أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ عبد الغافر بن إِسْمَاعِيلَ الْفارسي فِي كِتَابه قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ أَبُو حَامِد الْغَزالِيّ حجَّة الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين إِمَام أَئِمَّة الدّين من لم تَرَ الْعُيُون مثله لِسَانا وبيانًا ونطقا وخاطرا وذكاءً وطبعا شذا طرفا فِي صباه بطوس من الْفِقْه على الإِمَام أَحْمد الراذكاني ثمَّ قدم نيسابور مُخْتَلفا إِلَى درس إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي طَائِفَة من الشبَّان من طوس وجد واجتهد حَتَّى تخرج عَن مُدَّة قريبَة وبز الأقران وجمل الْقُرْآن
[ ٢٩١ ]
وَصَارَ أنظر أهل زَمَانه وَوَاحِد أقرانه فِي أَيَّام إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَكَانَ الطّلبَة يستفدزن مِنْهُ ويدرس لَهُم ويرشدهم ويجتهد فِي نَفسه وَبلغ الْأَمر بِهِ إِلَى أَن أَخذ فِي التصنيف وَكَانَ الإِمَام مَعَ علو دَرَجَته وسمو عِبَارَته وَسُرْعَة جريه فِي النُّطْق وَالْكَلَام لَا يصغي نظره الى الغزالى سترا لأناقته عَلَيْهِ فِي سرعَة الْعبارَة وَقُوَّة الطَّبْع وَلَا يطيب لَهُ تصديه للتصانيف وَإِن كَانَ متخرجا بِهِ منتسبا إِلَيْهِ كَمَا لَا يخفى من طبع الْبشر وَلكنه يظْهر التبجح بِهِ والاعتداد بمكانه ظَاهرا خلاف مَا يضمره ثمَّ بَقِي كَذَلِك إِلَى انْقِضَاء أَيَّام الإِمَام فَخرج من نيسابور وَصَارَ إِلَى المعسكر واحتل من مجْلِس نظام الْملك مَحل الْقبُول وَأَقْبل عَلَيْهِ الصاحب لعلو دَرَجَته وَظُهُور اسْمه وَحسن منَاظرته وجري عِبَارَته وَكَانَت تِلْكَ الحضرة محط رحال الْعلمَاء ومقصد الْأَئِمَّة والفصحاء فَوَقَعت للغزالي اتفاقات حَسَنَة من الاحتكاك بالأئمة وملاقاة الْخُصُوم اللد ومنَاظرة الفحول ومنَاقرة الْكِبَار وَظهر اسْمه فِي الْآفَاق وارتفق بذلك أكمل الارتفاق حَتَّى أدَّت الْحَال بِهِ إِلَى أَن رسم للمصير إِلَى بَغْدَاد للْقِيَام بتدريس الْمدرسَة الميمونة النظامية بهَا فَصَارَ إِلَيْهَا وأعجب الْكل بتدريسه ومنَاظرته وَمَا لَقِي مثل نَفسه وَصَارَ بعد إِمَامَة خُرَاسَان إِمَام الْعرَاق ثمَّ نظر فِي علم الْأُصُول وَكَانَ قد أحكمها فصنف فِيهِ تصانيف وجدد الْمَذْهَب فِي الْفِقْه فصنف فِيهِ تصانيف وسبك الْخلاف فحرر فِيهِ أَيْضا تصانيف وعلت حشمته ودرجته فِي بَغْدَاد حَتَّى كَانَ تغلب حشمته الأكابر والأمراء وَدَار الْخلَافَة فَانْقَلَبَ الْأَمر من وَجه آخر وَظهر عَلَيْهِ بعد مطالعة للعلوم الدقيقة
[ ٢٩٢ ]
وممارسة الْكتب المصنفة فِيهَا وسلك طَرِيق التزهد والتأله وَترك الحشمة وَطرح مَا نَال من الدرجَة والاشتغال بِأَسْبَاب التَّقْوَى وَزَاد الْآخِرَة فَخرج عَمَّا كَانَ فِيهِ وَقصد بَيت اللَّه تَعَالَى وَحج ثمَّ دخل الشَّام وَأقَام فِي تِلْكَ الديار قَرِيبا من عشر سِنِين يطوف ويزور الْمشَاهد المعظمة وَأخذ فِي التصانيف الْمَشْهُورَة الَّتِي لم يسْبق إِلَيْهَا مثل إحْيَاء عُلُوم الدّين والكتب المختصرة مِنْهَا مثل الْأَرْبَعين وَغَيرهَا من الرسائل الَّتِي من تأملها علم مَحل الرجل من فنون الْعلم وَأخذ فِي مجاهدة النَّفس وتغيير الْأَخْلَاق وتحسين الشَّمَائِل وتهذيب المعاش فَانْقَلَبَ شَيْطَان الرعونة وَطلب الرياسة والجاه والتخلق بالأخلاق الذميمة إِلَى سُكُون النَّفس وكرم الْأَخْلَاق والفراغ عَن الرسوم والتزيينَات والتزيي بزِي الصَّالِحين وَقصر الأمل ووقف الْأَوْقَات على هِدَايَة الْخلق ودعائهم إِلَى مَا يعنيهم من أَمر الْآخِرَة وتبغيض الدُّنْيَا والاشتغال بهَا على السالكين والاستعداد للرحيل إِلَى الدَّار الْبَاقِية والانقياد لكل من يتوسم فِيهِ أَو يشم مِنْهُ رَائِحَة الْمعرفَة والتيقظ لشَيْء من أنوار الْمُشَاهدَة حَتَّى مرن على ذَلِك وألان ثمَّ عَاد إِلَى وَطنه لَازِما بَيته مشتغلا بالتفكر ملازما للْوَقْت مَقْصُودا نفيسًا وذخرا للقلوب وَلكُل من يَقْصِدهُ وَيدخل عَلَيْهِ إِلَى أَن أَتَى على ذَلِك مُدَّة وَظَهَرت التصانيف وفشت الْكتب وَلم تبد فِي أَيَّامه منَاقضة لما كَانَ فِيهِ وَلَا اعْتِرَاض لأحد على مَا أَثَره حَتَّى انْتَهَت نوبَة الوزارة إِلَى الْأَجَل فَخر الْملك جمال الشُّهَدَاء تغمده اللَّه برحمته وتزينت خُرَاسَان بحشمته ودولته وَقد سمع وَتحقّق بمَكَان الْغَزالِيّ ودرجته وَكَمَال
[ ٢٩٣ ]
فَضله وحالته وصفاء عقيدته ونقاء سيرته فتبرك بِهِ وحضره وَسمع كَلَامه فاستدعى مِنْهُ أَن لَا يبقي أنفاسه وفوائده عقيمة لَا استفادة مِنْهَا وَلَا اقتباس من أنوارها وألح عَلَيْهِ كل الإلحاح وتشدد فِي الاقتراح إِلَى أَن أجَاب إِلَى الْخُرُوج وَحمل إِلَى نيسابور وَكَانَ اللَّيْث غَائِبا عَن عرينه وَالْأَمر خافيا فِي مَسْتُور قَضَاء اللَّه ومكنونه فأشير عَلَيْهِ بالتدريس فِي الْمدرسَة الميمونة النظامية عَمرها اللَّه فَلم يجد بدا من الإذعان للولاة وَنوى بِإِظْهَار مَا اشْتغل بِهِ هِدَايَة الشذة وإفادة القاصدين دون الرُّجُوع إِلَى مَا انخلع عَنهُ وتحرر عَن رقّه من طلب الجاه ومماراة الأقران ومكابرة المعاندين وَكم قرع عَصَاهُ بِالْخِلَافِ والوقوع فِيهِ والطعن فِيمَا يذره ويأتيه والسعاية بِهِ والتشنيع عَلَيْهِ فَمَا تأثر بِهِ وَلَا اشْتغل بِجَوَاب الطاعنين وَلَا أظهر استيحاشا بغميزة المخلطين وَلَقَد زرته مرَارًا وَمَا كنت أحدس فِي نَفسِي مَعَ مَا عهدته فِي سالف الزَّمَان عَلَيْهِ من الزعارة وإيحاش النَّاس والنظرإليهم بِعَين الازدراء وَالِاسْتِخْفَاف بهم كبرا وخيلاء اعتزازا بِمَا رزق من البسطة فِي النُّطْق والخاطر والعبارة وَطلب الجاه والعلو فِي الْمنزلَة أَنه صَار على الضِّدّ وتصفى عَن تِلْكَ الكدورات وَكنت أَظن أَنه متلفع بجلباب التَّكَلُّف متنمس بِمَا صَار إِلَيْهِ فتحققت بعد السبر والتنقير أَن الْأَمر على خلاف المظنون وَأَن الرجل أَفَاق بعد الْجُنُون وَحكى لنا فِي لَيَال كَيْفيَّة أَحْوَاله من ابْتِدَاء مَا ظهر لَهُ سلوك طَرِيق التأله وغلبت الْحَال عَلَيْهِ بعد تبحره فِي الْعُلُوم واستطالته على الْكل بِكَلَامِهِ والاستعداد الَّذِي خصّه اللَّه بِهِ فِي تَحْصِيل أَنْوَاع الْعُلُوم وتمكنه
[ ٢٩٤ ]
