَلَا إِرَادَة وَقَالَت الحشوية والمجسمة والمكيفة المحددة إِن لِلَّه علما كالعلوم وقدرة كالقدر وسمعا كالأسماع وبصرا كالأبصار فسلك ﵁ طَريقَة بَينهمَا فَقَالَ إِن لِلَّه ﷾ علما لَا كالعلوم وقدرة لَا كالقدر وسمعا لَا كالأسماع وبصرا لَا كالأبصار وَكَذَلِكَ قَالَ جهم بن صَفْوَان العَبْد لَا يقدر على إِحْدَاث شَيْء وَلَا على كسب شَيْء وَقَالَت الْمُعْتَزلَة هُوَ قَادر على الإحداث وَالْكَسْب مَعًا فسلك ﵁ طَريقَة بَينهمَا فَقَالَ العَبْد لَا يقدر على الإحداث وَيقدر على الْكسْب وَنفى قدرَة الإحداث وَأثبت قدرَة الْكسْب وَكَذَلِكَ قَالَت الحشوية المشبهة إِن اللَّه ﷾ يرى مكيفا محدودا كَسَائِر المرئيات وَقَالَت الْمُعْتَزلَة والجهمية والنجارية إِنَّه سُبْحَانَهُ لَا يرى بِحَال من الْأَحْوَال فسلك ﵁ طَريقَة بَينهمَا فَقَالَ يرى من غير حُلُول وَلَا حُدُود وَلَا تكييف كَمَا يرانَا هُوَ ﷾ وَهُوَ
[ ١٤٩ ]
غير مَحْدُود وَلَا مكيف فَكَذَلِك نرَاهُ وَهُوَ غير مَحْدُود وَلَا مكيف وَكَذَلِكَ قَالَت النجارية إِن الْبَارِي سُبْحَانَهُ بِكُل مَكَان من غير حُلُول وَلَا جِهَة وَقَالَت الحشوية والمجسمة إِنَّه سُبْحَانَهُ حَال فِي الْعَرْش وَإِن الْعَرْش مَكَان لَهُ وَهُوَ جَالس عَلَيْهِ فسلك طَريقَة بَينهمَا فَقَالَ كَانَ وَلَا مَكَان فخلق الْعَرْش والكرسي وَلم يحْتَج إِلَى مَكَان وَهُوَ بعد خلق الْمَكَان كَمَا كَانَ قبل خلقه وَقَالَت الْمُعْتَزلَة لَهُ يَد يَد قدرَة ونعمة وَوَجهه وَجه وجود وَقَالَت الحشوية يَده يَد جارحة وَوَجهه وَجه صُورَة فسلك ﵁ طَريقَة بَينهمَا فَقَالَ يَده يَد صفة وَوَجهه وَجه صفة كالسمع وَالْبَصَر وَكَذَلِكَ قَالَت الْمُعْتَزلَة النُّزُول نزُول بعض آيَاته وَمَلَائِكَته والاستواء بمعني الِاسْتِيلَاء وَقَالَت المشبهة والحشوية النُّزُول نزُول ذَاته بحركة وانتقال من مَكَان إِلَى مَكَان والاستواء جُلُوس على الْعَرْش وحلول فِيهِ فسلك ﵁ طَريقَة بَينهمَا فَقَالَ النُّزُول صفة من صِفَاته والإستواء وَكَذَلِكَ قَالَت الْمُعْتَزلَة كَلَام اللَّه مَخْلُوق مخترع مُبْتَدع وَقَالَت الحشوية المجسمة الْحُرُوف الْمُقطعَة والأجسام الَّتِي يكْتب عَلَيْهَا والألوان الَّتِي يكْتب بهَا وَمَا بَين الدفتين كلهَا قديمَة أزلية فسلك ﵁ طَريقَة بَينهمَا فَقَالَ الْقُرْآن كَلَام اللَّه قديم غير مغير وَلَا مَخْلُوق وَلَا حَادث وَلَا مُبْتَدع فَأَما الْحُرُوف الْمُقطعَة والأجسام والألوان والأصوات والمحدودات وكل مَا فِي الْعَالم من المكيفات مَخْلُوق مُبْتَدع مخترع وَكَذَلِكَ قَالَت الْمُعْتَزلَة والجهمية والنجارية الْإِيمَان مَخْلُوق على
[ ١٥٠ ]
الْإِطْلَاق وَقَالَت الحشوية المجسمة الْإِيمَان قديم على الْإِطْلَاق فسلك ﵁ طَريقَة بَينهمَا وَقَالَ الْإِيمَان إيمانَان إِيمَان لِلَّه فَهُوَ قديم لقَوْله الْمُؤمن الْمُهَيْمِن وإيمان لِلْخلقِ فَهُوَ مَخْلُوق لِأَنَّهُ مِنْهُم يَبْدُو وهم مثابون على إخلاصه معاقبون على شكه وَكَذَلِكَ قَالَت المرجئة من أخْلص لِلَّه ﷾ مرّة فِي إيمَانه لَا يكفر بارتداد وَلَا كفر وَلَا يكْتب عَلَيْهِ كَبِيرَة قطّ وَقَالَت الْمُعْتَزلَة إِن صَاحب الْكَبِيرَة مَعَ إيمَانه وطاعاته ماية سنة لَا يخرج من النَّار قطّ فسلك ﵁ طَريقَة بَينهمَا وَقَالَ الْمُؤمن الموحد الْفَاسِق هُوَ فِي مَشِيئَة اللَّه تَعَالَى إِن شَاءَ عَفا عَنهُ وَأدْخلهُ الْجنَّة وَإِن شَاءَ عاقبه بِفِسْقِهِ ثمَّ أدخلهُ الْجنَّة فَأَما عُقُوبَة مُتَّصِلَة مُؤَبّدَة فَلَا يجازى بهَا كَبِيرَة مُنْفَصِلَة مُنْقَطِعَة وَكَذَلِكَ قَالَت الرافضة إِن للرسول صلوَات اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَامه ولعلي ﵇ شَفَاعَة من غير أَمر اللَّه تَعَالَى وَلَا إِذْنه حَتَّى لَو شفعا فِي الْكفَّار قبلت وَقَالَت الْمُعْتَزلَة لَا شَفَاعَة لَهُ بِحَال فسلك ﵁ طَريقَة بَينهمَا فَقَالَ بِأَن للرسول صلوَات اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَامه شَفَاعَة مَقْبُولَة فِي الْمُؤمنِينَ الْمُسْتَحقّين للعقوبة يشفع لَهُم بِأَمْر اللَّه تَعَالَى وإذنه وَلَا يشفع إِلَّا لمن ارتضي وَكَذَلِكَ قَالَت الْخَوَارِج بِكفْر عُثْمَان وعَلِيٍّ ﵄ وَنَصّ هُوَ ﵁ على موالاتهما وتفضيل الْمُقدم على الْمُؤخر وَكَذَلِكَ قَالَت الْمُعْتَزلَة إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ مُعَاوِيَة وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وَأم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة وكل من تَبِعَهُمْ ﵃ على الْخَطَأ وَلَو شهدُوا كلهم بِحَبَّة وَاحِدَة لم تقبل شَهَادَتهم وَقَالَت الرافضة إِن هَؤُلَاءِ كلهم كفار ارْتَدُّوا بعد إسْلَامهمْ
[ ١٥١ ]
وَبَعْضهمْ لم يسلمُوا وَقَالَت الأموية لَا يجوز الْخَطَأ بِحَال فسلك ﵁ طَريقَة بَينهم وَقَالَ كل مُجْتَهد مُصِيب وَكلهمْ على الْحق وَإِنَّهُم لم يَخْتَلِفُوا فِي الْأُصُول وَإِنَّمَا اخْتلفُوا فِي الْفُرُوع فَأدى اجْتِهَاد كل وَاحِد مِنْهُم إِلَى شَيْء فَهُوَ مُصِيب وَله الْأجر وَالثَّوَاب على ذَلِك إِلَى غير ذَلِك من أصُول يكثر تعدادها وتذكارها وهَذِهِ الطّرق الَّتِي سلكها لم يسلكها شَهْوَة وَإِرَادَة وَلم يحدثها بِدعَة واستحسانًا وَلكنه أثبتها ببراهين عقلية مخبورة وأدلة شَرْعِيَّة مسبورة وأعلام هادية إِلَى الْحق وحجج دَاعِيَة إِلَى الصَّوَاب والصدق هِيَ الطّرق إِلَى اللَّه ﷾ والسبيل إِلَى النجَاة والفوز مَنْ تمسك بهَا فَازَ وَنَجَا وَمن حاد عَنْهَا ضل وغوى
فَإِذا كَانَ أَبُو الْحَسَنِ ﵁ كَمَا ذكر عَنهُ من حسن الإعتقاد مستوصب الْمَذْهَب عِنْد أهل الْمعرفَة بِالْعلمِ والانتقاد يُوَافقهُ فِي أَكثر مَا يذهب إِلَيْهِ أكَابِر الْعباد وَلَا يقْدَح فِي معتقده غير أهل الْجَهْل والعنَاد فَلَا بُد أَن نحكي عَنهُ معتقده على وَجهه بالأمانة ونجتنب أَن نزيد فِيهِ أَو ننقص مِنْهُ تركا للخيانة ليعلم حَقِيقَة حَاله فِي صِحَة عقيدته فِي أصُول الدّيانَة فاسمع مَا ذكره فِي أول كِتَابه الَّذِي سَمَّاهُ بالإبانة فَإِنَّهُ قَالَ الْحَمد لِلَّه الْأَحَد الْوَاحِد الْعَزِيز الْمَاجِد المتفرد بِالتَّوْحِيدِ المتمجد بالتمجيد الَّذِي لَا تبلغه صِفَات العبيد وَلَيْسَ لَهُ مثل وَلَا نديد وَهُوَ المبدىء المعيد جلّ عَن اتِّخَاذ الصاحبة والأبْنَاء وتقدَّس عَن ملامسة النِّسَاء فَلَيْسَتْ لَهُ عزة تنَال وَلَا حدّ تضرب لَهُ فِيهِ الْأَمْثَال لم يزل بصفاته أَولا قَدِيرًا
[ ١٥٢ ]
وَلَا يزَال عَالما خَبِيرا سبق الإشياء علمه ونفذت فِيهَا إِرَادَته فَلم تعزب عَنهُ خفيات الْأُمُور وَلم تغيره سوالف صروف الدهور وَلم يلْحقهُ فِي خلق شَيْء مِمَّا خلق كلال وَلَا تَعب وَلَا مَسّه لغوب وَلَا نصب خلق الْأَشْيَاء بقدرته ودبرها بمشيئته وقهرها بجبروته وذللها بعزته فذل لعظمته المتكبرون واستكان لعظم ربوبيته المتعظمون وَانْقطع دون الرسوخ فِي علمه الممترون وذلت لَهُ الرّقاب وحارت فِي ملكوته فِطَن ذَوي الْأَلْبَاب وَقَامَت بكلمته السَّمَوَات السَّبع واستقرت الأَرْض المهاد وَثبتت الْجبَال الرواسِي وَجَرت الرِّيَاح اللواقح وَسَار فِي جو السَّمَاء السَّحَاب وَقَامَت على حُدُودهَا الْبحار وَهُوَ إِلَه قاهر يخضع لَهُ المتعززون ويخشع لَهُ المترفعون ويدين طَوْعًا وَكرها لَهُ الْعَالمُونَ نحمده كَمَا حمد نَفسه وكما رَبُّنَا لَهُ أهل ونستعينه استعانة من فوَّض أمره إِلَيْهِ وَأقر أَنه لَا ملْجأ وَلَا منجى مِنْهُ إِلَّا إِلَيْهِ وَنَسْتَغْفِرهُ اسْتِغْفَار مقرّ بِذَنبِهِ معترف بخطيئته ونشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَحده لَا شريك لَهُ إِقْرَارا بوحدانيته وإخلاصا لربوبيته وَأَنه الْعَالم بِمَا تبطنه الضمائر وتنطوي عَلَيْهِ السرائر وَمَا تخفيه النُّفُوس وَمَا تخزن الْبحار وَمَا تواري الْأَسْرَار وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَار لَا توارى مِنْهُ كلمة وَلَا تغيب عَنهُ غَائِبَة وَمَا تسْقط من ورقة من شَجَرَة وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كتاب مُبين وَيعلم مَا يعْمل الْعَامِلُونَ وَإِلَى أَيْن يَنْقَلِب المنقلبون ونستهدي اللَّه بِالْهدى ونسأله التَّوْفِيق لمجانبة الردى ونشهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَنبيه وَرَسُوله إِلَى خلقه وأمينه على وحيه أرْسلهُ
[ ١٥٣ ]
بِالنورِ الساطع والسراج اللامع والحجج الظَّاهِرَة والبراهين الزاهرة والأعاجيب الْقَاهِرَة فَبلغ عَن اللَّه رسالاته ونصح لَهُ فِي برياته وجاهد فِي اللَّه حق الْجِهَاد ونصح لَهُ فِي الْبِلَاد وقابل أهل العنَاد حَتَّى تمت كلمة اللَّه وَظهر أمره وانقاد النَّاس للحق أَجْمَعِينَ حَتَّى أَتَاهُ الْيَقِين لَا وانيا وَلَا مقصرا فصلوات اللَّه عَلَيْهِ من قَائِد إِلَى الْهدى ومبين عَن ضَلَالَة وعمى وعَلى أهل بَيته الطيبين وعَلى أَصْحَابه المنتجبين وعَلى أَزوَاجه الطاهرات أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ صلوَات اللَّه على من أظهر الشَّرَائِع وَالْأَحْكَام والحلال وَالْحرَام وَبَين لنَا بِهِ شَرِيعَة الْإِسْلَام حَتَّى انجلت بِهِ عنَا طخياء الظلام وانحسرت بِهِ عنَّا الشُّبُهَات وانكشفت بِهِ عنَّا الغيابات وَظَهَرت لنَا بِهِ البينَات جاءنَا بِكِتَاب عَزِيز لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حميد جمع فِيهِ علم الْأَوَّلين والآخرين وأكمل بِهِ الْفَرَائِض وَالدّين وَهُوَ صِرَاط اللَّه الْمُسْتَقيم وحبله المتين من تمسك بِهِ نجا وَمن خَالفه ضل وغوى وحثنَا فِي كِتَابه على التَّمَسُّك بِسنة رَسُوله ﷺ فَقَالَ ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا﴾ وَقَالَ ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أمره﴾ وَقَالَ ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذين يستنبطونه مِنْهُم﴾ وَقَالَ ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْء فَحكمه إِلَى الله﴾ يَقُول إِلَى كتاب اللَّه وَسنة نبيه ﷺ قَالَ ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحي يُوحى﴾ وَقَالَ ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيّ إِنِّي﴾ وَقَالَ ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وأطعنا﴾
[ ١٥٤ ]
وأمَرَهم أَن يسمعوا قَوْله ويطيعوا أمره وَقَالَ ﴿أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول﴾ فَأَمرهمْ بِطَاعَة رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَمَا أَمرهم بِطَاعَتِهِ ودعاهم إِلَى التَّمَسُّك بِسنة نبيه ﷺ كَمَا أَمرهم بِالْعَمَلِ بكتابه فنبذ كثير مِمَّن غلبت عَلَيْهِ شقوته واستحوذت عَلَيْهِ بليته سنة نَبِي اللَّه ﷺ وَرَاء ظُهُورهمْ ومالوا إِلَى أسلافهم وقلدوهم دينهم ودانوا بديانتهم وأبطلوا سنَن رَسُول اللَّه ﷺ ورفضوها وأنكروها وجحدوا افتراءً مِنْهُم على اللَّه قَدْ ضلوا وَمَا كَانُوا مهتدين وأوصيكم عباد اللَّه بتقوى اللَّه وأحذركم الدُّنْيَا فَإِنَّهَا حلوة خضرَة تغر أَهلهَا وتخدع سكانها قَالَ الله عزوجل ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كل شَيْء مقتدرا﴾ إِن امْرأ لم يكن مِنْهَا فِي حيرة إِلَّا أعقبته بعْدهَا عِبْرَة لم يلق من سرائها بَطنا إِلَّا منحته من ضرائها ظهورا غرارة غرور مَا فِيهَا فانية فان من عَلَيْهَا كَمَا حكم عَلَيْهَا رَبهَا بقوله ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فان﴾ فاعملوا رحمكم اللَّه للحياة الدائمة ولخلود الْأَبَد فَإِن الدُّنْيَا تَنْقَضِي عَن أَهلهَا وَتبقى الْأَعْمَال قلائد فِي رِقَاب أَهلهَا وَاعْلَمُوا أَنكُمْ ميتون ثمَّ إِنَّكُم من بعد موتكم إِلَى ربكُم تصيرون لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذين أَحْسنُوا بِالْحُسْنَى وَكُونُوا بِطَاعَة ربكُم عاملين وَعَما نهاكم عَنهُ منتهين أما بعد فَإِن كثيرا من الْمُعْتَزلَة وَأهل الْقدر مَالَتْ بهم أهواؤهم إِلَى التَّقْلِيد لرؤسائهم وَمن مضى من أسلافهم فتأولوا الْقُرْآن على آرائهم تَأْوِيلا لم ينزل اللَّه بِهِ سُلْطَانا وَلَا
[ ١٥٥ ]
أوضح بِهِ برهانًا وَلَا نقلوه عَن رَسُول رب الْعَالمين وَلَا عَن السّلف الْمُتَقَدِّمين فخالفوا رِوَايَة الصَّحَابَة عَن نَبِي اللَّه ﷺ فِي رُؤْيَة اللَّه بالأبصار وَقد جَاءَت فِي ذَلِك الرِّوَايَات من الْجِهَات المختلفات وتواترت بهَا الْآثَار وَتَتَابَعَتْ بهَا الْأَخْبَار وأنكروا شَفَاعَة رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وردوا الرِّوَايَة فِي ذَلِك عَن السّلف الْمُتَقَدِّمين وجحدوا عَذَاب الْقَبْر وَأَن الْكفَّار فِي قُبُورهم يُعَذبُونَ وَقد أجمع على ذَلِك الصَّحَابَة والتابعون ودانوا بِخلق الْقُرْآن نظيرا لقَوْل إخْوَانهمْ من الْمُشْركين الَّذين قَالُوا إِنْ هَذَا إِلا قَول الْبشر فزعموا أَن الْقُرْآن كَقَوْل الْبشر وأثبتوا وأيقنوا أَن الْعباد يخلقون الشَّرّ نظيرا لقَوْل الْمَجُوس الَّذين يثبتون خالقين أَحدهمَا يخلق الْخَيْر وَالْآخر يخلق الشَّرّ وَزَعَمت الْقَدَرِيَّة ان الله تَعَالَى يخلق الْخَيْر وَأَن الشَّيْطَان يخلق الشَّرّ وَزَعَمُوا ان الله عزوجل يَشَاء مَا لَا يكون وَيكون مَا لَا يَشَاء خلافًا لما أجمع عَلَيْهِ الْمُسلمُونَ من أَن مَا شَاءَ اللَّه كَانَ وَمَا لَا يَشَاء لَا يكون وردا لقَوْل الله ﴿وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ فَأخْبر أنَّا لَا نشَاء شَيْئا إِلَّا وَقد شَاءَ أَن نشاءه وَلقَوْله ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ وَلقَوْله ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نفس هداها﴾ وَلقَوْله تَعَالَى ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ وَلقَوْله مخبرا عَن شُعَيْب أَنه قَالَ ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلا أَنْ يَشَاءَ الله رَبنَا﴾ وَلِهَذَا سماهم رَسُول اللَّه ﷺ مجوس هَذِهِ الْأمة لأَنهم دانو بديانة الْمَجُوس وضاهوا أَقْوَالهم وَزَعَمُوا أنَّ للخير وَالشَّر خالقين كَمَا زعمت الْمَجُوس وَأَنه يكون من الشَّرّ مَالا يَشَاء كَمَا قَالَت الْمَجُوس ذَلِك
[ ١٥٦ ]
