غيرَ واقعٍ، وسواءٌ كان جائزًا أو ممتنعًا فليس بصحيح، لأنه ما من دليل على الحكم إلّا ويمكن أن يُفرَضَ معه وجودُ ما ينفيه، ثم يقال: هذا الدليل دالٌّ على كلّ تقدير، وهذا من جملة التقديرات، وذلك التقدير يمنع وجودَ الحكم، فيلزم الجمعُ بين النقيضين وتعارضُ الأدلة اليقينية، وذلك محالٌ. وإنما لزِم هذا حين فرضنا ثبوتَ الحكم على كل تقديرٍ عُلِمَ أنه واقعٌ أو لم يُعلم أنه واقع، فيكون هذا الفرض مُفضِيًا إلى محالٍ، فيكون محالًا.
وأمثلةُ هذا الكلام المزيّف الذي لا يقوله عاقل كثيرة حتى يتمكن مِن تقوِّلِه مَن استباحَ القضايا المتناقضة من التراكيب الفاسدةِ، مثل أن يقول: الصلاة والزكاة والصيام والحج واجبةٌ بالأدلة الموجبة، وهي مُوجبةٌ لها على كلّ تقدير، ومن التقديرات: عدمُ بعثة رسولٍ وعدمُ نزول (^١) القرآن، فيجب ثبوتُها على تقدير عدم الرسول.
أو يقول: لا يجب شيءٌ من العبادات، للأدلة الدالة على براءةِ الذمَّة وخُلوّها من الوجوب، وهذا الدليل ثابت على كل تقدير، فيجب العمل به.
أو يقول: لا يجب القصاصُ على الجاني ولا الحدُّ على المجرم، لأنّ القَودَ والحدَّ ضررٌ، فيكون منتفيًا بالأدلة النافية للضرر، فإنها ثابتة على كل تقدير.
وهذا أهونُ مما قبله، لأن تقدير القتل العمد والإجرام ليس مقتضيًا بنفسه لثبوتِ العقوبة، بخلاف اقتضاءِ الوجوبِ وجودَ الرسول، وكون النافي للوجوب مشروطًا بعدم الموجب.
_________________
(١) في الأصل: "ترك".
[ ٣٧ ]
ومثل هذا أن يقال: السماوات والأرض لا تَفسُد أبدًا، لأن المقتضِيَ لصلاحها موجودٌ، وذلك ثابتٌ على كل تقدير، حتى على تقدير وجود آلهةٍ أخرى.
وكذلك كلُّ محالٍ فُرِضَ واستُدِلَّ بفرضه على استحالةٍ لازمة، فإن امتناع الملزوم يُوجِب امتناعَ اللازم، يَرِدُ عليه هذا السؤال الفاسد (^١)، فيقال: لا يستحيل اللازم على تقدير وجود الملزوم، لأن المقتضيَ لصحة اللازم وجوازه قائم، وذلك [ق ١٨] مقتضٍ له على كل تقدير، وفرضُ وجودِ الملزوم أحد التقديرات.
وهذا كلام لا يخفى على أحدٍ بطلانُه، ووجهُ التغليط فيه أنه جعلَ الأدلة الموجبةَ أو النافية دالةً على [كلّ] تقدير، فيقال له: لا نُسلِّم دلالتَها على كل تقدير، لكن على كل تقديرٍ واقع، أو على كل تقدير لا ينفي الدليلَ الدالَّ، أو لا ينفي مدلولَه أو الشيء الثابتَ. أو يُقال: المنتفي ثابتٌ أو منتفي (^٢) على كل تقديرٍ لا يُنافي ثبوته أو انتفاءَه، أو على كلّ تقديرٍ جائزٍ في نفس الأمر، على ما سيأتي تحريرُ المغالِط هنا في استصحاب الواقع.
ثم نقول: أثبِتْ أن هذا التقدير واقعٌ أو جائزٌ في نفس الأمر، أو أنه غير مُنافِي (^٣) للمستصحب، ولا يَقدِرُ أن يُثبِتَ دلالةَ الأدلةِ على كل تقديرٍ، ولا على هذه التقديرات النافعة.
_________________
(١) الكلمة غير واضحة في الأصل.
(٢) كذا في الأصل بالياء، وهو جائز فصيح.
(٣) كذا الأصل.
