وروى ابن عبد البر أيضا من طريق الإمام أحمد؛ قال: حدثني محمد بن إدريس الشافعي؛ قال: سمعت مالك بن أنس يقول: سمعت ابن عجلان يقول: «إذا أغفل العالم: لا أدري؛ أصيبت مقاتله».
قال ابن عبد البر: «وقال أبو الدرداء: قول الرجل فيما لا يعلم: لا أعلم: نصف العلم».
وذكر ابن مفلح في «الآداب الشرعية» عن الشعبي: أنه قال: «لا أدري: نصف العلم».
قال: وبإسناد حسن عن علي بن أبي طالب ﵁: أنه قال: «من علم الرجل أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم؛ لأن الله ﷿ قال لرسوله ﵊: ﴿قُلْ ما أسْألُكُمْ عَلَيْه مِنْ أجْر ومَا أنا مِنَ المُتَكَلِّفينَ﴾.
قال: وصح عن ابن عمر ﵄: أنه قال: «العلم ثلاثة: كتاب ناطق، وسنة ماضية، ولا أدري».
قال: وقال أحمد في رواية المروذي: «ليس كل شيء ينبغي أن يُتكَلَّم فيه، وذكر أحاديث النبي ﷺ وكان يُسأل؟ فيقول: «لا أدري، حتى أسأل جبريل»».
قال: وقال عبد الله: سمعت أبي يقول: «كان سفيان لا يكاد يفتي في الطلاق، ويقول: مَن يحسن ذا؟ مَن يحس ذا؟».
وقال في رواية أبي الحارث: «وددت أنه لا يسألني أحدٌ عن مسألة، وما شيء أشدّ عليَّ من أن أسأل عن هذه المسائل، البلاء يخرجه الرجل عن عُنُقه ويقلِّدك، وخاصة مسائل الطلاق والفروج».
[ ١٧ ]
وقال سفيان: «من فتنة الرجل إذا كان فقيها أن يكون الكلام أحب إليه من السكوت».
وقال المروذي: «قلت لأبي عبد الله: إن العالم يظنُّونه عنده علم كل شيء فقال: قال ابن مسعود ﵁: «إن الذي يفتي الناس في كل ما يستفتونه لمجنون»، وأنكر أبو عبد الله على من يتهجَّم في المسائل والجوابات.
وسمعت أبا عبد الله يقول: «ليتَّقِ الله عبدٌ ولينظر ما يقول وما يتكلَّم به؛ فإنه مسؤول».
وقال: «مَن أفتى الناس ليس ينبغي أن يحمل الناس على مذهبه ويشدِّد عليهم».
وقال في رواية ابن القاسم: «إنما ينبغي أن يؤمر الناس بالأمر البيِّن الذي لا شكَّ فيه، وليت الناس إذا أمروا بالشيء الصحيح أن لا يجاوزوه».
ونقل محمد بن أبي طاهر عنه: أنه سُئل عن مسألة في الطلاق؟ فقال: «سل غيري، ليس لي أفتي في الطلاق بشيء».
وقال في رواية ابن منصور: «لا ينبغي أن يجيب في كل ما يُستفتى».
وصحَّ عن مالك: أنه قال: «ذلّ وإهانة للعلم أن تجيب كل مَن سألك».
وقال أيضا: «كل مَن أخبر الناس بكل ما يسمع فهو مجنون».
وقال أحمد في رواية أحمد بن علي الأبَّار: وقال له رجل: حلفتُ بيمين لا أدري إيش هي؟ قال: «ليت أنك إذا دريت دِريتُ أنا».
[ ١٨ ]
وقال في رواية الأثرم: «إذا هاب الرجل شيئًا؛ فلا ينبغي أن يُحمل على أن يقول».
وقال في رواية المروذي: «إن الذي يفتي الناس يتقلَّد أمرًا عظيمًا، أو قال: يقدم على أمر عظيم، ينبغي لمَن أفتى أن يكون عالمًا بقول من تقدَّم، وإلا؛ فلا يفتي».
وقال في رواية الميموني: «مَن تكلَّم في شيء ليس له فيه إمام؛ أخافُ عليه الخطأ».
وسأله إسحاق بن إبراهيم عن الحديث الذي جاء: «أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار»؛ ما معناه؟ قال أبو عبد الله: «يفتي بما لم يسمع».
وقال محمد بن أبي حرب: سمعت أبا عبد الله وسُئل عن الرجل يفتي بغير علم؟ قال: «يروى عن أبي موسى؛ قال: يمرق من دينه».
وقال ابن مفلح: قال الزهري عن خالد بن أسلم أخي زيد بن أسلم؛ قال: «كنا مع ابن عمر ﵄، فسأله أعرابي: أترث العمة؟ فقال: لا أدري، قال: أنت لا تدري؟! قال: نعم؛ اذهب إلى العلماء فاسألهم، فلما أدبر الرجل قبَّل ابن عمر يده، فقال: نِعِمَّا قال أبو عبد الرحمن، سُئل عمَّا لا يدري؟ فقال: لا أدري».
وقال أبو حصين عثمان بم عاصم: «إن أحدهم ليفتي في المسألة، ولو وردت على عمر؛ لجمع لها أهل بدر».