وَزَعَمُوا أَنهم يملكُونَ الضّر والنفع لأَنْفُسِهِمْ ردا لقَوْل اللَّه تَعَالَى ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعًا إِلا مَا شَاءَ الله﴾ وانحرافا عَن الْقُرْآن وَعَما أجمع الْمُسلمُونَ عَلَيْهِ وَزَعَمُوا أَنهم ينفردون بِالْقُدْرَةِ على أَعْمَالهم دون رَبهم وأثبتوا لأَنْفُسِهِمْ غنى عَن اللَّه عزوجل ووصفوا أنفسهم بِالْقُدْرَةِ على مَا لم يصفوا اللَّه بِالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ كَمَا أثبت الْمَجُوس للشَّيْطَان من الْقُدْرَة على الشَّرّ مَا لم يثبتوه لله عزوجل فَكَانُوا مجوس هَذِه الْأمة إِذْ دانوا بديانة الْمَجُوس وتمسكوا بأقوالهم ومالوا إِلَى أضاليلهم وقنطوا النَّاس من رَحْمَة الله وآيسوهم روحه وحكموا على العصاة بالنَّار وَالْخُلُود خلافًا لقَوْل اللَّه تَعَالَى ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾ وَزَعَمُوا أَن من دخل النَّار لَا يخرج مِنْهَا خلافًا لما جَاءَت بِهِ الرِّوَايَة عَن رَسُول اللَّهِ ﷺ ان الله عزوجل يخرج من النَّار قوما بعد مَا امْتَحَشُوا فِيهَا وَصَارُوا حِمَمًا ودفعوا أَن يكون لِلَّه وَجه مَعَ قَوْله ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجلَال وَالْإِكْرَام﴾ وأنكروا أَن يكون لِلَّه يدان مَعَ قَوْله ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ وأنكروا أَن يكون لَهُ عين مَعَ قَوْله ﴿تجْرِي بأعيننا﴾ وَلقَوْله ﴿ولتصنع على عَيْني﴾ وَنَفَوْا مَا رُوِيَ عَن رَسُول اللَّهِ ﷺ من قَوْله إِنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ إِلَى سَمَاء الدني وأنَا ذَاكر ذَلِك إِن شَاءَ الله بَابا بَابا وَبِه المهونة والتأييد وَمِنْه التَّوْفِيق والتسديد فَإِن قَالَ قَائِل قد أنكرتم قَول الْمُعْتَزلَة والقدرية والجهمية والحرورية والرافضة والمرجئة فعرفونَا قَوْلكُم الَّذِي بِهِ تَقولُونَ وديانتكم الَّتِي بهَا تدينون قيل لَهُ قولنَا الَّذِي بِهِ تَقول وديانتنَا الَّتِي ندين بهَا التَّمَسُّك بِكِتَاب اللَّه وَسنة نبيه صَلَّى اللَّهُ
[ ١٥٧ ]
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا رُوِيَ عَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وأئمة الحَدِيث وَنحن بذلك معتصمون وَبِمَا كَانَ عَلَيْهِ أَحْمد بن حَنْبَل نضّر اللَّه وَجهه وَرفع دَرَجَته وأجزل مثوبته قَائِلُونَ وَلمن خَالف قَوْله قَوْله مجانبون لِأَنَّهُ الإِمَام الْفَاضِل والرئيس الْكَامِل الَّذِي أبان اللَّه بِهِ الْحق عِنْد ظُهُور الضلال وأوضح بِهِ الْمِنْهَاج وقمع بِهِ بدع المبتدعين وزيغ الزائغين وَشك الشاكين فرحمة اللَّه عَلَيْهِ من إِمَام مقدم وكبير مفهم وعَلى جَمِيع أَئِمَّة الْمُسلمين وَجُمْلَة قولنَا أَن نقر بِاللَّهِ وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله وَمَا جَاءَ من عِنْد اللَّه وَمَا رَوَاهُ الثِّقَات عَن رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا نرد من ذَلِك شَيْئا وَأَن اللَّه إِلَه وَاحِد صَمد لَا إِلَه غَيره لم يتَّخذ صَاحِبَة وَلَا ولدا وَأَن مُحَمَّدا عَبده وَرَسُوله وَأَن الْجنَّة والنَّار حق وَأَن السَّاعَة آتِيَة لَا ريب فِيهَا وَأَن اللَّه يبْعَث من فِي الْقُبُور وَأَن اللَّه اسْتَوَى على عَرْشه كَمَا قَالَ ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وَأَن لَهُ وَجها كَمَا قَالَ ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرَام﴾ وَأَن لَهُ يدا كَمَا قَالَ ﴿بل يَدَاهُ مبسوطتان﴾ وَقَالَ ﴿لما خلقت بيَدي﴾ وَأَن لَهُ عينَا بِلَا كَيفَ كَمَا قَالَ ﴿تجْرِي بأعيننا﴾ وَأَن من زعم أَن اسْم اللَّه غَيره كَانَ ضَالًّا وَأَن للَّه علما كَمَا قَالَ ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ وَقَوله ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تضع إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ وَنثْبت لِلَّه قدرَة كَمَا قَالَ ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ وَنثْبت لِلَّه السّمع وَالْبَصَر وَلَا ننفي ذَلِك كَمَا نفته الْمُعْتَزلَة والجهمية والخوارج وَتقول إِن كَلَام اللَّه غير مَخْلُوق وَأَنه لم يخلق شَيْئا إِلَّا وَقد قَالَ لَهُ كن فَيكون كَمَا قَالَ ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كن فَيكون﴾ وَأَنه لَا يكون فِي
[ ١٥٨ ]
الأَرْض شَيْء من خير وَشر إِلَّا مَا شَاءَ اللَّه وَأَن الْأَشْيَاء تكون بِمَشِيئَة اللَّه وَأَن أحدا لَا يَسْتَطِيع أَن يفعل شَيْئا قبل أَن يَفْعَله اللَّه وَلَا نستغني عَن اللَّه وَلَا نقدر على الْخُرُوج من علم اللَّه وَأَنه لَا خَالق إِلَّا الله وَإِن أَعمال الْعِبَادَة مخلوقة لِلَّه مقدورة لَهُ كَمَا قَالَ ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ وَأَن الْعباد لَا يقدرُونَ أَن يخلقوا شَيْئا وهم يخلقون كَمَا قَالَ ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ الله﴾ وكما قَالَ ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يخلقون﴾ وكما قَالَ ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يخلق﴾ وكما قَالَ ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ وَهَذَا فِي كتاب اللَّه كثير وَأَن اللَّه وفْق الْمُؤمنِينَ لطاعته ولطف بهم ونظرهم وأصلحهم وهداهم وأضل الْكَافرين وَلم يهدهم وَلم يلطف بهم بِالْإِيمَان كَمَا زعم أهل الزيغ والطغيان وَلَو لطف بهم وأصلحهم كَانُوا صالحين وَلَو هدَاهُم كَانُوا مهتدين كَمَا قَالَ ﵎ ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يضلل فَأُولَئِك هم الخاسرون﴾ وَأَن اللَّه يقدر أَن يصلح الْكَافرين ويلطف لَهُم حَتَّى يَكُونُوا مُؤمنين وَلكنه أَرَادَ أَن يَكُونُوا كَافِرين كَمَا علم وَأَنه خذلهم وطبع على قُلُوبهم وَأَن الْخَيْر وَالشَّر بِقَضَاء اللَّه وَقدره وأنَّا نؤمن بِقَضَاء اللَّه وَقدره خَيره وشره وحلوه ومره ونعلم أَن مَا أصابَنَا لم يكن ليخطئنَا وَمَا أخطأنَا لم يكن ليصيبَنَا وأنَا لَا نملك لأنفسنَا نفعا وَلَا ضرا إِلَّا مَا شَاءَ الله وَإِنَّا نلجيء أمورنَا إِلَى اللَّه وَنثْبت الْحَاجة والفقر فِي كل وَقت إِلَيْهِ ونقول إِن الْقُرْآن كَلَام اللَّه غير مَخْلُوق وَأَن من قَالَ بِخلق الْقُرْآن كَانَ كَافِرًا وندين أَن اللَّه يرى بالأبصار يَوْم الْقِيَامَة كَمَا يرى الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر يَرَاه الْمُؤْمِنُونَ كَمَا جَاءَت الرِّوَايَات
[ ١٥٩ ]
عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ونقول إِن الْكَافرين إِذَا رَآهُ الْمُؤْمِنُونَ عَنهُ محجوبون كَمَا قَالَ اللَّه ﷿ ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لمحجوبون﴾ وَإِن مُوسَى سَأَلَ اللَّه الرُّؤْيَة فِي الدُّنْيَا وَإِن اللَّه تجلي للجبل فَجعله دكا وَأعلم بذلك مُوسَى أَنه لَا يره فِي الدُّنْيَا ونرى أَن لَا نكفر أحدا من أهل الْقبْلَة بذنب يرتكبه كَالزِّنَا والسرق وَشرب الْخمر كَمَا دَانَتْ بذلك الْخَوَارِج وَزَعَمُوا أَنهم بذلك كافرون ونقول إِن مَنْ عمل كَبِيرَة من الْكَبَائِر وَمَا أشبههَا مستحلا لَهَا كَانَ كَافِرًا إِذَا كَانَ غير مُعْتَقد تَحْرِيمهَا ونقول إِن الْإِسْلَام أوسع من الْإِيمَان وَلَيْسَ كل الْإِسْلَام بِإِيمَان وندين بِأَنَّهُ يقلب الْقُلُوب وَأَن الْقُلُوب بَين أصبعين من أَصَابِعه وندين بِأَن لَا ننزل أحدا من الْمُوَحِّدين المستمسكين بِالْإِيمَان جنَّة وَلَا نَارا إِلَّا من شهد لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْجنَّةِ وَنَرْجُو الْجنَّة للمذنبين ونخاف عَلَيْهِم أَن يَكُونُوا بالنَّار معذبين ونقول إِن اللَّه يُخرج مِنَ النَّارِ قَوْمًا بَعْدَمَا امْتَحَشُوا بشفاعة مُحَمَّد ﷺ ونؤمن بِعَذَاب الْقَبْر ونقول إِن الْحَوْض وَالْمِيزَان حق والصراط حق والبعث بعد الْمَوْت حق وَأَن اللَّه يُوقف الْعباد بالموقف وَيُحَاسب الْمُؤمنِينَ وَأَن الْإِيمَان قَول وَعمل يزِيد وَينْقص ونسلم للروايات الصَّحِيحَة فِي ذَلِك عَن رَسُول اللَّهِ ﷺ الَّتِي رَوَاهَا الثِّقَات عدل عَن عدل حَتَّى تَنْتَهِي الرِّوَايَة إِلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وندين بحب السَّلَف الَّذين اخْتَارَهُمْ لصحبة نبيه ونثني عَلَيْهِم بِمَا أثنى اللَّه عَلَيْهِم ونتولاهم ونقول إِن الإِمَام بعد رَسُول اللَّهِ ﷺ أَبُو
[ ١٦٠ ]
بكر ﵁ وَأَن اللَّه تَعَالَى أعز بِهِ الدّين وأظهره على الْمُرْتَدين وَقدمه الْمُسلمُونَ للْإِمَامَة كَمَا قدمه رَسُول اللَّه ﷺ للصَّلَاة ثمَّ عمر بن الْخطاب ﵁ ثمَّ عُثْمَان نضر اللَّه وَجهه قَتله قَاتلُوهُ ظلما وعدوانًا ثمَّ عَليّ بن أَبِي طَالب ﵁ فَهَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة بعد رَسُول اللَّه ﷺ وخلافتهم خلَافَة النُّبُوَّة ونشهد للعشرة بِالْجنَّةِ الَّذين شهد لَهُم رَسُول اللَّه ﷺ ونتولى سَائِر أَصْحَاب النَّبِي ﷺ ونكف عَمَّا شجر بَينهم وندين اللَّه أَن الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة راشدون مهديون فضلاء لَا يوازيهم فِي الْفضل غَيرهم ونصدق بِجَمِيعِ الرِّوَايَات الَّتِي ثبتها أهل النَّقْل من النُّزُول إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا وَأَن الرب يَقُول هَل من سَائِر هَل من مُسْتَغْفِر وَسَائِر مَا نقلوه وأثبتوه خلافًا لما قَالَه أهل الزيغ والتضليل ونعول فِيمَا اختلفنَا فِيهِ على كتاب اللَّه وَسنة نبيه ﷺ وَإِجْمَاع الْمُسلمين وَمَا كَانَ فِي معنَاه وَلَا نبتدع فِي دين اللَّه بِدعَة لم يَأْذَن اللَّه بهَا وَلَا نقُول على اللَّه مَا لَا نعلم ونقول إِن اللَّه تَعَالَى يَجِيء يَوْم الْقِيَامَة كَمَا قَالَ ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْملك صفا صفا﴾ وَأَن اللَّه تَعَالَى يقرب من عباده كَيفَ يَشَاء كَمَا قَالَ ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ من حَبل الوريد﴾ وكما قَالَ ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ وَمن ديننَا أَن نصلي الْجُمُعَة والأعياد خَلْف كل بَر وَفَاجِر وَكَذَلِكَ شُرُوط الصَّلَوَات الْجَمَاعَات كَمَا رُوِيَ عَن عَبْد اللَّهِ بن عُمَرَ أَنه كَانَ يُصَلِّي خلف الْحجَّاج وَأَن الْمسْح على الْخُفَّيْنِ فِي الْحَضَر وَالسّفر خلافًا لمن أنكر ذَلِك ونرى الدُّعَاء لأئمة الْمُسلمين بالصلاح وَالْإِقْرَار بإمامتهم وتضليل من رأى
[ ١٦١ ]
الْخُرُوج عَلَيْهِم إِذَا ظهر مِنْهُم ترك الإستقامة وندين الْخُرُوج عَلَيْهِم بِالسَّيْفِ وَترك الْقِتَال فِي الْفِتْنَة ونقر بِخُرُوج الدَّجَّال كَمَا جَاءَت بِهِ الرِّوَايَة عَن رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ونؤمن بِعَذَاب الْقَبْر ومنكر وَنَكِير ومساءلتهم المدفونين فِي قُبُورهم ونصدق بِحَدِيث الْمِعْرَاج ونصحح كثيرا من الرُّؤْيَا فِي المنَام ونقول إِن لذَلِك تَفْسِيرا ونرى الصَّدَقَة عَن موتى الْمُؤمنِينَ وَالدُّعَاء لَهُم ونؤمن أَن اللَّه يَنْفَعهُمْ بذلك ونصدق بِأَن فِي الدُّنْيَا سِحْرا وَأَن السحر كَائِن مَوْجُود فِي الدُّنْيَا وندين بِالصَّلَاةِ على من مَاتَ من أهل الْقبْلَة مؤمنهم وفاجرهم ومواريثهم ونقر أَن الْجنَّة والنَّار مخلوقتان وَأَن من مَاتَ أَو قتل فبأجله مَاتَ أَو قتل وَأَن الأرزاق من قبل الله عزوجل يرزقها عباده حَلَالا وحراما وَأَن الشَّيْطَان يوسوس للْإنْسَان ويشككه ويخبطه خلافًا لقَوْل الْمُعْتَزلَة والجهمية كَمَا قَالَ الله عزوجل ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَان من الْمس﴾ وكما قَالَ ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاس من الْجنَّة وَالنَّاس﴾ ونقول إِن الصَّالِحين يجوز أَن يخصهم اللَّه بآيَات ويظهرها عَلَيْهِم وقولنَا فِي أَطْفَال الْمُشْركين أَن الله عزوجل يؤجج لَهُم نَارا فِي الْآخِرَة ثمَّ يَقُول اقتحموها كَمَا جَاءَت الرِّوَايَة بذلك وندين بِأَن اللَّه تَعَالَى يعلم مَا الْعباد عاملون وَإِلَى مَا هم صائرون وَمَا يكون وَمَا لايكون أَن لَو كَانَ كَيفَ يكون فبطاعة الْأَئِمَّة ونصيحة الْمُسلمين ونرى مُفَارقَة
[ ١٦٢ ]
كل دَاعِيَة لبدعة ومجانبة أهل الْأَهْوَاء وسنحتج لما ذكرنَاه من قولنَا وَمَا بَقِي مِنْهُ وَمَا لم نذكرهُ بَابا بَابا وشيئا شَيْئا
فتأملوا رحمكم اللَّه هَذَا الِاعْتِقَاد مَا أوضحه وأبينه واعترفوا بِفضل هَذَا الإِمَام العَالِم الَّذِي شَرحه وَبَينه وانظروا سهولة لَفظه فَمَا أفصحه وَأحسنه وَكُونُوا مِمَّا قَالَ اللَّه فيهم ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْل فيتبعون أحْسنه﴾ وتبينوا فضل أَبِي الْحسن واعرفوا إنصافه واسمعوا وَصفه لِأَحْمَد بِالْفَضْلِ واعترافه لِتَعْلَمُوا أَنَّهُمَا كانَا فِي الِاعْتِقَاد متفقين وَفِي أصُول الدّين وَمذهب السّنة غير مفترقين وَلم تزل الحنَابلة بِبَغْدَادَ فِي قديم الدَّهْر على ممر الْأَوْقَات تعتضد بالأشعرية على أَصْحَاب الْبدع لأَنهم المتكلمون من أهل الْإِثْبَات فَمن تكلم مِنْهُم فِي الرَّد على مُبْتَدع فبلسان الأشعرية يتَكَلَّم وَمن حقق مِنْهُم فِي الْأُصُول فِي مَسْأَلَة فَمنهمْ يتَعَلَّم فَلم يزَالُوا كَذَلِك حَتَّى حدث الِاخْتِلَاف فِي زمن أَبِي نصر الْقشيرِي ووزارة النظام وَوَقع بَينهم الانحراف من بَعضهم عَن بعض لانحلال النظام وعَلى الْجُمْلَة فَلم يزل فِي الحنَابلة طَائِفَة تغلو فِي السّنة وَتدْخل فِيمَا لَا يعنيها حبا للخفوف فِي الْفِتْنَة وَلَا عَار على أَحْمد ﵀ من صنيعهم وَلَيْسَ يتَّفق على ذَلِك رأى جَمِيعهم وَلِهَذَا قَالَ أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ بن شاهين وَهُوَ من أَقْرَان الدَّارَقُطْنِيّ وَمن أَصْحَاب الحَدِيث المتسننين مَا قَرَأت على الشَّيْخ أَبِي مُحَمَّد عبد الْكَرِيم بن حَمْزَة ابْن الْخضر بِدِمَشْقَ عَنْ أَبِي مُحَمَّد عبد الْعَزِيزِ بن أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو النجيب عبد الْغفار بن عَبْدِ الْوَاحِدِ الأرموي قَالَ ثَنَا أَبُو ذَر عبد بن
[ ١٦٣ ]