[ ٣٨ ]
فهذا موضع المنع الذي ينقطع فيه المغالطُ، بل يقدِر المستدلُّ أن يُثبِت أن الأدلةَ إنما تدلُّ على بعض التقديرات دون بعضٍ [من] وجوه لا تُعدُّ ولا تُحصَى، من نحو ما ذكرناه. وإذا كانت إنما تدلُّ على بعض التقادير فلِمَ قلتَ: إن تقديرَ وجود الملزوم من التقادير التي يدلُّ الدليل النافي للازم معها، ولا تقدر على ذلك إلّا بأن تُثبِت أن الأدلةَ تدلُّ مع جملة الأمور الواقعة في الواقع، وإذا استدلَّ على وقوع الملزوم كما هو مذهبه كان غصبًا لمنصب الاستدلال، وهو غير مقبول كما تقدم، بل هو أردأ منه، لأنه في مقام المعارضة، لا في مقام الممانعة، ولم يكن إتمام معارضته إلّا بإبطال مذهب المستدلّ، فكأنه قال: إن صحَّ مذهبك فَسَدتْ معارضتي، وإن فَسَدَ مذهبُك صَحَّتْ معارضتي، فأنا أُبطِلُ مذهبَك لتصحيح معارضتي.
فيقول له المستدلّ: لو أفسدتَ مذهبي لكنتَ غنيًّا عن المعارضة، وإذا كانت المعارضة لا تتمُّ إلّا بإبطالِ مذهبي، وإبطالُ مذهبي لا يتم إلّا بدليل، وذلك الدليل معارضة مستقلة بنفسها، كان ذِكْرُ المعارضةِ كلامًا ضائعًا، لأنّ ما لا يدلُّ على الحكم إلّا بمقدمةٍ تدلُّ على الحكم بنفسها لا يكون دليلًا على الحكم، فتكون قد عارضتَ بغير دليل ولا شبهة، وهذا من أقبح المعارضات.
ثم إنك جعلتَ الدليل على صحةِ المعارضةِ بطلانَ قولي، وجعلت المعارضة دليلًا على بطلانِ قولي، فجعلتَ كلَّ واحدٍ منهما دليلًا على الآخر، والعلم بالمدلول يتوقف على العلم بالدليل، فيكون العلم بكلٍّ منهما موقوفًا على العلم [ق ١٩] بالآخر، فلا يَحصُل العلمُ بواحدٍ منهما.
ثمَّ إنك جعلتَ مطلوبَك
_________________
(١) وهو إبطال مذهبي مقدمةً في الدلالة على
[ ٣٩ ]
بطلانِه، وجَعْلُ المطلوب مقدمةً في الدليل هو المصادرةُ على المطلوب، وهو من أفسد أنواع الشَّغَبِ والجدل الباطل، لأنّ المصادرات هي المبادئ التي تَصْدُر في العلوم، فتكون إمّا بديهيَّةً أو مسلَّمةً أو مدلولًا عليها في علمٍ آخر، فإذا جعلتَ المطلوبَ مصدرًا في إثبات نفسِه كُنتَ قد جعلتَ الدليلَ نفسَ المدلول، والمعلومَ نفسَ المجهول، والموجِبَ نفسَ المُوجَبِ، وفي هذا ما فيه.
أو بأن يُثبِتَ أن تقدير الملزوم لا يُنافي قيام المانع للوجوب على الفقير، وهذا إذا بيَّنَه بطريقه كان كلامًا صحيحًا في الجملة، وهو مقبول.
وإن قال: تقدير الملزوم جائزٌ لوقوع الخلاف فيه، والدليلُ دالٌّ على كلّ تقدير جائزٍ.
قيل: لا نُسلِّم أن الدليل يدلُّ على كل تقديرٍ جائزٍ، بل على كلِّ تقديرٍ لا يُنافيه، ولو سلَّمنا أنه يدلُّ على تقدير جائز، لكن لا نُسلِّم أنه جائز، لأن الجواز لفظٌ مشتركٌ، وهذا عندنا غيرُ جائزٍ بأحد المعاني. وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق الكلام في هذا في الاستصحاب (^١).
وهذا الذي ذكرناه قد تضمنَ بيانَ قولِ المستدلّ: "لا نُسلِّم أن المانعَ يتحقق على ما ذكرنا من التقدير"، وهو منعٌ صحيح، وله أن يُوَجِّهه، ولا اعتراض عليه إلا أن يُبيِّنَ أن نفس تلك الأدلة توجب الزكاة على ذلك التقدير، وهذا لا سبيلَ إليه إلا ببيان تصريحها بذلك التقدير، لعدم المنافاة بين عدم الوجوب على الفقير وبين الوجوب على المدين، وهذا إذا فعله
_________________
(١) انظر ما سيأتي (ص ٥٧٨).
[ ٤٠ ]