فصلٌ
وقد كان السلف الصالح يعظَّمون الأحاديث الصحيحة غاية التعظيم، ويبالغون في الإنكار على الذين يتهاونون بها، وعلى الذين يعارضونها بأقوال الناس وآرائهم، وربما هجروا بعضهم إلى الممات.
وقد روى مسلم في «صحيحه» عن سالم بن عبد الله بن عمر أن عبد الله بن عمر ﵄؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تمنعوا نساءكم المساجد إذا استأذنَّكم إليها»، قال: فقال بلال بن عبد الله: والله لنمنعهنَّ، قال: فأقبل عليه عبد الله، فسبَّه سبًّا سيئًا ما سمعتُه سبَّه مثله قط، وقال: أخبرك عن رسول الله ﷺ وتقول: والله لنمنعهنَّ؟!.
وفي رواية له عن مجاهد: «أنَّه ضرب في صدره».
وقد روى البخاري المرفوع منه فقط.
ورواه: الإمام أحمد؛ وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والدارمي، وغيرهم؛ بنحو رواية مسلم.
وروى أبو داود الطيالسي رواية مجاهد، وقال: «فرفع يده، فلطمه، فقال: أحدثك عن رسول الله ﷺ وتقول هذا؟!».
وفي رواية لأحمد: «فما كلَّمه عبد الله حتى مات».
قال النووي: «فيه تعزير المعترض على السنة، والمعارض لها برأيه، وفيه تعزير الوالد ولده، وإن كان كبيرًا» انتهى.
وفيه أيضًا جواز التأديب بالهجران، قاله الحافظ ابن حجر.
[ ٩٨ ]
وفي «مستدرك الحاكم» عن عمرو بن مسلم؛ قال: «خذف (١) رجل عند ابن عمر ﵄، فقال: لا تخذف؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن الخذف، ثم رآه ابن عمر ﵄ بعد ذلك يخذف، فقال: أنبأتك أن رسول الله ﷺ ينهى عن الخذف ثم خذفت، والله؛ لا أكلمك أبدًا».
وفي «الصحيحين» عن عبد الله بن بريدة؛ قال: «رأى عبد الله بن المغفل ﵁ رجلًا من أصحابه يخذف، فقال له: لا تخذف؛ فإن رسول الله ﷺ كان يكره «أو قال: ينهى عن» الخذف؛ فإنه لا يصاد به الصيد، ولا ينكأ به العدو، ولكنه يكسر السن، ويفقأ العين، ثم رآه بعد ذلك يخذف، فقال له: أخبرك أن رسول الله ﷺ كان يكره أو ينهى عن الخذف ثم أراك تخذف؟! لا أكلمك كلمة كذا وكذا».
هذا لفظ مسلم، وقد رواه الدارمي في «سننه» بنحوه، وقال فيه: «والله؛ لا أكلمك أبدًا».
وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
ورواه: الإمام أحمد، وأبو داود؛ مختصرًا.
ورواه: مسلم أيضا، وابن ماجه؛ من حديث سعيد بن جبير: أن قريبًا لعبد الله بن مغفل ﵁ خذف، قال: فنهاه وقال: إن رسول الله ﷺ نهى عن الخذف وقال: «إنها لا تصيد صيدًا، ولا تنكأ عدوًّا، ولكنها تكسر السن، وتفقأ العين»، قال: فعاد! فقال: أحدثك أن رسول الله
_________________
(١) الخذف: الرمي بالحصا الصغار بأطراف الأصابع، وقال ابن الأثير: (هو رميك حصاة أو نواة تأخذها بين سبابتيك وترمي بها).
[ ٩٩ ]
ﷺ نهى ثم تخذف؟! لا أكلمك أبدًا.
هذا لفظ مسلم.
وفي رواية ابن ماجه: أن عبد الله بن مغفل ﵁ كان جالسًا إلى جنب ابن أخ له، فخذف، فنهاه، وذكر تمام الحديث بنحو رواية مسلم، وفيه: «قال: لا أكلمك أبدًا».
وروى الدارمي عن خراش بن جبير؛ قال: «رأيت في المسجد فتى يخذف، فقال له شيخ: لا تخذف! فإني سمعتُ رسول الله ﷺ ينهى عن الخذف، فغفل الفتى، فظن أن الشيخ لا يفطن، فخذف، فقال له الشيخ: أحدثك أني سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن الخذف، ثم تخذف؟! والله؛ لا أشهد لك جنازة، ولا أعودك في مرض، ولا أكلمك أبدًا».
وروى الدارمي أيضا عن أيوب عن سعيد بن جبير عن عبد الله بن مغفل ﵁؛ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن الخذف، وقال: إنها لا تصطاد صيدًا، ولا تنكأ عدوًّا، ولكنها تكسر السن، وتفقأ العين»، فرفع رجل بينه وبين سعيد قرابة شيئًا من الأرض، فقال: هذه؟! وما تكون هذه؟! فقال سعيد: ألا أراني أحدثك عن رسول الله ﷺ ثم تهاون به، لا أكلمك أبدًا.
إسناده صحيح على شرط الشيخين.
وروى الدارمي أيضا عن قتادة قال: حدث ابن سيرين رجلًا بحديث عن النبي ﷺ، فقال رجل: قال فلان كذا وكذا، فقال ابن سيرين: أحدثك عن النبي ﷺ وتقول: قال فلان كذا وكذا؟! لا أكلمك أبدًا.
إسناده جيِّد، رجاله كلهم ثقات.
[ ١٠٠ ]