فصلٌ
ومن زلات المتشبهِّين بالعلماء من ذوي الجهل المركَّب فتياهم بجواز شرب الدخان الخبيث، وقد خفي على هؤلاء الأغبياء ما في شرب الدخان من المفاسد والأضرار العظيمة؛ فهو مضرٌّ بالدين، ومضرٌّ بالعقل، ومضرٌّ بالبدن، ومضرٌّ بالمال، وكل واحد من هذه المضرَّات تقتضي المنع منه وتحريمه على انفرادها؛ فكيف وقد اجتمعت هذه المضرَّات فيه؟! فهذا مما يزيد المنع منه تغليظًا وشدَّة، وقد ذكرتُ ما فيه من المضار الكثيرة في كتابي المسمى بـ «الدلائل الواضحات على تحريم المسكرات والمفترات»؛ فلتراجع هناك؛ فإن العلم بها مهم جدًا.
ومن أعظم مضارَّه أنه يكون سببًا لسوء الخاتمة، وصرف الميت عن القبلة عند الموت وفي القبر، وقد شوهد هذا من عدد كثير جدًا من المصرين على شرب الدخان إلى حين الممات، وشوهد أيضا ما وقع لبعضهم من عذاب القبر، وقد ذكرت في كتاب «الدلائل الواضحات» جملة كثيرة من القصص المزعجة التي وقعت لبعض المصرين على شرب الدخان إلى حين الممات؛ فلتراجع؛ فإن فيها عبرة للمعتبرين، وموعظة لمن أراد الله به الخير والسلامة من عذاب القبر وعذاب النار.
وقد كتب العلماء الناصحون رسائل وفتاوى كثيرة في تحريم الدخان وذكر أضراره والتحذير من سوء عاقبته على أهله، وقد ذكرتُ جملة منها في كتاب «الدلائل الواضحات» فلتراجع هناك؛ فإنها مهمَّة جدًا.
وقد دلَّ الكتاب والسنة على تحريم شرب الدخان، وعلة التحريم أنه خبيث، ومسكر، ومفتر:
[ ٧٢ ]
فأما الدليل من الكتاب؛ فهو قول الله تعالى في صفة رسوله محمد ﷺ: ﴿ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيباتِ ويُحرَّمُ عَلَيْهمُ الخَبائِثَ﴾، والدخان من الخبائث عند كل ذي عقل سليم، ومن أوضح الأدلة على خبثه ما فيه من خبث الرائحة التي تماثل رائحة العذرة أو تزيد عليها بالخبث والنتن.
وأما الأدلَّة من السنَّة؛ فهي كثيرة جدًّا:
فقد تواتر عن النبي ﷺ أنه قال: «كل مسكر حرام»، وقد جاء من الأحاديث في ذلك خمسة وعشرون حديثا.
وتواتر أيضا عن النبي ﷺ: «أنه نهى عن كل مسكر».
وقد جاء من الأحاديث في ذلك أحد عشر حديثا.
وقد ذكرتُ هذه الأحاديث في كتاب «الدلائل الواضحات»؛ فلتراجع هناك.
وقد روى: الإمام أحمد، وأبو داود؛ عن أم سلمة ﵂؛ قالت: «نهى رسول الله ﷺ عن كل مسكر ومفتِّر».
قال الزين العراقي: «إسناده صحيح».
نقله عنه المناوي في «شرح الجامع الصغير»، وصححه أيضا السيوطي في «الجامع الصغير».
وقال الشوكاني في بعض فتاواه: «هذا حديث صالح للاحتجاج به»، نقله عنه شمس الحق العظيم آبادي في «عون المعبود».
وفي هذا الحديث أوضح دليل على تحريم شرب الدخان؛ لأنه من المسكرات والمفترات:
[ ٧٣ ]
فأما إسكاره؛ فقد ثبت عن بعض الذين يشربونه أنهم سكروا منه، وأخبرني بذلك رجل عن نفسه.
وأما تفتيره؛ فهو في المدخنين أكثر من الإسكار، وقد ذكر لنا أن ذلك يحصل لبعض المدخنين إذا شربوا الدخان عند الإفطار من الصيام.
وقد ذكر العلماء لتحريم الدخان عللًا كثيرة، وقد ذكرتُها في كتاب «الدلائل الواضحات»؛ فلتراجع هناك.
وقال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: «الذي نرى فيه التحريم لعلتين: إحداهما: حصول الإسكار فيما إذا فقده شاربه مدة ثم شربه وأكثر، وإن لم يحصل إسكار؛ حصل تخدير وتفتير، وروى الإمام أحمد حديثًا مرفوعًا: أنه ﷺ نهى عن كل مسكر ومفتِّر، والعلة الثانية: أنه منتن، مستخبث عند من لم يعتده، واحتجَّ العلماء بقوله: ﴿ويُحرَّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾، وأما مَن ألفه واعتاده؛ فلا يرى خبثه؛ كالجعل لا يستخبث العذرة» انتهى كلامه.
ومن أخبث أنواع الدخان ما يسمى بالجراك والشيشة، وهو أشد نتنًا من العذرة، ومع هذا يستلذُّه المفتونون به كما يستلذُّ الجُعل تقليب العذرة بفمه وأنفه، وكما تستلذُّ الجلَّالة أكل العذرة.
ومن الخبائث التي يستطيبها كثير من السفهاء الذين أغواهم الشيطان وحبَّب إليهم الفسوق والعصيان مضغ أوراق القات، وما يسمى بالسويكة، ويسمى في البلاد اليمنية البردقان، وهو من مسحوق التبغ، وبعضهم يستعمله نشوقًا، ويسمونه الشمة.
وهذه الخبائث يحصل منها التخدير والتفتير لمن يستعملها، وربما
[ ٧٤ ]
حصل لهم السكر أو بداية السكر، وهو ما يسمونه بالتخزين، وهي داخلة في عموم الآية الدالة على تحريم الخبائث، وفي عموم الأحاديث الدالة على تحريم المسكرات والمفترات.
وقد كتب العلماء العارفون بما في هذه الخبائث من المفاسد والمضرَّات رسائل وفتاوى في تحريمها والتحذير منها، وفي الجزء الثاني عشر من «مجموع فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمهم الله تعالى» جملة من الفتاوى في تحريمها، وذكر ما فيها من المفاسد والمضرات؛ فلتراجع؛ فإنها مفيدة جدًا، وفيها كفاية لطالب الحق إن شاء الله تعالى.
[ ٧٥ ]