فصلٌ
ومن زلات بعض المتثقِّفين بالثقافة الغربية فتياهم بالاعتماد على الحساب في دخول شهر رمضان وخروجه ودخول شهر ذي الحجة، وهذه الفتيا ناشئة عن التكلف ودخول المفتين فيما لا يعنيهم وما لا علم لهم به من الأحكام في الأهلَّة.
وما يدري هؤلاء المتكلِّفون أن فتياهم الباطلة قد تضمَّنت أمورًا سيئة جدًّا وخطيرة عليهم وعلى مَن يعمل بفتواهم:
أولها: محادَّة الله ورسوله ﷺ، وذلك بمخالفة ما جاء في القرآن والسنة من تعليق المواقيت بالأهلَّة، فجاء هؤلاء المفتونون، فجعلوا المواقيت بالحساب لا بالأهلة، فخالفوا حكم الله وحكم رسوله ﷺ.
وقد جاء بيان حكم المواقيت في قول الله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الأهلَّة قُلْ هِيَ مَواقيت للنَّاسِ والحَج﴾.
قال البغوي في الكلام على هذه الآية: «أي: فعلنا ذلك ليعلم الناس أوقات الحج والعمرة والصوم والإفطار وآجال الديون وعِدد النساء وغيرها» انتهى.
وروى ابن جرير عن ابن عباس ﵄؛ قال: «سأل الناس رسول الله عن الأهلة، فنزلت هذه الآية: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الأهلَّة قُلْ هِيَ مَواقيتُ للنَّاسِ﴾؛ يعلمون بها حلّ دَيْنِهم وعدة نسائهم ووقت حجهم».
وروى ابن جرير أيضًا عن قتادة؛ قال: «سألوا نبي الله ﷺ: لِمَ جُعِلتْ هذه الأهلَّة؟ فأنزل الله فيها ما تسمعون: ﴿هِيَ مَواقيتُ للنَّاسِ﴾، فجعلها لصوم المسلمين ولإفطارهم ولمناسكهم وحجهم ولعدة نسائهم
[ ٧٦ ]
ومحِل دَيْنهم في أشياء، والله أعلم بما يصلح خلقه».
وروى أيضا عن الربيع نحو قول قتادة.
وروى أيضا عن ابن جريج والسُّدِّي والضحَّاك نحو ذلك مختصرًا.
وروى أيضًا عن علي ﵁: أنه سُئل عن قوله: ﴿مَواقيتُ للنَّاسِ﴾؟ قال: «هي مواقيت: الشهر هكذا وهكذا وهكذا «وقبض إبهامه»، فإذا رأيتموه؛ فصوموا، وإذا رأيتموه؛ فأفطروا، فإن غُمَّ عليكم؛ فأتموا ثلاثين».
وروى عبد الرزاق عن عبد العزيز بن أبي روَّاد عن نافع عن ابن عمر ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله جعلَ الأهلَّة مواقيت للناس، فصوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غُمَّ عليكم؛ فعدوا له ثلاثين يومًا». إسناده حسن.
وقد رواه: ابن خزيمة في «صحيحه»، والحاكم في «المستدرك»، والبيهقي في «السنن الكبرى»؛ كلهم من طريق عبد العزيز بن أبي روَّاد عن نافع عن ابن عمر ﵄.
وقال الحاكم: «صحيح على شرطهما».
وقال الذهبي في «تلخيصه»: «صحيح».
وروى: الإمام أحمد، والطبراني في «الكبير»، والدارقطني؛ عن طلق بن علي ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله ﷿ جعل هذه الأهلَّة مواقيت للناس، فإذا رأيتموه؛ فصوموا، وإذا رأيتموه؛ فأفطروا، فإن غُمَّ عليكم؛ فأتموا العدة ثلاثين».
[ ٧٧ ]
وفي الآية التي تقدَّم ذكرها، وما جاء في حديثي ابن عمر وطلق بن علي ﵃ عن النبي ﷺ في بيان معناها، وما جاء عن علي وابن عباس ﵃ وغيرهما من المفسرين في ذلك؛ فيه أبلغ ردّ على من أفتى بالعمل بالحساب في دخول الأشهر وخروجها، ولم يبال بما يترتَّب على ذلك من مخالفة قول الله تعالى وقول رسوله ﷺ.
