كتب إليّ الشَّيْخ أَبُو الْحَسَنِ عبد الغافر بن إِسْمَاعِيلَ قَالَ عَليّ بن مُحَمَّدِ بْنِ عَليّ الكيا الهراسي أَبُو الْحَسَنِ الإِمَام الْبَالِغ فِي النّظر مبلغ الفحول ورد نيسابور فِي شبابه وَقد تفقه وَكَانَ حسن الْوَجْه مُطَابق
[ ٢٨٨ ]
الصَّوْت للنَّظَر مليح الْكَلَام فَحصل طَريقَة إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَتخرج بِهِ فِيهَا وَصَارَ من وُجُوه الْأَصْحَاب ورؤس المعيدين فِي الدَّرْس وَكَانَ ثَانِي الْغَزالِيّ بل أَمْلَح وَأطيب فِي النّظر وَالصَّوْت وَأبين فِي الْعبارَة والتقرير مِنْهُ وَإِن كَانَ الْغَزالِيّ أحد وأصوب خاطرا وأسرع بَيَانا وَعبارَة مِنْهُ وَهَذَا كَانَ يُعِيد الدَّرْس على جمَاعَة حَتَّى تخْرجُوا بِهِ وَكَانَ مواظبا على الإفادة والاستفادة ثمَّ اتَّصل بعد موت إِمَام الْحَرَمَيْنِ بمجد الْمُلك فِي زمَان بركيارق وحظى عِنْده ثمَّ خرج إِلَى الْعرَاق وَأقَام مُدَّة يدرس بِبَغْدَادَ فِي الْمدرسَة النظامية إِلَى أَن توفّي فِيهَا
وَذكر شيخنَا الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد بن الْأَكْفَانِيِّ وَلم أسمعهُ مِنْهُ قَالَ توفّي الإِمَام شمس الْإِسْلَام أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ الطَّبَرِيّ الشَّافِعِي الْمَعْرُوف بالكيا الهراسي بِبَغْدَادَ يَوْم الْخَمِيس مستهل الْمحرم سنة أَربع وَخَمْسمِائة
سَمِعت الشَّيْخ أَبَا الْفضل مُحَمَّد بْنِ مُحَمَّدِ بن عطاف الْموصِلِي الْفَقِيه بِبَغْدَادَ يَقُول شهِدت دفن الكيا ﵀ فِي تربة الشَّيْخ أبي اسحق الشِّيرَازِيّ ﵀ وَحضر دَفنه الشريف أَبُو طَالب الزَّيْنَبِي وقاضي الْقُضَاة أَبُو الْحَسَنِ بن الدَّامغَانِي وكانَا مقدمي أَصْحَاب أَبِي حنيفَة ﵀ وَكَانَ بَينه وَبَينهمَا منَافسة فِي حَال حَيَاته فَوقف أَحدهمَا عِنْد رَأس قَبره وَالْآخر عِنْد رجلَيْهِ فَقَالَ ابْن الدَّامغَانِي متمثلا وَمَا تغني النوادب والبواكي
وَقد أَصبَحت مثل حَدِيث أمس
وَأنْشد الزَّيْنَبِي متمثلا عقم النِّسَاء فَمَا يلدن شبيهه
إِن النِّسَاء بِمثلِهِ عقم
[ ٢٨٩ ]
أنشدنَا الشَّيْخ أَبُو الْحجَّاج يُوسُف بن عَبْدِ الْعَزِيزِ بن عَليّ اللَّخْمِيّ الميورقي الأندلسي الْفَقِيه الْمَالِكِي بِدِمَشْقَ قَالَ أنشدنَا أَبُو مُحَمَّد المرندي الْخَطِيب يرثي الإِمَام السعيد شمس الْإِسْلَام علم الْهدى أَبَا الْحسن عَليّ ابْن مُحَمَّد الطَّبَرِيّ ﵀ قف بالديار مسائلا أطلالها
مستعلما عَن رسمها أحوالها
إِن كَانَ يعلم مَا يَقُول معاهد
درست وخيمت الخطوب خلالها
وَعَفا معارفها وَغير رسمها
ريح تجر على الثرى أذيالها
طورا وطورا عَارض متهلل
كمداعي لما رَأَتْ ترحالها
مَا للمنَازل لَا تكلم دَاعيا
مَا حَالهَا مَاذَا عراها مَالهَا
أَتَرَى لفقد إمامنَا علم الْهدى
صمت فَمَا إِن جاوبت سؤالها
يَا للمكارم والفضائل بعده
يَا للعلوم وللشرائع يالها
يَا للمحاسن والمحاضر والندا
سلب المنَايا شمسها وجمالها
رفعت بِهِ رايات دين مُحَمَّد
فَالْآن صرف الحادثات أمالها
بلوا الخدود بأدمع منهلة
إِن الرزية أفجعت عذالها
ومصيبة حلت وَعم وُقُوعهَا
زمر الأنَام نساءها ورجالها
يَا محنة صدع الْقُلُوب هجومها
واستنزلت من علوها آجالها
دكت لمصرعه الْجبَال وزعزعت
وَالْأَرْض مِنْهُ زلزلت زِلْزَالهَا
لهفي على الْإِسْلَام غَابَتْ شمسه
بعد الشروق فواصلت آصالها
أَيْن الَّذِي سَاد الْبَريَّة كلهَا
وَهدى إِلَى سبل الْهدى ضلالها
[ ٢٩٠ ]
. نصر الشَّرِيعَة بَعْدَمَا نشر الورى
للمنكرات على الْبَسِيط ظلالها
فاليوم تبلى فِي التُّرَاب محَاسِن
لم تلف فِي كل الورى أَمْثَالهَا
وشمائل رقت فحاكت رقة
قطر السحائب مازجت جريالها
أَنِّي لأعجب كَيفَ وارت تربة
بحرا وَلم يغرق بِهِ من هالها
أم كَيفَ يدْفن فِي الثرى شمس الضُّحَى
وَالشَّمْس يحرق حرهَا مَنْ نَالها
مَاذَا يُقَال لمعشر هجروا الْكرَى
وتجاوزوا عفر الزبا ورمالها
وتحققت نيل الرَّجَاء نُفُوسهم
فأبي الزَّمَان مخيبا آمالها
من مبلغ عَنهُ إِلَيْهِ تَحِيَّة
تبقي فَلَا يخْشَى الزَّمَان زيالها
ومخبر أَن النُّفُوس بأسرها
شوقا إِلَيْهِ تشْتَهي آجالها
نقضي بأوراد الدُّعَاء حُقُوقه
مَا قابلت ريح لجنوب شمالها
ونعود الصَّبْر الْجَمِيل نفوسنَا
إِن الرضى بِقَضَائِهِ أولى لَهَا