فمن ذلك ما رواه ابن عبد البر في كتابه «جامع بيان العلم وفضله» عن محمد بن كعب القرظي؛ قال: «سأل رجلٌ عليًّا ﵁ عن مسألة؟ فقال فيها، فقال الرجل: ليس كذلك يا أمير المؤمنين! ولكنْ كذا وكذا. فقال عليٌ ﵁: أصبت وأخطأت، ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَليمُ﴾.
ومن ذلك ما ذكره ابن عبد البر عن سفيان بن عيينة عن ابن أبي حسين؛ قال: «اختلف ابن عباس وزيد بن ثابت في الحائض تنفر؟ فقال زيد: لا تنفر حتى يكون آخر عهدها الطواف بالبيت، فقال ابن عباس لزيد: سَلْ نُسَيَّاتك (١) أم سليمان وصويحباتها، فذهب زيد، فسألهنَّ، ثم جاء وهو يضحك، فقال: القولُ ما قلت».
ومن ذلك ما رواه ابن عبد البر عن عبد الرحمن بن مهدي؛ قال: «ذاكراتُ عبيد الله بن الحسن القاضي بحديث وهو يومئذٍ قاضٍ، فخالفني فيه، فدخلتُ عليه وعنده الناس سماطين، فقال لي: ذلك الحديث كما قلتَ أنتَ، وأرجع أنا صاغرًا».
وقد روى هذه القصة الخطيب البغدادي في «تاريخه» بإسناده إلى عبد الرحمن بن مهدي؛ قال: «كنا في جنازة فيها عبيد الله بن الحسن، وهو
_________________
(١) النسيات: تصغير نسوة، قال في (لسان العرب): تصغير نسوة: نُسَيَّة، ويقال: نُسيَّات، وهو تصغير الجمع).
[ ٤٤ ]
على القضاء، فلمَّا وضع السرير؛ جلس، وجلس الناس حوله»، قال: «فسألته عن مسألة، فغلط فيها، فقلت: أصلحك الله، القول في هذه المسألة كذا وكذا؛ إلا إني لم أرد هذه، إنما أردت أن أرفعك إلى ما هو أكبر منها، فأطرق ساعة، ثم رفع رأسه، فقال: إذًا أرجع وأنا صاغر، إذًا أرجع وأنا صاغر؛ لأن أكون ذَنَبًا في الحق أحبُّ إليَّ من أن أكون رأسًا في الباطل».
قال ابن عبد البر: وأخبرني غير واحد عن أبي محمد قاسم بن أصبغ؛ قال: «لما رحلت إلى المشرق؛ نزلت القيروان، فأخذت على بكر بن حماد حديث مسدَّد، ثم رحلت إلى بغداد ولقيتُ الناس، فلما انصرفتُ؛ عدتُ إليه لتمام حديث مسدَّد، فقرأتُ عليه فيه يومًا حديث النبي ﷺ: «أنه قدم عليه قومٌ من مُضر مجتابي النِّمار»، فقال لي: إنَّما هو مجتابي الثمار، فقلت له: إنما مجتابي النِّمار؛ هكذا قرأته على كل من قرأت عليه بالأندلس وبالعراق، فقال لي: بدخولك العراق تعارضنا وتفخر علينا! أو نحو هذا، ثم قال لي: قم بنا إلى ذلك الشيخ - لشيخ كان بالمسجد -؛ فإن له بمثل هذا علمًا، فقمنا إليه، وسألناه عن ذلك؟ فقال: إنما هو مجتابي النِّمار كما قلتَ، وهم قوم كانوا يلبسون الثياب مشقَّقة جيوبهم أمامهم، والنمار جمع نمرة، فقال بكر بن حماد - وأخذ أنفه -: رغم أنفي للحق، رغم أنفي للحق، وانصرف».
ومن ذلك ما جاء في قصة عجيبة في التواضع والاعتراف بالخطأ على رؤوس الملأ، وبالفضل لمن حصل منه التنبيه على الخطأ، وقد ذكر هذه القصة الشيخ محمد بن يوسف الكافي التونسي في كتابه «المسائل الكافية»، فقال ما نصه:
[ ٤٥ ]
«المسألة السابعة والخمسون»: ينبغي لأهل الفضل أن يقدروا قدر من له قدر، ويعرفوا الفضل لأهله، ولا يبخسوا الناس مقاماتهم، ويترفَّعوا عليهم بالإفك والبهتان، انظر هذه المسألة، وتأمَّل فيها؛ تعرف الفرق بين أهل زماننا وبين من مضى زمنهم.
قال العلامة ابن العربي في «أحكامه»: أخبرني محمد بن قاسم العثماني غير مرة، قال: وصلت الفسطاط، فجئت مجلس أبي الفضل الجوهري، فكان ممَّا قال: إنَّ النبيَّ ﷺ طلق وظاهر وآلى]. فلما خرج؛ تبعته حتى بلغ منزله في جماعة، فجلس معنا في الدهليز، وعرفهم غيري؛ فإنه رأى شارة الغربة، فلما انفضَّ عنه أكثرهم؛ قال لي: أراك غريبًا، هل لك من كلام؟ قلت: نعم؛ قال لجلسائه: أفرجوا له عن كلامه، فقاموا، فقلتُ له: حضرتُ المجلس متبركًا بك، وسمعتُك تقول: «آلى رسول الله ﷺ»، وصدقت، و«طلَّق»، وصدقت، و«ظاهر»، ولم يكن، ولا يصح أن يكون؛ لأن الظهار منكر من القول، وزور، وذلك لا يجوز أن يقع من النبي ﷺ، فضمَّني إلى نفسه، وقبَّل رأسي، وقال: أنا تائب من ذلك، جزاك الله من معلم خيرًا.
ثم انقلبتُ عنه، وبكرتُ في الغد إليه، فألفيتُه قد جلس على المنبر، فلما دخلتُ الجامع ورآني؛ ناداني بأعلى صوته: مرحبًا بمعلمي، أفسحوا لمعلِّمي، فتطاولت الأعناق إليَّ، وتحدَّقت الأبصار نحوي، وتعرفُني يا أبا بكر «يشير إلى عظيم حيائه؛ فإنه كان إذا سلم عليه أحدٌ أو فاجأه بكلام؛ خجل، واحمرَّ كأن وجهه طلي بجلنار (١)».
قال: وتبادر الناس إليَّ يرفعونني على الأيدي، ويتدافعونني، حتى
_________________
(١) قال في (القاموس): (الجُلَّنار بضم الجيم وفتح اللام المشددة: زهر الرمان).
[ ٤٦ ]