فصلٌ
ومن أعظم الزلات وأشدها خطرًا ونكاية في المسلمين فتوى بعض المنتسبين إلى العلم في زماننا بجواز سفور النساء وخلعهن جلباب الحياء.
وهذه الزلَّة من أعظم هوادم الإسلام كما لا يخفى على ذوي الإيمان والعقول السليمة، وقد افتتن بها كثير من ضعفاء العقول والدين من الرجال والنساء في زماننا، وجعلها كثير من النساء ذريعة إلى التبرُّج ومخالطة الرجال الأجانب ومجالستهم ومحادثتهم والخلوة معهم في أماكن الريبة والسفر معهم بدون محرم.
وقد جاء في عدة أحاديث أن رسول الله ﷺ قال: «لتنقضنَّ عُرى الإسلام عروة عروة».
رواه: الإمام أحمد، وابنه عبد الله في كتاب «السنة»، والطبراني؛ بأسانيد صحيحة.
وابن حبان في «صحيحه»، والحاكم في «مستدركه»؛ من حديث أبي أمامة الباهلي ﵁.
ورواه الإمام أحمد أيضًا من حديث فيروز الديلمي ﵁، ورجاله ثقات.
ورواه ابن أبي الدنيا من حديث ابن عمر ﵄.
ومن عرى الإسلام التي قام بنقضها كثير من ضعفاء العقول والدين في زماننا وقبله بزمان قريب حجاب المرأة عن الرجال الأجانب، وقد تشبَّثوا في هذه الفتيا الجائرة بالشبه وتأويل الآيات والأحاديث على غير تأويلها، فضلُّوا وأضلُّوا، وفتحوا باب التبرُّج والسُّفور على مصراعيه، وجرَّؤوا النساء
[ ٥٨ ]
على التهتك والأفعال الذميمة التي تقدَّم ذكرها، ولم يبالوا بما يترتَّب على هذه الضلالة من حمل الأوزار والآثام التي تفعلها النساء اللاتي يعتمدن على فتاويهم الباطلة.
وقد قال الله تعالى: ﴿لِيَحْمِلوا أوْزارَهُمْ كَامِلَة يَوْمَ القِيامَةِ ومِنْ أوْزارِ الَّذينَ يُضلُّونهّمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزرونَ﴾.
وثبت عن النبي ﷺ: أنه قال: «مَن دعا إلى هدى؛ كان له من الأجر مثل أجور مَن تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومَن دعا إلى ضلالة؛ كان عليه من الإثم مثل آثام مَن تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا».
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وأهل «السنن»؛ من حديث أبي هريرة ﵁.
وقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح».
قال النووي: «سواء كان ذلك الهدى والضلالة هو الذي ابتدأه أم كان مسبوقًا إليه».
وقد تقدَّم في أول الكتاب حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ: أنه قال: «مَن أُفْتِي بفتيا غير ثَبَت؛ فإنما إثمه على مَن أفتاه».
وقد تصدَّى للردِّ على المبيحين للسفور كثيرٌ من العلماء في زماننا، وكتبوا في ذلك رسائل كثيرة، فجزاهم الله خير الجزاء، وضاعف لهم الثواب.
ومن أحسن ما رأيته من الردود على المبيحين للسفور والمفتين بجوازه ما جاء في التعليق على صفحتي ٩٣ - ٩٤ من الجزء السادس من «الكامل في التاريخ»؛ فقد ذكر في هذا التعليق قصة عجيبة وقعت في حوادث سنة
[ ٥٩ ]