أَحْمَدَ الْهَرَوِيّ قَالَ سَمِعت ابْن شاهين يَقُول رجلَانِ صالحان بُليا بأصحاب سوءٍ جَعْفَر بن مُحَمَّد بن حَنْبَل كتب إليَّ أَبُو الْقسم العكبري يُخْبِرنِي عَنْ أَبِي الْمَعَالِي عزيزي بن عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ لما تمّ لِلْهِجْرَةِ مايتان وَسِتُّونَ سنة رفعت أَنْوَاع الْبدع رؤسها وتسقت عوام الْخَلَائق كؤوسها حَتَّى أَصبَحت آيَات الدّين منطمسة الْآثَار وأعلام الْحق مندرسة الْأَخْبَار فأظهر اللَّه ﷾ نَاصر الْحق وناصر الْخلق مُحي السّنَن مرضِي السّنَن الإِمَام الرضي الزكي أَبَا الْحسن سقى اللَّه بِمَاء الرَّحْمَة تربته وَأَعْلَى فِي غرفات الجنَان دَرَجَته من أصل باذخ الذري وَشرف شامخ القوى وَهُوَ أَبُو مُوسَى عَبْد اللَّهِ بن قيس الْأَشْعَرِيّ صَاحب رَسُول اللَّهِ ﷺ وقاضيه والمستخلف من قبل الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وَالْأَئِمَّة المهديين أَبِي بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي رضوَان اللَّه عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ على الْقَضَاء والصلوات والجيوش والإمارة على الْمُؤمنِينَ وَتَعْلِيم الشَّرِيعَة للْمُسلمين وَكَانَ زوج أم كُلْثُوم بنت الْفضل بن الْعَبَّاسِ بن عَبْدِ الْمطلب وَهِي أم أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيُّ جَدُّ الإِمَامِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيّ وَرَوَى دَعْلَجُ بْنُ أَحْمَدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بن حَنْبَل نبأ معمر قَالَ ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ عِيَاضٍ الأَشْعَرِيِّ عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ قُرِئَتْ عِنْدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ فَقَالَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلامُهُ
هم قَوْمك ياأبا مُوسَى أَهْلُ الْيَمَنِ وَمَعْلُوم بأدلة الْعُقُول وبراهين الْأُصُول أَن أحدا من أَوْلَاد أَبِي مُوسَى لم
[ ١٦٤ ]
يرد على أَصْحَاب الأباطيل وَلم يبطل شبه أهل الْبدع والأضاليل بحجج قاهرة من الْكتاب وَالسّنة وَدَلَائِل باهرة من الْإِجْمَاع وَالْقِيَاس إِلَّا الإِمَام أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيّ وَحَدِيث أَبِي مُوسَى دَلِيل وَاضح على فَضِيلَة الإِمَام أَبِي الْحسن الْأَشْعَرِيّ ﵁ فَجَاهد أَعدَاء الْحق وقمعهم وَفرق كلمتهم وبدد جمعهم بالحجج الْقَاهِرَة الْعَقْلِيَّة والأدلة الباهرة السمعية
بَاب ذكر بعض مَا رؤى من المنَامات الَّتِي تدل على أَن أَبَا الْحسن من مستحقي الإمامات
حَدَّثَنِي الشَّيْخ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ طرخان بن ماضي بن جوشن الْمقري الْفَقِيه الضَّرِير قَالَ جرى بيني وَبَين وَالِدي كَلَام غضِبت مِنْهُ فَخرجت إِلَى مَسْجِد السُّوسِي بالشاغور ونمت فِيهِ نَهَارا فَبَيْنَمَا أنَا نَائِم إِذْ رَأَيْت فِي المنَام كَأَن رَسُول اللَّهِ ﷺ قد دخل من بَاب الشباك الَّذِي من شَرْقي الْمَسْجِد فجلستُ وَقلت السَّلَام عَلَيْك يارسول الله فَكَانَ كالمغضب عليَّ فَقَالَ لي أَنْت تقْرَأ الْقُرْآن وتغضب أَبَاك فَقلت الْآن أَرْجُو أَن يغْفر اللَّه لي مَا كَانَ مني فِي حق أَبِي بحضورك فَإِن الله عزوجل قَالَ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً للْعَالمين﴾ فَكَأَنَّهُ رَضِي عني ودعا لي وَأخذ ليقوم فَسَأَلته عَن حَدِيث أَبِي حميد السَّاعِدِيّ فِي سُؤَاله إِيَّاه عَن كَيْفيَّة الصَّلَاة عَلَيْهِ ﷺ فَقَالَ صدق أَبُو حميد وَأثْنى عَلَيْهِ وَسَأَلته عَن قَوْله
[ ١٦٥ ]
لعَلي بن أَبِي طَالب ﵁
لَا تبرز فخذك وَلَا تنظر إِلَى فَخذ حَيّ وَلَا ميت فَقَالَ صدق أنَا أَمرته بذلك ثمَّ خرج من الْمَسْجِد فاتبعته وَقلت يارسول اللَّهِ إِن قوما يَقُولُونَ إِن الْحَرْف مَخْلُوق وقوما يَقُولُونَ غير مَخْلُوق وَقد تحيرنَا بَينهم فَمَا نَدْرِي مَا نقُول فَقَالَ
قل كَمَا قَالَت الأشعرية فَقلت يارسول اللَّهِ كَذَا كَمَا قَالَت الأشعرية على وَجه الاستنكار فَقَالَ ثَلَاث مَرَّات
قل كَمَا قَالَت الأشعرية ثمَّ توجه رَسُول اللَّه ﷺ نَحْو قبْلَة الشاغور خَارِجا من الْبَاب وأنَا أَقُول هَذَا المزمل هَذَا المدثر وَهُوَ وَاضع يَدَيْهِ على صَدره كَهَيئَةِ الْمُصَلِّي فَوضعت يَدي الْيُسْرَى على يَده وأنَا أَقُول هَذَا المزمل هَذَا المدثر ثمَّ استيقظت وَكَانَت عِنْدِي الرسَالَة القدسية للغزالي وَكنت لَا أحسن رَأْيِي فِيهَا وَأَقُول مَا أصنع بهَا فَحسن رَأْيِي فِيهَا بعد ذَلِك وقرأتها وقرأت غَيرهَا وَالْحَمْد لِلَّه وَحكى لي بعض أَصْحَابنَا عَن أبي الْقسم بن إِبْرَاهِيمَ بن حُسَيْن الدقاق الْمَعْرُوف بالزبير رُؤْيا رَآهَا فَلَقِيته فِي الْجَامِع بِدِمَشْقَ فَسَأَلته عَن رُؤْيَاهُ وَقلت لَهُ بَلغنِي أَنَّك رَأَيْت الْفَقِيه أَبَا الْحسن ﵀ فِي المنَام فَقَالَ أَي وَالَّذِي قبض روحه لقد رَأَيْته فِي المنَام كَأَنَّهُ ههنَا وَأَشَارَ إِلَى مَكَان من الْجَامِع بِقرب بَاب البرادة وخلفته وَهُوَ دَاخل إِلَى صدر الْمَسْجِد فَقَالَ لي يَا أَبَا الْقسم مَذْهَب الْأَشْعَرِيّ حق مَذْهَب الْأَشْعَرِيّ حق مَذْهَب الْأَشْعَرِيّ حق ثمَّ استيقظت فَقلت لَهُ مَا قَالَ لَك حق فَإِنَّهُ كَانَ صَادِق اللَّهجة وَهُوَ فِي دَار حق فَلَا يَقُول إِلَّا الْحق حَدَّثَنِي أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بن أَحْمد بن عَليّ ابْن يُوسُفَ الهكاري وَكتبه لي بِخَطِّهِ قَالَ رَأَيْت فِي النّوم كَأَنِّي دخلت
[ ١٦٦ ]
دَار فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيهَا مُسْتَلْقِيا على قَفاهُ وأخمص قَدَمَيْهِ إِلَى جِهَة الْقبْلَة فَجَلَست محاذيا كتفه الْيُسْرَى فَالْتَفت إِلَى وَقَالَ ﷺ
لَا تكن تتْرك دين الْإِسْلَام قفلت حاشا لله يارسول اللَّهِ كَيفَ أترك دين الْإِسْلَام ثمَّ أخذت بكفه الْيُمْنَى وَقلت هَا أَنا أجدد الْإِسْلَام فَقلت أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَأشْهد إِنَّك رَسُول الله ثمَّ قلت عقيب ذَلِك يَا رَسُولَ اللَّهِ أرى النَّاس اخْتلفُوا فِي الْحَرْف وَالصَّوْت الْحق مَعَ من فَقَالَ ﵇
الْحق مَا قَالَه أَبُو الْحَسَنِ وَكَانَ فِي نَفسِي سُؤَاله عَن حَدَث الْحُرُوف وقدمها فأجابَنِي ﵇ بِمَا ذكرت
بَاب ذكر بعض مَا مدح بِهِ أَبُو الْحَسَنِ من الْأَشْعَار على وَجه الإيجاز فِي إبرازها والاختصار
أَنْشدني الشَّيْخ الْحَافِظ أَبُو المحاسن عبد الرَّزَّاق بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ ابْن مُحَمَّد الطبسي بِنَيْسَابُورَ قَالَ أنشدنَا إِمَام الْأَئِمَّة أَبُو نصر عبد الرَّحِيم بن عَبْدِ الْكَرِيم بن هوَازن الْقشيرِي لنَفسِهِ شيآن من يعذلني فيهمَا
فَهُوَ على التَّحْقِيق مني بري
حب أَبِي بكر إِمَام الْهدى
ثمَّ اعتقادي مَذْهَب الْأَشْعَرِيّ
وأنشدني غير أَبِي المحاسن لبَعْضهِم فِي هَذَا المعني مَنْ كَانَ فِي الْحَشْر لَهُ عدَّة
تَنْفَعهُ فِي عَرصَة الْمَحْشَر
فعدتي حب بنى الْهدى
ثمَّ اعتقادي مَذْهَب الْأَشْعَرِيّ
[ ١٦٧ ]
أَنْشدني الشَّيْخ الزَّاهِد أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْوَارِث بن عَبْدِ الْغَنِيّ الأصولي لبَعْضهِم وَكتب إليَّ الشَّيْخ أَبُو الْقسم نصر بن نصر العكبري يُخْبِرنِي عَن الْقَاضِي أَبِي الْمَعَالِي عزيزي بن عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ أنشدنَا الْقَاضِي الإِمَام أَبُو الْحَسَنِ هِبَة اللَّهِ بن عَبْدِ اللَّهِ السيبي مدرس وملقن ولي الْعَهْد فِي الْعَالمين أبي الْقسم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الإِمَام أَمِير الْمُؤمنِينَ الْقَائِم بِأَمْر اللَّه عَبْد اللَّهِ أَبِي جَعْفَر إِذَا كنت فِي علم الْأُصُول مُوَافقا
بعقدك قَول الْأَشْعَرِيّ المسدد
وعاملت مَوْلَاك الْكَرِيم مخالصا
بقول الإِمَام الشَّافِعِي الْمُؤَيد
وأتقنت حرف بن الْعلَا مُجَردا وَلم تعدُ فِي الْإِعْرَاب رَأْي الْمبرد
فَأَنت على الْحق الْيَقِين مُوَافق
شَرِيعَة خير الْمُرْسلين مُحَمَّد
أَنْشدني الشَّيْخ أَبُو الْفَتْحِ نَاصر بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقرشِي لبَعْضهِم
أصبح النَّاس فِي عمى
بَين ساه وممتري
جعلُوا دينهم هوى
والهوى غير مبصر
وتعاموا عَن الْهدى
لَيْسَ فيهم بمنكر
شبهوا اللَّه بالورى
وَهُوَ من جهلهم بري
حرم الرشد من غَدا
يتعامى ويفتري
فَالْزَمْ الْحق لَا تزغ
واعتقد عقد الْأَشْعَرِيّ
أَنْشدني أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بن مُحَمَّد الإسْكَنْدراني لأبي الْقسم الْجَزرِي الاسكندارني
[ ١٦٨ ]
. خُذ مَا بدا لَك فدع
كترث مقَالات الْبدع
إِن النَّبِي الْمُصْطَفى
دينا حنيفيًا شرع
وَرَضي بِهِ لِعِبَادِهِ
رب تَعَالَى فارتفع
قد كَانَ دينَا وَاحِدًا
حَتَّى تفرق مَا اجْتمع
قوم أضلهم الْهوى
وَالْآخرُونَ لَهُم تبع
اللَّه أيد شيخنَا
وَبِه الْبَريَّة قد نفع
الْأَشْعَرِيّ إمامنَا
شيخ الدّيانَة والورع
بسط الْمقَالة بِالْهدى
وفظيع حجتهم قطع
حَتَّى استضيء بِنُوره
واللَّه يتقن مَا صنع
من قَالَ غير مقاله
أخطا الطَّرِيقَة وابتدع
لَا يُنكرُونَ كَلَامه
إِلَّا أَخُو جهل لكع
أهل الْعُقُول تيقظوا
فالفجر فِي الْأُفق انصدع
نسبوا إِلَى رب العلى
مَا قَوْله مِنْهُ منع
زَعَمُوا بِأَن كَلَامه
مثل الْكَلَام المستمع
فبرئت مِنْهُم إِنَّهُم
ركبُوا قبيحات الشنع
وأنشدني بعض أصحابِنَا لبَعض أهل الْعَصْر فِي وزن هَذِهِ الأبيات قل للمخالف يَا لكع
كف اللِّسَان عَن الْبدع
وذر التعصب جانبا
واللعن للْعُلَمَاء دع
فظلام جهلك فِي العقي
دة قد تلاشى وانقشع
[ ١٦٩ ]
. لما بدا فجر الْهدى
مِمَّن ينزه وانصدع
وغراس مَا أسقيته مَاء الخداع قد انْقَطع
مَا أَنْت حلف زهادة
بل أَنْت عبد للطمع
كم تزرع التَّشْبِيه فِي سبخ الْقُلُوب فَمَا انزرع
فاهجر دمشق وَأَهْلهَا
واسكن ببصري أوزرع
فهناك يُمكن أَن يصدق
مَا تَقول ويستمع
وَاعْلَم بِأَن الْأَشْعَرِيّ
عَدو أَصْحَاب الْبدع
فَهُوَ الْمجِيد الذب عَن
سنَن الرَّسُول وَمَا شرع
حَبْر تَقِيّ عَالم
جمع الدّيانَة والورع
رفع الْإِلَه مَحَله
عِنْد الْبَريَّة فارتفع
وَاخْتَارَ مَا قَالَ الرسو
ل من الْأُصُول وَمَا اخترع
لكنه نصب الدلي
ل لمن تسنن وَاتبع
وَأَبَان أَن الْعقل لَا
يَنْفِي الصَّوَاب المتبع
من آيَة أَو سنة كَانَ الرَّسُول بهَا صدع
يَا حُسن مَا أبدى لنَا وَجه الدَّلِيل وَمَا انتزع
فغدا بِهِ شَمل الْهدى
للْمُسلمين قد اجْتمع
وَتَفَرَّقَتْ فرق الضلا
ل وذل مَذْمُوم الشيع
وتعطلت مِمَّن يعطل
بعد كثرتهم بقع
فلأي حزب مِنْهُم
قصد الْجِدَال فَمَا قمع
مَا امهِ ذُو بِدعَة
لجاجة إِلَّا انْقَطع
[ ١٧٠ ]
. لَو لم يصنف عمره
غير الْإِبَانَة واللمع
لكفى فَكيف وَقد تفنن
فِي الْعُلُوم بِمَا جمع
مَجْمُوعَة تربي على ال
مِائَتَيْنِ مِمَّا قد صنع
لم يأل فِي تصنيفها
أخذا بِأَحْسَن مَا اسْتمع
فهدى بهَا المسترشد ب
ن وَمن تصفحها انْتفع
تتلى مَعَاني كتبه
فَوق المنَابر فِي الْجمع
وَيخَاف من إفحامه أهل الكنَائس وَالْبيع
فَهُوَ الشجا فِي حلق من
ترك المحجة وابتدع
فَعَلَيهِ رَحْمَة ربه
مَا غَابَ نجم أَو طلع
أنشدنَا الشَّيْخ أَبُو الْحُسَيْنِ بن الْمُبَارك بن مُحَمَّد الْبَغْدَادِيّ الْمَعْرُوف بابْن الْخلّ بِبَغْدَادَ فِي الْمدرسَة النظامية قصيدة لنَفسِهِ مدح بهَا الشَّيْخ أَبَا الْفتُوح مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ مُحَمَّدِ الاسفرايني رَحْمَة الله عَلَيْهِ وَذكر فَمِنْهَا قَوْله ورعى المعتضد النَّاس فَلم يَك للمظلوم إِلَّا وزرا
وتلاه المكتفي بِاللَّهِ عَن
كل شَيْء يقدم المقتدرا
واستشاط النَّاس فِي عصريهما
بخلافٍ عَم حَتَّى اشتهرا
مِنْهُم من شبه اللَّه وَمن
لم يقل ذَاك أحَال الْقدرا
أثبتوا رَبًّا وَلَكِن زَعَمُوا
أَنه مُمْتَنع أَن يُبصرا
وَأَرَادَ اللَّه إِيضَاح الْهدى
حِين زاغوا بفتى من أشعرا
[ ١٧١ ]
. فِي صميم النجب الْأَنْصَار مِنْ
خير من يَوْم حنين نصرا
أوضح الْحجَّة حَتَّى ظَهرت
وأعز الْحق حَتَّى استظهرا
وأنشدنَا أَيْضا الشَّيْخ الأديب أَبُو الْحُسَيْنِ بن الْخلّ من قصيدة لنَفسِهِ مدح بهَا الشَّيْخ الإِمَام أَبَا المظفر أَحْمد بن الإِمَام أَبِي بكر مُحَمَّد بن أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ الشَّاشِي ﵀ حجَّة الأشعرري حجتنا العل
يَا كَمَا قدره الرفيع العالي
الْبعيد المدى أبي الْحسن المح
سنّ فِي النصح للورى غير آل
وَالَّذِي أصل الْأُصُول بوصفي
نظر بِالْيَقِينِ واستدلال
لم تشب صفو عقدَة شبه التش
بيه فِي معزلٍ عَن الاعتزال
وحد اللَّه مُصْلِتًا صارم الْحق
مطيحا بِهِ دم الضلال
قصد اللَّه أمة قصدته
بالشنَاعات بالوبا والوبال
جهلوا قدره فَكل سَفِيه
مِنْهُم جَاهِل لما قَالَ قالي
وأنشدت لبَعض أهل النحقيق فِي مديحه ﵀ الْأَشْعَرِيّ مَاله شَبيه
حَبْرُ إِمَام عَالم فَقِيه
مذْهبه التَّوْحِيد والتنزيه
وَمَا عداهُ النَّفْي والتشبيه
وَلَيْسَ فِيمَا قَالَه تمويه
وَصَحبه كلهمُ نبيه
فِي قَوْله على الْهدى تَنْبِيه
مَا فيهمُ إِلَّا امْرُؤ وجيه
فَمن قلا أَصْحَابه سفيهُ
وَمن رأى تضليلهم معتوه
[ ١٧٢ ]
أَنْشدني الشَّيْخ الْفَقِيه الشَّهِيد أَبُو الْحجَّاج يُوسُف بن دونَاس الفندلاوي ﵀ فِيمَا أرى لبَعْضهِم بِدِمَشْقَ الأشعرية قوم
قد وفقوا للصَّوَاب
لم يخرجُوا فِي اعْتِقَاد
عَن سنة أَو كتاب
قَالَ شَيخنَا أَبُو مُحَمَّد الْقسم أنشدنيها عبد الْوَهَّاب بن عِيسَى الْيَشْكُرِي وَزَادَنِي بعدهمَا وكل منزاغ عَنْهُم
مصيره لعذاب
ولبعضهم فِي هَذَا الْمَعْنى على هَذَا الْوَزْن الأشعرية قوم
قد وفقوا للسداد
وبينوا للبرايا
طرا طَرِيق الرشاد
ونزهوا الله عَمَّا
يَقُول أهل العنَاد
وقدسوه عَن المث
ل جلّ والإنداد
ونزهوه عَن الزو
ج عز وَالْأَوْلَاد
وهم نفوا عَنهُ مَالا
يَصح فِي الِاعْتِقَاد
وأثبتوا كل وصف
يَصح بالإسنَاد
فهم بدور الدياجي
وهم هداة الْعباد
وهم بحار عُلُوم
وهم صُدُور الْبِلَاد
وهم كرام السجايا
وهم وُجُوه النوادي
لم يخرجُوا عَن كتاب
أَو سنة فِي اعْتِقَاد
لَيْسُوا أولي تَعْطِيل
وَلَا ذَوي إلحاد
[ ١٧٣ ]
أَنْشدني الشَّيْخ أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بن مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى وَقد قدم من مصر لبَعض أهل الْعَصْر إِن اعْتِقَاد الْأَشْعَرِيّ
مثل عُقُود الْجَوْهَر
مَا يُنكر اعْتِقَاده
غير جهول مفتري
كم يَدعِي تَقْصِيره
من جَاهِل مقصر
لَيست لَهُ معرفَة
بمثمنَات الدُّرَر
يُرِيد أَن ينَالها
جهلا ببذل الْكسر
والدر لَا يطْمع فِي
حُصُوله لمعسر
فَمن بدا إفلاسه
فَلَيْسَ مِمَّن يَشْتَرِي
وَمن غَدا ذَا ثروة
حصله بالبدر
