فصلٌ
وقد كان السلف الصالح من الصحابة والتابعين يهابون الفتيا، ويتدافعونها بينهم، ويذمُّون من يسارع إليها، وقد جاء عنهم في ذلك آثار كثيرة؛ منها:
ما رواه: الإمام أحمد، والبخاري، ومسلم، والترمذي، والدارمي؛ عن ابن مسعود ﵁: أنه قال: «أيها الناس! من سُئل عن علم يعلمه؛ فليقل به، ومن لم يكن عنده علم؛ فليقل: الله أعلم؛ فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم؛ إن الله ﵎ قال لنبيه: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾.
وفي رواية لمسلم: أن عبد الله بن مسعود ﵁ قال «من فقه الرجل أن يقول لما لا علم به: الله أعلم».
ورواه الإمام أحمد بنحوه.
وروى الدارمي أيضا عن أبي موسى ﵁: أنه قال في خطبته: «من علم علمًا؛ فليعلِّمه الناس، وإياه أن يقول ما لا علم له به فيمرق من الدين، ويكون من المتكلفين».
[ ٧ ]
وروى الدارمي أيضا عن ابن عباس ﵄: أنه قال: «من أحدث رأيًا ليس في كتاب الله ولم تمض به سنة من رسول الله ﷺ؛ لم يدر على ما هو منه إذا لقي الله ﷿».
وروى الدارمي أيضا وابن عبد البر عن ابن عباس ﵄: أنه قال: «من أفتى بفتيا وهو يعمى عنها؛ كان إثمها عليه».
وروى الدارمي وابن عبد البر أيضًا عن ابن مسعود ﵁: أنه قال: «إن الذي يفتي الناس في كل ما يستفتونه لمجنون».
زاد ابن عبد البر: «قال الأعمش: فذكرت ذلك للحكم بن عتيبة، فقال: لو سمعت هذا منك قبل اليوم ما كنت أفتي في كل ما أفتي».
وروى ابن عبد البر أيضًا عن ابن عباس ﵄: أنه قال: «إن من أفتى الناس في كل ما يسألونه لمجنون».
وروى ابن عبد البر أيضًا عن نُعيم بن حماد؛ قال: سمعت ابن عيينة يقول: «أجسر الناس على الفتيا أقلُّهم علمًا».
وروى أيضًا عن سحنون بن سعيد: أنه قال: «أجسر الناس على الفتيا أقلهم علمًا، يكون عند الرجل الباب الواحد من العلم، فيظنُّ أن الحق كله فيه».
وروى الدارمي وابن عبد البر عن محمد بن سيرين؛ قال: قال حذيفة ﵁: «إنما يفتي الناس أحد ثلاثة: رجل يعلم باسخ القرآن ومنسوخه، وأمير لا يجد بدًّا، وأحمق متكلُّف».
قال ابن سيرين: «فأنا لست بأحد هذين، وأرجو أن لا أكون أحمق
[ ٨ ]
متكلَّفًا».
وروى الدارمي عن محمد - وهو ابن سيرين -؛ قال: «قال عمر لابن مسعود: ألم أنبأ - أو أنبئت - أنك تفتي ولست بأمير؟! وَلَّ حارَّها من تولى قارَّها».
ورواه ابن عبد البر في كتابه «جامعه بيان العلم وفضله» عن ابن سيرين، قال: «قال عمر لأبي مسعود وعقبة بن عمرو: ألم أنبأ أنك تفتي الناس؟! وَلَّ حارَّها من تولَّى قارَّها».
قلت: ما جاء في رواية ابن عبد البر أنَّ عمر ﵁ نهى أبا مسعود عقبة بن عمرو عن الفتيا؛ هو الصحيح، وأما ما جاء في رواية الدارمي أن عمر ﵁ نهى ابن مسعود عن الفتيا؛ فهو غلط وتصحيف؛ لأنه قد ثبت عن عمر ﵁ أنه كتب إلى أهل الكوفة:
«إني قد بعثتُ إليكم عمارًا أميرًا، وابن مسعود معلَّمًا ووزيرًا، وهما من النجباء من أصحاب محمد ﷺ من أهل بدر؛ فاسمعوا لهما، وتعلَّموا منهما، واقتدوا بهما، وقد آثرتُكم بعبد الله على نفسي».