من الْبَحْث وَالنَّظَر حَتَّى تبرم من الِاشْتِغَال بالعلوم الْعَرَبيَّة عَن الْمُعَامَلَة وتفكر فِي الْعَاقِبَة وَمَا يجْرِي وينفع فِي الْآخِرَة فابتدأ بِصُحْبَة الفارمذي وَأخذ مِنْهُ استفتاح الطَّرِيقَة وامتثل مَا كَانَ يُشِير بِهِ عَلَيْهِ من الْقيام بوظائف الْعِبَادَات والإمعان فِي النَّوَافِل واستدامة الْأَذْكَار وَالْجد وَالِاجْتِهَاد طلبا للنجاة إِلَى أَن جَازَ تِلْكَ العقبات وتكلف تِلْكَ المشاق مَا تحصل على مَا كَانَ يَطْلُبهُ من مَقْصُوده ثمَّ حكى أَنه رَاجع الْعُلُوم وخاض فِي الْفُنُون وعاود الْجد وَالِاجْتِهَاد فِي كتب الْعُلُوم الدقيقة والتقي بأربابها حَتَّى انْفَتح لَهُ أَبوابها وَبَقِي مُدَّة فِي الوقائع وتكافىء الْأَدِلَّة وأطراف الْمسَائِل ثمَّ حكى أَنه فتح عَلَيْهِ بَاب من الْخَوْف بِحَيْثُ شغله عَن كل شَيْء وَحمله على الْإِعْرَاض عَمَّا سواهُ حَتَّى سهل ذَلِك وَهَكَذَا هَكَذَا إِلَى أَن ارتاض كل الرياضة وَظَهَرت لَهُ الْحَقَائِق وَصَارَ مَا كُنَّا نظن بِهِ نَاموسا وتخلقا طبعا وتحققا وَأَن ذَلِك أثر السَّعَادَة الْمقدرَة لَهُ من اللَّه تَعَالَى ثمَّ سألنَاه عَن كَيْفيَّة رغبته فِي الْخُرُوج من بَيته وَالرُّجُوع إِلَى مَا دعِي إِلَيْهِ من أَمر نيسابور فَقَالَ معتذرا عَنهُ مَا كنت أجوز فِي ديني أَن أَقف عَن الدعْوَة وَمَنْفَعَة الطالبين بالإفادة وَقد حق على أَن أَبُوح بِالْحَقِّ وأنطق بِهِ وأدعو إِلَيْهِ وَكَانَ صَادِقا فِي ذَلِك ثمَّ ترك ذَلِك قبل أَن يتْرك وَعَاد إِلَى بَيته وَاتخذ فِي جواره مدرسة لطلبة الْعلم وخانقاه للصوفية وَكَانَ قد وزع أوقاته على وظائف الْحَاضِرين من ختم الْقُرْآن ومجالسة أهل الْقُلُوب وَالْقعُود للتدريس بِحَيْثُ لَا تَخْلُو لَحْظَة من لحظاته ولحظات من مَعَه عَن فَائِدَة إِلَى أَن أَصَابَهُ عين الزَّمَان وضن الأنَام بِهِ على أهل عصره
[ ٢٩٥ ]
فنقله اللَّه إِلَى كريم جواره بعد مقاساة أَنْوَاع من الْقَصْد والمنَاوأة من الْخُصُوم وَالسَّعْي بِهِ إِلَى الْمُلُوك وكفاية اللَّه تَعَالَى وَحفظه وصيانته عَن ان تنوشه أَيدي النكبات أَو ينهتك ستر دينه بِشَيْء من الزلات وَكَانَت خَاتِمَة أمره إقباله على حَدِيث الْمُصْطَفى ﷺ ومجالسة أَهله ومطالعة الصَّحِيحَيْنِ البُخَارِيّ وَمُسلم اللَّذين هما حجَّة الْإِسْلَام وَلَو عَاشَ لسبق الْكل فِي ذَلِك الْفَنّ بِيَسِير من الْأَيَّام يستفرغه فِي تَحْصِيله وَلَا شكّ أَنه سمع الْأَحَادِيث فِي الْأَيَّام الْمَاضِيَة واشتغل فِي آخر عمره بسماعها وَلم تتفق لَهُ الرِّوَايَة وَلَا ضَرَر فِيمَا خَلفه من الْكتب المصنفة فِي الْأُصُول وَالْفُرُوع وَسَائِر الْأَنْوَاع يخلد ذكره ويقرر عِنْد المطالعين المنصفين المستفيدين مِنْهَا أَنه لم يخلف مثله بعده وَمضى إِلَى رَحْمَة اللَّه تَعَالَى يَوْم الِاثْنَيْنِ الرَّابِع عشر من جُمَادَى الْآخِرَة سنة خمس وَخَمْسمِائة وَدفن بِظَاهِر قَصَبَة طابران واللَّه تَعَالَى يَخُصُّهُ بأنواع الْكَرَامَة فِي آخرته كَمَا خصّه بفنون الْعلم فِي دُنْيَاهُ بمنه وَلم يعقب إِلَّا البَنَات وَكَانَ لَهُ من الْأَسْبَاب إِرْثا وكسبا مَا يقوم بكفايته وَنَفَقَة أَهله وَأَوْلَاده فَمَا كَانَ يباسط أحدا فِي الْأُمُور الدُّنْيَوِيَّة وَقد عرضت عَلَيْهِ أَمْوَال فَمَا قبلهَا وَأعْرض عَنْهَا واكتفي بِالْقدرِ الَّذِي يصون بِهِ دينه وَلَا يحْتَاج مَعَه إِلَى التَّعَرُّض لسؤال ومنَال من غَيره
سَمِعت الشَّيْخ الْفَقِيه الإِمَام أَبَا الْقسم سعد ابْن عَليّ بن أبي الْقسم بن أبي هُرَيْرَة الإسفرايني الصُّوفِي الشَّافِعِي بِدِمَشْقَ
[ ٢٩٦ ]
قَالَ سَمِعت الشَّيْخ الإِمَام الأوحد زين الْقُرَّاء جمال الْحرم أَبَا الْفَتْح عَامر بن نحام بن عَامر الْعَرَبِيّ الساوي بِمَكَّة حرسها اللَّه يَقُول دخلت الْمَسْجِد الْحَرَام يَوْم الْأَحَد فِيمَا بَين الظّهْر وَالْعصر الرَّابِع عشر من شَوَّال سنة خمس وَأَرْبَعين وخمسماية وَكَانَ بِي نوع تكسر ودوران رَأس بِحَيْثُ أَنِّي لَا أقدر أَن أَقف أَو أَجْلِس لشدَّة مَا بِي وَكنت أطلب موضعا أستريح فِيهِ سَاعَة على جَنْبي فَرَأَيْت بَاب بَيت الْجَمَاعَة للرباط الرامشتي عِنْد بَاب العزورة مَفْتُوحًا فقصدته وَدخلت فِيهِ وَوَقعت على جَنْبي الْأَيْمن بحذاء الْكَعْبَة المشرفة مفترشا يَدي تَحت خدي لكيلا يأخذني النّوم فتنتقض طهارتي فَإِذا بِرَجُل من أهل الْبِدْعَة مَعْرُوف بهَا جَاءَ وَنشر مُصَلَّاهُ على بَاب ذَلِك الْبَيْت وَأخرج لويحا من جيبه أَظُنهُ كَانَ من الْحجر وَعَلِيهِ كِتَابَة فَقبله وَوَضعه بَين يَدَيْهِ وَصلى صَلَاة طَوِيلَة مُرْسلا يَدَيْهِ فِيهَا على عَادَتهم وَكَانَ يسْجد على ذَلِك اللويح فِي كل مرّة فَإِذا فرغ من صلَاته سجد عَلَيْهِ وَأطَال فِيهِ وَكَانَ يمعك خَدّه من الْجَانِبَيْنِ عَلَيْهِ ويتضرع فِي الدُّعَاء ثمَّ فرغ من صلَاته سجد عَلَيْهِ وَأطَال فِيهِ وَكَانَ يمعك خَدّه من الْجَانِبَيْنِ عَلَيْهِ ويتضرع فِي الدُّعَاء ثمَّ رفع رَأسه وَقَبله وَوَضعه على عَيْنَيْهِ ثمَّ قبله ثَانِيًا وَأدْخلهُ فِي جيبه كَمَا كَانَ قَالَ قَلما رَأَيْت ذَلِك كرهته وَاسْتَوْحَشْت مِنْهُ ذَلِك وَقلت فِي نَفسِي لَيْت كَأَن رَسُول اللَّه ﷺ حَيا فِيمَا بيننَا ليخبرهم بِسوء صنيعهم وَمَا هم عَلَيْهِ من الْبِدْعَة وَمَعَ هَذَا
[ ٢٩٧ ]
التفكر كنت أطْرد النّوم عَن نَفسِي كَيْلا يأخذني فتفسد طهارتي فبينَا أنَا كَذَلِك إِذْ طَرَأَ عَليّ النعاس وغلبَنِي فَكَأَنِّي بَين الْيَقَظَة والمنَام فَرَأَيْت عَرصَة وَاسِعَة فِيهَا نَاس كَثِيرُونَ واقفين وَفِي يَد كل وَاحِد مِنْهُم كتاب مُجَلد قد تحلقوا كلهم على شخص فَسَأَلت النَّاس عَن حَالهم وَعَمن فِي الْحلقَة قَالُوا هُوَ رَسُول اللَّه ﷺ وَهَؤُلَاء أَصْحَاب الْمذَاهب يُرِيدُونَ أَن يقرؤا مذاهبهم واعتقادهم من كتبهمْ على رَسُول اللَّه ﷺ ويصححوه عَلَيْهِ قَالَ فبينَا أنَا كَذَلِك أنظر إِلَى الْقَوْم إِذْ جَاءَ وَاحِد من أهل الْحلقَة وَبِيَدِهِ كتاب قيل إِن هَذَا الشَّافِعِي ﵁ فَدخل فِي وسط الْحلقَة وَسلم على رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ فَرَأَيْت رَسُول اللَّه ﷺ فِي جماله وكماله متلبسا بالثياب الْبيض المغسولة النظيفة من الْعِمَامَة والقميص وَسَائِر الثِّيَاب على زِيّ أهل التصوف فَرد عَلَيْهِ الْجَواب ورحب بِهِ وَقعد الشَّافِعِي بَين يَدَيْهِ وَقَرَأَ من الْكتاب مذْهبه واعتقاده عَلَيْهِ وَبعد ذَلِك جَاءَ شخص آخر قيل هُوَ أَبُو حنيفَة ﵁ وَبِيَدِهِ كتاب فَسلم وَقعد بِجنب الشَّافِعِي وَقَرَأَ من الْكتاب مذْهبه واعتقاده ثمَّ أَتَى بعده كل صَاحب مَذْهَب إِلَى أَن لم يبْق إِلَّا الْقَلِيل وكل من يقْرَأ يقْعد بِجنب الآخر فَلَمَّا فرغوا إِذَا وَاحِد من المبتدعة الملقبة بالرافضة قد جَاءَ وَفِي يَده كراريس غير مجلدة فِيهَا ذكر عقائدهم الْبَاطِلَة وهم أَن يدْخل الْحلقَة ويقرأها على رَسُول اللَّه ﷺ فَخرج وَاحِد مِمَّن كَانَ مَعَ رَسُول اللَّه ﷺ إِلَيْهِ وزجره وَأخذ الكراريس من يَده ورماها إِلَى خَارج الْحلقَة
[ ٢٩٨ ]
وطرده وأهانه قَالَ فَلَمَّا رَأَيْت أَن الْقَوْم قد فرغوا وَمَا بَقِي أحد يقْرَأ عَلَيْهِ شَيْئا تقدّمت قَلِيلا وَكَانَ فِي يَدي كتاب مُجَلد فنَاديت وَقلت يارسول اللَّهِ هَذَا الْكتاب معتقدي ومعتقد أهل السّنة لَو أَذِنت لي حَتَّى أقرأه عَلَيْك فَقَالَ ﷺ وايش ذَاك قلت يارسول اللَّهِ هُوَ قَوَاعِد العقائد الَّذِي صنفه الْغَزالِيّ فَأذن لي فِي القرأة فَقَعَدت وابتدأت