ونَال مِنْهُ مَا اشْتهى
كَذَاك علم الْأَشْعَرِيّ
من رام أَن ينَاله
وَهُوَ من الْفضل عري
مَا اكتحلت أجفانه
فِي درسه بالسهر
وَلَا لَقِي مبرزا
فِي حضر أَو سفر
وَلَا سعى فِي جمعه
فِي أصل أَو بكر
وَلَا اغتدى مسترشدا فِيهِ فحول النّظر
ينظر فِيمَا ذكرُوا
بالسبر والتفكر
كمن تمنى سفها
نيل السهى وَالْمُشْتَرِي
أَو فاتح قد فَاتَهُ
مِفْتَاح قفل عسر
فَلَا تُطِع فِي ذمه
كل عَدو أَبتر
[ ١٧٤ ]
. وَاعْلَم يقينَا أَنه
مِمَّا يَقُولُونَ بري
فَهُوَ إِمَام عَالم
مَا فَضله بمنكر
شرف فِي علومه
بِفضل طيب العنصر
ذُو همة بكرية
عزما وَعدل عمري
ورأفة نورية
حلما وعلما حيدري
مَا زاغ فِي اعْتِقَاده
عَن آيَة أَو خبر
أَو حجَّة عقلية
تصح فِي الْمُعْتَبر
موحد فِي عقده
ومثبت للقدر
وَالْكَسْب لَا يُنكره
مثل جحود الْمُجبر
منزه لرَبه
عَن محدثات الصُّور
وَعَن أفول ذَاته
كَالشَّمْسِ أَو كَالْقَمَرِ
وَهل يكون صُورَة
للخالق المصور
لِأَنَّهُ لَيْسَ بِذِي
جسم وَلَا بجوهر
وَلَا يرى صِفَاته
مثل صِفَات الْبشر
لِأَنَّهُ جلّ عَن ال
حُدُوث والتغير
وَلَيْسَ يَنْفِي صفة
لَهُ كنفي الْمُنكر
بل يثبت الْحَيَاة وَال
قدرَة للمقتدر
وَالْعلم لَكِن لَا يرى ال
علم كعلم نَظَرِي
وَأَنه أَرَادَ مَا
كَانَ من الْمُقدر
ويثبث السّمع كَمَا
يثبت وصف الْبَصَر
[ ١٧٥ ]
وَيثبت القَوْل وَلَا
يجحده كالقدري
وَلَا يرى المسطور فِي ال
أَلْوَاح نقش الأسطر
وَيثبت استواءه
كَمَا أَتَى فِي السُّور
يثبت النُّزُول لَا
كهابط منحدر
من غير تَشْبِيه كَمَا
يثبت أهل الْأَثر
وَلَا يعادي أحدا
من صحب خير النّذر
بل يتوالى حصبه
والآل خير العتر
وَيعرف الْفضل لَهُم
كَمَا أَتَى فِي السّير
وَلَا يرى الْمُسلم فِي
بدعته بمكفر
فَهَل ترى فِي عقده
من بِدعَة أَو من خرى
فَكُن بِهِ مستمسكا
فَإِنَّهُ العقد السّري
وَحزبه زين الورى
أكْرم بهم من معشر
كم بَحر علم زاخر
وَبدر تمّ مقمر
مِنْهُم وَمن مقدم
قد حَاز كل مفخر
ونَال حسن منظر
حَقًا وَطيب مخبر
لَا يمتري فِي فَضلهمْ
إِلَّا حسود ممتري
هم دراري أنجم
وهم لآلي أبحر
بحبهم ينجو الَّذِي
يُحِبهُمْ فِي الْمَحْشَر
فرحمة اللَّه على
أمواتهم فِي الْحفر
وأيد الْبَاقِين فِي ال
ورد وَحين الصَّدْر
[ ١٧٦ ]
بَاب ذكر جمَاعَة من أَعْيَان مشاهير أَصْحَابه إِذْ كَانَ فضل الْمُقْتَدِي يدل على فضل المقتدى بِهِ
وَقد قسمتهم خمس طَبَقَات وَجدتهَا على تَصْحِيح قَوْله متفقات فالطبقة الأولى هم أَصْحَابه الَّذين أخذُوا عَنهُ وَمن أدْركهُ مِمَّن قَالَ بقوله أَو تعلم مِنْهُ
فَمنهمْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُجَاهِد الْبَصْرِيّ ﵀
أخبرنَا الشريف أَبُو الْقسم عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بن الْعَبَّاسِ الْحُسَيْنِي الْخَطِيب وأَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بن أَحْمَدَ بن مَنْصُور الغساني الْفَقِيه بِدِمَشْقَ وأَبُو مَنْصُور مُحَمَّد بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ خَيْرُونَ الْمقري بِبَغْدَاد قَالُوا انا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ بْنِ ثَابِتٍ الْخَطِيبُ الْحَافِظُ الْبَغْدَادِيُّ قَالَ مُحَمَّد بن أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بن يَعْقُوبَ بن مُجَاهِد أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الطَّائِي الْمُتَكَلّم صَاحب أَبِي الْحسن الْأَشْعَرِيّ وَهُوَ من أهل الْبَصْرَة سكن بِبَغْدَادَ وَعَلِيهِ درس الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الطّيب الْكَلَام وَله كتب حسان فِي الْأُصُول وَذكر لنَا غير وَاحِد من شيوخنَا عَنهُ أَنه كَانَ حسن السِّيرَة حسن التدين جميل الطَّرِيقَة وَكَانَ أَبُو بكر البرقاني يثني عَلَيْهِ ثنَاءً حسنا وَقد أدْركهُ بِبَغْدَادَ فِيمَا أَحسب واللَّه أعلم
أَبُو بكر البرقاني هُوَ أَحْمد بن مُحَمَّد ابْن أَحْمَدَ بْنِ غَالب الْخَوَارِزْمِيّ شيخ الْخَطِيب وَكَانَ فَقِيها حَافِظًا متقنًا
[ ١٧٧ ]
وَمِنْهُم أَبُو الْحَسَنِ الْبَاهِلِيّ الْبَصْرِيّ ﵀
أَخْبَرنِي الشَّيْخ أَبُو المظفر أَحْمد بن الْحَسَنِ بن مُحَمَّد الشعيري ببسطام قَالَ أَنا جَدِّي لأُمِّي أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ السَّهْلَكِيُّ قَالَ حكى لي وَاحِد من أهل الْعلم والتصوف عَن الْقَاضِي أَبِي بكر بن الباقلاني ﵀ قَالَ كنت أنَا والأستاذ أَبُو إِسْحَق الاسفرايني والأستاذ ابْن فورك رحمهمَا اللَّه مَعًا فِي درس الشَّيْخ أَبِي الْحسن الْبَاهِلِيّ تلميذ الشَّيْخ أَبِي الْحسن الْأَشْعَرِيّ قَالَ الْقَاضِي أَبُو بكر كَانَ الشَّيْخ الْبَاهِلِيّ يدرس لنَا فِي كل جُمُعَة مرّة وَاحِدَة وَكَانَ منَّا فِي حجاب يُرْخِي السّتْر بيننَا وَبَينه كي لَا نرَاهُ قَالَ وَكَانَ من شدَّة اشْتِغَاله بِاللَّهِ تَعَالَى مثل واله أَو مَجْنُون لم يكن يعرف مبلغ درسنَا حَتَّى نذكرهُ ذَلِك قَالَ وكنَّا نسْأَل عَن سَبَب النقاب وإرسال الْحجاب بَينه وَبَين هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة كاحتجابه عَن الْكل فَأجَاب إِنَّكُم ترَوْنَ السوقة وهم أهل الْغَفْلَة فتروني بِالْعينِ الَّتِي ترونهم قَالَ وَكَانَت أَيْضا جَارِيَة تخدمه فَكَانَ حَالهَا أَيْضا كَحال غَيرهَا مَعَه من الْحجاب وإرخائه السّتْر قَالَ أَبُو المظفر وَسمعت جدي يَقُول سَمِعت سُفْيَان الْمُتَكَلّم الصُّوفِي ﵀ يَقُول سَمِعت أَحْمد الفرساني ﵀ يَقُول سَمِعت الْأُسْتَاذ أَبَا إِسْحَق ﵀ يَقُول كنت فِي جنب الشَّيْخ أَبِي الْحسن الْبَاهِلِيّ كقطرة فِي الْبَحْر وَسمعت الشَّيْخ أَبَا الْحسن الْبَاهِلِيّ قَالَ كنت أنَا فِي جنب الشَّيْخ الْأَشْعَرِيّ كقطرة فِي جنب الْبَحْر
[ ١٧٨ ]
وَمِنْهُم أَبُو الْحُسَيْنِ بُنْدار بن الْحُسَيْنِ الشِّيرَازِيّ الصُّوفِي خَادِم أَبِي الْحسن رحمهمَا اللَّه
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ عبد الغافر بن إِسْمَاعِيلَ بن عَبْدِ الغافر فِي كِتَابه قَالَ أَنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بن ابراهيم الْمُزَكي قَالَ أَنا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ السّلمِيّ فِي كتاب تَارِيخ الصُّوفِيَّة قَالَ بنْدَار ابْن الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُهلب أَبُو الْحُسَيْنِ من أهل شيراز سكن أرجان وَكَانَ عَالما بالأصول لَهُ اللِّسَان الْمَشْهُور فِي علم الْحَقِيقَة كَانَ الشبلي يُكرمهُ ويقدمه وَبَينه وَبَين مُحَمَّد بن خَفِيف مفاوضات فِي مسَائِل رد على مُحَمَّد بن خَفِيف فِي مسالة الْإِيمَان وَغَيرهَا حِين رد مُحَمَّد بن خَفِيف على أقاويل الْمَشَايِخ فصوب بنْدَار أقاويل الْمَشَايِخ ورد عَلَيْهِ مَا رد عَلَيْهِم قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السّلمِيّ سَمِعت عبد الْوَاحِد بن مُحَمَّد يَقُول توفّي بنْدَار سنة ثَلَاث وَخمسين وثلاثمائة وغسله أَبُو زرْعَة الطَّبَرِيّ أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو السُّعُود أَحْمد بن عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بن المجلي الْوَاعِظ بِبَغْدَاد قَالَ أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ بْنِ ثَابت الْخَطِيب الْحَافِظ قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَليّ الْأَصْبَهَانِيّ قَالَ سَمِعت أَبَا بكر النسوي يَقُول سَمِعت بنْدَار بن الْحُسَيْنِ يَقُول مَنْ مَشى فِي الظلمَة إِلَى ذِي النعم أجلسه على بِسَاط الْكَرم وَمن قطع لِسَانه بشفرة السُّكُوت بَنِي لَهُ بَيت فِي الملكوت وَمن وَاصل أهل الْجَهَالَة ألبس ثوب البطالة وَمن أَكثر ذكر اللَّه تَعَالَى شغله عَن ذكر النَّاس وَمن هرب من الذُّنُوب هرب بِهِ من النَّار
[ ١٧٩ ]
وَمن رجا شَيْئا طلبه قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ بُنْدَارُ بْنُ الْحُسَيْنِ الصُّوفِيُّ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْفضل المتميزين بالمعرفة وَالْعلم ويحكى عَنْهُ حِكَايَاتٌ كَثِيرَةٌ وَلَمْ نَكْتُبْ لَهُ مُسْنَدًا غَيْرَ حَدِيثٍ وَاحِدٍ قَالَ أَخْبَرنِيهِ أَبُو سَعْدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عبد الله الْمَالِينِي قَالَ أَنا أَبُو أَحْمَدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ السُّكَّرِّيُّ قَالَ ثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بُنْدار بن الْحُسَيْنِ قَالَ ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ قَالَ ثَنَا الْحُسَيْن بن الْحسن قَالَ ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ قَالَ ثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُوسَى ابْن وَرْدَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المرؤ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْحسن ابْن إِسْمَاعِيلَ الْفارسي فِي كِتَابه قَالَ أَنا أَبُو بكر بن زَكَرِيَّا بن أبي اسحق قَالَ أَنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الصُّوفِي قَالَ سَمِعت عبد الْوَاحِد بن مُحَمَّد يَقُول سَمِعت بندارا يَقُول أول مَا دخلت على الشبلي وَكَانَ معي جهاز نَحْو أَرْبَعِينَ ألف دينَار فَنظر الشبلي فِي الْمرْآة فَقَالَ يَا أَبَا الْحسن الْمرْآة تَقول إِن ثَمَّ سَبَب فَقلت صدق الْمرْآة فَحملت إِلَيْهِ سِتّ بدر ثمَّ نظر بعد ذَلِك فِي الْمرْآة تَقول إِن ثَمَّ سَبَب فَقلت صدق الْمرْآة فَحملت إِلَيْهِ ثَلَاث بدر فَكلما اجْتمع عِنْدِي من جهازي شَيْء كَانَ ينظر فِي الْمرْآة وَيَقُول الْمرْآة تَقول إِن ثمَّ سَبَب حَتَّى حملت جَمِيع مَالِي إِلَيْهِ فَنظر فِي الْمرْآة وَقَالَ الْمرْآة تَقول لَيْسَ ثمَّ من سَبَب قلت صدق الْمرْآة أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو نصر عبد الرَّحِيم بن عبد الْكَرِيم بن هوزان فِي كِتَابه قَالَ سَمِعت أَبِي الْأُسْتَاذ أَبَا الْقسم يَقُول كَانَ الْأُسْتَاذ أَبُو بكر بن فورك ﵀ يَحْكِي
[ ١٨٠ ]
عَن بنْدَار بن الْحُسَيْنِ الشِّيرَازِيّ أَنه كَانَ من أَصْحَاب الشبلي وَكَانَ أَبُوه جهزه إِلَى بَغْدَاد للتِّجَارَة فَوَقع إِلَى مجْلِس الشبلي فأثر فِيهِ كَلَامه فَأمره الشبلي بِالْخرُوجِ عَن المَال فَكَانَ كلما حضر الشبلي نظر الشبلي فِي مرْآة عِنْده وَكَانَ يَقُول الْمرْآة تَقول قد بَقِي شَيْء وَكَانَت الْمرْآة على الْحَقِيقَة قلبه فَكَانَ بنْدَار يَقُول صدقت الْمرْآة وَكَانَ الشبلي يكثر النّظر فِي الْمرْآة فَسئلَ عَن ذَلِك فَقَالَ بيني وَبَين اللَّه عهد إِن ملت عَنهُ عاقبَنِي فأنَا أنظر فِي كل سَاعَة فِي الْمرْآة هَل أسود وَجْهي فَلَمَّا لم يبْقى لبندار شَيْء قَالَ الشبلي الْمرْآة تَقول لم يبْق شَيْء فَقَالَ صدقت الْمرْآة فَقَالَ الشبلي فَاخْرُج الْآن من الجاه فَجعل يَدُور على معارفه يكدي فَكَانَ بَعضهم يَقُول مِسْكين وَبَعْضهمْ يَقُول مَجْنُون قَالَ بنْدَار فَمَا كَانَ شَيْء أصعب عليَّ من الْخُرُوج من الجاه وَالرجل كل الرجل من طَهُر عَن مرْآة الْخلق أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْمُظَفَّرِ بْنُ الْأُسْتَاذ أبي الْقسم الْقشيرِي قَالَ قَالَ لنَا أَبِي أَبُو الْحُسَيْنِ بُنْدار بن الْحُسَيْنِ الشِّيرَازِيّ كَانَ عَالما بالأصول كَبِيرا فِي الْحَال صحب الشبلي مَاتَ بأرجان سنة ثَلَاث وَخمسين وثلاثمائة قَالَ بنْدَار بن الْحُسَيْنِ لَا تخاصم لنَفسك فَإِنَّهَا لَيست لَك دعها لمَالِكهَا يفعل بهَا مَا يُرِيد قَالَ بنْدَار صُحْبَة أهل الْبدع تورث الْإِعْرَاض عَن الْحق وَقَالَ بنْدَار اترك مَا تهوى لما تَأمل
وَمِنْهُم أَبُو مُحَمَّد الطَّبَرِيّ الْمَعْرُوف بالعراقي ﵀
كتب إليَّ الشَّيْخ الإِمَام أَبُو نصر عبد الرَّحِيم بن عَبْدِ الْكَرِيم
[ ١٨١ ]
الْقشيرِي قَالَ أَنا الْأُسْتَاذ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَليّ الْحَافِظ قَالَ أَنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظ قَالَ عَبْد اللَّهِ بن عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّد الطَّبَرِيّ وَيعرف بالعراقي وَأهل جرجان يعرفونه بالمنجنيقي وَقد كَانَ ولي قَضَاء جرجان قَدِيما وقلما رَأَيْت من الْفُقَهَاء أفْصح لِسَانا مِنْهُ يناظر على مَذْهَب الشَّافِعِي فِي الْفِقْه وعَلى مَذْهَب الْأَشْعَرِيّ فِي الْكَلَام ورد نيسابور غير مرّة وَآخِرهَا أَنِّي صحبته سنة تسع وَخمسين يَعْنِي وثلاثمائة من نيسابور إِلَى بُخَارى ثمَّ توفّي بِقرب ذَلِك ببخارى ﵀ سمع بخراسان عمرَان بن مُوسَى وأقرانه وبالعراق أَبَا مُحَمَّد بن صاعد وأقرانه رُوِيَ عَنهُ الْحَاكِم
وَمِنْهُم أَبُو بكر الْقفال الشَّاشِي الْفَقِيه ﵀
قرأتُ على الشَّيْخ أَبِي الْقسم زَاهِر بن طَاهِر الشحامي عَنْ أَبِي بكر أَحْمد بن الْحُسَيْنِ الْبَيْهَقِيّ قَالَ قَالَ لنَا الْحَاكِم أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظ مُحَمَّد بن عَلِيِّ بْنِ إِسْمَاعِيل الْفَقِيه الأديب أَبُو بكر الشَّاشِي إِمَام عصره بِمَا وَرَاء النَّهر للشافعيين وأعلمهم بالأصول وَأَكْثَرهم رحْلَة فِي طلب الحَدِيث سمع بخراسان وبالعراق وبالجزيرة وبالشام توفّي الْفَقِيه أَبُو بكر الْقفال بالشاش فِي ذِي الْحجَّة سنة خمس وَسِتِّينَ وثلاثمائة كتبت عَنهُ وَكتب عني بِخَط يَده أخبرنَا الشَّيْخ أَبُو الْقسم اسماعيل ابْن أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ بْنِ السَّمْرَقَنْدِيِّ بِبَغْدَاد قَالَ ثَنَا الشَّيْخ الإِمَام أَبُو اسحق إِبْرَاهِيم بن عَلِيِّ بْنِ يُوسُفَ الشِّيرَازِيّ الفيروز آبادي ﵀ قَالَ
[ ١٨٢ ]
أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ إِسْمَاعِيل الْقفال الشَّاشِي درس على أَبِي الْعَبَّاس بن سُرَيج وَكَانَ إِمَامًا وَله مصنفات كَثِيرَة لَيْسَ لأحد مثلهَا وَهُوَ أول من صنف الجدل الْحسن من الْفُقَهَاء وَله كتاب فِي أصُول الْفِقْه وَله شرح الرسَالَة وَعنهُ انْتَشَر فقه الشَّافِعِي فِيمَا وَرَاء النَّهر وَبَلغنِي أَنه كَانَ فِي أول أمره مائلا عَن الِاعْتِدَال قَائِلا بمذاهب أهل الاعتزال واللَّه أعلم
وَمِنْهُم أَبُو سهل الصعلوكي النَّيْسَابُورِي ﵀
