قال البيهقي: ورواه أحمد بن حنبل وغيره عن سفيان، وقالوا في الحديث: «لا يمنعك قضاء قضيته بالأمس راجعت فيه نفسك وهُديتَ فيه لرشدك أن تراجع الحق؛ فإن الحقَّ قديم، وإن الحق لا يبطله شيء، ومراجعة الحق خيرُ من التَّمادي في الباطل».
وروى أيضا من طريق ابن وهب؛ قال: حدثني مالك عن يحيى بن وربيعه بن عبد الرحمن؛ قالا: كان عمر بن عبد العزيز يقول: «ما من طينة أهون عليَّ فكًا، وما من كتاب أيسر عليَّ ردًّا؛ من كتاب قضيتُ به، ثم أبصرتُ أنَّ الحقَّ في غيره، ففسخته).
وروى أبو يعلى الموصلي عن مسروق؛ قال: ركب عمر بن الخطاب ﵁ منبر رسول الله ﷺ، ثم قال: «أيها الناس! ما إكثاركم في صُدُق النساء وقد كان رسول الله ﷺ وأصحابه والصَّدُقات فيما بينهم أربع مئة درهم فما دون ذلك؟ ولو كان الإكثار في ذلك تقوى عند الله أو كرامة؛ لم تسبقوهم، فلا أعرفن ما زاد رجل في صداق امرأة على أربع مئة درهم». قال: ثم نزل، فاعترضته امرأة من قريش، فقالت: يا أمير المؤمنين! نهيت الناس أن يزيدوا في مُهُر النساء على أربع مئة درهم؟ قال: «نعم». فقالت: أما سمعتَ ما أنزل الله في القرآن؟ قال: «وأي ذلك؟»، فقالت: أما سمعتَ الله يقول: ﴿وآتْيُتمْ إحْداهُنَّ قنْطارًا ﴾ الآية؟ قال: فقال: «اللهم غفرًا، كل الناس أفقه من عمر». ثم رجع، فركب المنبر، فقال: «أيها الناس! إنَّي كنتُ نهيتُكم أن تزيدوا النساء في صَدُقاتهنَّ على أربع مئة درهم، فمَن شاء أن يعطي من ماله ما أحبَّ». قال أبو يعلى: «وأظنه قال: «فمن طابت نفسه؛ فليفعل»».
قال ابن كثير: «إسناده جيِّد قوي».
[ ٤١ ]
وروى ابن المنذر عن أبي عبد الرحمن السلمي؛ قال: قال عمر بن الخطاب» «لا تغالوا في مهور النساء». فقالت امرأة: ليس ذلك لك يا عمر؛ إن الله يقول: ﴿وآتيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا مِنْ ذَهَبٍ﴾ - قال: وكذلك هي في قراءة عبد الله بن مسعود - ﴿فلا يحلُّ لكُمْ أنْ تأْخُذوا منه شيئًا﴾، فقال عمر: «إن امرأة خاصمت عمر فخَصَمَتْهُ».
وروى الزبير بن بكار عن عمه مصعب بن عبد الله عن جده؛ قال: قال عمر بن الخطاب: «لا تزيدوا في مهور النساء على أربعين أوقية، وإن كانت بنت ذي القصة - يعني: يزيد بن الحصين الحارثي -، فمَن زاد؛ ألقيت الزيادة في بيت المال»، فقالت امرأة من صُفَّة النساء طويلة في أنفها فطس: ما ذاك لك، قال: «ولِمَ؟»، قالت: إنَّ الله قال: ﴿وآتيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا فلا تأْخُذوا منه شيئًا﴾، فقال عمر: «امرأة أصابت، ورجل أخطأ».
وقد رواه عبد البر في كتابه «جامع بيان العلم وفضله» بنحوه.
فليتأمل المصرون على الأخطاء في الفتيا ما جاء عن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ في الحث على مراجعة الحق إذا تبيَّن، وقوله: «إن مراجعة الحق خير من التَّمادي في الباطل».
وليتأملوا أيضًا ما ثبت عنه من الرجوع إلى قول المرأة في جواز الإكثار من الصداق، واعترافه بإصابة المرأة وخطئه، وهذا من تواضعه وإنصافه من نفسه وتلقيه للحق ممَّن جاء به من ذكر أو أنثى، وتعظيمه لما جاء عن الله تعالى.
وهذا بخلاف حال بعض المفتين في زماننا؛ فإنهم يأنفون من الرجوع عن أخطائهم في الفتاوى، ويرون في ذلك غضاضة عليهم، وهذا أمر خطير جدًّا، ويخشى على فاعله أن يُصاب بالزيغ والضلال؛ لأن الله
[ ٤٢ ]