بِسم اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم كتاب قَوَاعِد العقايد وَفِيه أَرْبَعَة فُصُول الْفَصْل الأول فِي تَرْجَمَة عقيدة أهل السّنة فِي كلمتي الشَّهَادَة الَّتِي هِيَ أحد مباني الْإِسْلَام فَنَقُول وبِاللَّهِ التَّوْفِيق الْحَمد لله المبدىء المعيد الفعال لما يُرِيد ذِي الْعَرْش الْمجِيد والبطش الشَّديد الْهَادِي صفوة العبيد إِلَى النهج الرشيد والمسلك السديد الْمُنعم عَلَيْهِم بعد شَهَادَة التَّوْحِيد بحراسة عقائدهم عَن ظلمات التشكيك والترديد السَّابِق بهم إِلَى إتباع رَسُوله الْمُصْطَفى ﷺ واقتفاء صَحبه الأكرمين بالتأييد والتسديد المتجلي لَهُم فِي ذَاته وأفعاله بمحاسن أَوْصَافه الَّتِي لَا يُدْرِكهَا إِلَّا من ألقِي السّمع وَهُوَ شَهِيد الْمُعَرّف إيَّاهُم فِي ذَاته أَنه وَاحِد لَا شريك لَهُ فَرد لَا مثل لَهُ صَمد لَا ضد لَهُ مُنْفَرد لَا ند لَهُ وَأَنه قديم لَا أول لَهُ أزلي لَا بداية لَهُ مُسْتَمر الْوُجُود لَا آخر لَهُ أبدي لَا نِهَايَة لَهُ قيوم لَا انْقِطَاع لَهُ دَائِم لَا انصرام لَهُ لم يزل وَلَا يزَال مَوْصُوفا بنعوت الْجلَال لَا يقْضِي عَلَيْهِ بالانقضاء تصرم الآباد وانقراض الْآجَال بل هُوَ الأول وَالْآخر وَالْبَاطِن وَالظَّاهِر
التَّنْزِيه وَأَنه لَيْسَ بجسم مُصَور وَلَا جَوْهَر مَحْدُود مُقَدّر وَأَنه لَا يماثل الْأَجْسَام لَا فِي التَّقْدِير وَلَا فِي قبُول الانقسام وَأَنه
[ ٢٩٩ ]
لَيْسَ بجوهر وَلَا تحله الْجَوَاهِر وَلَا بِعرْض وَلَا تحله الْأَعْرَاض بل لَا يماثل مَوْجُودا وَلَا يماثله مَوْجُود وَلَيْسَ كمثله شَيْء وَلَا هُوَ مثل شَيْء وَأَنه لَا يحده الْمِقْدَار وَلَا تحويه الأقطار وَلَا تحيط بِهِ الْجِهَات وَلَا تكتنفه الأرضون وَالسَّمَوَات وَأَنه اسْتَوَى على الْعَرْش على الْوَجْه الَّذِي قَالَه وبالمعني الَّذِي أَرَادَهُ اسْتِوَاء منزها عَن المماسة والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال لَا يحملهُ الْعَرْش بل الْعَرْش وَحَمَلته محمولون بلطف قدرته ومقهورون فِي قَبضته وَهُوَ فَوق الْعَرْش وَفَوق كل شَيْء إِلَى تخوم الثرى فوقية لَا تزيده قربا إِلَى الْعَرْش والسمابل هُوَ رفيع الدَّرَجَات عَن الْعَرْش كَمَا أَنه رفيع الدَّرَجَات عَن الثرى وَهُوَ مَعَ ذَلِك قريب من كل مَوْجُود وَهُوَ أقرب إِلَى العبيد من حَبل الوريد وَهُوَ على كل شَيْء شَهِيد إِذ لَا يماثل قربه قرب الْأَجْسَام كَمَا لَا تماثل ذَاته ذَات الْأَجْسَام وَأَنه لَا يحل فِي شَيْء وَلَا يحل فِيهِ شَيْء تَعَالَى عَن أَن يحويه مَكَان كَمَا تقدس عَن أَن يحده زمَان كَمَا قبل أَن خلق الزَّمَان وَالْمَكَان وَهُوَ الْآن على مَا عَلَيْهِ كَانَ وَأَنه بَائِن من خلقه بصفاته وَلَيْسَ فِي ذَاته سواهُ وَلَا فِي سواهُ ذَاته وَأَنه مقدس عَن التَّغَيُّر والانتقال لَا تحله الْحَوَادِث وَلَا تعتريه الْعَوَارِض بل لَا يزَال فِي نعوت جَلَاله منزها عَن الزَّوَال وَفِي صِفَات كَمَاله مستغنيا عَن زِيَادَة الاستكمال وَأَنه فِي ذَاته مَعْلُوم الْوُجُود بالعقول مرئي الذَّات بالأبصار نعْمَة مِنْهُ ولطفا بالأبرار فِي دَار الْقَرار وإتماما للنعيم بِالنّظرِ إِلَى وَجهه الْكَرِيم
الْقُدْرَة وَأَنه حَيّ قَادر جَبَّار قاهر لَا يَعْتَرِيه قُصُور وَلَا عجز وَلَا تَأْخُذهُ سنة وَلَا نوم وَلَا يُعَارضهُ فنَاء وَلَا موت وَأَنه ذُو الْملك
[ ٣٠٠ ]
والملكوت والعزة والجبروت لَهُ السُّلْطَان والقهر والخلق وَالْأَمر السَّمَوَات مَطْوِيَّات بِيَمِينِهِ وَالْخَلَائِق مقهورون فِي قَبضته وَأَنه الْمُنْفَرد بالخلق والاختراع المتوحد بالإيجاد والإبداع خلق الْخلق وأعمالهم وَقدر أَرْزَاقهم وآجالهم لَا يشذ عَن قَبضته مَقْدُور وَلَا يعزب عَن قدرته تصاريف الْأُمُور وَلَا تحصى مقدوراته وَلَا تتناهى معلوماته
الْعلم وَأَنه عَالم بِجَمِيعِ المعلومات مُحِيط علمه بِمَا يجْرِي فِي تخوم الْأَرْضين إِلَى أَعلَى السَّمَوَات لَا يعزب عَن علمه مِثْقَال ذرة فِي الأَرْض وَلَا فِي السَّمَاء بل يعلم ذبيب النملة السَّوْدَاء على الصَّخْرَة الصماء فِي اللَّيْلَة الظلماء وَيدْرك حَرَكَة الذَّر فِي جو الْهَوَاء وَيعلم السِّرّ وأخفى ويطلع على هواجس الضمائر وحركات الخواطر وخفيات السرائر بِعلم قديم أزلي لم يزل مَوْصُوفا فِي أزل الآزال لَا بِعلم مُجَدد حَاصِل فِي ذَاته بالحلول والإنتقال
الْإِرَادَة وَأَنه مُرِيد الكائنَات مُدبر الحادثات وَلَا يجْرِي فِي الْملك والملكوت قَلِيل أَو كثير صَغِير أَو كَبِير خير أَو شَرّ نفع أَو ضرّ إِيمَان أَو كفر عرفان أَو نكر فوز أَو خسر زِيَادَة أَو نُقْصَان طَاعَة أَو عصيان كفر أَو إِيمَان إِلَّا بِقَضَائِهِ وَقدره وَحكمه ومشيئته فَمَا شَاءَ كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن لَا يخرج عَن مَشِيئَته لفتة نَاظر وَلَا فلتة خاطر بل هُوَ المبدىء المعيد الفعال لما يُرِيد لَا راد لحكمه وَلَا معقب لقضائه وَلَا مهرب لعبد عَن مَعْصِيَته إِلَّا بتوفيقه وَرَحمته وَلَا قُوَّة على طَاعَته إِلَّا بمحبته وإرادته لَو اجْتمع الْإِنْس وَالْجِنّ وَالْمَلَائِكَة وَالشَّيَاطِين على أَن يحركوا فِي الْعَالم ذرة أَو يسكنوها دون إراداته ومشيئته عجزوا عَنهُ وَإِن إِرَادَته قَائِمَة بِذَاتِهِ فِي
[ ٣٠١ ]
جملَة صِفَاته لم يزل كَذَلِك مَوْصُوفا فِيهَا مرِيدا فِي أزله لوُجُود الْأَشْيَاء فِي أَوْقَاتهَا الَّتِي قدرهَا فَوجدت فِي أَوْقَاتهَا كَمَا أَرَادَهُ فِي أزله من غير تقدم وَتَأَخر بل وَقعت على وفْق علمه وإرادته من غير تبدل وَتغَير دبر الْأُمُور لَا بترتيب أفكار وتربص زمَان فَلذَلِك لم يشْغلهُ شان عَن شان
السّمع وَالْبَصَر وَأَنه تَعَالَى سميع بَصِير يسمع وَيرى لَا يعزب عَن سَمعه مسموع وَإِن خفى وَلَا يغيب عَن رُؤْيَته مرئي وَإِن دق لَا يحجب سَمعه بُعد وَلَا يدْفع رُؤْيَته ظلام يرى من غير حدقة وأجفان وَيسمع من غير أَصْمِخَة وآذان كَمَا يعلم بِغَيْر قلب ويبطش بِغَيْر جارحة ويخلق بِغَيْر آلَة إِذْ لَا يشبه صِفَاته صِفَات الْخلق كَمَا لَا يشبه ذَاته ذَات الْخلق
الْكَلَام وَأَنه مُتَكَلم آمُر نَاهٍ وَاعد متوعد بِكَلَام أزلي قديم قَائِم بِذَاتِهِ لَا يشبه كَلَام الْخلق فَلَيْسَ بِصَوْت يحدث من انسلال هَوَاء واصطكاك أجرام وَلَا بِحرف يَنْقَطِع بإطباق شفة أَو تَحْرِيك لِسَان وَأَن الْقُرْآن والتوارة وَالْإِنْجِيل وَالزَّبُور كتبه الْمنزلَة على رسله وَأَن الْقُرْآن مقروء بالألسنة مَكْتُوب فِي الْمَصَاحِف مَحْفُوظ فِي الْقُلُوب وَأَنه مَعَ ذَلِك قديم قَائِم بِذَات اللَّه تَعَالَى لَا يقبل الِانْفِصَال والفراق بالانتقال إِلَى الْقُلُوب والأوراق وَأَن مُوسَى ﵇ سمع كَلَام اللَّه بِغَيْر صَوت وَلَا حرف كَمَا يرى الْأَبْرَار ذَات اللَّه تَعَالَى من غير جَوْهَر وَلَا عرض وَإِذ كَانَت لَهُ هَذِهِ الصِّفَات كَانَ حَيا عَالما قَادِرًا مرِيدا سميعا بَصيرًا متكلما بِالْحَيَاةِ وَالْعلم وَالْقُدْرَة والإرادة والسمع وَالْبَصَر وَالْكَلَام لَا بِمُجَرَّد الذَّات