ذكر الْأُسْتَاذ أَبُو بكر بن فورك أَن أَبَا سهل رَحل إِلَى الْعرَاق وَقت الشَّيْخ أَبِي الْحسن ودرس عَلَيْهِ كتب إليَّ الشَّيْخ أَبُو نصر بن أبي الْقسم ابْن هوزان قَالَ أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْبَيْهَقِيّ قَالَ أَنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظ قَالَ مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَان بن هرون بن عِيسَى بن إِبْرَاهِيمَ بن بشير الْحَنَفِيّ الْعجلِيّ الإِمَام الْهمام الْمُتَكَلّم الْمُفَسّر سهل الصلعوكي الْفَقِيه الأديب اللّغَوِيّ النَّحْوِيّ الشَّاعِر الْمُتَكَلّم الْمُفَسّر الْمُفْتِي الصُّوفِي الْكَاتِب الْعَرُوضِي حبر زَمَانه وَبَقِيَّة أفرانه ﵁ ولد سنة سِتّ وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَسمع أول مَا سمع سنة خمس وثلاثمائة طلب الْفِقْه وتبحر فِي الْعُلُوم قبل خُرُوجه إِلَى الْعرَاق بسنين وَأَنه نَاظر فِي مجَالِس أَبِي الْفضل البلعمي الْوَزير سنة سبع عشرَة وثلاثمائة وَكَانَ يقدم فِي الْمجْلس إِذْ ذَاك ثمَّ خرج إِلَى الْعرَاق سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين
[ ١٨٣ ]
وثلاثمائة وَهُوَ إِذْ ذَاك أوحد بَين أَصْحَابه ثمَّ دخل الْبَصْرَة ودرس بهَا سِنِين إِلَى أَن استدعي إِلَى أَصْبَهَان وَأقَام بهَا سِنِين ونزلها فَلَمَّا نعي إِلَيْهِ عَمه أَبُو الطّيب وَعلم أَن أهل أَصْبَهَان لَا يتخلون عَنهُ فِي انْصِرَافه خرج مختفيا مِنْهُم فورد نيسابور فِي رَجَب سنة سبع وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة وَهُوَ على الرُّجُوع إِلَى الْأَهْل وَالْولد والمستقر من أَصْبَهَان فَلَمَّا ورد جلس لمأتم عَمه ثَلَاثَة أَيَّام فَكَانَ الشَّيْخ أَبُو بكر بن اسحق يحضر كل يَوْم فيقعد مَعَه هَذَا على قلَّة حركته وقعوده عَن قَضَاء الْحُقُوق وَكَذَلِكَ كل رَئِيس ومرؤوس وقاضٍ ومفت من الْفَرِيقَيْنِ فَلَمَّا انْقَضتْ الْأَيَّام للمعزى عقدوا لَهُ الْمجْلس غَدَاة كل يَوْم للتدريس وَالْإِلْقَاء ومجلس النّظر عَشِيَّة الْأَرْبَعَاء وَاسْتقر بِهِ وَلم يبْق فِي الْبَلَد مُوَافق وَلَا مُخَالف إِلَّا وَهُوَ مقرّ لَهُ بِالْفَضْلِ والتقدم وحضره الْمَشَايِخ مرّة بعد أُخْرَى يسْأَلُون أَن ينْقل من خَلفهم وَرَاءه بأصبهان فَأجَاب إِلَى ذَلِك ودرس وَأفْتى وَرَأس أَصْحَابه بِنَيْسَابُورَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ سنة سمع بخراسان أَبَا بكر بن خريمة وَأَبا الْعَبَّاس الثَّقَفِيّ وَأَبا عَليّ أَحْمد بن عُمَرَ بن يزِيد المحمد أَبَا ذِي وَأَبا الْعَبَّاس الْأَزْهَرِي وَأَبا قُرَيْش الْحَافِظ وَأَبا الْعَبَّاس الماسرجسي وأقرانهم وَسمع بِالريِّ أَبَا مُحَمَّد بن أَبِي حَاتِم وَأَبا عَبْد اللَّهِ الْمحَامِلِي الْقَاضِي وَأَبا عَبْد اللَّهِ مُحَمَّد ابْن مخلد الدوري وَإِبْرَاهِيم بن عَبْدِ الصَّمد الْهَاشِمِي وَأَبا بكر مُحَمَّد بن الْقسم بن الْأَنْبَارِي وأقرانهم ثمَّ إِن الْأُسْتَاذ قعد للْحَدِيث عَشِيَّة الْجُمُعَة وَحدث النَّاس قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ سَمِعت أَبَا بكر أَحْمد بن اسحق الإِمَام
[ ١٨٤ ]
﵀ غير مرّة وَهُوَ يعوذ الْأُسْتَاذ أَبَا سهل وينفث على دُعَائِهِ وَيَقُول بَارك اللَّه فِيك لَا أَصَابَك الْعين فِي مجَالِس النّظر عَشِيَّة السبت للْكَلَام وَعَشِيَّة الثُّلَاثَاء للفقه قَالَ وَسمعت أَبَا عَليّ الأسفرايني يَقُول سَمِعت أَبَا اسحق المرزوي يَقُول ذهبت الْفَائِدَة من مجلسنَا بعد خُرُوج أَبِي سهل النَّيْسَابُورِي وَقَالَ سَمِعت أَبَا الطَّاهِر الْأنمَاطِي الْفَقِيه بِالريِّ يَقُول سَمِعت الصاحب أَبَا الْقسم يَعْنِي ابْن عباد يَقُول لَا نرى مثله وَلَا رأى هُوَ مثل نَفسه يَعْنِي أَبَا سهل وَقَالَ سَمِعت أَبَا مَنْصُور الْفَقِيه يَقُول سُئِلَ أَبُو الْوَلِيد عَنْ أَبِي بكر الْقفال وَأبي سهل أَيهمَا أرجح فَقَالَ وَمن يقدر أَن يكون مثل أَبِي سهل قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ سَمِعت أَبَا الْفضل ابْن يَعْقُوبَ يَقُول سَمِعت أَبَا الْحسن عَليّ بن أَحْمَدَ البنوجردي يَقُول كنت فِي حَلقَة أَبِي بكر الشَّافِعِي الصَّيْرَفِي فَسَمعته يَقُول خرج أَبُو سهل الصعلوكي إِلَى خُرَاسَان وَلم ير أهل خُرَاسَان مثله اُخْبُرْنَا الشَّيْخ أَبُو الْقسم بْنُ السَّمَرْقَنْدِيِّ قَالَ قَالَ لنَا الشَّيْخ الإِمَام أَبُو إِسْحَق الشِّيرَازِيّ أَبُو سَهْلٍ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَان بن مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَان بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْن هرون الصعلوكي الْحَنَفِيّ من بَنِي حنيفَة صَاحب أبي اسحق المرزوي مَاتَ فِي آخر سنة تسع وَسِتِّينَ وثلاثمائة وَكَانَ فَقِيها أديبا شَاعِرًا متكلما صوفيا كَاتبا وَعنهُ أَخذ ابْنه أَبُو الطّيب وفقهاء نيسابور سَمِعت أَبَا المظفر بن الْقشيرِي يَقُول سَمِعت أبي الْأُسْتَاذ ابا الْقسم يَقُول سَمِعت أَبَا عَبْد الرَّحْمَنِ السّلمِيّ يَقُول وهب الْأُسْتَاذ أَبُو سهل جبته من إِنْسَان فِي الشتَاء وَكَانَ يلبس جُبَّة النِّسَاء حِين يخرج إِلَى التدريس إِذْ لم يكن لَهُ جُبَّة أُخْرَى فَقدم الْوَفْد
[ ١٨٥ ]
المعروفون من فَارس فيهم فِي كل نوع إِمَام من الْفُقَهَاء والمتكلمين والنحويين فَأرْسل إِلَيْهِ صَاحب الْجَيْش أَبُو الْحَسَنِ وَأمره بِأَن يركب للاستقبال فَلبس دراعة فَوق تِلْكَ الْجُبَّة الَّتِي للنِّسَاء وَركب فَقَالَ صَاحب الْجَيْش إِنَّه يستخف بِي إِمَام الْبَلَد يركب فِي جُبَّة النسوان ثمَّ إِنَّه نَاظرهم أَجْمَعِينَ وَظهر كَلَامه على كَلَام جَمِيعهم فِي كل فن أَخْبَرنِي الشَّيْخُ أَبُو الْمُظَفَّرِ أَحْمَدُ بْنُ الْحسن البسطامي بقومس قَالَ أَنا جدي أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ ببسطام قَالَ سَمِعت الشَّيْخ أَبَا البركات ظفر بن الْقَاضِي الإِمَام نوح بن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن الْقسم بن الحكم الْقزْوِينِي قَالَ سَمِعت أَبَا الْحسن الأيوبي الْمُتَكَلّم الْوَاعِظ ﵀ قَالَ كَانَ أَبُو نصر الْوَاعِظ ﵀ حنيفي الْمَذْهَب وَكَانَ فِي زمن الْأُسْتَاذ الإِمَام أَبِي سهل الصعلوكي ﵁ انْتقل من مَذْهَب الرَّأْي إِلَى مَذْهَب أَصْحَاب الحَدِيث فَسئلَ عَن ذَلِك فَقَالَ رَأَيْت النَّبِي ﷺ فِي المنَام مَعَ أَصْحَابه قَاصِدا لعبادة الْأُسْتَاذ أَبِي سهل الصعلوكي وَكَانَ مَرِيضا قَالَ فتتبعته وَدخلت مَعَه عَلَيْهِ وَقَعَدت بَين يَدي النَّبِي ﷺ متفكرا قَالَ فَقلت إِن هَذَا إِمَام أَصْحَاب الحَدِيث وَإِن مَاتَ أخْشَى أَن يَقع الْخلَل فيهم فَقَالَ رَسُول اللَّه ﷺ لي لَا تفكر فِي ذَلِك إِن اللَّه تَعَالَى لَا يضيع عِصَابَة أنَا سَيِّدهَا أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو نصر بن الْقشيرِي اجازة قَالَ أَنا أَبُو بكر الْبَيْهَقِيّ قَالَ أنشدنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظ قَالَ أنشدنَا أَبُو مَنْصُور مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيمَ النَّحْوِيّ الْقُهسْتَانِيّ يمدح الْأُسْتَاذ أَبَا سهل
[ ١٨٦ ]
. إِمَام الْهدى إِنِّي لفعلك شَاكر إِمَام الْهدى إِنِّي بوك فاخرُ
أَبَا سهل الحبر الْمُقدم أَصبَحت لدي أياد مِنْك غر ظواهر
أأكفر إحسانًا لبست جماله إِذًا لم تلدني المحصنَات الطواهر
أَبُو سهل السباق فِي كل مجْلِس على الْخصم سيف صارم الْحَد باتر
لَهُ مكرمات يقصر الْوَصْف دونهَا وَمن رام إحصاءً لَهَا فَهُوَ قَاصِر
خِصَال أَبِي سهل نجومُ مضيئة وَأَلْفَاظه المستعذبات جَوَاهِر
وهمته فَوق السماك وَذكره إِلَى كل أَطْرَاف البسيطة سَائِر
أحار أَبَا سهل وفيك تحيري وَمَا أنَا فِي مستعجم الْأَمر حائر
فيا عجبا من وَاحِد سبق الورى فَمَا فيهم مثل لَهُ ومفاخر
لعمري لقد أَحْيَا الشَّرِيعَة علمه ولولاه أضحى رسمها وَهُوَ داثر
مساميه يَبْغِي أبعد الشأوفي الْعلَا وَهل مدرك شأو المها قطّ حافر
أَلا اقصروا أَنِّي لكم مثل فهمه وَذَلِكَ بَحر موجه الدَّهْر زاخر
هم يسهرون اللَّيْل فِي ضبط حجَّة تَزُول إِذَا مَا جاش للشَّيْخ خاطر
هُوَ الصَّدْر والمتبوع فِي كل مجْلِس وَعَن رَأْيه العالي مباهيه صادر
أغار عَلَيْهِ حِين ينثر دره إِذا وطىء المنثور من ذَاك باقر
ويوحشني مهما يساميه مفحم كليل بطيء بالسفاهة خابر
ودادي لَهُ هز القريض وصاغه وَمَالِي من طبع وَمَا أنَا شَاعِر
بلوت فَمَا فيهم سواك مظَاهر فَأَنت إِمَام الدّين عِنْدِي ظَاهر
بقيت وسهلا مَا أَقَامَ متالع وَمَا نَاح قمري وغرد طَائِر
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْمُظَفَّرِ بْنُ الْأُسْتَاذ أَبِي الْقسم قَالَ أَنا أَبِي قَالَ
[ ١٨٧ ]
سَمِعت أَبَا بكر بن أشكاب يَقُول رَأَيْت الْأُسْتَاذ أَبَا سهل الصعلوكي فِي المنَام على هَيْئَة حَسَنَة لَا تُوصَف فَقلت لَهُ ياأستاذ بِمَاذَا نلْت هَذَا فَقَالَ بِحسن ظَنِّي بربي بِحسن ظَنِّي بربي
وَمِنْهُم أَبُو زيد المرزوي ﵀
ذكر أَبُو بكر بن فورك أَنه مِمَّن اسْتَفَادَ من أَبِي الْحسن الْأَشْعَرِيّ من أهل خُرَاسَان قَرَأت على أَبِي الْقسم زَاهِر بن طَاهِر الْمعدل عَنْ أَبِي بكر أَحْمد بن الْحُسَيْنِ الْحَافِظ قَالَ أَنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظ قَالَ مُحَمَّد بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْفَقِيه الزَّاهِد أَبُو زيد المرزوي وَكَانَ أحد أَئِمَّة الْمُسلمين وَمن أحفظ النَّاس لمَذْهَب الشَّافِعِي وَأَحْسَنهمْ نظرا وأزهدهم فِي الدُّنْيَا قدم نيسابور غير مرّة أَولهَا للتفقه قبل الخروجٍ إِلَى الْعرَاق وَبعده لمتوجهه إِلَى غَزْو الرّوم وقدمها الكرة الْخَامِسَة مُتَوَجها إِلَى الْحَج فِي شعْبَان سنة خمس وَخمسين وثلاثمائة وَأقَام بِمَكَّة سبع سِنِين وَحدث بِمَكَّة وبِبَغْدَادَ بالجامع الصَّحِيح لمُحَمَّد بن اسماعيل عَن الْفربرِي وَهِي أجل الرِّوَايَات لجلالة أَبِي زيد قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ سَمِعت أَبَا بكر الْبَزَّار يَقُول عادلت الْفَقِيه أَبَا زيد من نيسابور إِلَى مَكَّة فَمَا أعلم أَن الْمَلَائِكَة كتبت عَلَيْهِ خَطِيئَة قَالَ وَسمعت أَبَا الْحسن مُحَمَّد بن أَحْمَدَ الْفَقِيه يَعْنِي ابْن عَبْدِوس بن حَاتِم الْحَاتِمِي النَّيْسَابُورِي يَقُول سَمِعت أَبَا زيد الْفَقِيه المرزوي يَقُول لما عزمت على الرُّجُوع إِلَى خُرَاسَان من مَكَّة تقسم قلبِي بذلك وَكنت أَقُول مَتى يمكنني هَذَا والمسافة بعيدَة وَالْمَشَقَّة
[ ١٨٨ ]
لَا أحتملها فقد طعنت فِي السن فَرَأَيْت فِي المنَام كَأَن رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَاعد فِي صحن الْمَسْجِد الْحَرَام وَعَن يَمِينه شَاب فَقلت يارسول اللَّهِ قد عزمت على الرُّجُوع إِلَى خُرَاسَان والمسافة بعيدَة فَالْتَفت رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الشَّاب بجنبه فَقَالَ ياروح اللَّه تصحبه إِلَى وَطنه قَالَ أَبُو زيد فاريت أَنه جِبْرِيل ﵇ فانصرفتُ إِلَى مرو فَلم أحس بِشَيْء من مشقة السّفر هَذَا أَو نَحوه فَإِنِّي لم أرجع إِلَى الْمَكْتُوب عِنْدِي من لفظ أَبِي الْحسن أخبرنَا الشريف أَبُو الْقسم عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحُسَيْنِي وأَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَنْصُور ابْن قبيس الْفَقِيه وأَبُو مَنْصُور مُحَمَّد بن عبد الْملك بن حُسَيْن بن خيرون قَالُوا قَالَ لنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَليّ الْحَافِظ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّد أَبُو زيد المرزوي الْفَقِيه سمع مُحَمَّد بن عَبْدِ اللَّهِ السَّعْدِيّ وَجَمَاعَة من أَصْحَاب عَليّ بن حجر وَأكْثر عَنْ أَبِي بكر أَحْمد بن مُحَمَّدِ بْنِ عمر المنكدري وَكَانَ أحد أَئِمَّة الْمُسلمين حَافِظًا لمَذْهَب الشَّافِعِي حسن النّظر مَشْهُورا بالزهد والورع ورد بَغْدَاد وَحدث بهَا فَسمع مِنْهُ وروى عَنهُ أَبُو الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيّ ومُحَمَّد بن أَحْمَدَ بْنِ الْقسم الْمحَامِلِي وَخرج أَبُو زيد إِلَى مَكَّة فجاور بهَا وَحدث هنَاك بِكِتَاب صَحِيح البُخَارِيّ عَنْ مُحَمَّدِ بن يُوسُف الْفربرِي وأَبُو زيد أجل من روى ذَلِك الْكتاب وَقَالَ لنَا الشَّيْخ أَبُو الْقَاسِمِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ بن السَّمَرْقَنْدِيِّ قَالَ لنَا الشَّيْخ أَبُو اسحق الشِّيرَازِيّ أَبُو زيد مُحَمَّد بن أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّد المرزوي صَاحب أبي اسحق مَاتَ بمرو فِي رَجَب سنة إِحْدَى وَسبعين وثلاثمائة وَكَانَ
[ ١٨٩ ]
حَافِظًا للْمَذْهَب حسن النّظر مَشْهُورا بالزهد وَعنهُ أَخذ أَبُو بكر الْقفال المرزوي وفقهاء مَرْو
وَمِنْهُم أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَفِيف الشِّيرَازِيّ الصُّوفِي ﵀
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ عبد الغافر بن إِسْمَاعِيلَ الْفَارِسِي فِي كِتَابه قَالَ أَنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بن إِبْرَاهِيم الْمُزَكي قَالَ أَنا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ السّلمِيّ قَالَ مُحَمَّد بن خَفِيف بن أسفكشاذ الضَّبِّيّ أَبُو عَبْد اللَّهِ الْمُقِيم بشيراز كَانَت أمه نيسابورية هُوَ الْيَوْم شيخ الْمَشَايِخ وتاريخ الزَّمَان لم يبْق للْقَوْم أقدم مِنْهُ سنَا وَلَا أتم حَالا ووقتا صحب رويما والجريري وَأَبا الْعَبَّاس بن عَطاء وَلَقي الْحُسَيْن بن مَنْصُور وَهُوَ من أعلم الْمَشَايِخ بعلوم الظَّاهِر متمسكا بعلوم الشَّرِيعَة من الْكتاب وَالسّنة وَهُوَ فَقِيه على مَذْهَب الشَّافِعِي وَقَالَ أَحْمد بن يَحْيَى الشِّيرَازِيّ مَا أرى التصوف إِلَّا وَيخْتم بِأبي عَبْد اللَّهِ بن خَفِيف وَقيل لأبي عَبْد اللَّهِ بن خَفِيف إِن فلانَا تكلم فِي التصوف بِكَلَام عَال فَقَالَ إِنَّه قَامَ عَلَيْهِ التصوف رخيصا فَهُوَ يَبِيعهُ رخيصا نعي إلينَا سنة إِحْدَى وَسبعين وثلاثمائة كتب إِلَيّ الشَّيْخ أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ الْمقري قَالَ أَنا أَبُو نُعَيْمٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ الْحَافِظ قَالَ وَمِنْهُم أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ ابْن خَفِيف الظريف لَهُ الْفُصُول فِي الْأُصُول وَالتَّحْقِيق والتثبت فِي الْوُصُول لَقِي الأكابر والأعلام صحب رويما وَأَبا الْعَبَّاس بن عَطاء وطاهرا الْمَقْدِسِي وَأَبا عمر الدِّمَشْقِي كَانَ شيخ الْوَقْت حَالا وعلما توفّي سنة إِحْدَى