وقال القاسم وابن سيرين: «لأن يموت الرجل جاهلًا خير له من أن يقول ما لا يعلم».
[ ١٩ ]
وقال مالك عن القاسم بن محمد: «إن من إكرام المرء لنفسه أن لا يقول إلا ما أحاط به علمه».
وقال عبد الرزاق: عن معمر؛ قال: «سأل رجل عمرو بن دينار عن مسألة؟ فلم يجبه، فقال الرجل: إن في نفسي منها شيئا؛ فأجبني، فقال: إن يكن في نفسك منها مثل أبي قبيس أحب إليًّ أن يكون في نفسي منها مثل الشعرة».
وقال ابن مهدي: «سأل رجل مالك بن أنس عن مسألة؟ فطال ترداده إليه فيها، وألحَّ عليه، فقال: ما شاء الله يا هذا! إني لم أتكلَّم إلا فيما أحتسب فيه الخير، ولست أحسن مسألتك هذه».
وقال ابن وهب: سمعت مالكًا يقول: «العجلة في الفتوى نوع من الجهل والخُرْق (١)، وكان يقُال: التأني في الله، والعجلة من الشيطان».
قال ابن مفلح: وإن كان مَن يفتي يعلم من نفسه أنه ليس أهلا للفتوى؛ لفوات شرط، أو وجود مانع، ولا يعلم الناس ذلك منه؛ فإنه يحرم إفتاء الناس في هذه الحال بلا إشكال، فهو يسارع إلى ما يحرم، ولا سيَّما إن كان الحامل ذلك غرض الدنيا - وأما السلف؛ فكانوا يتركون ذلك خوفًا، ولعل غيره يكفيه، وقد يكون أدنى؛ لوجود من هو أولى منه.
قال ابن معين: «الذي يحدث بالبلدة وبها مَن هو أولى منه بالحديث فهو أحمق».
وقال مالك: «ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك».
_________________
(١) قال ابن الأثير في (النهاية) وابن منظور في (لسان العرب): (الخُرق بالضم: الجهل والحمق).
[ ٢٠ ]
وقال ابن عيينة وسحنون: «أجسر الناس على الفتيا أقلهم علما».
قال سحنون: «أشقى الناس من باع آخرته بدنيا غيره».
وقال سفيان: «أدركت الفقهاء وهم يكرهون أن يجيبوا في المسائل والفتيا حتى لا يجدوا بدًّا من أن يفتوا».
وقال: «أعلم الناس بالفتيا أسكتهم عنها، وأجهلهم بها أنطقهم فيها».
وبكى ربيعة، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: «استفتي مَن لا علم له، وظهر في الإسلام أمر عظيم».
وقال: «ولَبَعْضُ مَن يفتي ها هنا أحقُّ بالسجن من السرَّاق».
وذكر الحافظ ابن حجر في «تهذيب التهذيب» عن عبد العزيز بن أبي سلمة - يعني: الماجشون -؛ قال: «قلت لربيعة في مرضه الذي مات فيه: إنا قد تعلَّمنا منك، وربما جاءنا من يستفتينا في الشيء لم نسمع فيه شيئا، فترى أن رأينا خير له من رأيه لنفسه فنفتيه؟ قال: فقال: أقعدوني. ثم قال: ويحك يا عبد العزيز! لأن تموت جاهلًا خير من أن تقول في شيء بغير علم، لا، لا «ثلاث مرات».
فليتأمل المتسرعون إلى الفتيا بغير علم ما ذكرته في هذا الفصل والفصل الذي قبله من أقوال الصحابة والتابعين ومَن بعدهم من أكابر العلماء في التشديد في الفتيا بغير علم، ولا يأمنوا أن يكون لهم نصيب وافر من الإثم على فتاويهم الخاطئة.
ولا يأنف العاقل أن يقول فيما لا يعلمه: لا أعلم هذا، أو يقول: لا
[ ٢١ ]
أدري؛ فقد تقدَّم عن أبي الدرداء والشعبي أن هذه الكلمة نصف العلم.
وللعاقل أسوة حسنة في رسول الله ﷺ؛ فقد تقدَّم أنه كان يُسأل عن الشيء؟ فلا يجيب حتى يأتيه الوحي، وتقدَّم أيضا أنه كان يُسأل؟ فيقول: «لا أدري حتى أسأل جبريل».
وللعاقل أيضا أسوة بأبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ﵃؛ فقد تقدَّم عنهم أنهم كانوا يتورَّعون عن الفتيا بغير علم.
وكذلك له أسوة بمن تقدم ذكرهم من الصحابة والتابعين الذين قد ثبت عنهم أنهم كانوا يمتنعون من الفتيا بغير علم، ولا يأنفون من قول: لا أعلم هذا، أو: لا أدري، ولا يرون بذلك بأسا ولا غضاضة عليهم.
ولقد أحسن الراجز حيث يقول:
وكُلُّ خَيْرٍ فِي اتِّباع مَن سَلَفْ وكُلُّ شَرّ في ابْتداعِ مَنْ خَلَفْ
[ ٢٢ ]