الْأَفْعَال وَأَنه لَا مَوْجُود سواهُ إِلَّا وَهُوَ حَادث بِفِعْلِهِ وفائض
[ ٣٠٢ ]
من عدله على أحسن الْوُجُوه وأكملها وأتمها وأعدلها وَأَنه حَكِيم فِي أَفعاله وعادل فِي أقضيته وَلَا يُقَاس عدله بِعدْل الْعباد إِذْ العَبْد يتَصَوَّر مِنْهُ الظُّلم بتصرفه فِي ملك غَيره وَلَا يتَصَوَّر الظُّلم من اللَّه تَعَالَى فَإِنَّهُ لَا يُصَادف لغيره ملكا حَتَّى يكون تصرفه فِيهِ ظلما فَكل مَا سواهُ من جن وإنس وَشَيْطَان وَملك وسماء وَأَرْض وحيوان ونبات وجوهر وَعرض ومدرك ومحسوس حَادث اخترعه بقدرته بعد الْعَدَم اختراعا وإنشاءً بعد أَن لم يكن شَيْئا إِذْ كَانَ فِي الْأَزَل مَوْجُودا وَحده وَلم يكن مَعَه غَيره فأحدث الْخلق بعدُ إِظْهَارًا لقدرته وتحقيقا لما سبق من إِرَادَته وَحقّ فِي الْأَزَل من كَلمته لَا لافتقاره إِلَيْهِ وَحَاجته وَأَنه تَعَالَى متفضل بالخلق والاختراع والتكليف لَا عَن وجوب ومتطول بالإنعام والإصلاح لَا عَن لُزُوم فَلهُ الْفضل وَالْإِحْسَان وَالنعْمَة والامتنَان إِذْ كَانَ قَادِرًا على أَن نصب على عبَادَة أَنْوَاع الْعَذَاب ويبتليهم بضروب الآلام والأوصاب وَلَو فعل ذَلِك لَكَانَ مِنْهُ عدلا وَلم يكن قبيحا وَلَا ظلما وَأَنه يثيب عباده على الطَّاعَات بِحكم الْكَرم والوعد لَا بِحكم الِاسْتِحْقَاق واللزوم إِذْ لَا يجب عَلَيْهِ فعل وَلَا يتَصَوَّر مِنْهُ ظلم وَلَا يجب عَلَيْهِ حق وَأَن حَقه فِي الطَّاعَات وَجب على الْخلق بإيجابه على لِسَان أنبيائه لَا بِمُجَرَّد الْعقل وَلكنه بعث الرُّسُل وَأظْهر صدقهم بالمعجزات الظَّاهِرَة فبلغوا أمره وَنَهْيه ووعده ووعيده فَوَجَبَ على الْخلق تصديقهم فِيمَا جاؤا بِهِ
معني الْكَلِمَة الثَّانِيَة وَهِي شَهَادَة الرَّسُول ﷺ أَنه تَعَالَى بعث النَّبِي الْأُمِّي الْقرشِي مُحَمَّدا ﷺ برسالته إِلَى
[ ٣٠٣ ]
كَافَّة الْعَرَب والعجم وَالْجِنّ وَالْإِنْس قَالَ فَلَمَّا بلغت إِلَى هَذَا رَأَيْت البشاشة والتبسم فِي وَجهه ﷺ إِذْ انْتَهَيْت إِلَى نَعته وَصفته فَالْتَفت إليَّ وَقَالَ أَيْن الْغَزالِيّ فَإِذا بالغزالي كَأَنَّهُ كَانَ وَاقِفًا على الْحلقَة بَين يَدَيْهِ فَقَالَ هأنا ذَا يارسول اللَّهِ وَتقدم وَسلم على رَسُول اللَّهِ ﷺ فَرد عَلَيْهِ الْجَواب ونَاوله يَده العزيزة وَالْغَزالِيّ يقبل يَده وَيَضَع خديه عَلَيْهَا تبركا بِهِ وَبِيَدِهِ العزيزة الْمُبَارَكَة ثمَّ قعد قَالَ فَمَا رَأَيْت رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَكثر اشتبشارا بِقِرَاءَة أحد مثل مَا كَانَ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ قَوَاعِد العقائد ثمَّ انْتَبَهت من النّوم وعَلى عَيْني أثر الدمع مِمَّا رَأَيْت من تِلْكَ الْأَحْوَال والمشاهدات والكرامات فَإِنَّهَا كَانَت نعْمَة جسيمة من اللَّه تَعَالَى سِيمَا فِي آخر الزَّمَان مَعَ كَثْرَة الْأَهْوَاء فنسأل اللَّه تَعَالَى أَن يثبتنَا على عقيدة أهل الْحق ويحيينَا ويميتنَا عَلَيْهَا ويحشرنَا مَعَهم وَمَعَ الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحسن أُولَئِكَ رَفِيقًا فَإِنَّهُ بِالْفَضْلِ جدير وعَلى مَا يَشَاء قدير
قَالَ الشَّيْخ الإِمَام أَبُو الْقسم الإسفرايني هَذَا معنى مَا حكى لي أَبُو الْفَتْحِ الساوي أَنه رَآهُ فِي المنَام لِأَنَّهُ حَكَاهُ لي بِالْفَارِسِيَّةِ وترجمته أنَا بِالْعَرَبِيَّةِ
وتتمة الْفَصْل الأول من فُصُول قَوَاعِد العقائد الَّذِي يتم بِهِ الِاعْتِقَاد وَلم يتَّفق قِرَاءَته إِيَّاه على رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمن الْمصلحَة إثْبَاته ليَكُون الِاعْتِقَاد تَاما فِي نَفسه غير نَاقص لمن أَرَادَ تَحْصِيله وَحفظه بعد قَوْله وَأَنه تَعَالَى بعث النَّبِي الْأُمِّي الْقرشِي مُحَمَّدا ﷺ برسالته إِلَى كَافَّة الْعَرَب والعجم وَالْجِنّ وَالْإِنْس فنسخ بشرعه الشَّرَائِع إِلَّا مَا قرر وفضله
[ ٣٠٤ ]
على سَائِر الْأَنْبِيَاء وَجعله سيد الْبشر وَمنع كَمَال الْإِيمَان بِشَهَادَة التَّوْحِيد وَهُوَ قَول لَا إِلَه إِلَّا اللَّه مَا لم يقْتَرن بِهِ شَهَادَة الرَّسُول وَهُوَ قَول مُحَمَّد رَسُول اللَّه فألزم الْخلق تَصْدِيقه فِي جَمِيع مَا أخبر عَنهُ من الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَأَنه لَا يتَقَبَّل إِيمَان عبد حَتَّى يُوقن بِمَا أخبر عَنهُ بعد الْمَوْت وأوله سُؤال مُنكر وَنَكِير وهما شخصان مهيبان هائلان يقعدان العَبْد فِي قَبره سويا ذَا روح وجسد فيسألانه عَن التَّوْحِيد والرسالة ويقولان من رَبك وَمَا دينك وَمن نبيك وهما فتانَا الْقَبْر وسؤالهما أول فتْنَة الْقَبْر بعد الْمَوْت وَأَن يُؤمن بِعَذَاب الْقَبْر وَأَنه حق وَحِكْمَة وَعدل على الْجِسْم وَالروح على مَا يَشَاء ويؤمن بالميزان ذِي الكفتين وَاللِّسَان وَصفته فِي الْعظم مثل أَنه مثل طباق السَّمَوَات وَالْأَرْض توزن فِيهِ الْأَعْمَال بقدرة اللَّه تَعَالَى والسنج يَوْمئِذٍ مَثَاقِيل الذَّر والخردل تَحْقِيقا لتَمام الْعدْل وتطرح صَحَائِف الحسنَات فِي صُورَة حَسَنَة فِي كفة النُّور فيثقل بهَا الْمِيزَان على قدر درجاتها عِنْد اللَّه بِفضل اللَّه تَعَالَى وتطرح صَحَائِف السيآت فِي كفة الظلمَة فيخف بهَا الْمِيزَان بِعدْل اللَّه تَعَالَى وَأَن يُؤمن بِأَن الصِّرَاط حق وَهُوَ جسر مَمْدُود على متن جَهَنَّم أحد من السَّيْف وأدق من الشّعْر تزل عَلَيْهِ أَقْدَام الْكَافرين بِحكم اللَّه تَعَالَى فَيهْوِي بههم إِلَى النَّار وَيثبت عَلَيْهِ أَقْدَام الْمُؤمنِينَ فيساقون إِلَى دَار الْقَرار وَأَن نؤمن بالحوض المرود حَوْض مُحَمَّد ﷺ يشرب مِنْهُ الْمُؤْمِنُونَ قبل دُخُول الْجنَّة وَبعد جَوَاز الصِّرَاط من شرب مِنْهُ شربة لم يظمأ بعْدهَا أبدا عرضه مسيرَة شهر مَاؤُهُ أَشد بَيَاضًا من اللَّبن وَأحلى من الْعَسَل حوله
[ ٣٠٥ ]