[ ١٩٠ ]
وَسبعين وثلاثمائة أخبرنَا الشَّيْخ أَبُو الْقسم زَاهِرُ بْنُ طَاهِرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُسْتَمْلِي قَالَ أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْبَيْهَقِيّ قَالَ سَمِعت أَبَا الْحسن عَليّ بن حَمْزَة بن عَليّ الْعلوِي يَقُول سَمِعت أَبَا عَبْد اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشِّيرَازِيّ يَقُول نظر أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَفِيف يَوْمًا إِلَى ابْن مَكْتُوم وَجَمَاعَة من أَصْحَابه يَكْتُبُونَ شَيْئا فَقَالَ مَا هَذَا فَقَالُوا نكتب كذاوكذا فَقَالَ اشتغلوا بتَعَلُّم شَيْء وَلَا يَغُرنكُمْ كَلَام الصُّوفِيَّة فَإِنِّي كنت أخبىء محبرتي فِي جيب مرقعتي والكاغد فِي حجرَة سراويلي وَكنت أذهب خُفْيَة إِلَى أهل الْعلم فَإِذا علمُوا بِي خاصموني وقَالُوا لَا تفلح ثمَّ احتاجوا إِلَيَّ بعد ذَلِك سَمِعت الشَّيْخ أَبَا بكر مُحَمَّد بن أَحْمد ابْن الْحَسَنِ البروجردي بِبَغْدَادَ يَقُول سَمِعت أَبَا سعد عَليّ بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي صَادِق الْحِيرِي بِنَيْسَابُورَ يَقُول سَمِعت أَبَا عَبْد اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بن با كوية الشِّيرَازِيّ يَقُول سَمِعت أَبَا عَبْد اللَّهِ بن خَفِيف يَقُول كنت فِي ابتدائي بقيت أَرْبَعِينَ شهرا أفطر كل لَيْلَة بكف باقلاء فمضيت يَوْمًا واقتصدت يَوْمًا فَخرج من عرقي شَبيه مَاء اللَّحْم وغشى عَليّ فتحير الفصاد وَقَالَ مَا رَأَيْت جسدا بِلَا دم إِلَّا هَذَا قَالَ وَسمعت أَبَا عَبْد اللَّهِ يَقُول مَا سَمِعت شَيْئا من سنَن رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَّا استعملته حَتَّى الصَّلَاة على أَطْرَاف الْأَصَابِع سَمِعت الشَّيْخ أَبَا المظفر عبد الْمُنعم ابْن عبد الْكَرِيم بن هوزان الْقشيرِي يَقُول سَمِعت أَبِي الْأُسْتَاذ أَبَا الْقسم يَقُول سَمِعت أَبَا عَبْد اللَّهِ بْنِ باكويه الشِّيرَازِيّ يَقُول سَمِعت أَبَا الْعَبَّاس الكرجي يَقُول سَمِعت أَبَا عَبْد اللَّهِ بن خَفِيف يَقُول ضعفت
[ ١٩١ ]
عَن الْقيام فِي النَّوَافِل وَقد جعلتُ بدل كل رَكْعَة من أورادي رَكْعَتَيْنِ قَاعِدا للْخَبَر صَلَاة الْقَاعِد على النّصْف من صَلَاة الْقَائِم وَسمعت أَبَا المظفر يَقُول سَمِعت أَبِي يَقُول سَمِعت الشَّيْخ أَبَا عَبْد اللَّهِ بن باكويه الْكُوفِي الصُّوفِي يَقُول سَمِعت أَبَا عَبْد اللَّهِ بن خَفِيف يَقُول مَا وَجَبت عَلَيَّ زَكَاة الْفطر أَرْبَعِينَ سنة ولي قبُول عَظِيم بَين الْخَاص وَالْعَام سَمِعت أَبَا بكر مُحَمَّد بن أَحْمَدَ الْأَسدي الْجَوْهَرِي يَقُول سَمِعت عَليّ بن عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِي يَقُول سَمِعت يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن عَبْدِ اللَّهِ الصُّوفِي يَقُول سَمِعت أَبَا أَحْمد الْكَبِير قَالَ كَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ إِذَا أَرَادَ أَن يخرج إِلَى صَلَاة الْجُمُعَة يَقُول لي هَات مَا عندنَا فأحمل إِلَيْهِ كل مَا قد فتح من الذَّهَب وَالْفِضَّة وَغَيره فيفرقه كُله ثمَّ يخرج إِلَى صَلَاة الْجُمُعَة وَكَانَ كل سنة فِي أَوَانه يخرج جَمِيع مَا عِنْده من الثِّيَاب حَتَّى لَا يبقي لنَفسِهِ مَا يخرج بِهِ إِلَى بر أَو أَخْبَرَنَا أَبُو بكر الْجَوْهَرِي قَالَ أَنا أَبُو سعيد الْحِيرِي قَالَ أنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ باكويه قَالَ ثَنَا أَبُو أَحْمد الصَّغِير قَالَ كَانَ أَمرنِي يَعْنِي ابْن خَفِيف أَن أقدم إِلَيْهِ كل لَيْلَة عشر حبات زبيب لإفطاره قَالَ فَأَشْفَقت عَلَيْهِ لَيْلَة فجعلتها خمس عشرَة فَنظر إِلَى وَقَالَ مَنْ أَمرك بِهَذَا وَأكل مِنْهَا عشر حبات وَترك الْبَاقِي
وَمِنْهُم أَبُو بكر الْجِرْجَانِيّ الْمَعْرُوف بالإسماعيلي ﵀
أخبرنَا الشَّيْخ أَبُو الْقسم بْنُ أَبِي بكر الكتبي قَالَ أَنا أَبُو الْقسم إِسْماعِيلُ بْنُ مسْعدَة بن إِسْمَاعِيلَ الْجِرْجَانِيّ قَالَ أَنا أَبُو الْقسم حَمْزَة بن
[ ١٩٢ ]
يُوسُفَ السَّهْمِي الْجِرْجَانِيّ فِي تَارِيخ جرجان قَالَ أَحْمد بن إِبْرَاهِيمَ بن إِسْمَاعِيلَ بن الْعَبَّاسِ أَبُو بكر الْإِسْمَاعِيلِيّ الإِمَام ﵀ ويبض وَجهه وألحقه بعباده الصَّالِحين توفّي يَوْم السبت غرَّة رَجَب سنة إِحْدَى وَسبعين وثلاثمائة وَكَانَ لَهُ أَربع وَتسْعُونَ سنة سَمِعت وَلَدي أَبَا يَعْقُوب يُوسُف بن إِبْرَاهِيمَ يَقُول سَمِعت أبي لإِبْرَاهِيم بن مُوسَى يَقُول كَانَ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْإِسْمَاعِيلِيّ بارا بِوَالِديهِ لحقته بركَة دعائهما قَالَ حَمْزَة وسألني الْوَزير أَبُو الْفضل جَعْفَر بن الْفَضْلِ بن الْفُرَات بِمصْر عَنْ أَبِي بكر الْإِسْمَاعِيلِيّ وَمَا صنف وَجمع وَعَن سيرته فَكنت أخبرهُ بِمَا صنف من الْكتب وحمع من المسانيد والمقلين وتخريجه على كتاب مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيلَ البُخَارِيّ وَجَمِيع سيره فتعجب من ذَلِك وَقَالَ لقد كَانَ رزق من الْعلم والجاه وَكَانَ لَهُ صيت حسن وَقَالَ حَمْزَة سَمِعت أَبَا الْحسن الدَّارَقُطْنِيّ الْحَافِظ يَقُول كنت قد عزمت غير مرّة أَن أرحل إِلَى أَبِي بكر الْإِسْمَاعِيلِيّ فَلم أرزق قَالَ حَمْزَة وَكنت إِذَا حضرت مجْلِس الإِمَام أَبِي بكر الْإِسْمَاعِيلِيّ ورأيته لم يتفوه بِشَيْء من تَفْسِير خبر أَو ضرب مثل أَو حِكَايَة أَو بَيت شعر أَو نَادرة أَو غير ذَلِك من سَائِر الْعُلُوم إِلَّا وتبادر جمَاعَة من الغرباء وَأهل الْبَلَد عَلقُوا وَكَتَبُوا خُصُوصا أَبُو بكر البرقاني فَإِنَّهُ قَلما كَانَ يتْرك شَيْئا يجْرِي إِلَّا
[ ١٩٣ ]
وَهُوَ يكْتب وَكَذَلِكَ أَبُو الْقسم الورثاني وأَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن عَلِيِّ بْنِ دلان الْجِرْجَانِيّ وَالْفضل بن أَبِي سعد الهدوي وأَبُو الْفضل المَخْزُومِي الْبَصْرِيّ وأَبُو سعد الْمَالِينِي وَأَبُو الْقسم عِيسَى بن عباد الدينَوَرِي ويَحْيَى الْأَبْهَرِيّ وَأحمد بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الشِّيرَازِيّ وأَبُو بكر الْجِرْجَانِيّ وعَبْد الرَّحْمَنِ السجْزِي وَغَيرهم ﵏ مِمَّن لَا أحصي عَددهمْ وَمَا من يَوْم إِلَّا وَكَانَ بِحَضْرَتِهِ من الغرباء الجوالين مِمَّن يفهم ويحفظ مِقْدَار أَرْبَعِينَ أَو خمسين نفسا وَكنت أعلق عَنهُ مِقْدَار فهمي وحفظي وأنسخ مِمَّا علق عَنهُ أَبُو بكر البرقاني وأَبُو جَعْفَر بن دلان الْجِرْجَانِيّ أَخْبَرَنَا الشَّيْخ أَبُو الْقسم إِسْماعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ السَّمرقَنْدِي قَالَ ثَنَا أَبُو اسحق إِبْرَاهِيم بن عَليّ الْفَقِيه قَالَ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بن إِسْمَاعِيلَ بن الْعَبَّاسِ الْإِسْمَاعِيلِيّ مَاتَ سنة نَيف وَسبعين وثلاثمائة وَجمع بَين الْفِقْه والْحَدِيث ورياسة الدّين وَالدُّنْيَا وصنف الصَّحِيح وَأخذ عَنهُ ابْنه أَبُو سعد وفقهاء جرجان وَقَالَ شيخنَا الْقَاضِي الإِمَام أَبُو الطّيب الطَّبَرِيّ ﵀ دخلت جرجان قَاصِدا إِلَيْهِ وَهُوَ حَيّ فَمَاتَ قبل أَن أَلْقَاهُ جمع بَين الْأُصُول وَالْفِقْه والْحَدِيث وصنف صَحِيحا على شَرط البُخَارِيّ ﵀ يدل على فضل كثير لمن وقف عَلَيْهِ أَخْبَرَنَا الشريف أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عبد الرَّحْمَن بن أَحْمد المرزوي الْوَاعِظ بِدِمَشْقَ قَالَ قَالَ لنَا الشَّيْخ الْحَافِظ أَبُو نصر هِبَة اللَّهِ بن عَبْدِ الْجَبَّارِ بن فاخر بن معَاذ بن أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّد السجْزِي بسجستان أَبُو بكر الْإِسْمَاعِيلِيّ شيخ كَبِير جليل ثِقَة من الْفُقَهَاء والمحدثين فِي عصره يرجع إِلَى علم وافر وَمَعْرِفَة بِالْحَدِيثِ صَادِقَة ومروءة ظَاهِرَة وَكَانَت إِلَيْهِ
[ ١٩٤ ]
الرحلة فِي زَمَانه وَهُوَ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بن إِسْمَاعِيلَ بن الْعَبَّاسِ الْإِسْمَاعِيلِيّ الْجِرْجَانِيّ رُوِيَ عَنْ أَبِي خَليفَة والمشايخ ولد سنة سبع وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَمَات سنة إِحْدَى وَسبعين وثلاثماية
وَمِنْهُم أَبُو الْحَسَنِ عبد الْعَزِيزِ بن مُحَمَّد بن اسحق الطَّبَرِيّ الْمَعْرُوف بالدمل ﵀
كَانَ من أَعْيَان أَصْحَاب أَبِي الْحسن وَمِمَّنْ تخرج بِهِ وَخرج إِلَى الشَّام وَنشر بهَا مذْهبه وَكتب عَنْ أَبِي جَعْفَر مُحَمَّد بن جرير الطَّبَرِيّ كِتَابه فِي التَّفْسِير وسَمعه مِنْهُ ووقفت لَهُ قَدِيما على تأليف فِي الْأُصُول يدل على فضل كثير وَعلم غزير سَمَّاهُ كتاب رياضة الْمُبْتَدِي وبصيرة المستهدي
وَمِنْهُم أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مهْدي الطَّبَرِيّ
صحب أَبَا الْحسن ﵀ بِالْبَصْرَةِ مُدَّة وَأخذ عَنهُ وَتخرج بِهِ واقتبس مِنْهُ وصنف تصانيف عدَّة تدل على علم وَاسع وَفضل بارع وَهُوَ الَّذِي ألف الْكتاب الْمَشْهُور فِي تَأْوِيل الْأَحَادِيث المشكلات الْوَارِدَة فِي الصِّفَات أَخْبَرَنَا الْفَقِيه أَبُو الْفَتْحِ نصر اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْقوي المصِّيصِي بِدِمَشْق قَالَ أَنا أَبُو الْقسم عَليّ بن مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْعَلَاء المصِّيصِي بِدِمَشْق قَالَ أَنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّد بْنُ إِبْرَاهِيمَ الفارقي الْمَعْرُوف
[ ١٩٥ ]
بِابْن الضراب بهَا قَالَ أَنا أَبُو سَعْدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بن أَحْمَدَ بْنِ الخليلي الْمَالِينِي قَالَ أنشدنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بن مهْدي الطَّبَرِيّ لنَفسِهِ ماضاع من كَانَ لَهُ صَاحب يقدر أَن يصلح من شَأْنه
فَإِنَّمَا الدُّنْيَا بسكانها وَإِنَّمَا الْمَرْء بإخوانه
قَالَ وأنشدني أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مهْدي الطَّبَرِيّ لنَفسِهِ إِن الزَّمَان زمَان سَوّ وَجَمِيع هَذَا الْخلق بَوّ
ذهب الْكِرَام بأسرهم وَبقيت فِي لَيْت ولَوْ
فَإِذا سَأَلت عَن الندا فجوابهم عَن ذَاك وَوْ
وَمِنْهُم أَبُو جَعْفَر السّلمِيّ الْبَغْدَادِيّ النقاش ﵀ أَخْبَرَنَا الشريف أَبُو الْقسم عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْخَطِيبُ وَأَبُو الْحسن عَليّ ابْن أَحْمَدَ الْفَقِيه وأَبُو مَنْصُور مُحَمَّد بن عبد الْملك الْمقري قَالُوا قَالَ لنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمد بن عَليّ ثَابت الْحَافِظ مُحَمَّد بن أَحْمَدَ بن الْعَبَّاس بن أَحْمد ابْن خَلاد بن أسلم بن سهل بن مرداس أَبُو جَعْفَر السّلمِيّ نقاش الْفضة سمع مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الباغندى وَالْحسن بن محمي المخرمي وعَبْد اللَّهِ ابْن مُحَمَّد الْبَغَوِيّ وَأَبا بكر بن أَبِي دَاوُد السجسْتانِي ويَحْيَى بن مُحَمَّدِ بْنِ صاعد وَأَبا بكر بن مُجَاهِد الْمقري حَدَّثَنَا عَنهُ أَبُو عَليّ بن شَاذان وَأَبُو الْقسم الْأَزْهَرِي وَعلي بن المحسن التنوخي سَأَلت الْأَزْهَرِي عَنْ أَبِي جَعْفَر النقاش فَقَالَ ثِقَة قَالَ وَكَانَ أحد الْمُتَكَلِّمين على مَذْهَب الْأَشْعَرِيّ وَمِنْه تعلم أَبُو عَليّ بن شَاذان الْكَلَام قَالَ لنَا عَلِيُّ بْنُ المحسن التنوخي مولد أَبِي جَعْفَر
[ ١٩٦ ]
النقاش لِلنِّصْفِ من حمادي الأولى سنة أَربع وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّد العتيقي قَالَ سنة تسع وَسبعين وثلاثمائة فِيهَا توفى أَبُو جَعْفَر الْأَشْعَرِيّ النقاش يَوْم الْأَحَد أَو الِاثْنَيْنِ لست خلون من الْمحرم وَكَانَ ثِقَة
وَمِنْهُم أَبُو عبد الله الْأَصْبَهَانِيّ الْمَعْرُوف بالشافعي
حَدثنِي أَبُو مَسْعُودٍ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ عَلِيِّ بن أَحْمد الْمعدل بأصبهان قَالَ انا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بن الْحسن الْمقري وَأَجَازَهُ إِلَيَّ أَبُو عَليّ الْحداد قَالَ انا أَبُو نُعَيْمٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ الْحَافِظ الْأَصْبَهَانِيّ قَالَ مُحَمَّد بن الْقسم أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِي مُتَكَلم على مَذْهَب أهل السّنة ينتحل مَذْهَب أَبِي الْحسن الْأَشْعَرِيّ عَاد إِلَى أَصْبَهَان سنة ثَلَاث وَخمسين وثلاثمائة وَتُوفِّي بهَا فِي ربيع الأول يَوْم الْجُمُعَة لِاثْنَتَيْ عشرَة خلت مِنْهُ سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وثلاثمائة سمع الْكثير بالعراق كثير المصنفات فِي الْأُصُول وَالْفِقْه وَالْأَحْكَام
وَمِنْهُم أَبُو مُحَمَّد الْقرشِي الزُّهْرِيّ ﵀
كتب إليَّ الشَّيْخ الإِمَام أَبُو نصر عبد الرَّحِيم بن عبد الْكَرِيم يُخْبِرنِي قَالَ انا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الْحَافِظ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ قَالَ عبد الْوَاحِد بن أَحْمَدَ ابْن الْقسم بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الزُّهْرِيّ أَبُو مُحَمَّد الْمُذكر من ولد عَبْد
[ ١٩٧ ]
الرَّحْمَنِ بن عَوْف وَهُوَ ابْن أَبِي الْفضل الْمُتَكَلّم الْأَشْعَرِيّ سمع أَبَا حَامِد ابْن بِلَال وَأَبا بكر الْقطَّان وأقرانهما ثمَّ صحبَنِي عِنْد أَبِي النَّضر بطوس وَعند المحبوبي والسياري بمرو وَسمع معنَا الْكثير وَكَانَ يَصُوم الدَّهْر وَيخْتم الْقُرْآن فِي كل يَوْمَيْنِ توفّي الزُّهْرِيّ ﵀ بِنَيْسَابُورَ غَدَاة الْخَمِيس الثَّامِن عشر من شهر ربيع الأول سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وثلاثمائة دخلت عَلَيْهِ يَوْم وَفَاته باكرا فَبكى الْكثير وَقَالَ أستودعك اللَّه أَيهَا الْحَاكِم فَإِنِّي راحل
وَمِنْهُم أَبُو بكر البُخَارِيّ الْمَعْرُوف بالأودني الْفَقِيه ﵀