وقد تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ في الأمر بالصوم لرؤية الهلال والإفطار لرؤيته وإتمام العدة ثلاثين يومًا إذا لم يُرَ الهلال.
وقد ذكرتُ في كتابي المسمى «قواطع الأدلَّة في الرد على مَن عوَّل على الحساب في الأهلَّة» سبعة عشر حديثًا في ذلك؛ فلتراجع؛ فإن فيها أبلغ ردّ على مَن أفتى بالعمل بالحساب، ولم يبال باطِّراح قول الله تعالى وأقوال رسوله ﷺ.
الأمر الثاني: من الأمور السيئة الخطيرة: الرغبة عن هدي رسول الله ﷺ وسنته في إثبات الأهلَّة بالرؤية والاعتياض عن ذلك بهدي الأمم الذين يضبطون مواقيت الأهلَّة بالحساب الفلكي، ومَن رغب عن هدي النبي ﷺ في إثبات الأهلة بالرؤية، وأخذ بهدي غيره؛ فقد خاب وخسر.
والدليل على هذا قول النبي ﷺ: «مَن رغب عن سنَّتي؛ فليس مني».
رواه: الإمام أحمد، والبخاري، ومسلم، والنسائي؛ من حديث أنس بن مالك ﵁.
وروى الإمام أحمد أيضا مثله من حديث عبد الله بن عمرو ورجل من الأنصار ﵃.
[ ٧٨ ]
الأمر الثالث: إثبات ما نفاه رسول الله ﷺ عن أمته من العمل بالكتاب والحساب في إثبات الأهلَّة، حيث قال ﷺ: «إنَّا أمَّة أميَّة، لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا «وعقد الإبهام في الثالثة»، والشهر هكذا وهكذا وهكذا»؛ يعني: تمام ثلاثين.
رواه الإمام أحمد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي؛ من حديث عبد الله بن عمر ﵄.
وإثبات ما نفاه رسول الله ﷺ عن أمته ظاهر في معارضته وردّ قوله، وما أسوأ ذلك وأعظمه! وقد ورد الوعيد الشديد عليه في آيات كثيرة من القرآن، وفي بعضها النص على أنه من الضلال وعدم الإيمان.
قال الله تعالى: ﴿ومَا كَانَ لِمُؤمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللهُ ورسَولُهُ أَمْرًا أَن يَكونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمرِهِمْ ومَنْ يعَصِ اللهَ ورَسولهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبينًا﴾.
وقال تعالى: ﴿وما آتاكُمُ الرَّسولُ فَخُذوهُ ومَا نَهاكُمْ عَنْهُ فانْتَهوا واتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَديدُ العِقابِ﴾.
وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذينَ يُخالِفونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصيبَهمْ فِتْنةُ أَوْ يُصيبَهُمْ عَذاب أَليمَ﴾.
قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى في الكلام على هذه الآية: «أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا ردَّ بعض قوله أن يقم في قلبه شيء من الزيغ، فيهلك»، ثم جعل يتلو هذه الآية: ﴿فلا وَرَبّكَ لا يُؤِمنونَ حَتَّى يُحَكُموكَ فيما شَجَر بَيْنهُمْ ثُمَّ لا يَجدوا في أَنْفُسهمْ حَرجًَا مِمَّا قَضَيْتَ ويُسَلِّموا تَسْليمًا﴾.
[ ٧٩ ]
وقد قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: «إن الأخذ بالحساب أو الكتاب قد صرَّح رسول الله ﷺ بنفيه عن أمته، والنهي عنه».
قال: «وما زال العلماء يعدُّون مَن خرج إلى ذلك قد أدخل في الإسلام ما ليس فيه، فيقابلون هذه الأقوال بالإنكار الذي يقابَل به أهل البدع» انتهى، وهو مذكور في صفحة ١٧٩ من المجلد الخامس والعشرين من «مجموع الفتاوى».
وقال أيضا في صفحة ١٨٢ من المجلد المذكور: «إن الأخذ بالحساب من زلات العلماء».