أَبَارِيق عَددهَا عدد نُجُوم السَّمَاء فِيهِ مِيزَابَانِ يصبَّانِ من الْكَوْثَر ويؤمن بِيَوْم الْحساب وتفاوت الْخلق فِيهِ إِلَى منَاقش فِي الْحساب وَإِلَى مسامح فِيهِ إِلَى من يدْخل الْجنَّة بِغَيْر حِسَاب وهم المقربون فَيسْأَل من شَاءَ من الْأَنْبِيَاء عَن تَبْلِيغ الرسَالَة وَمن شَاءَ من الْكفَّار تَكْذِيب الْمُرْسلين وَيسْأل المبتدعة عَن السّنة وَيسْأل الْمُسلمين عَن الْأَعْمَال ويؤمن بِإِخْرَاج الْمُوَحِّدين من النَّار بعد الانتقام حَتَّى لَا يبقي فِي جَهَنَّم موحد بِفضل اللَّه تَعَالَى ويؤمن بشفاعة الْأَنْبِيَاء ثمَّ الْعلمَاء ثمَّ الشُّهَدَاء ثمَّ سَائِر الْمُؤمنِينَ كل على حسب جاهه ونزلته وَمن بَقِي من الْمُؤمنِينَ وَلم يكن لَهُ شَفِيع أخرج بِفضل اللَّه تَعَالَى وَلَا يخلد فِي النَّار مُؤمن بل يخرج مِنْهَا من كَانَ فِي قلبه مِثْقَال ذرة من الْإِيمَان وَأَن يعْتَقد فضل الصَّحَابَة وترتيبهم وَأَن أفضل النَّاس بعد رَسُول اللَّه ﷺ أَبُو بكر ثمَّ عمر ثمَّ عُثْمَان ثمَّ عَليّ ﵃ وَأَن يحسن الظَّن بِجَمِيعِ الصَّحَابَة ويثني عَلَيْهِم كَمَا أثنى اللَّه تَعَالَى وَرَسُوله ﵈ وَعَلَيْهِم أَجْمَعِينَ فَكل ذَلِك مِمَّا وَردت بِهِ الْأَخْبَار وَشهِدت بِهِ الْآثَار فَمن اعْتقد جَمِيع ذَلِك موقنَا بِهِ كَانَ من أهل الْحق وعصابة السّنة وَفَارق رَهْط الضلال والبدعة فنسأل اللَّه تَعَالَى كَمَال الْيَقِين والثبات فِي الدّين لنَا ولكافة الْمُسلمين إِنَّه أرْحم الرَّاحِمِينَ وَصلى اللَّه على مُحَمَّد وَآله أَجْمَعِينَ
وَمِنْهُم الإِمَام أَبُو بكر الشَّاشِي ﵀
واسْمه مُحَمَّد بن أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ
تفقه على الشَّيْخ أَبِي إِسْحَاق
[ ٣٠٦ ]
الشِّيرَازِيّ وَغَيره وَكَانَ معيدا لَهُ وَولي التدريس بِالْمَدْرَسَةِ النظامية وَغَيرهَا بِبَغْدَادَ وَله تصانيف كَثِيرَة حَسَنَة وتفقه بِهِ جمَاعَة أَئِمَّة كالْقَاضِي الإِمَام أَبِي الْعَبَّاس بن الرطبي وابْنه أَبِي المظفر وَأبي مُحَمَّد ابْني أَبِي بكر وَغَيرهم وَذكر شيخنَا الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد بن الْأَكْفَانِيِّ أَنه مَاتَ فِي يَوْم السبت الْخَامِس وَالْعِشْرين من شَوَّال سنة سبع وَسبعين وَخَمْسمِائة قَالَ وَإِلَيْهِ انْتَهَت الرياسة لأَصْحَاب الشَّافِعِي رَحْمَة اللَّه عَلَيْهِ بِبَغْدَاد
وَمِنْهُم الإِمَام أَبُو الْقسم الْأنْصَارِيّ النَّيْسَابُورِي ﵀
سَمِعت الشَّيْخ أَبَا بكر مُحَمَّد بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حبيب الْفَقِيه العامري بِبَغْدَاد وثنا عَنهُ بِحَدِيث يحسن عَلَيْهِ الثنَاء وَيَقُول كَانَ عَالما إِمَامًا فِي التَّفْسِير وَالْأُصُول
وَذكر الشَّيْخ أَبُو الْحَسَنِ عبد الغافر بن إِسْمَاعِيلَ فِيمَا كتب إِلَى قَالَ سلمَان بن نَاصر بن عُمَرَان بن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن اسحق بن يزِيد ابْن زِيَاد أَبُو الْقسم الْأنْصَارِيّ الإِمَام الدّين الْوَرع الزَّاهِد فريد عصره فِي فنه وَكَانَ لَهُ معرفَة بالطريقة وَقدم فِي التصوف وَنظر دَقِيق وفكر فِي الْمُعَامَلَة وتصاون فِي النَّفس وعفاف فِي الطّعْم وَكَانَ حسن الطَّرِيقَة دَقِيق النّظر وَاقِفًا على مسالك الْأَئِمَّة وطرقهم فِي علم الْكَلَام بَصيرًا بمواعظ الْإِشْكَال مَعَ قُصُور فِي تَقْرِير لِسَانه وَكَانَت مَعْرفَته فَوق نطقه ومعنَاه أوفر من ظَاهره وفحواه وعاش عَيْش الْأَبْرَار على سيرة السّلف الصَّالِحين وَتُوفِّي صَبِيحَة يَوْم الْخَمِيس الثَّانِي وَالْعِشْرين من جُمَادَى الْآخِرَة سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَخَمْسمِائة
[ ٣٠٧ ]
مِنْهُم الإِمَام ابْن الإِمَام أَبُو نصر بن أبي الْقسم الْقشيرِي ﵀
كتب إليَّ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْفَارِسِي قَالَ عبد الرَّحِيم ابْن عَبْدِ الْكَرِيم بن هوَازن الْقشيرِي أَبُو نصر إِمَام الْأَئِمَّة وَحبر الْأمة وَهُوَ الأول من ولد الإِمَام بعد الْعصبَة الدقاقية من أَوْلَاده أشبههم بِهِ خلقا حَتَّى كَأَنَّهُ شقّ مِنْهُ شقا رباه أحسن تربية وزقه الْعَرَبيَّة فِي صباه زقا حَتَّى تخرج بِهِ وبرع فِيهَا وكمل فِي النثر وَالنّظم فحاز فيهمَا قصب السَّبق وَكَانَ يبث السحر بأقلامه على الرّقّ استوفى الْحَظ الأوفى من علم الْأُصُول وَالتَّفْسِير تلقيا من وَالِده ورزق من السرعة فِي الْكِتَابَة مَا كَانَ يكْتب كل يَوْم طاقات على الإتعياد لَا يلْحقهُ فِيهِ كَبِير مشقة حَتَّى حصل أنواعا من الْعُلُوم الدقيقة والحساب الَّذِي يحْتَاج فِيهِ إِلَى علم الشَّرِيعَة وَلما توفى أَبُوه انْتقل إِلَى مجْلِس إِمَام الْحَرَمَيْنِ وواظب على درسه وصحبته لَيْلًا وَنَهَارًا وَلَزِمَه عشيا وإبكارا حَتَّى حصل طَرِيقَته فِي الْمَذْهَب وَالْخلاف وجرد عَلَيْهِ الْأُصُول وَكَانَ الإِمَام يعْتد بِهِ ويستفرغ أَكثر أَيَّامه مَعَه مستفيدا مِنْهُ بعض مسَائِل الْحساب فِي الْفَرَائِض والدور والوصايا فَلَمَّا فرغ من تَحْصِيل الْفِقْه تأهب لِلْخُرُوجِ إِلَى الْحَج وَحين وصل إِلَى بَغْدَاد وَعقد الْمجْلس وَرَأى أهل بَغْدَاد فَضله وكماله وعاينوا خصاله بدا لَهُ من الْقبُول عِنْدهم مَا لم يعْهَد مثله لأحد قبله وَحضر مَجْلِسه الْخَواص وَلزِمَ الْأَئِمَّة مثل الإِمَام أبي اسحق الشِّيرَازِيّ ﵀ الَّذِي هُوَ فَقِيه الْعرَاق فِي وقته عتبَة منبره وأطبقوا على أَنهم لم يرَوا مثله فِي
[ ٣٠٨ ]
تبحره وَخرج إِلَى الْحَج وَلما عَاد كَانَ الْقبُول عَظِيما وزائدا على مَا كَانَ من قبل وَبلغ الْأَمر فِي التعصب لَهُ مبلغا كَاد يُؤَدِّي إِلَى الْفِتْنَة وقلما كَانَ يَخْلُو مَجْلِسه من إِسْلَام جمَاعَة من أهل الذِّمَّة وَخرج بعد من قَابل رَاجعا إِلَى الْحَج فِي أكمل حُرْمَة وترفه فِي خدمَة من أَمِير الْحَاج وَأَصْحَابه وَعَاد إِلَى بَغْدَاد وَأمر الْقبُول بِحَالهِ والفتنه مشرئبة تكَاد تضطرم فَبعث إِلَيْهِ نظام الْملك يستحضره من بَغْدَاد يَعْنِي إِلَى أَصْبَهَان فَأكْرم مورده وَبَقِي أهل بَغْدَاد عطاشا إِلَيْهِ وَإِلَى كَلَامه مِنْهُم من لم يفْطر عَن الصَّوْم سِنِين بعده وَمِنْهُم من لم يحضر من بعده مجْلِس تذكير قطّ وَأَشَارَ الصاحب عَلَيْهِ بِالرُّجُوعِ إِلَى خُرَاسَان وَوَصله بصلات سنية وَدخل قزوين وَلَقي بهَا قبولا تَاما وَحصل مِنْهُم على قريب من ألف دينَار وَلما عَاد استقبله الْأَئِمَّة والصدور وَكَانَ يواظب بعد مَا لَقِي من الْقبُول على درس الإِمَام إِمَام الْحَرَمَيْنِ ويشتغل بِزِيَادَة التَّحْصِيل وَكَانَ أَكثر صغوا فِي آخر أَيَّامه إِلَى الرِّوَايَة قَلما يَخْلُو يَوْم من أَيَّامه إِلَّا مَا شَاءَ اللَّه عَن مجْلِس الحَدِيث أَو مجلسين وَتُوفِّي عديم النظير فريد الْوَقْت بَقِيَّة أكَابِر الدُّنْيَا ضحوة يَوْم الْجُمُعَة الثَّامِن وَالْعِشْرين من جُمَادَى الْآخِرَة سنة أَربع عشرَة وَخَمْسمِائة
وَمن ظريف مَا حُكيَ من أَحْوَاله قَالَ مَرضت بِمَكَّة مَرضا شَدِيدا مخوفا أَيِست فِيهِ من الْحَيَاة فَدخل عَليّ الشَّيْخ مكي لم أعرفهُ وَلم أطلبه وَبِيَدِهِ مِفْتَاح الْكَعْبَة وَهُوَ من بَنِي شيبَة خَزَنَة الْبَيْت فَقَالَ لي افْتَحْ ففتحت فمي فَأدْخل الْمِفْتَاح فِي فمي وأداره فِيهِ ثمَّ مسح سَائِر أعضائي بذلك الْمِفْتَاح على لين
[ ٣٠٩ ]
