فصلٌ
ومن أعظم الأمور خطرًا: الإفتاء بالآراء المخالفة للكتاب والسنة، وهذا مما وقع فيه كثير من المنتسبين إلى العلم قديمًا وحديثًا، وما أكثرهم في زماننا، كفانا الله وجميع المسلمين من شرهم ومن شر فتاويهم.
وقد أخبر النبي ﷺ عن هذا الصنف من الناس فيما رواه: الإمام أحمد، والبخاري، ومسلم، والترمذي، وابن ماجه، والدارمي؛ عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبْق عالمًا؛ اتَّخَذَ الناسُ رؤساء جهالًا، فسُئلوا؟ فأفتوا بغير علم، فضلُّوا وأضلوا».
قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح، وقد روى هذا الحديث الزهري عن عروة عن عبد الله بن عمرو، وعن عروة عن عائشة عن النبي ﷺ مثل هذا».
وقال البخاري في «كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة» من «صحيحه»: «باب ما يذكر من ذم الرأي وتكلُّف القياس): «﴿وَلا تَقْفُ﴾: لا تقل، ﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِه عِلْمَ﴾».
ثم روى عن عروة؛ قال: «حجَّ علينا عبد الله بن عمرو، فسمعته يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: «إن الله لا ينزع العلم بعد أن أعطاكموه انتزاعًا، ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم، فيبقى ناسٌ جهَّالٌ، يستفتون فيفتون برأيهم، فيَضلُّون ويُضلُّون»، فحدثت به عائشة زوج النبي ﷺ، ثم إن عبد الله بن عمرو حج بعدُ، فقالت: يا ابن أختي! انطلق إلى
[ ٣٠ ]
عبد الله، فاستثبت لي منه الذي حدَّثتني عنه، فجئتُه، فسألتُه، فحدَّثني به كنحو ما حدَّثني، فأتيت عائشة، فأخبرتها، فعجبتْ فقالت: والله؛ لقد حفظ عبد الله بن عمرو»، وقد رواه مسلم بنحوه.
وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ نحو حديث عبد الله ابن عمرو ﵄.
رواه الطبراني في «الأوسط»، قال الهيثمي: «وفيه عبد الله بن صالح كاتب الليث، وهو ضعيف، وقد وُثِّق».
قلت: يشهد لحديثه ما تقدَّم قبله عن عبد الله بن عمرو ﵄.
وعن عائشة ﵂ عن رسول الله ﷺ نحو حديث عبد الله ابن عمرو ﵄.
رواه البزار، قال الهيثمي: «وفيه عبد الله بن صالح كاتب الليث، وهو ضعيف، ووثقه عبد الملك بن شعيب بن الليث».
قلت: يشهد لحديثها ما تقدَّم من حديث عبد الله بن عمرو ﵄.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁: أنه قال: «لا يأتي عليكم عامٌ إلا وهو شر من الذي كان قبله، أما إني لست أعني عامًا أخصب من عام، ولا أميرا خيرًا من أمير، ولكن علماؤكم وخياركم يذهبون، ثم لا تجدون منهم خَلَفًا، ويجيء قوم يقيسون الأمور بآرائهم، فيهدم الإسلام ويُثْلم».
رواه: الدارمي، وابن وضاح، وابن عبد البر.
[ ٣١ ]