وقال أيضا في صفحة ٢٠٧ من المجلد المذكور: «لا ريب أنه ثبت بالسنة الصحيحة واتفاق الصحابة أنه لا يجوز الاعتماد على حساب النجوم، كما ثبت في «الصحيحين» أنه قال: «إنا أمَّة أميَّة، لا نكتب ولا نحسب، صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته»، والمعتمد على الحساب في الهلال كما أنه ضال في الشريعة مبتدع في الدين، فهو مخطئ في العقل وعلم الحساب؛ فإن العلماء بالهيئة يعرفون أن الرؤية لا تنضبط بأمر حسابي» انتهى.
الأمر الرابع: اتباع غير سبيل المؤمنين من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى زماننا؛ فإنهم كانوا يعتمدون على رؤية الهلال في دخول الأشهر وخروجها، وعلى إتمام العدة ثلاثين يومًا إذا لم ير الهلال، وما كانوا يعملون في ذلك بالحساب، ولو كان في العمل به خير؛ لكان الصحابة أسبق إليه من غيرهم.
[ ٨٠ ]
وقد توعَّد الله تعالى مَن اتَّبع غير سبيل المؤمنين بأشد الوعيد، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبيَّنَ لَهْ الهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبيلِ المُؤْمِنينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ وساءَتْ مَصيرًا﴾.
الأمر الخامس: التهجُّم على الفتيا بغير علم، وفي التسرع إلى الفتيا بغير علم دليل على مزيد الحماقة وقلة العقل والدين عند المتسرعين.
وقد ثبت عن النبي ﷺ: أنه قال: «من أفتي بفتيا غير ثَبَت؛ فإنما إثمه على مَن أفتاه».
وقد تقدَّم هذا الحديث في أول الكتاب؛ فليراجع.
وتقدَّم فيه أيضا حديث عبيد الله بن أبي جعفر مرسلا: أن رسول الله ﷺ قال: «أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار».
رواه الدارمي.
الأمر السادس: الابتداع في الدين والشرع فيه بما لم يأذن به الله، وهذا من الظلم كما سيأتي بيان ذلك في الآية.
وقد توعد الله على ذلك بأشد الوعيد، فقال تعالى:
﴿أمْ لَهُم شُركاءُ شَرَعوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأذَنْ بِهِ الله ولوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وإِنَّ الظَّالمِينَ لَهمْ عَذابٌ أَليم﴾.
الأمر السابع: الدعاء إلى الضلالة، وهي ما ابتدعه المفتون بالاعتماد على الحساب في الأهلَّة.
وقد ثبت عن النبي ﷺ: أنه قال: «إياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة».
[ ٨١ ]
رواه: الإمام أحمد، وأهل «السنن»؛ من حديث العرباض بن سارية ﵁.
وصححه: الترمذي، وابن حبان، والحاكم، وابن عبد البر، والذهبي.
وقد أخبر الله تعالى عن الداعين إلى الضلالة أنهم يحملون أوزارهم وأوزار الذين يَضِلُّون بسببهم:
فقال تعالى: ﴿لِيَحْمِلوا أَوْزارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ القِيامَة ومِنْ أَوْزارِ الَّذينَ يُضلُّونَهُمْ بِغَيْرَ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾.
وروى: الإمام أحمد، ومسلم، وأهل «السنن»؛ عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «مَن دعا إلى هدى؛ كان له من الأجر مثل أجور مَن تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومَن دعا إلى ضلالة؛ كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا».
قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح».
وقد كتبت كتابين لطيفين في الرد على مَن أفتى بالاعتماد على الحساب في الأهلَّة، وسميت الأول منهما: «قواطع الأدلَّة في الردِّ على مَن عوَّل على الحساب في الأهلَّة»، وأما الثاني؛ فقد سميته: «تحذير الأمة الإسلامية من المحدثات التي دعت إليها ندوة الأهلَّة الكويتية»؛ فليراجع كلّ من الكتابين؛ ففيهما كفاية لطالب الحق إن شاء الله تعالى.
وقد قال الله تعالى: ﴿فَمَنِ اهْتَدى فإِنَّما يَهْتَدي لنَفْسِهِ ومَنْ ضَلَّ فإِنَّما يَضلُّ عَلَيْها﴾.
[ ٨٢ ]
وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيّنَ لَهُ سوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فإِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ ويَهْدي مَنْ يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرات إِنَّ اللهَ عَليمٌ بِما يَصْنَعون﴾.
[ ٨٣ ]