ورفق فبرأت من علتي فَكَأَنَّمَا انشطت من عقال ببركة ذَلِك الْمِفْتَاح وعافاني اللَّه فِي الْوَقْت
وَمِمَّا وَقع إِلَى الإِمَام الْعَالم الْحَافِظ الثِّقَة بهاء الدّين نَاصر السّنة مُحدث الشَّام أبي مُحَمَّد الْقسم بعد وَفَاة وَالِدَة الإِمَام الْعَالم الْحَافِظ شيخ الْإِسْلَام أبي الْقسم عَلِيُّ بْنُ الْحسن بن هبة اللَّهِ الشَّافِعِي ﵀ من الْفَوَائِد الَّتِي تلِيق بِهَذَا الْكتاب محْضر بِخَط بعض أَصْحَاب الإِمَام الْعَالم أَبِي نصر عبد الرَّحِيم بن الْأُسْتَاذ أبي الْقسم الْقشيرِي فِيهِ خطوط الْأَئِمَّة بتصحيح مقاله وموافقته فِي اعْتِقَاده على الْوَجْه الَّذِي هُوَ مَذْكُور فِي هَذَا الْكتاب فأوقفنَا عَلَيْهِ شيخنَا أَبُو مُحَمَّد الْقسم وأسمعنَاه وأمرنَا بكتابته فاكتتبْنَاه على مَا هُوَ عَلَيْهِ وأثبتنَاه فِي هَذِهِ التَّرْجَمَة اللائقة بِهِ وَهُوَ
بِسم اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم يشْهد من ثَبت اسْمه وَنسبه وَصَحَّ نهجه ومذهبه واختبر دينه وأمانته من الْأَئِمَّة الْفُقَهَاء والأماثل الْعلمَاء وَأهل الْقُرْآن والمعدلين الْأَعْيَان وَكَتَبُوا خطوطهم الْمَعْرُوفَة بعباراتهم المألوفة مسارعين إِلَى أَدَاء الْأَمَانَة وتوخوا فِي ذَلِك مَا تحظره الدّيانَة مَخَافَة قَوْله تَعَالَى وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ إِن جمَاعَة من الحشوية والأوباش الرعاع المتوسمين بالحنبلية أظهرُوا بِبَغْدَادَ من الْبدع الفظيعة والمخازي الشنيعة مالم يتسمح بِهِ ملحد فضلا عَن موحد وَلَا تجوز بِهِ قَادِح فِي أصل الشَّرِيعَة وَلَا معطل ونسبوا كل من ينزه الْبَارِي تَعَالَى وَجل عَن النقائص والآفات وينفى عَنهُ الْحُدُوث والتشبيهات ويقدسه عَن الْحُلُول والزوال ويعظمه عَن التَّغَيُّر من حَال إِلَى حَال وَعَن حُلُوله
[ ٣١٠ ]
فِي الْحَوَادِث وحدوث الْحَوَادِث فِيهِ إِلَى الْكفْر والطغيان ومنَافاة أهل الْحق وَالْإِيمَان وتنَاهوا فِي قذف الْأَئِمَّة الماضين وثلب أهل الْحق وعصابة الدّين ولعنهم فِي الْجَوَامِع والمشاهد والمحافل والمساجد والأسواق والطرقات وَالْخلْوَة وَالْجَمَاعَات ثمَّ غرهم الطمع والإهمال ومدهم فِي طغيانهم الغي والضلال إِلَى الطعْن فِيمَن يعتضد بِهِ أَئِمَّة الْهدى وَهُوَ للشريعة العروة الوثقى وَجعلُوا أَفعاله الدِّينِيَّة معاصي دنية وترقوا من ذَلِك إِلَى الْقدح فِي الشَّافِعِي رَحْمَة الله عَلَيْهِ وَأَصْحَابه وَاتفقَ عود الشَّيْخ الإِمَام الأوحد أَبِي نصر ابْن الْأُسْتَاذ الإِمَام زين الْإِسْلَام أبي الْقسم الْقشيرِي رَحْمَة اللَّه عَلَيْهِ من مَكَّة حرسها اللَّه فَدَعَا النَّاس إِلَى التَّوْحِيد وَقدس الْبري عَن الْحَوَادِث والتحديد فَاسْتَجَاب لَهُ أهل التَّحْقِيق من الصُّدُور الْفَاضِل السَّادة الأماثل وتمادت الحشوية فِي ضلالتها والإصرار على جهالتها وَأَبُو إِلَّا التَّصْرِيح بِأَن المعبود ذُو قدم وأضراس ولهوات وأنَامل وَأَنه ينزل بِذَاتِهِ ويتردد على حمَار فِي صُورَة شَاب أَمْرَد بِشعر قطط وَعَلِيهِ تَاج يلمع وَفِي رجلَيْهِ نَعْلَانِ من ذهب وَحفظ ذَلِك عَنْهُم وعللوه ودونوه فِي كتبهمْ وَإِلَى الْعَوام ألقوه وَأَن هَذِهِ الْأَخْبَار لَا تَأْوِيل لَهَا وانها تجرى على ظواهرها وتعتقد كَمَا ورد لَفظهَا وانه تَعَالَى يتَكَلَّم بِصَوْت كالرعد كصهيل الْخَيل وينقمون على أهل الْحق لقَولهم إِن اللَّه تَعَالَى مَوْصُوف بِصِفَات الْجلَال منعوت بِالْعلمِ وَالْقُدْرَة والسمع وَالْبَصَر والحياة والإرادة وَالْكَلَام وهَذِهِ الصِّفَات قديمَة وانه يتعالى عَن قبُول الْحَوَادِث وَلَا يجوز تَشْبِيه ذَاته بِذَات المخلوقين وَلَا تَشْبِيه كَلَامه بِكَلَام
[ ٣١١ ]
المخلوقين وَمن الْمَشْهُور الْمَعْلُوم أَن الْأَئِمَّة الْفُقَهَاء على اخْتِلَاف مذاهبهم فِي الْفُرُوع كَانُوا يصرحون بِهَذَا الِاعْتِقَاد ويدرسونه ظَاهرا مكشوفا لأصحابهم وَمن هَاجر من الْبِلَاد إِلَيْهِم وَلم يتجاسر أحد على إِنْكَاره وَلَا تجوز متجوز بِالرَّدِّ عَلَيْهِم دون الْقدح والطعن فيهم وَإِن هَذِهِ عقيدة أَصْحَاب الشَّافِعِي رَحْمَة اللَّه عَلَيْهِ يدينون اللَّه تَعَالَى بهَا ويلقونه باعتقادها ويبرؤن إِلَيْهِ من سواهَا من غير شكّ وَلَا انحراف عَنْهَا وَمَا لهَذِهِ الْعِصَابَة مُسْتَند وَلَا للحق مغيث يعْتَمد إِلَّا اللَّه تَعَالَى ورأفة الْمجْلس السَّامِي الأجلي العالمي العادلي القوامي النظامي ارضوي أمتعه الله بحياة يَأْمَن خطوبها باسمة فَلَا يعرف قطوبها فَإِن لم ينصر مَا أظهره ويشيد مَا أسسه وعمره بِأَمْر جزم وعزم حتم يزْجر أهل الغواية عَن غيهم ويردع ذَوي الاعناد عَن بغيهم وَيَأْمُر بالمبالغة فِي تأديبهم رَجَعَ الدّين بعد تبسمه قطوبا وَعَاد الْإِسْلَام كَمَا بَدَأَ غَرِيبا وعيونهم ممتدة إِلَى الْجَواب بَنِيل المأمول وَالْمرَاد وَقُلُوبهمْ متشوفة إِلَى النُّصْرَة والإمداد فَإِن هُوَ لم ينعم النّظر فِي الْحَادِث الَّذِي طرقهم وَيصرف مُعظم هممه الْعَالِيَة إِلَى الكارث الَّذِي أزعجهم وأقلقهم ويكشف عَن الشَّرِيعَة هَذِهِ الْغُمَّة ويحسم نزعات الشَّيْطَان بَين هَذِهِ الْأمة كَانَ عَن هَذِهِ الظلامة يَوْم الْقِيَامَة مسؤولا إِذْ قد أدّيت إِلَيْهِ النصائح والأمانَات من أهل المعارف والديانَات وبرئوا من عُهْدَة مَا سَمِعُوهُ بِمَا أدوه إِلَى سَمعه العالي وبلغوه وَالْحجّة لِلَّه تَعَالَى متوجهة نَحوه بِمَا مكنه فِي شَرق الأَرْض وغربها وَبسط قدرته فِي عجمها وعربها وَجعل إِلَيْهِ الْقَبْض والإبرام واصطفاه من جَمِيع الأنَام فَمَا ترد
[ ٣١٢ ]
نواهية وأوامره وَلَا تَعْصِي مراسمه وزواجره وَالله تَعَالَى بكرمه يوفقه ويسدده وَيُؤَيّد مقاصده ويرشده وَيقف فكرته وخواطره على نصْرَة مِلَّته وتقوية دينه وشريعته بمنه ورأفته وفضله وَرَحمته
صُورَة الخطوط الْأَمر على مَا ذكر فِي هَذَا الْمحْضر من حَال الشَّيْخ الإِمَام الأوحد أَبِي نصر عبد الرَّحِيم بن عَبْدِ الْكَرِيم الْقشيرِي أَكثر اللَّه فِي أَئِمَّة الدّين مثله من عقد الْمجَالِس وَذكر الله عزوجل بِمَا يَلِيق بِهِ من توحيده وَصِفَاته وَنفى التَّشْبِيه عَنهُ وقمع المبتدعة من المجسمة والقدرية وَغَيرهم وَلم أسمع مِنْهُ غير مَذْهَب أهل الْحق من أهل السّنة وَالْجَمَاعَة وَبِه أدين الله عزوجل وأياه أعتقد وَهُوَ الَّذِي أدْركْت أَئِمَّة أصحابْنَا عَلَيْهِ واهتدي بِهِ خلق كثير من المجسمة وصاروا كلهم على مَذْهَب أهل الْحق وَلم يبْق من المبتدعة إِلَّا نفر يسير فحملهم الْحَسَد والغيظ على سبه وَسَب الشَّافِعِي وأئمة أَصْحَابه ونصار مذْهبه وَهَذَا أَمر لَا يجوز الصَّبْر عَلَيْهِ وَيتَعَيَّن على الْمولى أعز اللَّه نَصره التنكيل بِهَذَا النَّفر الْيَسِير الَّذين توَلّوا كبر هَذَا الْأَمر وطعنوا فِي الشَّافِعِي وَأَصْحَابه لِأَن اللَّه عزوجل أقدره وَهُوَ الَّذِي برأَ فِي هَذَا الْبَلَد بإعزاز هَذَا الْمَذْهَب بِمَا بَنِي فِيهِ من الْمدرسَة الَّتِي مَاتَ كل مُبْتَدع من المجسمة والقدرية غيظا مِنْهَا وَبِمَا يرْتَفع فِيهَا من الْأَصْوَات بِالدُّعَاءِ لأيامه اسْتَجَابَ اللَّه فِيهِ صَالح الْأَدْعِيَة وَمَتى أهمل نَصرهم لم يكن لَهُ عذر عِنْد الله عزوجل
