فصلٌ
وقد كان السلف الصالح يكرهون السؤال عمَّا لم يقع، ويمتنعون من الإفتاء فيه، وبعضهم يشدِّد في ذلك وينهى عنه، وقد جاء عنهم في ذلك آثار كثيرة؛ منها:
ما رواه الدارمي: «أن رجلًا جاء إلى ابن عمر ﵄، فسأله عن شيء؟ فقال له ابن عمر ﵄: لا تسأل عمَّا لم يكن؛ فإني سمعتُ عمر بن الخطاب يلعن مَن سأل عمَّا لم يكن».
وقد رواه ابن عبد البر من طريقين عن ابن عمر ﵄: أنه قال: «لا تسألوا عمَّا لم يكن؛ فإني سمعتُ عمر يلعن مَن سأل عمَّا لم يكن».
وروى ابن عبد البر أيضا عن طاووس؛ قال: قال عمر ﵁: «إَّنه لا يحلُّ لأحد أن يسأل عمَّا لم يكن، إن الله ﵎ قد قضى فيما هو كائن».
وروى الدارمي وابن عبد البر عن طاووس؛ قال: قال عمر بن الخطاب وهو على المنبر: «أحرج بالله على كل امرئ سأل عن شيء لم يكن؛ فإن الله قد بيَّن ما هو كائن».
وروى الإمام أحمد من رواية ليث عن طاووس عن ابن عمر ﵄؛ قال: «لا تسألوا عمَّا لم يكن؛ فإني سمعتُ عمر ينهى أن يسأل عمَّا لم يكن».
وروى ابن عبد البر عن مسروق؛ قال: «سألت أبي بن كعب عن
[ ٢٣ ]
مسألة؟ فقال: أكانت هذه بعدُ؟ قلت: لا، قال: فأجمنَّي (١) حتى تكون».
وروى الدارمي عن عامر - وهو الشعبي -؛ قال: «سُئل عمَّار بن ياسر ﵁ عن مسألة؟ فقال: هل كان هذا بعد؟ قالوا: لا، قال: دعونا حتى تكون، فإذا كانت؛ تجشَّمناها (٢) لكم».
وروي أيضًا عن الزهري؛ قال: «بلغنا أن زيد بن ثابت الأنصاري ﵁ كان يقول إذا سُئل عن الأمر: أكان هذا؟ فإن قالوا: نعم قد كان؛ حدَّث فيه بالذي يعلم والذي يرى، وإن قالوا: لم يكن؛ قال: فذروه حتى يكون».
وروى ابن عبد البر عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه: «أنه كان لا يقول برأيه في شيء يُسأل عنه حتى يقول: أنزل أم لا؟ فإن لم يكن نزل؛ لم يقل فيه، وإن يكن وقع؛ تكلَّم فيه».
قال: «وكان إذا سُئل عن مسألة يقول: أوقَعَت؟ فيقال له: يا أبا سعيد! ما وقعت، ولكنَّا نُعِدُّها، فيقول: دعوها، فإن كانت وقعت؛ أخبرهم».
وروى أيضا عن موسى بن علي عن أبيه؛ قال: «كان زيد بن ثابت إذا سأله إنسان عن شيء؛ قال: آلله؟ أكان هذه؟ فإن قال: نعم، نظر، وإلا؛ لم يتكلَّم».
وروى أيضا عن عامر - وهو الشعبي -؛ قال: «أتى زيد بن ثابت قوم، فسألوه عن أشياء؟ فأخبرهم بها، فكتبوها، ثم قالوا: لو أخبرناه»، قال: «فأتوه، فأخبروه، فقال: عذرًا؛ لعل كل شيء حدثتكم به خطأ، إنما
_________________
(١) أي: ارحمني، قال في (لسان العرب): (الجَمام بالفتح: الراحة).
(٢) التجشم: التكلف، قال في (لسان العرب): (تجشمته: إذا تكلفته).
[ ٢٤ ]
اجتهدت لكم رأيي».
وروى الدارمي عن عامر؛ قال: «استفتى رجل أبي بن كعب، فقال: يا أبا المنذر! ما تقول في كذا وكذا؟ قال: يا بني! أكان الذي سألتني عنه؟ قال: لا، قال: أمَّا لا؛ فأجِّلني حتى يكون، فنعالج حتى نخبرك».
وروى أيضا عن مسروق؛ قال: «كنت أمشي مع أبي بن كعب، فقال فتى: ما تقول يا عمَّاه كذا وكذا؟ قال: يا ابن أخي! أكان هذا؟ قال: لا، قال: فأعفنا حتى يكون».