رواه: ابن سعد، والطبراني، والحاكم، وقال: «صحيح على شرط الشيخين»، ووافقه الذهبي في «تلخيصه».
وقوله: «وَلَّ حارَّها مَن تَوَلَّى قارَّها»: هو مثل أمثال من العرب، ذكره أبو عُبيد القاسم بن سلاَّم في «كتاب الأمثال»، وذكره غيره ممَّن صنَّف في الأمثال.
قال ابن الأثير في «النهاية في غريب الحديث والأثر»: «وفي حديث عمر: قال لأبي مسعود البدري: «بلغني أنَّكّ تفتي، ولَّ حارَّها مَن تولَّى
[ ٩ ]
قارَّها»: جعل الحرَّ كناية عن الشرَّ والشدَّة، والبرد كناية عن الخير والهيِّن؛ أراد: ولَّ شرَّها من تولى خيرها، وولَّ شديدها من تولَّى هيِّنها» وانتهى.
وفي «لسان العرب» نحو ذلك.
وروى ابن عبد البر عن عبد الرحمن بن أبي ليلى؛ قال: أدركت عشرين ومئة من أصحاب رسول الله ﷺ - أراه قال: في المسجد -، فما كان منهم محدِّث إلا ودَّ أنَّ أخاه قد كفاه الحديث، ولا مفتٍ إلا ودَّ أنَّ أخاه كفاه الفتيا».
ورواه الدارمي، ولفظه: «لقد أدركت في هذا المسجد عشرين ومئة من الأنصار، وما منهم من أحد يحدِّث بحديث؛ إلًاّ ودَّ أنَّ أخاه كفاه الحديث، ولا يُسأل عن فتيا؛ إلا ودَّ أنَّ أخاه كفاه الفتيا».
وروى الدارمي أيضًا عن داود - وهو ابن أبي هند -؛ قال: «سألت الشعبي: كيف كنتم تصنعون إذا سُئلتم؟ قال: على الخبير وقعت؛ كان إذا سُئل الرجل؛ قال لصاحبه: أفتهم، فلا يزال حتى يرجع إلى الأول».
وروى ابن عبد البر من طريق ابن وهب؛ قال: أخبرني محمد بن سليمان المرادي عن شيخ من أهل المدينة يُكنى أبا إسحاق؛ قال: «كنت أرى الرجل في ذلك الزمان، وإنه ليدخل يسأل عن الشيء، فيدفعه الناس من مجلس إلى مجلس، حتى يدفع إلى مجلس سعيد بن المسيب؛ كراهية الفتيا، وكانوا يدعون سعيد بن المسيب: الجريء».
وروى ابن عبد البر أيضا عن أبي المنهال؛ قال: «سألت زيد بن أرقم والبراء بن عازب عن الصرف؟ فجعل كلما سألت أحدهما؛ قال: سل الآخر؛ فإنه خير مني وأعلم مني».
[ ١٠ ]
وقال أبو حصين عثمان بن عاصم: «إن أحدهم ليفتي في المسألة، ولو وردت على عمر؛ لجمع لها أهل بدر».
ذكره ابن مفلح في «الآداب الشرعية».
وإذا كان هذا في زمان التابعين؛ فكيف بأهل زماننا؛ فإن كثيرًا منهم لا يتورَّعون عن الفتيا بغير علم؛ بل إن بعضهم لا يبالي بمخالفة الكتاب والسنة في فتاويه؛ كما سيأتي بيان ذلك في ذكر بعض فتاويهم وأقوالهم الباطلة إن شاء الله تعالى.
[ ١١ ]