وَكتب إِبْرَاهِيم بن عَليّ الفيروزأباذي
[ ٣١٣ ]
الْأَمر على ماذكر فِي هَذَا الْمحْضر من حَال الشَّيْخ الإِمَام الأوحد أَبِي نصر عبد الرَّحِيم بن عَبْدِ الْكَرِيم الْقشيرِي جمل اللَّه الْإِسْلَام بِهِ وَكثر فِي أَئِمَّة الدّين مثله من عقد الْمجَالِس وَذكر اللَّه عزوجل بِمَا وصف بِهِ نَفسه من التَّنْزِيه وَنفى التَّشْبِيه عَنهُ وقمع المبتدعة من المجسمة والقدرية وَغَيرهم وَلم نسْمع مِنْهُ غير مَذْهَب أهل الْحق من أهل السّنة وَالْجَمَاعَة وَبِه ندين الله عزوجل وَهُوَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ أَئِمَّة أصحابْنَا واهتدي بِهِ خلق كثير من المجسمة وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى فصاروا أَكْثَرهم على مَذْهَب أهل الْحق وَلم يبْق من المبتدعة إِلَّا نفر يسير فحملهم الْحَسَد والغيظ على سبه وَسَب الشَّافِعِي ﵁ ونصار مذْهبه حَتَّى ظهر ذَلِك بِمَدِينَة السَّلَام وَهَذَا الْأَمر لَا يحل الصَّبْر عَلَيْهِ وَيتَعَيَّن على من بِيَدِهِ قوام الدّين وَالنَّظَر فِي أُمُور الْمُسلمين أَن ينظر فِي هَذَا ويزيل هَذَا الْمُنكر فَإِن من يقدر على إِزَالَته ويتوقف فِيهِ يَأْثَم وَلَا نعلم الْيَوْم من جعل اللَّه سُبْحَانَهُ أَمر عباده إِلَيْهِ إِلَّا الْمولى أعز اللَّه أنصاره فَيتَعَيَّن عَلَيْهِ الْإِنْكَار على هَذِهِ الطَّائِفَة والتنكيل بهم لِأَن اللَّه سُبْحَانَهُ أقدره على ذَلِك وَهُوَ المسؤل عَنهُ غَدا إِن توقف فِيهِ وَصَارَ قصد المبتدعة أَكْثَره معاداة الْفُقَهَاء الَّذين هم سكان الْمدرسَة الميمونة فَإِنَّهُم يموتون غيظا مِنْهُم لما هم عَلَيْهِ من مذاكرة علم الشَّافِعِي وإحياء مذْهبه
وَكتب الْحُسَيْن بن مُحَمَّد الطَّبَرِيّ
الْأَمر على مَا شرح فِي صدر هَذَا الْمحْضر
وَكتب عبيد اللَّه بن سَلامَة الْكَرْخِي
[ ٣١٤ ]
الْأَمر على مَا ذكر فِي هَذَا الْمحْضر من حَال الشَّيْخ الْأَمَام الأوحد أَبِي نصر عبد الرَّحِيم بن عَبْدِ الْكَرِيم الْقشيرِي أدام اللَّه حراسته من عقد الْمجَالِس للوعظ والتذكير فِي الْمدرسَة النظامية المعمورة والرباط وَأَطْنَبَ فِي تَوْحِيد الله عزوجل والثنَاء عَلَيْهِ بِمَا يستوجبه من صِفَات الْكَمَال وتنزيهه عَن النقائص وَنفى التَّشْبِيه عَنهُ وَاسْتوْفى فِي الِاعْتِقَاد مَا هُوَ مُعْتَقد أهل السّنة بأوضح الْحجَج وَأقوى الْبَرَاهِين فَوَقع فِي النفووس كَلَامه وَمَال إِلَيْهِ الْخلق الْكثير من الْعَامَّة وَرجع جمَاعَة كَثِيرَة عَن اعْتِقَاد التجسيم والتشبيه وَاعْتَرَفت بانها لآن بَان لَهَا الْحق فحسده المبتدعة المجسمة وَغَيرهم فحملهم ذَلِك على بسط اللِّسَان فِيهِ غيظا مِنْهُ وَسَب الشَّافِعِي رَحْمَة اللَّه عَلَيْهِ وأئمة أَصْحَابه وَمن ينصرهم وتظاهروا من ذَلِك بِمَا لَا يُمكن الصَّبْر مَعَه وَيتَعَيَّن على من جعل اللَّه إِلَيْهِ أَمر الرّعية أَن يتَقَدَّم فِي ذَلِك بِمَا يحسم مَادَّة الْفساد لِأَن سَبَب ذَلِك فرط غيظهم من اجْتِمَاع شَمل الْعِصَابَة الشَّافِعِيَّة فِي الِاشْتِغَال بِالْعلمِ بعمارة الْمدرسَة الميمونة وتوفرهم على الدُّعَاء لأيام من بِهِ عزهم وَلَا عذر للتفريط فِي ذَلِك
وَكتب مُحَمَّد بن أَحْمَدَ الشَّاشِي
الْأَمر على ماذكر فِيهِ
وَكتب سعد اللَّه بن مُحَمَّد الْخَاطِب
الْأَمر على المشروح فِي هَذَا الصَّدْر من حَال الشَّيْخ الإِمَام الأوحد أَبِي نصر عبد الرَّحِيم بن عَبْدِ الْكَرِيم الْقشيرِي أَكثر اللَّه فِي أَئِمَّة أهل الْعلم مثله من عقد الْمجَالِس وَنشر الْعلم وَوصف اللَّه تَعَالَى بِمَا وصف بِهِ نَفسه من توحيده وَصِفَاته وَنفى التَّشْبِيه عَنهُ وقمع أهل الْبدع من
[ ٣١٥ ]
المجسمة والقدرية وَغَيرهم وَلم أسمع مِنْهُ عُدُولًا عَن مَذَاهِب أهل الْحق وَالسّنة وَالدّين القويم والمنهج الْمُسْتَقيم الَّذِي بِهِ يدان اللَّه تَعَالَى ويعبد وَيعْمل بِهِ ويعتقد فاهتدي بهديه خلق من الْمُخَالفين وَصَارَ إِلَى قَوْله ومعتقده جمع كثير إِلَّا من شقي بِهِ من الحاسدين فأخلدوا إِلَى ذمه وسبه وَسَب أَئِمَّة الشافعيين وقدحوا فِي الشَّافِعِي وَأَصْحَابه وصرحوا بالطعن فيهم فِي الْأَسْوَاق وعَلى رُؤُوس الأشهاد وهَذِهِ غمَّة وردة لَا يُرْجَى لكشفها بعد اللَّه تَعَالَى إِلَّا الْمجْلس السَّامِي الأجلي النظامي القوامي العادلي الرضوي أمتع اللَّه الدُّنْيَا وَالدّين بِبَقَائِهِ وحرس على الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين ظَلِيل ظله ونعمائه وَيفْعل اللَّه ذَلِك بقدرته وَطوله ومشيئته
وَكتب الْحُسَيْن ابْن أَحْمَدَ الْبَغْدَادِيّ
حضرت الْمدرسَة النظامية المنصورة المعمورة أدام اللَّه سُلْطَان إعزازها والرباط الْمُقَدّس للصوفية أجَاب اللَّه صَالح أدعيتهم فِي الْمُسلمين مجَالِس هَذَا الشَّيْخ الْأَجَل الإِمَام نَاصِر الدّين مُحي الْإِسْلَام أَبِي نصر عبد الرَّحِيم ابْن الْأُسْتَاذ الإِمَام زين الْإِسْلَام أبي الْقسم الْقشيرِي أحسن اللَّه عَن الشَّرِيعَة جزاءه فَلم أسمع مِنْهُ قطّ إِلَّا مَا يجب على كل مُكَلّف علمه وَتَصْحِيح العقيدة بِهِ من علم الْأُصُول وتنزيه الْحق ﷾ وَنفي التَّشْبِيه عَنهُ وإقماع الأباطيل والأضاليل وَإِظْهَار الْحق والصدق حَتَّى أسلم على يَدَيْهِ ببركة التَّوْحِيد والتنزيه من أَنْوَاع أهل الذِّمَّة عشرات وَرجع إِلَى الْحق وَعلم الصدْق من المبتدعة مئات وَتَبعهُ خلق غير مَحْصُور بِحَيْثُ لم يسْتَطع أحد مِمَّن تقدم أَو عُلَمَاء الْعَصْر أَن يشقوا غباره فِي مثل
[ ٣١٦ ]
ذَلِك فخامرهم الْحَسَد وعداوة الْجَهْل وَحَملهمْ على الطعْن فِيهِ عُدْوانًا وبهتانًا ثمَّ تَمَادى بهم الْجَهْل إِلَى اللَّعْن الظَّاهِر للْإِمَام الشَّافِعِي قدس اللَّه روحه وَسَائِر أَصْحَابه عجما وعربا وقائلو ذَلِك شرذمة من ناشية أغبياء المجسمة وَطَائِفَة من أرذال الحشوية استغنوا من الْإِسْلَام بِالِاسْمِ وَمن الْعلم بالرسم وتبعهم سوقة لَا نسب لَهُم وَلَا حسب وتظاهرت هَذِهِ اللَّعْنَة مِنْهُم فِي الْأَسْوَاق وَلم يستحسن أحد من أَصْحَابه كثرهم اللَّه دفع السفاهة بالسفاهة والسيئة بِالسَّيِّئَةِ وَيجب على النَّاظر فِي أُمُور الْمُسلمين من الَّذِي قد انْتَشَر فِي الْمَشَارِق والمغارب علمه وعدله وَأمره وَنَهْيه الَّذِي لطاعته نَبَات صُدُور الْأَوْلِيَاء والأعداء رَغْبَة وَرَهْبَة نصرته وَمد ضبعيه والشد على يَدَيْهِ وَتَقْدِيم كَلمته الْعليا وتدحيض كلمة أعدائه السُّفْلى فالصبر فِي الصدمة الأولى وهَذِهِ الصدمة الَّتِي كَانَت قُلُوب أَصْحَاب الشَّافِعِي كثرهم اللَّه وغرة وغلة شغله بهَا مُنْذُ سِنِين فانقشع ذَلِك وانكشف فِي هَذِهِ الْأَيَّام المؤيدة المنصورة المؤبدة النظامية القوامية العالمية العادلية نصرها لله وأعلاها وَقد وقف تَمَامه على الْأَمر الْمَاضِي الْمَنْصُور مِنْهُ فَإِن فِي شُعْبَة من شعب عنَايته ونصرته وكلمته للدّين الَّذِي مد أطراره كِفَايَة وبلاغا وعَلى الغارس تعهد غراسه فضلا وتعصبا فِي كل وَقت