كتب إِلَيَّ الشَّيْخ الإِمَام أَبُو نصر بن الإستاذ أبي الْقسم الْقشيرِي قَالَ أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَافِظ قَالَ أَنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظ قَالَ مُحَمَّد بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْفَقِيه أَبُو بكر البُخَارِيّ ثمَّ الأودني إِمَام الشافعيين بِمَا وَرَاء النَّهر فِي عصره بِلَا مدافعة قدم نيسابور سنة خمس وَسِتِّينَ وَحج ثمَّ انْصَرف فَأَقَامَ عندنَا مُدَّة فِي سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَكَانَ من أزهد الْفُقَهَاء وأورعهم وَأَكْثَرهم اجْتِهَادًا فِي الْعِبَادَة وأبكاهم على تَقْصِيره وأشدهم تواضعا وإخباتا وإنَابة سمع ببخارى أَبَا الْفضل يَعْقُوب بن يُوسُفَ العاصمي وأقرانه وَخرج إِلَى أَبِي يعلى بالنسف فَأكْثر عَنهُ وَعَن الْهَيْثَم بن كُلَيْب وأقرانهما وَتُوفِّي الْفَقِيه أَبُو بكر الأودني ﵀ ببخارى سنة خمس وَثَمَانِينَ وثلاثمائة
[ ١٩٨ ]
وَمِنْهُم أَبُو مَنْصُور بن حمشاد النَّيْسَابُورِي ﵀
كتب إليّ الْأُسْتَاذ أَبُو نصر بن الْأُسْتَاذ أبي الْقسم الْقشيرِي يُخْبِرنِي قَالَ أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَافِظ أَنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظ قَالَ مُحَمَّد بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حمشاد أَبُو مَنْصُور الأديب الزَّاهِد من الْعباد الْعلمَاء الْمُجْتَهدين درس الْأَدَب على أَبِي عمر الزردي وَأبي حَامِد الخارزنجي وَأبي عمر الزَّاهِد وأقرانهم وَالْفِقْه بخراسان على أَبِي الْوَلِيد وبالعراق على أَبِي عَليّ بن أَبِي هُرَيْرَة وَالْكَلَام على أَبِي سهل الخليطي والمعاني على أَبِي بكر بن عَبْدُوس ونظرائه وَسمع بخراسان أَبَا حَامِد بن بِلَال الْبَزَّاز وَأَبا بكر مُحَمَّد بن الْحُسَيْنِ الْقطَّان وأقرانهما وبالعراق على الصفار وَأَبا جَعْفَر الرزاز وأقرانهما وبالحجاز أَبَا سعيد بن الْأَعرَابِي وأقرانه وَدخل الْيمن فَأدْرك بهَا الْأَسَانِيد الْعَالِيَة وَكَانَ من الْمُجْتَهدين فِي الْعِبَادَة الزاهدين فِي الدُّنْيَا تجنب مُخَالطَة السلاطين وأولياءهم إِلَى أَن خرج من دَار الدُّنْيَا وَهُوَ ملازم لمسجده ومدرسته قد اقْتصر من بَقِيَّة أوقاف لسلفه عَلَيْهِ على قوت يَوْم بِيَوْم تخرج بِهِ جمَاعَة من الْعلمَاء الواعظين وَظهر لَهُ من مصنافته أَكثر من ثلاثماية كتاب مُصَنف وَقد ظهر لنَا فِي غير شَيْء أَنه كَانَ مجاب الدعْوَة توفّي ﵀ وَقت الصُّبْح يَوْم الْجُمُعَة الرَّابِع وَالْعِشْرين من رَجَب سنة ثَمَان وثلاثمائة وسمعته فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ يذكر مولده سنة عشرَة وثلاثماية فَمَاتَ وَهُوَ ابْن اثْنَتَيْنِ وَسبعين سنة
[ ١٩٩ ]
وَمِنْهُم الشَّيْخ أَبُو الْحُسَيْنِ بن سمعون الْبَغْدَادِيّ الْمُذكر ﵀
كتب إليَّ الشَّيْخ أَبُو الْحَسَنِ عبد الغافر بن إِسْمَاعِيلَ بن عَبْدِ الغافر الْفَارِسِي من نيسابور قَالَ أَنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بن ابراهيم الْمُزَكي قَالَ ثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُوسَى السّلمِيّ قَالَ مُحَمَّد بن أَحْمد ابْن سمعون كنيته أَبُو الْحُسَيْنِ من مَشَايِخ البغداديين لَهُ لِسَان عَال فِي هَذِهِ الْعُلُوم يَعْنِي عُلُوم أهل التصوف لَا ينتمي إِلَى أستاذ وَهُوَ لِسَان الْوَقْت والمرجوع إِلَيْهِ فِي آدَاب الظَّاهِر يذهب إِلَى أَسد الْمذَاهب وَهُوَ إِمَام الْمُتَكَلِّمين على هَذَا اللِّسَان فِي الْوَقْت لَقيته وشاهدته زَاد غير الْمُزَكي عَن السّلمِيّ قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ بن سمعون الَّذِي هُوَ لِسَان الْوَقْت والمعبر عَن الْأَحْوَال بألطف بَيَان مَعَ مَا يرجع إِلَيْهِ صِحَة الِاعْتِقَاد وصحبة الْفُقَرَاء أَخْبَرَنَا الشريف أَبُو الْقسم عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحُسَيْنِي وأَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْغَسَّانِيُّ وأَبُو مَنْصُور بن خيرون قَالُوا قَالَ لنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بن عَليّ ثَابت الْحَافِظ مُحَمَّد بن أَحْمَدَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بن عَنْبَس بن إِسْمَاعِيلَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْوَاعِظ الْمَعْرُوف بابْن سمعون كَانَ وَاحِد دهره وفرد عصره فِي الْكَلَام على علم الخواطر والإشارات ولسان الْوَعْظ دون النَّاس حكمه وجمعوا كَلَامه وَحدث عَن عَبْد اللَّهِ بن أَبِي دَاوُد السجسْتانِي وَأحمد بن مُحَمَّدِ بْنِ سلم المخرمي ومُحَمَّد بن مخلد الدوري وَمُحَمّد ابْن جَعْفَر الطَّبَرِيّ وَمُحَمّد بْنِ أَبِي حُذَيْفَة وَأحمد بن سُلَيْمَان
[ ٢٠٠ ]
ابْن زبان الدمشقيين وَعمر بن الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيّ حَدَّثَنَا عَنهُ حَمْزَة بن مُحَمَّد ابْن طَاهِر الدقاق والْقَاضِي أَبُو عَليّ بن أَبِي مُوسَى الْهَاشِمِي وَالْحسن بن مُحَمَّد الْخلال وأَبُو بكر الطاهري وَعبد الْعَزِيزِ بن عَليّ الْأَزجيّ وَغَيرهم وَكَانَ بعض شيوخنَا إِذَا حدث عَنهُ قَالَ ثَنَا الشَّيْخ الْجَلِيل الْمنطق بالحكمة أَبُو الْحُسَيْنِ بن سمعون وحَدَّثَنِي الْحسن بن أَبِي طَالب قَالَ سَمِعت أَبَا الْحُسَيْن بن سمعون يَقُول ولدت فِي سنة ثَلَاثمِائَة وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ غَالب بن الْمُبَارك الْمقري قَالَ سَمِعت أَبَا الْفضل التَّمِيمِي يَقُول سَمِعت أَبَا بكر الْأَصْبَهَانِيّ وَكَانَ خَادِم الشبلي قَالَ كنت بَين يَدي الشبلي فِي الْجَامِع يَوْم جُمُعَة فَدخل أَبُو الْحُسَيْن بن سمعون وَهُوَ صبي وعَلى رَأسه قلنسوة بشفاشك مطلس بفوطة فَجَاز علينَا وَمَا سلم فَنظر الشبلي إِلَى ظَهره وَقَالَ يَا أَبَا بكر تَدْرِي ايش لِلَّه فِي هَذَا الْفَتى من الذَّخَائِر أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ ألامين أَبُو مُحَمَّد هِبَة اللَّهِ بن أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَكْفَانِيِّ قِرَاءَة أَو إجَازَة قَالَ ثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّد الكتاني قَالَ أَنا أَبُو ذَر عبد بن أَحْمَدَ الْهَرَوِيّ الْحَافِظ إجَازَة وحَدَّثَنِي عَنهُ أَبُو النجيب عبد الْغفار بن عَبْدِ الْوَاحِدِ الأرموي قَالَ كَانَ الْقَاضِي أَبُو بكر الْأَشْعَرِيّ وأَبُو حَامِد يقبلان يَد ابْن سمعون إِذا جاآه وَكَانَ الْقَاضِي يَقُول رُبمَا خَفِي عليّ من كَلَامه بعض الشَّيْء لدقته أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الْفَقِيهُ أَبُو الْفَتْحِ نَصْرُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْقوي المصِّيصِي ﵀ بِدِمَشْق قَالَ ثَنَا الْفَقِيه أَبُو الْفَتْحِ نصر بن إِبْرَاهِيمَ بن نصر الْمَقْدِسِي الزَّاهِد ﵀ قَالَ ثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بن عَبْدِ الْوَاحِدِ الزَّعْفَرَانِي قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو مُحَمَّد السّني
[ ٢٠١ ]
الْبَغْدَادِيّ صَاحب ابْن سمعون قَالَ كَانَ ابْن سمعون فِي أول عمره ينْسَخ بِأُجْرَة وَيعود بِأُجْرَة نسخه على نَفسه وعَلى أمه وَكَانَ كثير الْبر بهَا فَجَلَسَ يَوْمًا ينْسَخ وَهِي جالسة بِقُرْبِهِ فَقَالَ لَهَا أحب أَن أحج قَالَت لَهُ ياولدي كَيفَ يمكنك الْحَج وَمَا مَعَك انفقة وَلَا لي مَا أتنفقه إِنَّمَا عيشنَا من أُجْرَة هَذَا النّسخ وَغلب عَلَيْهَا النّوم فنَامت وانتبهت بعد سَاعَة وَقَالَت يَا وَلَدي حج فَقَالَ لَهَا منعت قبل النّوم وأذنت بعده قَالَت رَأَيْت السَّاعَة رَسُول اللَّه ﷺ وَهُوَ يَقُول
دعيه يحجّ فَإِن الْخيرَة لَهُ فِي حجه فِي الْآخِرَة وَالْأولَى ففرح وَبَاعَ من دفاتره مَاله قيمَة وَدفع إِلَيْهَا ثمنهَا نَفَقَة لَهَا وَخرج مَعَ الْحجَّاج وَأخذ الْعَرَب الْحجَّاج وأخذوه فِي الْجُمْلَة قَالَ ابْن سمعون فَبَقيت عُريَانا وَوجدت مَعَ رجل عباءة كَانَت على عدل فَقلت لَهُ هَب لي هَذِهِ العباءة أستر نَفسِي بهَا فَقَالَ خُذْهَا فَجعلت نصفهَا على كَتِفي وَنِصْفهَا على وسطي وَكَانَ عَلَيْهَا مَكْتُوب يارب سلم وَبلغ بِرَحْمَتك ياأرحم الرَّاحِمِينَ وَكنت إِذَا غلب عَليّ الْجُوع وَوجدت قوما يَأْكُلُون وقفت أنظر إِلَيْهِم فيدفعون إِلَيّ الكسرة فأقتنع بهَا ذَلِك الْيَوْم ووصلت إِلَى مَكَّة فغسلت العباءة فأحرمت بهَا وَسَأَلت أحد بَنِي شيبَة أَن يدخلني الْبَيْت وعرفته فقري وأدخلني بعد خُرُوج النَّاس وغلق الْبَاب فَقلت اللَّهم إِنَّك بعلمك غَنِي عَن إعلامي بحالي اللَّهُمَّ ارزقني معيشة أستغني بهَا عَن سُؤال النَّاس فَسمِعت قَائِلا يَقُول مِنْ ورائي اللَّهم إِنَّه مَا يحسن أَن يَدْعُوك اللَّهم ارزقه عَيْشًا بِلَا معيشة فَالْتَفت فَلم أر أحدا فَقلت هَذَا الْخضر أَو أحد الْمَلَائِكَة
[ ٢٠٢ ]
فَأَعَدْت القَوْل فَأَعَادَ الدُّعَاء فَأَعَدْت فَأَعَادَ ثَلَاث مَرَّات وَعدتُ إِلَى بَغْدَاد وَكَانَ الْخَلِيفَة قد حرم جَارِيَة من جواريه وَأَرَادَ إخْرَاجهَا من الدَّار فكره ذَلِك إشفاقا عَلَيْهَا قَالَ أَبُو مُحَمَّد بن السّني فَقَالَ الْخَلِيفَة اطْلُبُوا رجلا مَسْتُورا يصلح أَن تزوج هَذِهِ الْجَارِيَة بِهِ فَقَالَ مَنْ حضر قد وصل ابْن سمعون من الْحَج وَهُوَ يصلح لَهَا فاستصوب الْخَلِيفَة قَوْله وَتقدم بإحضاره وَحُضُور الشُّهُود فأحضروا وَزوج بالجارية وَنقل مَعهَا من المَال وَالثيَاب والجواهر مَا تحمل الْمُلُوك فَكَانَ ابْن سمعون يجلس على الْكُرْسِيّ للوعظ فَيَقُول أَيهَا النَّاس خرجت حاجًّا فَكَانَ من حَالي كَذَا وَكَذَا ويشرح حَاله جَمِيعهَا وَهَا أنَا الْيَوْم عليَّ من الثِّيَاب مَا ترَوْنَ وطيبي مَا تعرفُون وَلَو وطِئت على العنبة تألمت من الدَّلال وَنَفْسِي تِلْكَ أخبرنَا الشريف أَبُو الْقسم عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْخَطِيب وَالشَّيْخ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْفَقِيه قَالَا ثَنَا وَأَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْملك قَالَ أَنا أَبُو بكر أَحْمد ابْن عَليّ الْخَطِيب قَالَ ثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطاهري قَالَ سَمِعت أَبَا الْحُسَيْن بن سمعون يذكر أَنه خرج من مَدِينَة الرَّسُول ﷺ قَاصِدا بَيت لبمقدس وَحمل فِي صحبته تَمرا صيحانيا فَلَمَّا وصل إِلَى بَيت الْمُقَدّس ترك التَّمْر مَعَ غَيره من الطَّعَام فِي الْموضع الَّذِي كَانَ يأوي إِلَيْهِ ثمَّ طالبته نَفسه بِأَكْل الرطب فَأقبل عَلَيْهَا باللائمة وَقَالَ من أَيْن لنَا فِي هَذَا الْموضع رطب فَلَمَّا كَانَ وَقت الْإِفْطَار عمد إِلَى التَّمْر ليَأْكُل مِنْهُ فَوَجَدته رطبا صيحانيا فَلم يَأْكُل مِنْهُ شَيْئا ثمَّ عَاد إِلَيْهِ من الْغَد عَشِيَّة فَوَجَدَهُ تَمرا على حَالَته الأولى فَأكل مِنْهُ أَو كَمَا قَالَ أخبرنَا الشريف أَبُو الْقسم وَالشَّيْخ أَبُو
[ ٢٠٣ ]
الْحَسَنِ قَالا سمعنَا أَبَا بكر أَحْمد بن عَليّ يَقُول وَأَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُور بن خيرون قَالَ أَنا أَبُو بكر الْخَطِيب قَالَ سَمِعت أَبَا الْحسن أَحْمد بن عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ البادا يَقُول سَمِعت أَبَا الْفَتْح القواس يَقُول لَحِقَنِي إِضَافَة وقتا من الزَّمَان فَنَظَرت فَلم أجد فِي الْبَيْت غير قَوس لي وخفين كنت ألبسهما فَأَصْبَحت وَقد عزمت على بيعهمَا وَكَانَ يَوْم مجْلِس أَبِي الْحُسَيْن بن سمعون فَقلت فِي نَفسِي أحضر الْمجْلس ثمَّ أنصرف فأبيع الْخُفَّيْنِ والقوس قَالَ وَكَانَ القواس قَلما يتَخَلَّف عَن حُضُور مجْلِس ابْن سمعون قَالَ أَبُو الْفَتْح فَحَضَرت الْمجْلس فَلَمَّا أردْت الِانْصِرَاف نَادى أَبُو الْحُسَيْنِ يَا أَبَا الْفَتْح لَا تبع الْخُفَّيْنِ وَلَا تبع الْقوس فَإِن اللَّه سيأتيك برزق من عِنْده أَو كَمَا قَالَ وَأَخْبَرَنَا الشريف أَبُو الْقسم وَالشَّيْخ أَبُو الْحَسَنِ بن قبيس قَالَا ثَنَا وَأَبُو مَنْصُور الخيروني قَالَ أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَطِيب قَالَ حَدَّثَنِي رَئِيس الرؤساء شرف الوزراء أَبُو الْقسم عَلِيُّ بْنُ الْحسن قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ العلاف قَالَ حضرت أَبَا الْحُسَيْن بن سمعون يَوْمًا فِي مجْلِس الْوَعْظ وَهُوَ جَالس على كرسيه يتَكَلَّم وَكَانَ أَبُو الْفَتْحِ القواس جَالِسا إِلَى جنب الْكُرْسِيّ فغشيه النعاس ونَام فَأمْسك أَبُو الْحُسَيْنِ عَن الْكَلَام سَاعَة حَتَّى اسْتَيْقَظَ أَبُو الْفَتْحِ وَرفع رَأسه فَقَالَ لَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ رَأَيْت رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي نومك قَالَ نعم فَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ لذَلِك أَمْسَكت عَن الْكَلَام خوفًا أَن تنزعج وتنقطع عَمَّا كنت فِيهِ أَو كَمَا قَالَ قَالَ وحَدَّثَنِي رَئِيس الرؤساء أَيْضا قَالَ حكى لي أَبُو عَليّ بن أَبِي مُوسَى الْهَاشِمِي قَالَ حكى لي دحي مولى الطائع لِلَّه قَالَ أَمرنِي الطائع لِلَّه بِأَن أوجه إِلَى ابْن
[ ٢٠٤ ]
سمعون فَأحْضرهُ دَار الْخلَافَة وَرَأَيْت الطائع على صفة من الْغَضَب وَكَانَ يتقى فِي تِلْكَ الْحَال لِأَنَّهُ كَانَ ذَا حِدة فَبعثت إِلَى ابْن سمعون وأنَا مَشْغُول الْقلب لأَجله فَلَمَّا حضر أعلمت الطائع حُضُوره فَجَلَسَ مَجْلِسه وَأذن لَهُ فِي الدُّخُول فَدخل وَسلم عَلَيْهِ بالخلافة ثمَّ أَخذ فِي وعظه فَأول ماابتدأ بِهِ أَن قَالَ رُوِيَ عَن أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أَبِي طَالب ﵁ وَذكر خَبرا وَأَحَادِيث بعده ثمَّ قَالَ رُوِيَ عَن أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أَبِي طَالب كرم اللَّه وَجهه وَذكر عَنهُ خَبرا وَلم يزل يجْرِي فِي ميدان الْوَعْظ حَتَّى بَكَى الطائع وَسمع شهيقه وابتل منديل بَين يَدَيْهِ بدموعه فَأمْسك ابْن سمعون حِينَئِذٍ وَدفع إِلَى الطائع درجا فِيهِ طيب وَغَيره فَدَفَعته إِلَيْهِ وَانْصَرف وعدت إِلَى حَضْرَة الطائع فَقلت يَا مولَايَ رَأَيْتُك على صفة من شدَّة الْغَضَب على ابْن مَسْعُود ثمَّ انْتَقَلت عَن تِلْكَ الصّفة عِنْد حُضُوره فَمَا السَّبَب فَقَالَ رفع إليَّ عَنهُ أَنه ينتقص عَليّ بن أَبِي طَالب ﵁ فَأَحْبَبْت أَن أتيقن ذَلِك لأقابله عَلَيْهِ إِن صَحَّ ذَلِك مِنْهُ فَلَمَّا حضر بَين يَدي افْتتح كَلَامه بِذكر عَليّ بن أَبِي طَالب وَالصَّلَاة عَلَيْهِ وَأعَاد وَأبْدى فِي ذَلِك وَقد كَانَ لَهُ من دوحة فِي الرِّوَايَة عَن غَيره وَترك الِابْتِدَاء بِهِ فَعلمت أَنه وفْق لما تَزُول بِهِ عَنهُ الظنة وتبرأ ساحته عِنْدِي وَلَعَلَّه كوشف بذلك أَو كَمَا قَالَ أَخْبَرَنَا الشريف أَبُو الْقسم بْنُ أَبِي الْحسن وَالشَّيْخ أَبُو الْحَسَنِ بن قبيس وَغَيرهمَا قَالُوا ثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَافِظ قَالَ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّد العتيقي قَالَ سنة سبع وَثَمَانِينَ وثلاثمائة فِيهَا توفّي أَبُو الْحُسَيْن ين سمعون الْوَاعِظ يَوْم النّصْف من ذِي الْقعدَة