وروى أيضا عن عمرو بن ميمون عن أبيه عن ابن عباس؛ قال: «سألته عن رجل أدركه رمضانان؟ فقال: أكان أو لم يكن؟ قال: لم يكن بعدُ، قال: اترك بليَّة حتى تنزل، قال: فدلسنا له رجلا، فقال: قد كان، فقال: يطعم عن الأول منهما ثلاثين مسكينا لكل يوم مسكين».
وروى أيضًا عن عبيد بن جريج؛ قال: «كنت أجلس بمكة إلى ابن عمر يومًا وإلى ابن عباس يومًا، فما يقول ابن عمر فيما يُسأل: لا علم لي: أكثر مما يفتي به».
وروى أيضا عن الصلت بن راشد؛ قال: «سألت طاووسًا عن مسألة؟ فقال: كان هذا، قلت: نعم، قال: آلله؟ قلت: آلله، ثم قال: إن أصحابنا أخبرونا عن معاذ بن جبل أنه قال: يا أيها الناس! لا تعجلوا بالبلاء قبل نزوله فيذهب بكم هنا وهنا؛ فإنكم إن لم تعجلوا بالبلاء قبل نزوله؛ لم ينفك المسلمون أن يكون فيهم مَن إذا سُئل سُدِّد، وإذا قال وُفِّق».
وقد رواه ابن عبد البر في كتاب «جامع بيان العلم وفضله» مرفوعًا إلى النبي ﷺ، ورجاله ثقات؛ إلا أنه مرسل؛ فإن طاووسًا لم يدرك معاذ بن
[ ٢٥ ]
جبل ﵁.
وروى ابن عبد البر أيضا عن زيد بن أبي حبيب: «أن عبد الملك بن مروان سأل ابن شهاب عن شيء؟ فقال له ابن شهاب: أكان هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: لا، قال: فدعه؛ فإنه إذا كان؛ أتى الله بفرج».
وروى الحاكم في «تاريخه» عن عكرمة؛ قال: قال لي ابن عباس ﵄: «انطلق؛ فأفت الناس، فمن سألك عمَّا يعنيه؟ فأفته، ومَن سألك عمَّا لا يعنيه؛ فلا تفته؛ فإنك تطرح عن نفسك ثلثي مؤنة الناس».
وقد ذكر ابن مفلح في «الآداب الشرعية» عن الشافعي أنه احتجَّ على كراهة السؤال عن الشيء قبل وقوعه بقول الله تعالى: ﴿يا أَيُّها الَّذين اَمنُوا لاَ تَسْأَلوا عَنْ أَشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ﴾ الآية، وبما جاء في حديث اللعان: أن رسول الله ﷺ كره المسائل وعابها، وبما في «الصحيحين» عن المغيرة بن شعبة ﵁: أن رسول الله ﷺ «كان ينهى عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال».
قال: وقال البيهقي في كتاب «المدخل»: «كره السلف السؤال عن المسألة قبل كونها إذا لم يكن فيها كتاب ولا سنة» انتهى.
وروى ابن عبد البر عن عمر ﵁: أنه كان يقول: «إياكم وهذه العضل؛ فإنها إذا نزلت؛ بعث الله لها من يقيمها ويفسرها».
قلت: ما ذكر في هذا الفصل من كراهة السؤال عمَّا لم يقع، والنهي عنه، والتشديد فيه، قد خالفه بعض طلاب العلم في زماننا، فتجد أحدهم يجمع المسائل الكثيرة من غرائب المسائل وصعابها، ومن الأشياء التي لم
[ ٢٦ ]
تقع، ثم يدور بها على العلماء والمنتسبين إلى العلم ليستزلهم ويأخذ بزلاتهم فيها.
وهؤلاء قد ارتكبوا ما نهى عنه رسول الله ﷺ من كثرة السؤال، وما نهى عنه عمر بن الخطاب ﵁، وشدَّد فيه، من السؤال عما لم يكن.
وينبغي للعلماء أن يحذروا من هؤلاء المتعمِّقين، ولا يسترسلوا معهم في الإجابة عن الأشياء التي لم تقع.
وقد قال الإمام أحمد في رواية ابن منصور: «لا ينبغي أن يُجيب في كل ما يستفتى».
ذكره ابن مفلح في «الآداب الشرعية»؛ قال: «وصح عن مالك أنه قال: ذل وإهانة للعلم أن تجيب كل من سألك».
وذَكَر عن الحسن البصري أنه قال: «شرار عباد الله ينتقون شرار المسائل يُعَمُّونَ بها عباد الله».
وقال مالك: «قال رجل للشعبي: إني خبأت لك مسائل، قال: اخبأها لإبليس حتى تلقاه فتسأله عنها».
وقال مالك: «العلم والحكمة نور يهدي الله به من يشاء، وليس بكثرة المسائل».
[ ٢٧ ]