وَكتب عزيزي بن عَبْدِ الْمَلِكِ فِي التَّارِيخ حامدا لِلَّه ومصليا على مُحَمَّد النَّبِي وعَلى آله وَصَحبه وَسلم وَشرف وكرم
[ ٣١٧ ]
وَمِنْهُم شيخنَا الإِمَام أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ سُلَيْمَان الْأَصْبَهَانِيّ ﵀
كَانَ أَبُوه أديبا من أهل النهروان وَأَن يعرف بابْن الْفَتى فسكن أَصْبَهَان
[ ٣١٨ ]
وَكَانَ يُؤَدب أَوْلَاد نظام الْملك وَولد لَهُ الْحسن بأصبهان فتأدب بِأَبِيهِ وتفقه على الإِمَام أَبِي بكر بن مُحَمَّدِ بْنِ ثَابت الخجندي مدرس مدرسة نظام الْملك بأصبهان وعَلى غَيره وَولى قَضَاء خوزستان ثمَّ ولى تدريس الْمدرسَة النظامية بِبَغْدَاد إِذْ كنت بهَا وَكَانَ مِمَّن يمْلَأ الْعين جمالا وَالْأُذن بيانَا ويربي على أقرانه فِي النّظر لِأَنَّهُ كَانَ أفصحهم لسانَا وَخرج عَن بَغْدَاد ثمَّ عَاد إِلَيْهَا وَقد شرع فِي عقد مجَالِس التَّذْكِير وَأَنْشَأَ الْخطب فِي التَّوْحِيد الَّتِي هُوَ فبها عدتم النظير وَظهر لَهُ الْقبُول التَّام وَلَكِن لم تمتد
[ ٣١٩ ]
لَهُ فِيهِ الْأَيَّام فورد عليَّ بعد عودي من بَغْدَاد كتاب الشريف أَبِي المعمر الْمُبَارك بن أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْأنْصَارِيّ فَذكر أَنه توفّي فِي يَوْم الِاثْنَيْنِ الْخَامِس من شَوَّال سنة خمس وَعشْرين وخمسماية
وَبَلغنِي عَن عير بِي المعمر أَنه سُئِلَ فِي بعض مجالسه عَن عَلامَة قبُول الصَّوْم فَقَالَ أَن نموت فِي شَوَّال قبل التَّلَبُّس بسيء الْأَعْمَال فَمَاتَ فِي شَوَّال بعد تأدية صَوْم شهر رَمَضَان وَأظْهر أهل بَغْدَاد عَلَيْهِ من الْجزع مَا لم يعْهَد مثله وَدفن بتربة الشَّيْخ أبي اسحق
وَمِنْهُم الشَّيْخ الإِمَام أَبُو سعيد أسعد بن أَبِي نصر بن الْفَضْلِ الْعمريّ الميهني ﵀
صَاحب التَّعْلِيق المحشو بالتحقيق المبرز فِي علم الْخلاف الْمَشْهُور فِي سَائِر الْبلدَانِ والأطراف تفقه بمرو على الشَّيْخ الإِمَام أَبِي المظفر مَنْصُور ابْن مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ السَّمْعَانِيّ المرزوي وَقَرَأَ الْأُصُول على كبر السن على شيخنَا الإِمَام أَبِي عَبْد اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْفُرَاوِيُّ ﵀ واشتغل بِخِدْمَة بعض أَسبَاب السُّلْطَان ثمَّ ولي تدريس الْمدرسَة النظامية بِبَغْدَادَ غير مرّة وعلق عَنهُ جمَاعَة من الْفُقَهَاء وانتفعوا بطريقته وَكَانَ مَشْهُورا بِحسن النّظر مَوْصُوفا بِقُوَّة الجدل وَنسخ بتعليقه سَائِر التَّعَالِيق شاهدته بِبَغْدَادَ وَلم أسمع مِنْهُ شَيْئا وَتُوفِّي بهمذان فِي سنة سبع وَعشْرين وخمسماية على مَا كتب بِهِ إليَّ أَبُو المعمر
[ ٣٢٠ ]
وَمِنْهُم شيخنَا الشريف الإِمَام أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بن يحيى ابْن حني العثماني الديباجي الْمَقْدِسِي ﵀
ولد سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة ببيروت من سَاحل دمشق وَلَقي الْفَقِيه أَبَا الْفَتْح نصر بن إِبْرَاهِيمَ الْمَقْدِسِي ﵀ بِبَيْت الْمُقَدّس وَلزِمَ صَاحبه الْقَاضِي يَحْيَى بن يَحْيَى الْمَقْدِسِي الَّذِي خَلفه فِي مدرسته بعد خُرُوجه عَن بَيت الْمُقَدّس وتفقه أَيْضا بالْقَاضِي حُسَيْن الطَّبَرِيّ نزيل مَكَّة وَسكن بَغْدَاد وَكَانَ يُفْتِي بهَا وينَاظر وَيذكر وَكَانَت مجَالِس تذكيره قَليلَة الحشو مشحونة بالفوائد على طَريقَة تذكير الْمُتَقَدِّمين وَكَانَ كَمَا كتب إِلَيْهِ بعض أهل الْفضل متمثلا فِي حَقه بقول بعض الشُّعَرَاء مبارك الطلعة ميمونها
يصلح للدنيا وللدين
كتب إليَّ الشريف أَبُو المعمر يذكر أَنه مَاتَ يَوْم الْأَحَد السَّابِع عشر من صفر سنة سبع وَعشْرين وخمسماية
وَمِنْهُم شيخنَا الْقَاضِي الإِمَام أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمد بن سَلامَة بن عُبَيْدِ اللَّه بْنِ مخلد الْمَعْرُوف بابْن الرطبي ﵀
من أهل كرخ بعقوبا تفقه بالشيخ أبي اسحق إِبْرَاهِيم بن عَليّ الشِّيرَازِيّ بشيراز ثمَّ لزم الشَّيْخ الإِمَام أَبَا بكر الشَّاشِي بعد وَفَاة الشَّيْخ أبي اسحق ورحل بأصبهان وتفقه بِالْإِمَامِ أَبِي بكر مُحَمَّد بن ثَابت بن الْحُسَيْنِ الخجندي مدرس النظامية بأصبهان وَسمع بهَا شَيْئا من الحَدِيث
[ ٣٢١ ]
وَرجع إِلَى الْعرَاق وَكَانَ يتزهد فِي ابْتِدَاء أمره ثمَّ تقدم عِنْد الْخُلَفَاء ولي قَضَاء نهر معلا بِبَغْدَادَ والحسبة وَالنَّظَر فِي الْوُقُوف وَفِي أَمر ترب الْخُلَفَاء وَالصَّلَاة بأمير المومنين المسترشد بِاللَّهِ ﵀ وتأديب وَلَده أَبِي جَعْفَر الْمَنْصُور الراشد بِاللَّهِ وَكَانَ مقدما فِي الْمعرفَة بِالْمذهبِ وَالْخلاف حسن المنَاظرة حُلْو الْعبارَة
سَمِعت الشَّيْخ أَبَا عَبْد الله الْمَقْدِسِي وَقَالَ لَهُ بعض الْفُقَهَاء لقد ظهر الْيَوْم كَلَام الْقَاضِي أَبِي الْعَبَّاس على كَلَام الشَّيْخ الإِمَام أسعد وَمَتى لم يظْهر كَلَام الْقَاضِي على كَلَامه مَاتَ لَيْلَة الِاثْنَيْنِ مستهل رَجَب سنة سبع وَعشْرين وخمسماية وَدفن فِي تربة الشَّيْخ أَبِي اسحق الشِّيرَازِيّ كتب إِلَى بذلك أَبُو المعمَّر
وَمِنْهُم شيخنَا الإِمَام أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الفراوي النَّيْسَابُورِي ﵀
حَدَّثَنِي الشَّيْخ أَبُو المحاسن عبد الرَّزَّاق بن مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نصر الطبسي بِنَيْسَابُورَ قَالَ وجدت بِخَط الإِمَام أَبِي مَسْعُود الْفضل بن أَحْمَدَ الصاعدي قَالَ حكى لي الْأَمِير أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْحسن السيمجوري القايني ﵀ يَوْم السبت سلخ رَجَب عظم اللَّه بركته سنة ثَلَاث وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة قَالَ أَنِّي كنت أول من أمس بَين النَّائم وَالْيَقظَان فَرَأَيْت كَأَنَّك حضرت عِنْدِي وَقلت لي إِن الصُّوفِيَّة جعلُوا ولدك مُحَمَّدا نَائبهم فِي عقد الْمجْلس فَكَمَا سَمِعت مِنْك هَذَا الْمقَال رَأَيْت رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسا كشبه المتكىء حاسرا عَن رَأسه وبجنبه شخص علمت أَنه عَائِشَة ﵂ ثمَّ إِن ولدك أنْشد بَين يَدي رَسُول اللَّه صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
[ ٣٢٢ ]