[ ٢٠٥ ]
وَكَانَ ثِقَة مأمونَا قَالَ أَبُو بكر وَذكر لي غير العتيقي أَنه توفى يَوْم الْخَمِيس الرَّابِع عشر من ذِي الْقعدَة وَدفن فِي دَاره بشارع العتابيين فَلم يزل هنَاك حَتَّى نقل فِي يَوْم الْخَمِيس الْحَادِي عشر من رَجَب سنة سِتّ وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة فَدفن بِبَاب حَرْب وَقيل لي إِن أَكْفَانه لم تكن بليت بعد
وَمِنْهُم أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الشُّرُوطِي الْجِرْجَانِيّ
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْقسم بن السَّمرقَنْدِي قَالَ أَنا أَبُو الْقسم الْجِرْجَانِيّ قَالَ أَنا أَبُو الْقسم حَمْزَة بن يُوسُفَ قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن إِسْمَاعِيلَ بن أَبِي عَبْد الرَّحْمَنِ الْقطَّان الشُّرُوطِي كَانَ متكلما على مَذْهَب السّنة وعالما بِالشُّرُوطِ وبالطب وَكتب الحَدِيث عَنْ أَبِي يَعْقُوب النَّحْوِيّ وَمن فِي طبقته توفّي سنة تسع وَثَمَانِينَ وثلاثمائة
وَمِنْهُم أَبُو عَليّ الْفَقِيه السَّرخسِيّ ﵀
أَخْبَرنِي أَبُو نصر عبد الرَّحِيم بن أبي الْقسم الإِمَام فِي كِتَابه إِلَيّ قَالَ أَنا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْبَيْهَقِيّ قَالَ قَالَ لنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِم الْحَافِظ زَاهِر بن أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى السَّرخسِيّ أَبُو عَليّ الْمقري الْفَقِيه الْمُحدث شيخ عصره بخراسان سمع بخراسان أَبَا لبيد مُحَمَّد بن إِدْرِيس وأقرانه وبالعراق أَبَا الْقسم الْبَغَوِيّ وَأَبا مُحَمَّد بن صاعد وَأَبا الْحسن عَليّ بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُبشر الوَاسِطِيّ وَأَبا يعلى مُحَمَّد بن زُهَيْر الْأَيْلِي وأقرانهم وَكَانَت رحلته فِي سنة خمس عشرَة وثلاثمائة وَانْصَرف إِلَى نيسابور
[ ٢٠٦ ]
سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة ومشايخنَا متوافرون فَأَقَامَ عندنَا سنة يحضر مجَالِس مشايخنَا وَسمعت منَاظرته إِذْ ذَاك فِي مجْلِس الإِمَام أبي بكر أَحْمد بن اسحق وَغَيره وَقد كَانَ قَرَأَ الْقُرْآن على أَبِي بكر بن مُجَاهِد وتفقه عِنْد أبي اسحق المرزوي ودرس الْأَدَب على أَبِي بكر بن الْأَنْبَارِي ومُحَمَّد بن يَحْيَى الصولي وأقرانهما توفّي زَاهِر بن أَحْمَدَ الْفَقِيه ﵀ يَوْم الْأَرْبَعَاء سلخ ربيع الآخر من سنة تسع وَثَمَانِينَ وثلاثمائة وَهُوَ ابْن سِتّ وَتِسْعين سنة
ذكر بعض الطَّبَقَة الثَّانِيَة وهم أَصْحَاب أَصْحَابه مِمَّن سلك مسلكه فِي الْأُصُول وتأدب بآدابه
فَمنهمْ أَبُو سعد بن أَبِي بكر الْإِسْمَاعِيلِيّ الْجِرْجَانِيّ ﵀
أَخْبَرَنَا أَبُو الْقسم بْنُ أَبِي بكر الدَّلال قَالَ أَنا أَبُو الْقسم بْنُ أَبِي الْفضل الْجِرْجَانِيّ قَالَ أَنا أَبُو الْقسم حَمْزَة بن يُوسُفَ بن إِبْرَاهِيمَ السَّهْمِي فِي كتاب تَارِيخ جرجان قَالَ إِسْمَاعِيل بن أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بن إِسْمَاعِيلَ بن الْعَبَّاسِ أَبُو سعد الْإِسْمَاعِيلِيّ كَانَ إِمَام زَمَانه مقدما فِي الْفِقْه وأصول الْفِقْه والعربية وَالْكِتَابَة والشروط وَالْكَلَام صنف فِي أصُول الْفِقْه كتابا
[ ٢٠٧ ]
كَبِيرا سَمَّاهُ تَهْذِيب النّظر وَله كتاب الْأَشْرِبَة رد على الْجَصَّاص درس الْفِقْه سِنِين كَثِيرَة وَتخرج على يَده جمَاعَة من الْفُقَهَاء من أهل جرجان وطبرستان وَغَيرهمَا من الْبلدَانِ وَكَانَ فِيهِ من الْخِصَال المحمودة الَّتِي لَا تحصى من الْوَرع الثخين والمجاهدة فِي الْعِبَادَة وَالْعلم والاهتمام بِأُمُور الدّين والنصيحة لِلْإِسْلَامِ وَحسن الْخلق وطلاقة الْوَجْه والسخاء فِي الْإِطْعَام وبذل المَال وَمَا لَا أقدر أَن أحصيه رَحْمَة اللَّه عَلَيْهِ ورضوانه حججتُ مَعَه سنة أَربع وَثَمَانِينَ حَيْثُ رَجَعَ من نصف الْبَادِيَة وَحج فِي سنة خمس وَثَمَانِينَ إِلَى أَن رَجَعَ إِلَى وَطنه كنت مَعَه لم أره تغير عَن خلقه النفيس كَانَ مُعظما مبجلا فِي جَمِيع الْبلدَانِ روى عَنْ أَبِي بكر مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الشَّافِعِي وَمُحَمّد بن اسحق الفاكهي ودعلج وَعَن الْأَصَم مُحَمَّد بن يَعْقُوبَ حَدِيثا وَاحِدًا وَعَن عَبْد اللَّهِ بن عدي كتاب الضُّعَفَاء وَجمعه مُسْند مَالك بن أنس توفّي لَيْلَة الْجُمُعَة النّصْف من شهر ربيع الآخر سنة سِتّ وَتِسْعين وثلاثمائة وَصلى عَلَيْهِ أَخُوهُ أَبُو نصر الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي صحراء بَاب الخَنْدَق فِي جمع عَظِيم لم أر مثل ذَلِك الْجمع بجرجان فِي تشييع جنَازة أحد قطّ وَدفن عِنْد رَأس وَالِده أَبِي بكر الْإِسْمَاعِيلِيّ توفّي وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَسِتِّينَ سنة وَمِمَّا أكْرمه اللَّه بِهِ وَرفع قدره بِهِ أَنه مَاتَ وَهُوَ فِي صَلَاة الْمغرب يقْرَأ ﴿إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين﴾ فَفَاضَتْ نَفسه وَمِمَّا أكْرمه اللَّه بِهِ أَنه حِين قربت وَفَاته ذهب مِنْهُ جَمِيع مَا كَانَ يملكهُ من المَال والضياع وَكَانَ يُوَجه الْقطن إِلَى بَاب الأَبواب فغرق الْجَمِيع فِي الْبَحْر وَكَانَت لَهُ بضَاعَة تحمل من أَصْبَهَان فَوَقع عَلَيْهَا الأكراد
[ ٢٠٨ ]
فَأَخَذُوهَا وَكَانَ يحمل لَهُ من خُرَاسَان شَيْء من الْحِنْطَة فَوَقع عَلَيْهِ قوم وأغاروا عَلَيْهِ وَكَانَ لَهُ ضَيْعَة بقرية تعرف بكوشكي أَمر قَابُوس بن وشمكير أَن يقْلع أشجارها فَقلع جَمِيع ذَلِك وكبست القنَاة وَقبض جَمِيع ضيَاعه وَخلف من الْأَوْلَاد أَبَا معمر الْمفضل وَأَبا الْعَلَاء السّري وَأَبا سعيد سعد وَأَبا الْفضل مسْعدَة وَأَبا الْحسن مُبشر وابنتين فَأَما أَبُو معمر فَصَارَ إِمَامًا مقدما فِي الْعُلُوم وأَبُو الْعَلَاء فَإِنَّهُ أَيْضا صَار عَالما فِي الْفِقْه وَالْأَدب حضرت يَوْمًا مجْلِس الإِمَام أَبِي بكر الْإِسْمَاعِيلِيّ على بَاب دَاره نَنْتَظِر خُرُوجه فَخرج الإِمَام أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَهُوَ مُسْتَبْشِرٍ وَبِيَدِهِ جُزْء فَجَلَسَ وَقَالَ أَنْشدني ابَنِي أَبُو سعد وأنشدنَا ثمَّ أنشدنَا الإِمَام أَبُو سعد بعد مَا أنشدنَا وَالِده عَنهُ إِنِّي ادخرت ليَوْم ورد منيتي عِنْد الْإِلَه من الْأُمُور خطيرا
وَهُوَ الْيَقِين بِأَنَّهُ الْأَحَد الَّذِي مازلت مِنْهُ بفضله مغمورا
وشهادتي أَنَّ النَّبِيَّ مُحَمَّدا كَانَ الرَّسُول مبشرا وَنَذِيرا
وبراءتي من كل شرك قَالَه من لَا يقر بِفِعْلِهِ مبرورا
ومحبتي آل النَّبِي وَصَحبه كلا أرَاهُ بالجميل جَدِيرًا
وتمسكي بالشافعي وَعلمه ذَاك الَّذِي فتق الْعُلُوم بحورا
وَجَمِيل ظَنِّي بالإله لما جنت نَفسِي وَإِن حرمت عَليّ شرورا
إِن الظلوم لنَفسِهِ إِن يَأْته مُسْتَغْفِرًا يجد الْإِلَه غَفُورًا
فاشهد إلهي إِنَّنِي مُسْتَغْفِر لَا أَسْتَطِيع لما مننت شكُورًا
هَذَا الَّذِي أعددته لشدائدي وَكفى بربي هاديا ونصيرا
[ ٢٠٩ ]
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بن أَحْمَدَ بن مَنْصُور الغساني وَأَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْملك الْمقري قَالا قَالَ لنَا الشَّيْخ الإِمَام أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ بْنِ ثَابت الْخَطِيب إِسْمَاعِيل بن أَحْمد بن إِبْرَاهِيمَ بن إِسْمَاعِيلَ ابْن الْعَبَّاسِ أَبُو سعد الْجِرْجَانِيّ الْمَعْرُوف بالإسماعيلي ورد بَغْدَاد غير مرّة وَآخر وُرُوده كَانَ فِي حَيَاة أَبِي الْحسن الدَّارَقُطْنِيّ وَحدث عَنْ أَبِيهِ أَبِي بكر الْإِسْمَاعِيلِيّ وعَنْ أَبِي الْعَبَّاس الْأَصَم النَّيْسَابُورِي ومُحَمَّد بن أَحْمد ابْن جَعْفَر الدينَوَرِي ومُحَمَّد بن عَلِيِّ بْنِ دُحَيْم الْكُوفِي وعَبْد اللَّهِ بن عدي الْجِرْجَانِيّ حَدَّثَنَا عَنهُ مُحَمَّد بن أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْب الرَّوْيَانِيّ وأَبُو مُحَمَّد الْخلال وَعلي بن المحسن التنوخي وَكَانَ ثِقَة فَاضلا فَقِيها على مَذْهَب الشَّافِعِي وَكَانَ سخيا جوادا مفضلا على أهل الْعلم والرياسة بجرجان إِلَى الْيَوْم فِي وَلَده وَأهل بَيته أخبرنَا الشَّيْخ أَبُو الْقسم اسماعيل بن السَّمرقَنْدِي قَالَ ثَنَا الشَّيْخ الإِمَام أَبُو اسحق إِبْرَاهِيم بن عَلِيِّ بْنِ يُوسُفَ الشِّيرَازِيّ قَالَ أَبُو سعد إِسْمَاعِيل بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بن الْعَبَّاسِ الْإِسْمَاعِيلِيّ مَاتَ سنة سِتّ وَتِسْعين وثلاثمائة وَجمع بَين رياسة الدّين وَالدُّنْيَا بجرجان وَكَانَ فَقِيها أديبا جوادا أَخذ الْعلم عَنْ أَبِيهِ أَبِي بكر الْإِسْمَاعِيلِيّ وَفِيه وَفِي أَخِيه أبي نصر وابيهما ابا بكر يَقُول الصاحب بن عباد فِي رسَالَته وَأما الْفَقِيه أَبُو نصر فَإِذا جَاءَ حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا فصادع وصادق ونَافذ ونَاطق وَأما أَنْت أَيهَا الْفَقِيه أَبَا سعد فَمن يراك كَيفَ تدرس وتفتي وتحاضر وتروي وتكتب وتملي علم أَنَّك الحبر بن الحبر وَالْبَحْر بن الْبَحْر والضياء بن الْفجْر وأَبُو سعد بن أَبِي بكر بن نجم لِلَّه شيخكم الْأَكْبَر فَإِن الثنَاء عَلَيْهِ غنم وَالنِّسَاء
[ ٢١٠ ]
بِمثلِهِ عقم فليفخر بِهِ أهل جرجان مَا سَالَ واديها وَأذن منَاديها أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ بن أَبِي الْعَبَّاس الغساني قَالَ ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَليّ الْبَغْدَادِيّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو سعد إِسْمَاعِيل بن عَلِيِّ بْنِ الْحسن الْوَاعِظ الإستراباذي قَالَ توفّي أَبُو سعد الْإِسْمَاعِيلِيّ بجرجان فِي شهر ربيع الآخر من سنة سِتّ وَتِسْعين وثلاثمائة
وَمِنْهُم أَبُو الطّيب بن أَبِي سهل الصعلوكي النَّيْسَابُورِي ﵀
كتب إليَّ الشَّيْخ أَبُو نصر عبد الرَّحِيم بن عَبْدِ الْكَرِيم بن هوزان قَالَ أَنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بن عَليّ الْحَافِظ قَالَ أَنا عبد الله مُحَمَّد ابْن عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظ قَالَ سهل بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْن مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَان بن مُوسَى ابْن عِيسَى بن إِبْرَاهِيمَ الْعجلِيّ الْفَقِيه الأديب أَبُو الطّيب بن أَبِي سهل الْحَنَفِيّ الصعلوكي مفتي نيسابور وابْن مفتيها وأكتبُ من رأينَا من علمائنَا وأنظرهم وَقد كَانَ بعض مشايخنَا يَقُول من أَرَادَ أَن يعلم أَن النجيب بن النجيب يكون بِمَشِيئَة اللَّه ﷾ فَلْينْظر إِلَى سهل ابْن أَبِي سهل سمع أَبَاهُ الْأُسْتَاذ أَبَا سهل وَعِنْده تفقه وَبِه تخرج وَسمع أَبَا الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يَعْقُوبَ وَأَبا عَليّ حَامِد بن مُحَمَّد الْهَرَوِيّ وَأَبا عَمْرو بن نجيد السلمى يوأقرانهم من الشُّيُوخ ودرس الْفِقْه وَاجْتمعَ إِلَيْهِ الْخلق الْيَوْم الْخَامِس من وَفَاة الْأُسْتَاذ أَبِي سهل سنة تسع وَسِتِّينَ وثلاثمائة وَقد تخرج بِهِ جمَاعَة من الْفُقَهَاء بِنَيْسَابُورَ وَسَائِر مدن خُرَاسَان وتصدروا للْفَتْوَى وَالْقَضَاء والتدريس وَخرجت الْفَوَائِد من سماعاته وَحدث وأملى
[ ٢١١ ]
وَبَلغنِي أَنه وضع فِي مَجْلِسه أَكثر من خَمْسمِائَة محبرة عَشِيَّة الْجُمُعَة الثَّالِث وَالْعِشْرين من الْمحرم سنة سبع وَثَمَانِينَ وثلاثمائة سَمِعت الْأُسْتَاذ أَبَا سهل وَذكر فِي مَجْلِسه عقل وَلَده سهل وتمكينه مِنْهُ وعَلى همته وَأَكْثرُوا وقَالُوا فَلَمَّا فرغوا قَالَ الْأُسْتَاذ سهل وَالِد وَدخلت على الْأُسْتَاذ ﵀ فِي ابْتِدَاء مَرضه وَسَهل غَائِب إِلَى بعض ضيَاعه فَكَانَ الْأُسْتَاذ يشكو مَا هُوَ فِيهِ فَقَالَ غيبَة سهل أَشد عَليّ من هَذَا الَّذِي أنَا فِيهِ فَلَو حضر مَا كنت أَشْكُو مَا بِي هَذَا أَو نَحوه قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَسمعت الرئيس أَبَا مُحَمَّد الميكالي غير مرّة يَقُول النَّاس يعْجبُونَ من كِتَابَة الْأُسْتَاذ أَبِي سهل وَسَهل أكتب مِنْهُ قَالَ وَسمعت أَبَا الْأَصْبَغ عبد الْعَزِيز بن عبد الْملك وَانْصَرف إلينَا من نيسابور وَنحن ببخارى فسألنَاه مَا الَّذِي اسْتَفَدْت هَذِهِ الكرة بِنَيْسَابُورَ فَقَالَ رُؤْيَة سهل بن أَبِي سهل فَإِنِّي مُنْذُ فَارَقت وطني بأقصى الْمغرب وجُبتُ إِلَى أقْصَى الْمشرق مَا رَأَيْت مثله أخبرنَا الشَّيْخ أَبُو الْقسم إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ السَّمَرْقَنْدِيِّ قَالَ ثَنَا الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن عَليّ الفيروز ابادي الْفَقِيه قَالَ أَبُو الطّيب سهل ابْن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَان الصعلوكي الْحَنَفِيّ من بَنِي حنيفَة تفقه على أَبِيه أَبِي سهل وَكَانَ فَقِيها أديبا جمع رياسة الدّين وَالدُّنْيَا وَأخذ عَنهُ فُقَهَاء نيسابور أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْمَعَالِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بن مُحَمَّد ابْن الْحُسَيْن الْفَارِسِي بنيسابور قَالَ أَنا الشَّيْخ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْن ابْن عَليّ الْبَيْهَقِيّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظ قَالَ سَمِعت الشَّيْخ أَبَا الْوَلِيد حسان بن مُحَمَّد الْفَقِيه يَقُول كنَّا فِي مجْلِس الْقَاضِي أَبِي الْعَبَّاس بن
[ ٢١٢ ]