فصلٌ
ومن زلات المتسرِّعين إلى الفتيا: فتياهم بجواز استعمال حُقَن الدواء في رمضان.
ومن المعلوم عند ذوي العقول السليمة أن الدواء الذي يصل إلى الجسم من طريق الحقن يسري إلى جميع أجزاء الجسم، وسواء كان استعمال الحُقَن في العروق أو في العضلات.
وقد استعملت بعض الحقن، فأحسست بوصول الدواء إلى جميع بدني، وخصوصًا ما يكون فيه حرارة أو رائحة غريبة؛ فقد أحسست بوصول الحرارة إلى جميع بدني مرارًا كثيرة، وأحسست بالرائحة الغريبة في أنفي حين مرَّ الدواء على عروق الأنف مرارًا كثيرة، ومَن شكَّ في سريان الدواء من الحُقَن إلى جميع البدن؛ فلا شكَّ أنه جاهل بمفعول الحُقَن وشدَّة سريانه في الأبدان، وما كان بهذه الصفة فلا شكَّ في تفطيره للصائم.
وأيضًا؛ فإن الدواء الذي في الحُقَن لا بدَّ أن يكون محلولًا بالماء المعقَّم، ولا يمكن سريان الدواء في البدن إلا بما يجعل معه من الماء المعقَّم، والماء من المفطرات، ولو كان قليلًا جدًا، وبهذا يتَّضح أن استعمال الحُقن يفطر الصائم؛ لأنه لا بدَّ أن يدخل في جسمه شيء من الماء الذي يسري في جميع الجسم، ويختلط باللحم والدم.
وأيضًا؛ فإن المريض الذي لا يقدر على الأكل والشرب، أو يكون ممنوعًا منهما، أو من أحدهما، لعارض يقتضي المنع؛ فإنه يعطى بدلًا عن ذلك حُقَنًا مغذِّية، تقوم مقام الأكل والشرب، ولا يحتاج معها إلى الأكل والشرب ما دم المريض يستعملها، ولو طال زمن الاستعمال.
[ ٨٤ ]
وعلى هذا؛ فإنه لا فرق في النظر الصحيح بين استعمال الحُقن المغذِّية وبين استعمال حُقَن الدواء؛ لأن كلاُّ منهما يسري إلى جميع الجسم، ويختلط باللحم والدم، ومَن فرَّق بينهما فأباح حُقن الدواء ومنع من الحُقن المغذية؛ فلا شكَّ أنه قد فرق بين متماثلين في المعنى، وهو نفوذ كل من الدواء والغذاء إلى جميع أجزاء البدن.
وأيضًا؛ فإن بعض حُقَن الدواء يكون لها بديل من الأقراص التي تقوم مقامها وتفعل مفعولها في الجسم، وهذه الأقراص البديلة للحُقَن لا يجيز المتسرِّعون إلى الإفتاء أن يتناولها المريض في حال الصيام، وهذا من تناقضهم؛ لأن مَن منع الصائم من استعمال أقراص الدواء؛ فإنه يلزمه أن يمنعه من استعمال الحُقَن، إذ لا فرق بين إدخال الدواء إلى البدن من طريق الحُقَن أو من طريق الابتلاع.
وبعض المفتين بجواز استعمال الحُقن في حال الصوم إنما يعتمدون على قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: أنه يجوز للصائم أن يداوي المأمومة والجائفة، وليس لهم ما يتعلَّقون به من كلام شيخ الإسلام؛ لأن مداواة المأمومة والجائفة إنما يكون بمساحيق الدواء التي لا تتعدَّى موضع الجرح، بخلاف مفعول الحقن؛ فإنه يسري إلى جميع أجزاء البدن، ويختلط باللحم والدم، فالفرق بين الدواءين ظاهر لمن كان له عقل سليم ونظر صحيح.
فاتقوا الله أيها المفتون بجواز استعمال الحُقَن للصائم؛ فلقد كنتم سببًا في إفساد صيام كثير من الناس.
ولا تنسوا قول الله تعالى: ﴿لِيَحْمِلوا أَوْزارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ القِيامَة ومِنْ أَوْزارِ الَّذينَ يُضلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾.
[ ٨٥ ]
ولا تنسوا قول النبي ﷺ: «مَن أفتي بفتيا غير ثَبَت؛ فإنما إثمه على مَن أفتاه».
وقد تقدَّم هذا الحديث في أول الكتاب؛ فليراجعه المفتون بجواز استعمال الحُقن للصائم.
وليراجعوا أيضًا ما ذكر بعده من حديث عبيد الله بن أبي جعفر مرسلًا: أن رسول الله ﷺ قال: «أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار».
ولا يأمنوا أن يكون لهم نصيب وافر من آثام الذين يعملون بفتواهم المبنيَّة على مجرَّد الرأي، وليست على علم وثَبَت.
[ ٨٦ ]